تاريخ المسلمين بعد رسالةخاتم النبيين
الصفحة الرئيسية الراشدون, الأمويون,العباسيون, المماليك,العثمانيون, الأندلس ,المغرب , مالي , الهند , القفجاق , فلسطين ,العراق
العثمانيون
معركة نيقوبوليس,محمد الفاتح وملحمة القسطنطينية الخالدة ,أيها المؤرخون: لا تظلموا العثمانيين المسلمين, الإنحلال و نهاية الدولة العثمانية, خلع السلطان عبد الحميد .. السقوط الحقيقي
خلفاء العثمانيين في القسطنطينية (إستانبول)
: 923-1342هـ
كان سلطاناً للدولة منذ 918 هـ 923-926 سليم الأول بن بايزيد
926-974 سليمان القانوني بن سليم
974-982 سليم الثاني بن سليمان
982-1003 مراد الثالث بن سليم الثاني
1003-1012 محمد الثالث بن مراد الثالث
1012-1026 أحمد الأول بن محمد الثالث
للمرة الأولى 1026-1027 مصطفى الأول بن محمد الثالث
1027-1031 عثمان الثاني بن أحمد الأول
للمرة الثانية 1031-1032 مصطفى الأول بن محمد الثالث
1032-1049 مراد الرابع بن أحمد الأول
1049-1058 إبراهيم الأول بن أحمد الأول
1058-1099 محمد الرابع بن إبراهيم الأول
1099-1102 سليمان الثاني بن إبراهيم الأول
1102-1106 أحمد الثاني بن إبراهيم الأول
1106-1115 مصطفى الثاني بن محمد الرابع
1115-1143 أحمد الثالث بن محمد الرابع
1143-1168 محمود الأول بن مصطفى الثاني
1168-1171 عثمان الثالث بن مصطفى الثاني
1171-1187 مصطفى الثالث بن أحمد الثالث
1187-1203 عبد الحميد الأول بن أحمد الثالث
1203-1222 سليم الثالث بن مصطفى الثالث
1222-1223 مصطفى الرابع بن عبد الحميد الأول
1223-1255 محمود الثاني بن عبد الحميد الأول
1255-1277 عبد المجيد بن محمود الثاني
1277-1293 عبد العزيز بن محمود الثاني
1293-1293 مراد الخامس بن عبد المجيد
1293-1328 عبد الحميد الثاني بن عبد المجيد
1328-1337 محمد الخامس رشاد بن عبد المجيد
1337-1340 محمد السادس وحيد الدين بن عبد المجيد
1340-1342 عبد المجيد الثاني بن عبد العزيز
***************************************************************************************************************************
محمد الفاتح
وملحمة القسطنطينية الخالدة
بقلم: خليل حسن فخر الدين
----------------------------------------------------------------
مولده وحكمه وشخصيته [1]
ولد محمد الثاني بن مراد الثاني بن محمد الأول في 26 رجب سنة 833 هـ (20
نيسان/أبريل 1429م)، وتولى الحكم في سنة 1451م وهو شاب لم يتجاوز عمره اثنتين
وعشرين سنة وحكم لمدة ثلاثين سنة (1451-1481م). واشتهر في التاريخ بلقب محمد الفاتح
لفتحه القسطنطينية، وهو من بين الفاتحين في التاريخ العالمي في هذه السن المبكرة،
ومن بناة الحضارة الراقية والمجد الرفيع.
ورث محمد الفاتح دولة قوية واسعة، ولكنها لم ترض نفسه الطموح بأن يكتفي بأمجاد
أسلافه، ويعيش في رفاهية ونعيم بل صمم على أن يزيد أمجاداً جديدة إلى أمجادهم
الإسلامية بفتوحه في أوروبا وآسيا الصغرى، ويتوج تلك الأمجاد وأمجاد الإسلام عامة
بتحقيق حلم راود المسلمين مدة ثمانمائة عام[2]، وهو فتح القسطنطينية، عاصمة الدولة
الرومانية الشرقية، العدوّة القديمة للإسلام والمسلمين منذ عهدهم الأول. وكان هذا
الفتح أقسى ضربة سددها الإسلام في وجه أوروبا النصرانية في تاريخها الطويل على يد
هذا الفاتح، ومن ثم نرى معظم المؤرخين الغربيين ينالون من محمد الفاتح وينعتونه
بأبشع الصفات، ولم يشذ عنهم حتى المستشرق الإنجليزي المعتدل (لين بول Lane Poole)،
وهو محض افتراء وبهتان، لم يدفعهم إليه إلا الحنق والغيظ لمحو اسم الدولة البيزنطية
وريثة الإمبراطورية الرومانية من خريطة التاريخ إلى الأبد.
كان السلطان محمد الفاتح عبقرية فذة من عبقريات الإسلام، فلم يكن مجرد فاتح
مغوار وقائد عسكري مظفّر، بل كان يجمع بين صفات القيادة العسكرية الموفقة وبين
الثقافة العلمية الرفيعة [3]، يقود الجيوش، ويفتح المدن والدول، ويتذوق العلوم
والآداب والفنون بمختلف أنواعها ويقدرها ويرعاها وينشئ ويعمر. ولقد أشاد بذكره
المؤرخون المسلمون المعاصرون له كابن تغري بردين وابن إياس، والسخاوي، والسيوطي،
وابن العمادالحنبلي، فيما كتبوه من ترجمته في مؤلفاتهم التاريخية العامة، وأثنوا
عليه ثناء عاطراً، ونوهوا بفتوحه وعلمه. فمن ذلك ما قاله المؤرخ ابن إياس عندما
بلغه نبأ وفاته: »وفي ربيع الأول جاءت الأخبار بوفاة السلطان المجاهد الغازي صاحب
القسطنطينية وهو محمد بن مراد بن محمد.. وانتشر ذكره بالعدل في سائر الآفاق، وحاز
الفضل والعلم والعدل والكرم الزائد وسعة المال وكثرة الجيوش والاستيلاء على
الأقاليم الكفرية وفتح الكثير من حصونها وقلاعها..«.[4]
فتح القسطنطينية
قبل التعرض لفتح القسطنطينية أراد السلطان محمد الثاني أن يحصن مضيق البوسفور
حتى لا يأتي لها مدد من مملكة طرابزون [5] وذلك بأن يقيم قلعة على شاطئ المضيق من
جهة أوروبا تكون مقابلة للحصن الذي أنشأه السلطان بايزيد ببرّ آسيا. ولما بلغ ملك
الروم هذا الخبر أرسل إلى السلطان سفيراً يعرض عليه دفع الجزية التي يقررها فرفض
راداً ذلك للتعديات التي كانت تحدث من قبل الروم على الجنود العثمانيين وتقتل بعضاً
منهم، فحاصر السلطان المدينةفي أوائل نيسان/أبريل 1453م من جهة البر بجيش يبلغ
المائتين وخمسين ألف جندي، ومن جهة البحر بعمارة مؤلفة من مائة وثمانين سفينة،
وأقام حول المدينة أربعة وعشرين بطارية مدفعية كانت تقذف كرات من الحجر إلى مسافة
ميل. وفي أثناء الحصار اكتشف قبر أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه الذي استشهد في
حصار القسطنطينية في سنة 52 هـ في خلافة معاوية بن أبي سفيان. وبعد الفتح بنى له
مسجداً جامعاً وما يزال قائماً، وجرت العادة بعد ذلك أن كل سلطان يتولى الحكم يتقلد
سيف عثمان الأول الغازي بهذا المسجد.
ولما شاهد قسطنطين آخر ملوك الروم هذه الاستعدادات استنجد بأهل جنوة [6] فأرسلوا
له عمارة بحرية تحت إمرة جوستنياني ، فأتى بمراكبه، وأراد الدخول إلى ميناء
القسطنطينية، فلقي معارضة شديدة، انتهت بفوزه ودخوله الميناء بعد أن رفع جنوده
السلاسل الحديدية التي وضعت لمنع المراكب العثمانية من الوصول إليها، ثم أعيدت بعد
مروره كما كانت.
بعدها أخذ محمد الفاتح يفكر في طريقة لدخول مراكبه إلى الميناء لإتمام الحصار
براً وبحراً، فخطر بباله أن ينقل المراكب إلى البر ليجتازواالسلاسل الموضوعة
لمنعه،وتم هذا الأمر بأن مهد طريقاً إلى البر رصّت فوقه ألواح من الخشب صبت عليها
كميات من الزيت والدهن لسهولة زلق المراكب عليها، وبهذه الطريقة أمكن نقل سبعين
سفينة في ليلة واحدة حتى أصبح النهار، ونظرها الروم، أيقنوا أن لا مناص من نصر
العثمانيين عليهم.
أرسل السلطان محمد إلى قسطنطين يخبره أنه لو سلم البلد إليه طوعاً يتعهد له بعدم
مس حرية الأهالي أو أملاكهم، وإن يعطيه جزيرة موره، فلم يقبل قسطنطين بذلك.
أمر الفاتح جنوده بالصيام قبل الهجوم بيوم لتطهير نفوسهم وتزكيتها، ثم قام
بزيارة للسور وتفقد الأسطول، وفي تلك الليلة تعالت أصوات التكبير والتهليل، ورتلت
آيات الجهاد على مسامع الجند، ودوت الأناشيد الإسلامية الحماسية .. ودعا الفاتح
قادة جيشه، ثم خاطبهم قائلاً:
»إذا ثم لنا فتح القسطنطينية تحقق فينا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم،
ومعجزة من معجزاته، وسيكون من حظنا ما أشاد به هذا الحديث من التقدير.. فأبلغوا
أبناءنا العساكر فرداً فرداً أن الظفر العظيم الذي سنحرزه سيزيد الإسلام قدراً
وشرفاً، ويجب على كل جندي أن يجعل تعاليم ديننا الحنيف نصب عينيه، فلا يصدر عن واحد
منهم ما ينافي هذه التعاليم، وليتجنبوا الكنائس والمعابد، ولا يمسوها بسوء بأذى،
وليدعوا القساوسة والضعفاء الذين لا يقاتلون..« [7] وظل الجند المسلمون طوال الليل
يهللون ويكبرون حتى إذا لاح الفجر صدرت إليهم الأوامر بالهجوم، فتسلقوا الأسوار حتى
دخلوا المدينة من كل فج، وأعملوا السيف فيمن عارضهم، ودخلوا كنيسة آيا صوفيا حيث
كان يصلي فيها البطريق وحوله عدد من الأهالي، أما قسطنطين فقاتل حتى قتل، فدخل
عندئذ محمد الفاتح إلى قصر الإمبراطور، وعمت بشائر الفتح في جميع العالم الإسلامي،
إذ كتب الفاتح إلى السلطان المملوكي الأشرف إينال وإلى شريف مكة، كما أرسل إليه بعض
الهدايا من الغنائم والأسرى، وأقيمت في مصر الزينات والاحتفالات لمدة ثلاثة أيام
ابتهاجاً بهذا الفتح حسب كلام المؤرخ ابن تغري بردي.
بعد ذلك زار السلطان محمد كنيسة آيا صوفيا، وأمر بأن يؤذن فيها بالصلاة إعلاناً
بجعلها مسجداً للمسلمين[8]، وأصدر أوامره بمنع كل اعتداء، وبأنه لا يعارض في إقامة
شعائر ديانة النصارى، بل يضمن لهم حرية عقيدتهم، وحفظ أملاكهم فرجع من هاجر منهم
وأعطاهم نصف الكنائس وجمع أئمة دينهم لينتخبوا بطريقاً يكون رئيساً لطائفتهم.
محاولات العرب لفتح القسطنطينية
ولنذكر هنا أن المسلمين حاصروا القسطنطينية إحدى عشرة مرة قبل هذه المرة الأخيرة
التي تم فيها فتحها، منها سبعة في القرنين الأولين للإسلام، فحاصرها معاوية بن أبي
سفيان في خلافة الإمام علي بين أبي طالب رضي الله عنه سنة 34 هـ (654م)، وحاصرها
يزيد بن أبي معاوية سنة 47 هـ (667م)، وحاصرها سفيان بن أوس في خلافة معاوية سنة 52
هـ (672م)، وفي سنة 97 هـ (715م) حاصرها مسلمة بن عبد الملك في زمن الخليفة عمر بن
عبد العزيز رضي الله عنه، وفي المرة السابعة حاصرها أحد قواد الخليفة العباسي هارون
الرشيد سنة 182 هـ (798م).
نتائج هذا الفتح
لم يكن فتح القسطنطينية أمراً سهلاً كما يحلو لبعض المؤرخين أن يصوروه بسبب ضعف
الدولة البيزنطية، والانشقاق الكنسي في الشرق والغرب، بل الحق يقال: إن الجنود
الإسلاميين بذلوا أرواحهم رخيصة في سبيل ذلك، وقاموا بالتضحية والفداء حتى تم لهم
النصر المبين، كما أن السلطان محمداً أعدّ كل ما يمكن من الوسائل العسكرية الناجحة،
ولم يشك لحظة في ثقته بنصر الله عز وجل حتى تم له ذلك، وصدق المؤرخ الفرنسي الشهير
(كارادي فو Carra De Vaux) في قوله بهذا الصدد: »إن هذا الفتح لم يتيسر لمحمد
الفاتح اتفاقاً، ولا تيسر بمجرد ضعف الدولة البيزنطية، بل كان هذا السلطان يدبر
التدابير الللازمة له من قبل ويستخدم له ما كان في عصره من العلم.« [9] وكان من
آثار هذا الفتح أن اتحد كلا القسمين الجنوبي والشمالي، الآسيوي والأوروبي للدولة
الإسلامية العثمانية، وتحولت العاصمة من أدرنة إلى القسطنطينية التي سميت بأسماء
عدة: إسلام بول (أي مدينة الإسلام)، ودار السعادة، واسمها الرسمي الآستانة، وفي
العهد الكمالي قرر اسمها رسمياً إستنبول ولا تزال.
وأصبحت القسطنطينية بعد ذلك قاعدة للأعمال العسكرية في الشرق والغرب، وامتد
النفوذ الإسلامي إلى شواطئ البحر الأسود الشمالي وكييف (حالياً في روسيا) [10] وإلى
المجر واليونان وسواحل البحر الأدرياتيكي الشرقية، وإلى شرقي البحر الأبيض المتوسط.
وفاة محمد الفاتح
هكذا وبعد ثلاثين سنة من الحروب المتواصلة للفتح وتقوية الدولة وتعميرها، فاجأ
الموتُ السطانَ محمد الفاتح في 4 ربيع الأول 886 هـ/3 مايو 1481م في أُسكُدار في
معسكره وبين جنوده، إذ كان قد أعد في هذه السنة إعداداً قوياً لحملة لا يعرف
اتجاهها لأنه كان شديد الحرص على عدم كشف مخططاته العسكرية حتى لأقرب وأعز قواده.
وقد قال في هذا الصدد عندما سئل مرة: »لو عرفته شعرة من لحيتي لقلعتها.«
وهذه السرّية العسكرية التامة، مع الإيمان الصادق، كانت سر نجاحه في كثير من
حملاته وفتوحه، ودفن في الضريح الذي شيده في جامعه بالقسطنطينية المعروف بجامع
الفاتح، بينما غلبت روح الكآبة والحزن على الأتراك لفقدهم سلطانهم الحبيب وعمّ
العزاء والرثاء في العالم الإسلامي لموت هذا المجاهد المسلم.
--------------------------------------------------------------------------------
مجلة الأمة، العدد 21، رمضان 1402 هـ
--------------------------------------------------------------------------------
[1] أفاض المؤلفون الغربيون في الكلام عن حياته وألفوا في سيرته، من أقدم هذه
المؤلفات كتاب المؤلف الفرنسي في القرن السابع عشر الميلادي (جوييه)، وفي اللغة
العربية كتابان عنه: »أبو الفتح السلطان محمد الفاتح وحياته« للقاضي التركي علي همت
الأفسكي، ترجمة محمد إحسان بن عبد العزيز – القاهرة 1953م ، و»محمد الفاتح« للدكتور
سالم الرشيدي.
[2] في الأصل »ألف عام« ولعله غلط في الطباعة. (الفسطاط)
[3] كان مولعاً بقراءة كتب التاريخ والسير ومكرماً للعلماء – انظر كتاب علي همت
الأفسكي، وكتاب الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية لطاشكبري زادة.
[4] بدائع الزهور في وقائع الدهور أو تاريخ مصر ج2 ص204. ومثل ذلك ما كتبه ابن
تغري بردي في النجوم الزاهرة ج7 ص 357-437، وكتابه الآخر حوادث الدهور ج2 ص
298-299، ج3 ص 448-449، السخاوي في الضوء اللامع ج10 ص47، والشوكاني في البدر
الطالع ج2 ص 269، وابن العماد الحنبلي ج7 ص 344-345.
[5] مدينة قديمة بآسيا على البحر الأسود تبعد 140 كلم عن مدينة أرضروم، ويظن
أنها معاصرة لمدينة طروادة الشهيرة.
[6] جنوة مدينة قديمة جداً يقال أنها أنشئت سنة 707 قبل الميلاد واستولى عليها
الرومانيون. فتحها شارلمان الفرنسي. نافست جمهوريتي بيزا والبندقية. تقهقرت شيئاً
فشيئاً فدخلت تارة في حمى إسبانيا وطوراً في حمى فرنسا. بعد سقوط نابليون الأول سنة
1815م ضمت إلى لومبارديا، وهي الآن تابعة لإيطاليا.
[7]الدكتور علي حسون في كتابه تاريخ الدولة العثمانية ص 300 وما بعدها. ألا
يذكرنا هذا بوصية سيدنا الصديق رضي الله عنه لجيوش الفتح الإسلامي التي وجهها؟ [
8] الأمير شكيب أرسلان: حاضر العالم الإسلامي ج 1، ص 220، نقلاً عن كتاب : مفكرو
الإسلام، تأليف كارا دي فو الفرنسي. [9] المصدر السابق.
[10] وهي الآن في جمهورية أوكرانيا. (الفسطاط
**************************************************************************************************************************************************************************
أيها المؤرخون: لا تظلموا العثمانيين المسلمين!
بقلم: زياد محمود أبو غنيمة
--------------------------------------------------------------------------------
قبل أن يدخل الأتراك العثمانيون في الإسلام، لم يكونوا موضع اهتمام جاد من
المؤرخين لم يكونوا موضع اهتمام جاد من المؤرخين المسلمين وغير المسلمين، فلم يردْ
ذكرهم إلا من خلال إشارات عابرة. وحين دخل الأتراك العثمانيون في الإسلام انقلبت
الصورة وأصبحوا محط أنظار المؤرخين المسلمين وغير المسلمين، بيد أن المؤرخين من غير
المسلمين أبدوا اهتماماً ملحوظاً بدراسة تاريخ الأتراك العثمانيين المسلمين. ولأول
وهلة يخيل للمرء أن اندفاع المؤرخين من غير المسلمين في دراسة تاريخ العثمانيين
المسلمين كان ينطلق من منطلق علمي سليم، هدفه تتبع العثمانيين المسلمين بأمانة
علمية منصفة، ولكن ما أن يطلع المرء على ما أفرزته جهود المؤرخين من غير المسلمين
من دراسات عن تاريخ العثمانيين المسلمين، حتى يكتشف أن الغالبية العظمى منهم قد
تجاهلوا، وتناسوا مقتضيات الأمانة العلمية والإنصاف، بل أطلقوا العنان لأحقادهم
الظاهرة والباطنة، لتكون هي المنطلق الذي ينطلقون من خلاله في تشويه تاريخ
العثمانيين المسلمين وإلصاق عشرات الافتراءات التي لا تسندها أية بينات تاريخية
بالأتراك العثمانيين المسلمين. ولئن كنا لا نستغرب أن تصدر مثل تلك الافتراءات عن
أقوام فضح الله عز وجل نواياهم تجاه الإسلام والمسلمين في قوله تعالى جل شأنه: (يا
أيها الذين آمنوا لا تتّخذوا بطانةً من دونكم لا يألونكم خبالاً ودّوا ما عنتُّم قد
بدتِ البغضاءُ من أفواههم وما تُخفي صدورهم أكبر قد بيّنا لكم الآياتِ إن كنتم
تعقلونَ) [آل عمران: 118].
***
ولئن كنا لا نستغرب أن يحمل الحقد الأسود أولئك المؤرخين على تجاهل وتناسي أبسط
قواعد مقتضيات الأمانة العلمية في عملية التاريخ للأتراك العثمانيين المسلمين، فإن
الذي نستغربه أشد الاستغراب، بل ونستهجنه بشدة أن ينزلق الكثير من المؤرخين
المسلمين، في حمأة عملية التزوير والتشويه والبهتان التي ألصقت بتاريخ العثمانيين
المسلمين..
من ذلك مثلاً، تلك الفرية اللئيمة التي لا يكاد يخلو منها إلا النذر اليسير من
الكتب التي تؤرخ للعثمانيين المسلمين، والتي تزعم أن السلاطين العثمانيين كانوا
يملكون الحق، بموجب فتوى شرعية إسلامية، في قتل من يشاؤون من إخوانهم أو بني رحمهم،
أو أقاربهم، بحجة الحفاظ على وحدة المسلمين، ولقطع الطريق على أية فتنة يمكن أن
تبرز إذا حاول أحدهم المطالبة بالسلطة لنفسه.
وكان آخر ما وقع عليه نظري من ترديد لهذه الفرية ما جاء في مقال للأستاذ إبراهيم
محمد الفحام في عدد المحرم 1402 هـ تشرين الثاني (نوفمبر) 1981م من مجلة العربي
التي تصدر في الكويت، حيث ذهب إلى القول بأن السلاطين العثمانيين الجدد اعتادوا عند
توليهم مقاليد السلطة أن يقتلوا إخوانهم جميعاً، ليأمنوا محاولات اغتصاب الملك، وأن
هذه الظاهرة تكررت مراراً في تاريخ الدولة العثمانية حتى شمل القتل الإخوة الأصاغر
سناً. وإن كنتُ لا أنفي ولا أنكر وقوع العديد من حوادث التصارع بين بعض السلاطين
العثمانيين وبين بعض إخوانهم، بل وأحياناً بينهم وبين أبنائهم، وأن بعض هذه
الصراعات كانت تنتهي بمقتل أحد الأطراف المتصارعة، إلا أنني أنفي، وبكل شدة،
وبإصرار، ما يزعمه الزاعمون من وجود فتوى شرعية إسلامية تبيح لكل سلطان عثماني جديد
أن يقتل من يشاء من إخوانه، أو بني رحمه، بحجة المحافظة على وحدة المسلمين منعاً
لوقوع الفتنة.
أقول هذا.. وأتساءل:
أليس من مقتضيات أمانة التوثيق العلمي والتاريخي أن يقدَّم بين يدي أية رواية
تاريخية بالبينات التي تدعم صحتها، من تحديد للأسماء والأمكنة والأزمنة، وتبيين
سلسلة الرواة الذين تناقلوا الرواية، إلى أن وصلت إلى راويها الأخير؟ ثم أليس من
مقتضيات أمانة التوثيق العلمي والتاريخي، أن لا يُكتَفى بالتعميم المبهم، بعبارات
مبهمة، في رواية تحمل تهمة خطيرة لشعب بأسره هو الشعب التركي المسلم، بل الأمة
بأسرها، هي أمة الإسلام، بل للإسلام ذاته الذي كان العثمانيون يحملون لواءة
ويمثلونه آنذاك..؟ أين نص الفتوى الشرعية التي يزعم الزاعمون أنها تبيح للسلاطين
العثمانيين قتْل بني رحمهم من غير أي مسوغ شرعي؟
أين أسماء العلماء المسلمين الذين أفتوا الفتوى المزعومة هذه؟ وفي زمن أي من
سلاطين بني عثمان على التحديد صدرت؟ لقد قرأت بضعة وعشرين مرجعاً، عربياً وتركياً
وإنجليزياً، تؤرخ للعثمانيين المسلمين، فما وجدت من بينها مرجعاً واحداً يذكر نص
الفتوى المزعومة، أو يذكر اسماً لعالم واحد تنسب الفتوى إليه، بل لقد اكتفى كل مرجع
عند ذكر هذه الفرية بسردها وكأنها يقين لا يرقى إليه شك، فلا يحتاج إلى توثيق. وقبل
أن أتحدث بشيء من التفصيل عن تلك الأحداث التي تشبث بها الزاعمون ليرفدوا بها
فريتهم، يجدر بي أن أؤكد أن الإسلام يرفض رفضاً قاطعاً هذا الهراء، ولا يقبل مطلقاً
أن تهون حياة المسلم، أي مسلم، إلى درجة تباح فيها حياته لمجرد شبهة، أو من أجل
وساوس وأوهام تتستر وراء الزعم بالغيرة على جماعة المسلمين من أن تقع فتنة مزعومة
لم يقم على وقوعها، أو على مجرد الشك بوقوعها دليل شرعي. إن طبيعة الإسلام، وأخلاق
الإسلام، وإنسانية الإسلام، ترفض رفضاً قاطعاً أن تصدر باسم الإسلام فتوى تبيح لأي
إنسان مهما بلغ شأنه، أن يقتل مسلماً إلا في الحالات التي نصّ عليها الشرع : الثيّب
الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة (المرتد)، والقاتل عمداً (النفس بالنفس).
ألا، وإن كل مسلم مهما كان مستوى علم، يعلم أن قتل النفس، أي نفس، محرّم في شرع
الله عز وجل إلا ضمن الحدود التي حددها الله عز وجل.
ولقد ندد الله عز وجل أيما تنديد، بتلك الجريمة التي اقترفها قابيل ابن سيدنا
آدم عليه الصلاة والسلام، يوم طوّعت له نفسُه قتلَ أخيه هابيل فقتله: (واتل عليهم
نبأَ ابنيْ آدمَ إذْ قرّبا قرباناً فتقبِّل من أحدهما ولم يُتَقَبَّلْ من الآخر قال
لأقتلنكَ قال إنما يتقبّلُ اللهُ من المتقين. لئنْ بسطتَ يديَ لأقتلكَ ما أنا
بباسطٍ يديَ إليكَ لأقتلكَ إني أخافُ اللهَ ربَّ العالمين. إني أريد أن تبوء بإثمي
وإثمكَ فتكونَ من أصحابِ النار وذلك جزاء الظالمين. فطوّعتْ له نفسُه قتلَ أخيه
فقتله فأصبح من الخاسرين. فبعثَ اللهُ غراباً يبحثُ في الأرض لِيُريَهُ كيف يواري
سوأةَ أخيه قال يا ويلتا أعجزتُ أن أكونَ مثلَ هذا الغرابِ فأواريَ سوأةَ أخي فأصبح
من النادمين) [المائدة: 27-31].
بل إن الله عز وجل لم يكتفِ بالتنديد بجريمة قابيل، بل جعلها منطلقاً لحكم رباني
يؤكد حرمة النفس البشرية تأكيداً قاطعاً لا لبس فيه ولا غموض: (من أجل ذلكَ كتبنا
على بني إسرائيلَ أنه مَن قتلَ نفساً بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتلَ
الناسَ جميعاً) [المائدة: 32]. تلك هي الحقيقة، حقيقة تؤكد براءة الإسلام من تلك
الفتوى المزعومة، وتؤكد رفض الإسلام لهذا الهراء.
فمن أين جاءت هذه الفرية إذن؟ وما هي دوافعها، وماذا يقصد مروجوها من ورائها..؟
أما الدوافع التي تكمن وراء ترويج هذه الفريةة، فلا أملك إلا أن أقول: إنها نابعة
من الحقد الأسود الذي تمتلئ به قلوب العديد من المؤرخين الصليبيين من أعداء
الإسلام، ضد الإسلام والمسلمين.. فلقد انتهز بعض المؤرخين الصليبيين الحاقدين،
وقلدهم في ذلك عن قصد أو عن غير قصد، بعضُ المؤرخين الذي يحملون أسماء إسلامية،
وقوع بعض حوادث الصراع الدموي على السلطة في الدولة العثمانية، وهو أمر لم تسلم منه
أمة ن الأمم على مدار التاريخ، فوجدوا في تلك الأحداث متنفساً لينفثوا من خلاله
أحقادهم الدفينة ضد الإسلام والمسلمين، فوجهوا سهام افتراءاتهم ضد العثمانيين
المسلمين، وهم في حقيقة الأمر يوجهونها إلى الإسلام الذي كان العثمانيون يمثلونه
آنذاك. أقول هذا، وبين يدي أكثر من دليل.
أبدأ بحادثة مقتل الأمير «دوندار» عمّ السلطان «عثمان»، وهي حادثة أرودها المؤرخ
التركي المعاصر إسماعيل حامي دنشمند في كتابه «موسوعة التاريخ العثماني»، الذي ألفه
عام 1945م، أي في الوقت الذي كانت فيه أنواء الردة الأتاتوركية في أصخب حالات
هبوبها على تركيا، بكل ما تحمله من مشاعر العداء للعثمانيين المسلمين، وزعم فيها أن
عثمان بن أرطغرل استشار عمه دوندار البالغ من العمر تسعين عاماً في أمر عزمه على
محاربة البيزنطيين، فعارضه عمه في الرأي، فلم يتحمل عثمان معارضة عمه فقام بإعدامه
بيده برميه بسهم انتقاماً منه بسبب هذه المعارضة. ولئن كانت هذه الرواية بنصها هذا
من الضعف بحيث خلت منها معظم المراجع التي تؤرخ لعثمان بن أرطغرل، ولئن كان من أجلة
ضعفها أن إسماعيل حامي دنشمند لم يؤثق روايته لهذه الحادثة بإيراد اسم المرجع، أو
اسم المؤرخ الذي نقل عنه الرواية، فإن الحاقدين على العثمانيين المسلمين، بل على
الإسلام الذي يمثله العثمانيون، تلقفوا هذه الحادثة، ونسجوا من حولها من سواد حقدهم
ما لا تحتمل، فزعموا، وبئس ما زعموا، أن عثمان قتل عمه دوندار بناءً على فتوى شرعية
تبيح له قتله خشية أن يزاحمه على السلطنة، مما قد يؤدي إلى وقوع الفتنة بين
المسلمين. ولئن كان من الإنصاف أن نشير إلى أن ما نقلته معظم المراجع الموثوقة التي
أرّخت لعثمان بن أرطغرل، عن شدة تعلّق عثمان بأحكام الشريعة الإسلامية، وعن التزامه
الصادق بالإسلام، عبادةً، وخلقاً، وتواضعاً، وما نقلته عن توقيره الشديد لعمه الشيخ
الكبير دوندار، يجلعنا نستبعد تصديق مقولة أن عثمان قتل عمه لمجرد معارضته له في
الرأي، ويجعلنا نستبعد تصديق مقولة أن عثمان قتل عمه لمجرد معارضته له في الرأي،
ويجعلنا على يقين أنه ما فعل ذلك إلا لسبب جلل، أكبر من مجرد الاختلاف في الرأي.
ويرسخ قناعتنا ما أورده المؤرخ التركي المعاصر قادر مصر أوغلو في كتابه «مأساة
بني عثمان» المطبوع في إستانبول عام 1979م، في وقت كانت المشاعر الإسلامية في تركيا
تشهد فيه شيئاً من أشكال الحرية التي تستطيع معها أن تعبر عن حقيقة رفضها لمشاعر
العداء التي حاولت الردة الأتاتوركية ترسيخها ضد العثمانيين المسلمين في نفوس
الأتراك.
ففي كتابه ذلك ينقل قادر مصر أوغلو، عن المؤرخ التركي خير الله الهندي الذي عاصر
عثمان بن أرطغرل، أن دوندار كان طرفاً في مؤامرة اتفق على تدبيرها بالتعاون مع حاكم
مدينة «بيله جك» البيزنطي، تستهدف اغتيال عثمان، تمهيداً لوثوب دوندار إلى
الزعامةخلفاً لعثمان، فلما انفضح أمر المؤامرة أصرّ عثمان، وهو الحريص علىتطبيق
أحكام الشريعة الإسلامية، على تنفيذ حكم الله في عمه جزاء افترافه لجريمةموالاة
أعداء الإسلام، والتآمر معهم ضد جماعة المسلمين. وتلك لعمري نقطة بيضاء ووقفة شماء
شامخة تسجَّل في حسنات عثمان بن أرطغرل، إذ أكّد من خلال حرصه على تطبيق شرع الله
في عمه على صدق التزامه بالإسلام، وصدق خضوعه لحكمه، وصدق تفضيله لوشيجة العقيدة
وارتباطه بها فوق وشيجة الدم والقرابة.
تلك هي حقيقة السلطان عثمان بن أرطغرل مع عمه دوندار تتهاوى أمامها أباطيل
الحاقدين وأراجيف المرجفين.
أما قصة السطان مراد بن أورخان مع ولده الأمير «ساجي» فهي أيضاً علامة بارزة
تؤكد صدق التزام مراد بالإسلام، وصدق خضوعه لأحكام شريعته.
ففي الوقت الذي كان السلطان مراد يواجه أشرس الحملات المتلاحقة التي تمثلت في
العديد من الأحلاف الصليبية التي تجمع تحت ألويتها ملوك وأمراء المجر والصرب
والبلغار والأرناؤوط (ألبانيا)، بمباركة من بابا روما أوربيان الخامس، وبتحريض سافر
منه [766هـ/1365م].
وفي الوقت الذي كان فيه السلطان مراد يواجه فيه خطراً تمثل في قيام الأمير
الإيطالي آميديو بتجميع جيش من الإيطاليين تحت شعار الانتقام للصليب من العثمانيين
المسلمين [770هـ/1368م]. وفي الوقت الذي ازداد فيه الخطر ضد الدولة العثمانية
المسلمة، بقيام إمبراطور بيزنطة يوانيس الخامس بزيارة روما عام [771هـ/1369م]
مستنجداً بالبابا ضد العثمانيين المسلمين، ومعلناً تحوله عن مذهبه الأرثوذكسي إلى
المذهب الكاثوليكي في محاولة لاسترضاء بابا روما لإقناعه بعده بالنجدة التي يطلبها
ضد العثمانيين المسلمين.
وفي الوقت الذي كان السلطان مراد يواجه خطراً داهماً جديداً تمثّل في نجاح
البابا بتجنيد أكثر من ستين ألف مقاتل صليبي بقيادة ملك بلاد الصرب الجديد ووقاشتين
[773هـ/1370م]. وفي الوقت الذي كان السلطان مراد لا يكاد ينجح في التغلب على إحدى
مكائد الأعداء، حتى يواجه مكيدة أخرى، كان ولده الأمير ساوجي يتآمر سراً مع الأمير
البيزنطي أندرونيقوس، الابن الثاني للإمبراطور يوانيس، لتدبير مؤامرة للإطاحة
بالسلطان مراد، وتسليم السلطة للأمير ساوجي، وسرعان ما انتقلت المؤامرة من مرحلة
التدبير إلى مرحلة التنفيذ، فسار الأميران ساوجي وأندرونيقوس على رأس جيش كانت
غالبية جنوده من البيزنطيين، وتمركزا بجيشهما في منطقة لا تبعد كثيراً عن
القسطنطينية، فسارع السلطان مراد لملاقاتهما، فما كاد يقترب منهما حتى خارت معنويات
المتآمرين ففر الجنود البيزنطيون من أنصار أندرونيقوس، ولجأ الجنود العثمانيون من
أنصار الأمير ساوجي إلى جيش أبيه السلطان مراد، فأصبح ساوجي وأندرونيقوس من غير
جيش، فلم يجدا أمامهما مفراً من الهرب، ففرا إلى مدينة »ديمومة«، فلحق بهما السلطان
مراد واضطرهما إلى الاستسلام.
وجمع السلطان نخبة من القادة والعلماء والقضاة لمحاكمة ولده ساوجي، فحكوا عليه
بالموت جزاء خروجه على طاعة ولي الأمر وجزاء موالاته للكفار أعداء الإسلام والتحالف
معهم قولاً وفعلاً في محاربة المسلمين. وأمر السلطان مراد بتنفيذ حكم الشرع في ولده
مسجلاً في ذلك صدق ولائه لحكم الشريعة، وصدق التزامه بالإسلام، ولكأني به وهو يفعل
ذلك، كان يستشعر قوله تعالى عز وجل: (لا تجدُ قوماً يؤمنونَ باللهِ واليومِ الآخر
يوادّون من حادّ اللهَ ورسولَه ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم
أولئكَ كتب الله في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جناتٍ تجري من تحتها
الأنهار خالدين فيها رضي اللهُ عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألاَ إنّ حزبَ الله
هم الغالبون) [المجادلة: 22].
ولقد كان من الطبيعي أن يستغل الحاقدون حادثة مقتل ساوجي، فتلقفوها وطفقوا
ينسجون من حولها الأقاويل والافتراءات ليرفدوا من خلالها فريتهم عن الفتوى الشرعية
المزعومة التي تبيح للسطان العثماني المسلم قتل من يشاء من بني رحمه. وكان من
الطبيعي أن يشتط الحقد بأعداء الإسلام، فينفثوا حقدهم ضد السلطان مراد ويتهمونه
بالوحشية، وتحجُّر عاطفة الأبوة في قلبه، وما دروا أن صدق الالتزام بالإسلام يجعل
وشيجة العقيدة فوق كل وشيجة. وصلوات الله وسلامه على نبينا محمد الذي علّم المسلمين
هذه الحقيقة الإيمانية حين قال: »واللهِ لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها.«
وأنتقلُ إلى حادثة قتل السلطان بايزيد بن مراد (الصاعقة) لأخيه الصغير يعقوب،
فلا أجد غضاضة في تأكيد وقوعها، ولا أجد حاجة إلى محاولة تبريرها. فقد استهل يايزيد
عهده فعلاً بارتكاب جريمة بشعة حيث أقدم على قتل أخيه الصغير يعقوب بتحريض من بعض
أنصاره الذين طفقوا يوغرون صدره ضد أخيه، الذي كان شجاعاً، قوي الشخصية، ووجدتْ
وشايةُ المغرضين هوى في نفس بايزيد الذي خشي أن يزاحمه يعقوب على السلطنة، واشتطت
به وساوسه حين أخذ الوشاةُ يذكرونه بأن جده أورخان بن عثمان ولي السلطنة رغم كونه
الأصغر سناً من أخيه الأمير علاء الدين. ولئن كنت أنكر أن بايزيد قد ارتكب جريمته
البشعة فعلاً، بعد أن غلبه هواه، وزينت له وساوسه أن يقترف تلك الجريمة، وطوعت له
نفسه قتل أخيه فقتله. فالجريمة يتحمل وزرها بايزيد وحده، وليس من العدل ولا من
المنطق أن يزجّ بالإسلام في عملية تبريرها. وينبغي أن أشير هنا إلى أن الجفاء كان
مستحكماً بين العلماء والسلطان بايزيد، لدرجة أستبعد معها أن يجد بايزيد عالماً
واحداً يستجيب له فيصدر تلك الفتوى التي ينسب استصدارها في بعض المراجع إلى بايزيد.
ولقد بلغ من حدة ذلك الجفاء أن العالم المؤمن القاضي شمس الدين محمد حمزة الفناري
ردّ شهادة السلطان بايزيد في إحدى القضايا، فلما راجعه بايزيد في ذلك، أجابه القاضي
المؤمن بأنه ردّ شهادته لأنه تارك لصلاة الجماعة. بل لقد بلغ الجفاء بين العلماء
والسلطان بايزيد إلى حد أقرب ما يكون إلى القطيعة بسبب استنكارهم لوقوعه تحت سيطرة
وتأثير زوجته النصرانية الأميرة أوليفيرا شقيقة ملك الصرب لازار، ونماديه بتحريض
منه على إدمان شرب الخمر، وإقامة حفلات اللهو، ويذكر المؤرخ التركي المعاصر إسماعيل
حامي دنشمند في كتابه »موسوعة التاريخ العثماني« أن بايزيد ذهب ليتفقد العمل في
بناء مسجد »أولو جامع« في بورصة، وكان قد أوشك بناؤه على الانتهاء، فالتقى خلال
تجواله في المسجد بالعالم المؤمن محمد شمس الدين البخاري، فسأله على مسمع من الناس
عن رأيه في نابء المسجد، وهل يرى في البناء أي نقص..؟ فأجابه العالم المؤمن بجواب
ساخر يحمل بين طياته مشاعر عدم الرضى عن سيرة بايزيد المنافية للإسلام، فقال له:
بالنسبة لنا نحن المسلمين، فإننا لا نجد أي نقص في بناء المسجد، أما بالنسبة إليك
يا بايزيد، فإني أخشى أن تكون قد نسيت أن تضع خزانة تحفظ بها خمورك بجانب المحراب.
أفيعقل بعد هذا أن يجد بايزيد عالماً واحداً يفتي بقتل أخيه من غير مسوّغ شرعي؟
ولقد وجد الحاقدون رافداً جديداً يدعمون به فريتهم فيما وقع من صراع دموي بين أبناء
بايزيد الصاعقة، حين قتل محمد بن بايزيد إخوته عيسى ثم سليمان ثم موسى ليتفرد بحكم
السلطنة. ولئن اشتط المغرضون في حقدهم فزعموا أن محمد بن بايزيد قد قتل إخوته بموجب
تلك الفتوى الشرعية المزعومة، فإن الحقائق التاريخية تؤكد أن ما جرى بين أبناء
بايزيد من اقتتال دموي كان اقتتالاً مصلحياً من أجل الطموحات الشخصية بكل واحد منهم
للجلوس على عرش السلطنة، وليس من العدل والإنصاف إن يزج بالإسلام في هذا المقام.
وينبغي أن أشير إلى أن شهوة الجلوس على عرش السلطنة قد اشتطت بأبناء بايزيد
لدرجة لم يجدوا معها غضاضة في الاستعانة بأعداء الإسلام من البيزنطيين ضد بعضهم
بعضاً، كما فعل سليمان بن بايزيد حين تنازل لملك الروم »إيمانويل الثاني« عن مدينة
سلانيك وسواحل البحر الأسود مقابل الوقوف إلى جانبه ضد أخويه الآخرين عيسى ومحمد.
هذا، وينبغي أن أشير إلى أن بعض المؤرخين المغرضي زعموا أن الفتوى الشرعية
المزعومة التي تبيح للسلطان قتل بني رحمه من غير مسوغ شرعي هي تلك الفتوى التي
أصدرها الشيخ سعيد أحد تلاميذ الشيخ التفتازاني، والتي ورد نصّها على النحو التالي:
»من أتاكم وأمركم جميعاً على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم، ويفرق جمعكم، فاقتلوه.«
والحقيقة أن هذه الفتوى قد صدرت عام [823هـ/1420م] كما يورد المؤرخ التركي عبد
القادر داده أوغلو في كتابه »التاريخ العثماني المصوّر« ضد أحد قضاة العسكر وهو
الشيخ بدر الدين الذي ثار على السلطان وتزعم حركة تنادي بإلغاء التفرقة بين
الأديان، وبتوزيع الأموال سواسية بين الناس، وقد اندس في حركة الشيخ بدر الين، كما
يروي الأستاذ محمد فريد في كتابه «تاريخ الدولة العلية العثمانية»عدد من اليهود
والنصارى، وعندما وقع بدر الدين في الأسر بعد معركة حامية الوطيس، حوكم أمام هيئة
من كبار العلماء والقضاة، فصدرت بحقه الفتوى بنصها الذي أوردته آنفاً، وبتوقيع
الشيخ شعيد، ويروي المؤرخ التركي المعاصر إسماعيل حامي دنشمند في كتابه «موسوعة
التاريخ العثماني» أن الشيخ بدر الدين قد وقع بنفسه أيضاً على الفتوى اعترافاً
بذنبه، وتم إعدامه شنقاً على ملأ من الناس في السوق الرئيسي في مدينة سراز.
ولقد وجد المغرضون مبرراً آخر لرفد بهتانهم بخصوص الفتوى المزعومة في حادثة
إعدام السلطان مراد الثاني لعمه مصطفى بن بايزيد.
وحقيقة الأمر أن مصطفى بن بايزيد كان قد اختفى وانقطعت أخباره بعد هزيمة بايزيد
(الصاعقة) في معركة أنقرة أمام تيمورلنك، ثم ظهر فجأة في زمن أخيه السلطان محمد
جلبي بن بايزيد مطالباً بالسلطنة لنفسه، واستنجد بأعداء الإسلام من البيزنطيين
فأمدوه المساعدات، وأوعزوا لأمير بلاد الفلاخ بإمداده بجيش كبير، ولكن مصطفى فشل في
تحقيق أي نجاح، واضطر إلى اللجوء إلى سلانيك التي كان الأمير سليمان بن بايزيد قد
أعادها إلى السيطرة البيزنطية مقابل وعدهم له بمساعدته ضد إخوته، كما أسلفت قبل
قليل، واتفق السلطان محمد جلبي مع إمبراطور بيزنطة على إبقاء أخيه مصطفى في سلانيك
تحت مراقبة الإمبراطور، مقابل مبلغ من المالن استمر الأمر على هذا النحو إلى أن ولي
السلطنةمراد الثاني بن جلبي فتحرش به الإمبراطور «إيمانويل الثاني» في محاولة منه
لإعادة هيبة الإمبراطورية، وطلب منه عقد معاهدة يتعهد مراد بموجبها بعدم القيام
بأية محاولة لغزو القسطنطينية، فلما وقف السلطان مراد موقفاً حازماً في وجه
إيمانويل ورفض مطالبه عمد عمانويل إلى استدعاء الأمير مصطفى وأمده بعشر سفن حربية
مدججة بالجنود والسلاح، فتمكن مصطفى من الإستيلاء على مدينة وميناء غاليبولي، ثم
تمكن من التغلب على الجيش العثماني الذي أرسله السلطان مراد لمحاربته بقيادة وزيره
بايزيد باشا، فسار السلطان مراد الثاني بنفسه لملاقاة عمه مصطفى الذي لم يلبث أن
وقع في أسر مراد، ليواجه عقوبة الإعدام شنقاً، جزاء خيانته لله ولرسوله وللمؤمنين،
وهل من خيانة لله ولرسوله وللمؤمنين أعظم من موالاة في جماعة المسلمين، ينبري هؤلاء
ليزعموا أن الإسلام يبيح للسلطان قتل بني رحمه كيفما يشاء..؟ فرية باطلة ... وبهتان
عظيم..
وأجدني هنا مضطراً للتوقف وقفة أردّ بها فرية خبيثة ألصقت بالسلطان محمد الفاتح،
فقد درج بعض المؤرخين، وهم يؤرخون لحياته، على الزعم بأنه قام بقتل أخيه الرضيع
أحمد جلبي بعد أيام قليلة من تسلمه مسؤولية السلطنة بعد وفاة أبيه السلطان مراد،
خشية أن يزاحمه على السلطنة، ومن المؤسف أن هذا الزعم لم يقتصر على المؤرخين غير
المسلمين، وإنما وقع في أحبولته عدد من المؤرخين المسلمين.
ولئن كانت هذه الفرية التي ألصقت بالسلطان محمد الفاتح تكون أوهمن من بيت
العنكبوت، إلا أنني أجد من الواجب التوقف عندما وتفنيدها، لكي لا يبقى بعد ذلك عذر
لأي مؤرخ يحترم نفسه، ويحترم شرف الكلمة التي يؤرخ بها، أن يستمر في ترديد هذا
البهتان العظيم ضد السلطان محمد الفاتح. هل يعقل أن سلطاناً ولي السلطنة في عهد
أبيه، وتحت كنفه، ثم وليها من بعد وفاة أبيه، وقد اشتدّ ساعده، ونضجت خبرته، والتفت
الأمة من حوله تحوطه بالحب والطاعة، هل يعقل أن هذا السلطان يغار من أخ له رضيع،
فيخشى أن ينازعه على السلطة..؟ وكيف يتسنّى لطفل رضيع، وأنى له، أن ينازع على
السلطنة، وهو الرضيع الذي إن تأخرت أمه عليه بالحليب يوماً مات جوعاً. ثم هل يصدق
إنسان عاقل، أن محمداً الفاتح، الذي تربى على مائدة القرآن، على يد خيرة علماء
عصره، أمثال الشيخ أحمد بن إسماعيل الكوراني الذي كان الفاتح يسميه «أبا حنيفة
زمانه»، والشيخ تمجيد أوغلو، والشيخ محمد جلبي زاده، والشيخ مولا إياش، والشيخ
الغوراني، والشيخ سراج الدين الحلبي، والشيخ آق شمس الدين، ويمكن أن يفكر بمثل هذا
الأمر الفظيع..؟ بل، لنفرض جدلاً أن محمداً الفاتح كان يوجس خيفة أن ينازعه أخوه
الرضيع على السلطنة، أفما كان يستطيع أن يحتويه تحت كنفه، ويربيه على الإخلاص له،
بدل أن يقتله؟ ولماذ يستبق محمد الفاتح الأمور فيقتل أخاه الرضيع، وقد كان بإمكانه
أن ينتظر وهو مطمئن البال بضعة عشر عاماً حتى يكبر أخوه، فيتحقق من نوازعه ونواياه؟
من هنا نستطيع أن نتبين انتفاء المصلحة الشخصية للسلطان محمد الفاتح من قتل أخيه
الرضيع.
ولننتقل الآن إلى مناقشة الطريقة التي تمت بها عملية القتل المزعومة، فقد زعم
مروّجو هذه الفرية أن السلطان محمداً الفاتح أرسل أحد قواده، واسمه علي بك، إلى
جناح النساء لقتل أخيه الرضيع، فلما علم علي بك أن الطفل موجود في حمام النساء حيث
تقوم مربيته بغسله، اقتحم الحمام وأمسك بالطفل الرضيع وغطسه تحت الماء حتى مات
مختنقاً غرقاً..
هل يصدق عاقل أن محمد الفاتح، وهو الذكي المحنك، يقدم على قتل أخيه الرضيع بهذه
الصورة المكشوفة الساذجة؟ وهل كان عاجزاً عن تكليف إحدى النساء، كزوجته، أو إحدى
خادماتها، بتنفيذ عملية القتل دون إثارة انتباه أحد، بدل من أن يرسل رجلاً إلى جناح
النساء، وهو أمر غير مألوف، بله أن يسمح له بأن يقتحم هذا الرجل حمام النساء، حيث
يكنّ فيه متحللات من حجابهن، ومتخففات من كثير من ملابسهن، وفي ذلك ما فيه من خروج
مستهجن عن المألوف، من شأنه لو تحقق فعلاً أن يثير من هياج النساء، وضجيجهن،
وصخبهن، ما يضطر ذلك الرجل إلى الفرار قبل أن ينفذ مأربه، مهما بلغت به الجرأة
والنذالة؟ إذن، ما هي حقيقة هذه الفرية؟ الحقيقة أن المربية التي كان موكلاً إليها
أمر العناية بالطفل الرضيع أحمد، انشغلت عنه لبعض شأنها بينما كانت تغسله، فوقع في
حوض الماء، فمات مختنقاً غرقاً قبل أن تتداركه الأيدي التي امتدت لإنقاذه بعد فوات
الأوان. وتصادف بعد غرق الطفل بأيام قليلة أن أحد ضباط الجيش، واسمه علي بك، ارتكب
جريمة عقابها الإعدام، فلما أعدم، وجد الحاقدون مادة جديدة خيّل إليهم أنهاتدعم
بهتانهم، فطفقوا يزعمون أن علي بك هو الذي أغرق الطفل الرضيع أحمد، وأن السلطان
محمد الفاتح خشي أن يفشي هذا الرجل سره فقتله، ومن هنا جاءت الفرية على النحو الذي
أشرت إليه، وينبغي الإشارة إلى أن «إدوارد سي كريسي» يتبنى هذا الزعم في كتابه
«تاريخ العثمانيين الأتراك» المطبوع بالإنجليزية في بيروت في عام 1961م، ويدّعي أن
السطان الفاتح أقدم على قتل الضابط علي بك متهماً إياه بقتل أخيه الرضيع دون أن
يكون للسلطان علم بذلك. ولو أنهم توقفوا عند هذه الفرية وحدها لهانَ الأمر، ولكنهم
ما برحوا أن بدأوا ينسجون من حولها المزيد من الافتراءات، فزعموا أن محمداً الفاتح،
لم يكتف بقتل أخيه، بل أصدر قانوناً أعطى للسلطان الحق في قتل من يشاء من إخوته
وأبنائه وأبناء عمومته وخؤولته، لقطع الطريق على أي منهم أن ينافسه على السلطة.
ولقد أوضح المؤرخ التركي المعاصر إسماعيل حامي دنشمند في كتابه «موسوعة التاريخ
العثماني» الدافع الذي جعل السلطان محمد الفاتح يصدر هذا القانون فقال: «حين وجد
السلطان محمد الفاتح أن أكبر خطر يهدد الدولة العثمانية في الفترة التي سبقت توليه
مقاليد السلطنة، نجم عن تكرار حوادث الانشقاق التي كانت تقع بين الأمراء
العثمانيين، والتي كانت تصل في أكثر الأحيان إلى درجة الاقتتال، وتؤدي إلى انقسام
الدولة إلى فريقين أو أكثر، مما كان يؤثر على وحدة الدولة، ويغري خصوم الإسلام بها،
فقد رأى السلطان محمد الفاتح أن يضع قانوناً أسماه «قانون حفظ النظام للرعية» أكد
بموجبه أن الموت سيكون مصير كل من يعلن العصيان المسلح ضد السلطان، ويتعاون مع
أعداء الإسلام ضد المسلمين.» ويردف إسماعيل حامي دنشمند أن هذا القانون كان سبباً
في انحسار، أو على الأقل، في تقليص حوادث العصيان المسلح، التي كادت أن تصبح أمراً
شائعاً في الدولة العثمانية قبل صدور هذا القانون. وإن المرء لتتملكه الدهشة، حين
يرى أن كل دول الدنيا، قديمها وحديثها، لا تخلو قوانينها من مثل هذا القانون، ومع
ذلك لا تجد أحداً يعترض عليها أو يشوه مقاصدها، كما كان يفعل المغرضون تجاه الدولة
العثمانية! وبعد:
فإني أحسب أن القارئ الفطن، يدرك من خلال ما أوردتُ من حقائق، أن الحاقدين إنما
يهدفون من وراء التركيز على تحريف تاريخ الأتراك العثمانيين المسلمين إلى الإساءة
إلى الإسلام ذاته، ومن خلال الإساءة إلى الأتراك العثمانيين المسلمين، حين يظهرونهم
بمظهر القوم المتوحشين الذين انعدمت الرحمة من قلوبهم، ومن خلال الإيحاء بأن مسألة
قتل السلاطين لإخوانهم كانت أمراً عادياً مألوفاً عندهم. أقول هذا، ولا أنفي أن
يكون في تاريخ بني عثمان، وخاصة في عصورهم المتأخرة، بعض الأمور التي لا تنسجم مع
الإسلام، وتتعارض مع أحكامه، وليس الذنب في ذلك ذنب الإسلام، وإنما ذنب المسيء
نفسه.
--------------------------------------------------------------------------------
مجلة الأمة، العدد 53، جمادى الأولى، 1405 هـ
**********************************************************************************************************************************************************
معركة نيقوبوليس
التكتل المسيحي الصليبي ضد الدولة العثمانية : قام( سيجسموند) ملك المجر والبابا
(بونيفاس التاسع ) بدعوة لتكتل أوروبي صليبي مسيحي ضد الدولة العثمانية، وكان ذلك
التكتل من أكبر التكتلات التي واجهتها الدولة العثمانية في القرن الرابع عشر ، من
حيث عدد الدول التي اشتركت فيه ، ثم أسهمت فيه بالسلاح والعتاد والأموال والقوات
،وبلغ العدد الإجمالي لهذه الحملة الصليبية 120.000 مقاتل من مختلف الجنسيات
(ألمانيا وفرنسا وإنجلترا واسكتلندا وسويسرا ولوكسمبورج والأراضي المنخفضة الجنوبية
وبعض الأمارات الإيطالية). وتحركت الحملة عام (800 هـ / 1396م) إلى المجر ، ولكن
زعماءها وقادتها اختلفوا مع سيجسموند قبل بدء المعركة. فقد كان سيجسموند يؤثر
الانتظار حتى يبدأ العثمانيون الهجوم ، ولكن قواد الحملة شرعوا بالهجوم ، وانحدروا
مع نهر الدانوب حتى وصلوا إلى نيكوبوليس شمال البلقان وبدؤوا في حصارها وتغلبوا في
أول الأمر على القوات العثمانية ، إلا أن يزيد ظهر فجأة ومعه حوالي مئة ألف جندي ،
وهو عدد يقل قليلاً عن التكتل الأوروبي الصليبي ، ولكنه يتفوق عليهم نظاماً وسلاحاً
، وكان بقيادة أمير الصرب (اصطفان بن لازار ) ومعه كثير من الشعوب النصرانية
الخاضعة للحماية العثمانية ، إضافة إلى الجند العثمانيين ، وكان اللقاء في يوم 23
ذي القعدة 798 ، فانهزم معظم النصارى ولاذوا بالفرار والهروب وقتل وأسر عدد من
قادتهم. وخرج العثمانيون من معركة نيكوبوليس بغنائم كثيرة وفيرة واستولوا على ذخائر
العدو. وفي نشوة النصر والظفر قال السلطان بايزيد أنه سيفتح ايطاليا ويطعم حصانه
الشعير في مذبح القديس بطرس برومة. لقد وقع كثير من أشراف فرنسا منهم ( الكونت دي
نيفر) نفسه في الأسر ، فقبل السلطان بايزيد دفع الفدية وأطلق سراح الأسرى و( الكونت
دي ينفر ) وكان قد ألزم بالقسم على أنه لا يعود لمحاربته قال له : إني أجيز لك أن
لا تحفظ هذا اليمين فأنت في حل من الرجوع لمحاربتي ؛إذ لا شيء أحب إليّ من محاربة
جميع مسيحي أوروبا والانتصار عليهم . أما سيجموند ملك المجر كان قد بلغ به الغرور
والاعتداد بجيشه وقوته أن قال : لو انقضت السماء من عليائها لأمسكناها بحرابنا –
فقد ولى هارباً ومعه رئيس فرسان رودس، ولما بلغا في فرارهما شاطئ البحر الأسود وجد
هناك الأسطول النصراني فوثبا على إحدى السفن وفرت بهما مسرعة لا تلوي على شيء،
وتضاءلت مكانة المجر في عيون المجتمع الأوروبي بعد معركة نيكويوليس ، وتبخر ما كان
يحيط بها من هيبة ورهبة. لقد كان ذلك النصر المظفر له أثر على بايزيد والمجتمع
الإسلامي ، فقام بايزيد ببعث رسائل إلى كبار حكام الشرق الإسلامي يبشرهم بالانتصار
العظيم على النصارى ، واصطحب الرسل معهم إلى بلاطات ملوك المسلمين مجموعة منتقاة من
الأسرى المسيحيين باعتبارهم هدايا من المنتصر ودليلاً مادياً على انتصاره. واتخذ
بايزيد لقب (سلطان الروم) كدليل على وراثته لدولة السلاجقة وسيطرته على كل شبه
جزيرة الأناضول. كما أرسل إلى الخليفة العباسي المقيم بالقاهرة يطلب منه أن يقر هذا
اللقب حتى يتسنى له بذلك أن يسبغ على السلطة التي مارسها هو وأجداده من قبل طابعاً
شرعياً رسمياً فتزداد هيبته في العالم الإسلامي ، وبالطبع وافق السلطان المملوكي
برقوق حامي الخليفة العباسي على هذا الطلب لأنه يرى بايزيد حليفه الوحيد ضد قوات
تيمورلنك التي كانت تهدد الدولة المملوكية والعثمانية ، وهاجر إلى الأناضول آلاف
المسلمين الذين قدموا لخدمة الدولة العثمانية . وبعد هذا الانتصار عقد السلطان
بايزيد صلحاً من إمبراطور بيزنطة فك بموجبه الحصار على القسطنطينية مقابل دفع ما
يعادل عشرة آلاف دينار ذهبي ، والسماح للمسلمين ببناء مسجد لهم في القسطنطينية.
******************************************************************************************************************************************************************
المسلمون في البانيا
ها هي ألبانيا مطلع القرن الواحد والعشرين تعيش نفس الظروف التي مرت بها مطلع
القرن العشرين حين كانت خارجة لتوها من الحقبة العثمانية، فرأت فيها أوروبا مصدرًا
لذلك الخطر الإسلامي المزعوم، وكان أن تعرضت ألبانيا لضغوط دولية أوروبية شديدة،
فجرى تقسيم البلاد، واقتطاع أجزاء منها، وحتى يعترف العالم بالشطر الرئيسي أي:
ألبانيا -كما نعرفها اليوم- اشترط أن تكون محايدة وخاضعة للرقابة الأوروبية الدولية
الجماعية، وأن تقبل بملك ألماني على عرشها، وأن تستبدل بالحروف العربية بالحروف
الاتينية، وأن تفك علاقاتها الثقافية مع العالم الإسلامي، وأن تنحي الدين جانبًا،
فكانت ألبانيا علمانية حتى قبل تركيا بعشرة أعوام. هل هذه نظرة ذات بعد ديني متطرف
وأفق أيديولوجي محدود؟ أم أنها الواقع الذي يقفز عليه الكثيرون إذا ما أرادوا
الحديث عن أزمة الألبان في البلقان؟ عام 1371 يبدأ العثمانيون التوغل في قلب
البلقان، ويبادر الصرب إلى توحيد صفوفهم التي انفرط عقدها بعد وفاة دوشان الكبير،
وفي الثامن والعشرين من يونيو / حزيران عام 1389 يسجل العثمانيون بقيادة السلطان
مراد الأول نصرًا كبيرًا مبكرًا ضد الصرب في معركة (كوسوفا) الشهيرة، وفي عام 1393
يتمكنون من فرض الولاء على ألبانيا دون غزو أو قتال ليستمر الحال على هذا المنوال
أكثر من ستين سنة، كانت ألبانيا خلالها تتمرد بعض الأحيان ثم تعود للاستسلام بعد
استخدام القوة ضدها، وفي عام 1443 يتمرد حاكم ألبانيا (اسكندر بك) على السلطان
العثماني مستغلاً انشغال الأخير في محاربة الصرب، ويقوم بجمع القبائل الألبانية
وتوحيدها، وذلك لتأسيس وطن قومي للألبان، وطرد العثمانيين، ولكن في عام 1461 يعقد
العثمانيون معه معاهدة صلح بعد أن فتحوا القسطنطينية، وتفرغوا للبلقان، غير أن شوكة
الألبان تضعف بعد وفاة اسكندر بك عام 1468 مما يتيح للعثمانيين أن يتموا سيطرتهم
الكاملة على ألبانيا عام 1479. ولم يمضِ قرن من الزمان حتى دخلت الغالبية العظمى من
الألبان في الإسلام، وتبع ذلك أن أصبحت بلادهم ولاية عثمانية، وباتوا هم مواطنين
عثمانيين. عبدي باليتا:
"لم يُجبَر الألبان على اعتناق الإسلام من قبل العثمانيين لأن هؤلاء ما كانوا
ليجبروا الشعوب الخاضعة لهم على التحول عن دياناتهم، والدليل على ذلك أن البلغار
والصرب واليونانيين لم يتحولوا إلى الإسلام، فيما دخل البوسنيون والألبان طواعية
فيه، وذلك باعتقادي لحفظ أنفسهم من الذوبان في جيرانهم، بالإضافة لما للألبان من
اهتمامات سياسية وقومية، فضلاً عن تميزهم بتفكيرهم البراجماتي الاقتصادي". في
المقابل اعتقاد آخر بأن تحول ألبانيا بأسرها إلى الإسلام في أقل من قرن بعد
امتناعها لقرون طويلة عن الذوبان في هوية محتليها إنما بسبب أن الألبان عرفوا للمرة
الأولى في حياتهم الاستقرار النسبي، ونعموا بازدهار أوضاعهم الاجتماعية
والاقتصادية، وتأثروا بنظام العدالة والإدارة الذي أقامه العثمانيون بداية عهودهم
وكان أكثر تطورًا وثباتًا من الأنظمة السابقة عليه، وما يُزكي هذا الاعتقاد أن
الألبان لم يتحولوا فقط إلى الإسلام، وإنما لعبوا دورًا هامًّا ورئيسيًّا في الدولة
العثمانية، وانخرطوا في أجهزتها السياسية، حتى شغل أكثر من ثلاثين منهم منصب الصدر
الأعظم، الذي هو بمثابة منصب رئيس الوزراء في الدولة الحديثة، كما كانوا من أشهر
القيادات العسكرية في الجيش العثماني بفتوحاته الشهيرة، وإذا شئنا أن لا نجامل
لقلنا: أن الذاكرة العقابية للغرب لم تشأ أن تغفر للألبان أبدًا هذا الدور بالرغم
من أنهم بادروا إلى تأسيس رابطتهم القومية عام 1878 في مدينة (بريزرن) بـ(كوسوفا)
سعيًا للاستقلال عن الدول العثمانية، ونجحوا في أن ينتزعوا منها حق الحكم الذاتي
عام 1912، إلا أن روح الانتقام ظلت تتلبس أوروبا التي لم تخف يومًا مخاوفها من وجود
دولة إسلامية على أراضيها، ومن ثم قررت وبوسائلها الدبلوماسية المعهودة تقسيم
الأراضي الألبانية، وبعثرتها بين أربع دول مجاورة هي: اليونان ومقدونيا وصربيا
والجبل الأسود، لتصبح مساحتها ثمانية وعشرين ألف كيلو مترًا مربعًا من أصل ثمانين
ألفًا، وليعيش فيها اليوم أكثر من ثلاثة ملايين نسمة، بينما يعيش في الأراضي
الألبانية الأخرى أكثر من ضعف هذا العدد. عقاب أوروبا للألبان عن دورهم في الدولة
العثمانية نفذ بمباركة دولية عبر أربعة مؤتمرات شهيرة هي: مؤتمر (سان ستفانو) في
مارس 1878، فمؤتمر (برلين) في يونيو حزيران 1878، ثم مؤتمر (لندن) 1913 المنعقد بعد
هزيمة تركيا في حرب البلقان الأولى، ومؤتمر (باريس) 1919 بعد الحرب العالمية
الأولى، والذي قامت الدول المنتصرة خلاله برسم حدود الدول والكيانات في البلقان،
وأوجدت دولاً لم تكن موجودة، ومزقت أخرى كانت موحدة. وفي ديسمبر عام 1920 تحصل
ألبانيا على عضوية عصبة الأمم، لتكسب بذلك الاعتراف الدولي كدولة ذات سيادة، لكن
بعد أقل من عشرين عامًا تتعرض ألبانيا للاحتلال الإيطالي، وفي نوفمبر عام 1941 يؤسس
(أنور خوجة) الحزب الشيوعي الألباني، الذي يباشر بعد عام حرب تحرير ضد إيطاليا،
التي تستسلم لقوات الحلفاء في أغسطس عام 1943، ويتمكن المقاتلون الألبان من هزيمة
القوات الإيطالية، لكن ألمانيا تحتل ألبانيا في نفس العام، إلى أن تنجح قوات الحزب
الشيوعي بزعامة أنور خوجة في تحرير أراضيها، وتنسحب القوات الألمانية، ولتبدأ
الحقبة الشيوعية في البلاد. مويكوم زيكو:
"لقد كانت الشيوعية في ألبانيا قوية جدًّا وراسخة، كانت نظامًا (ستالينيًّا) قضى
على حريات الشعب، وعلى حقه في التدين، وعلى العديد من حقوق الأفراد والمجتمع، لكن
خلال الحقبة الشيوعية تم بناء الكثير من المدارس، وبناء أول جامعة وأكاديمية
للعلوم، والعديد من المؤسسات الثقافية، إلا أن الكثير من الجرائم ارتكبت، والكثير
من المشاكل ظهرت". في أيام الشيوعية عُزلت ألبانيا تمامًا عن محيطها الأوروبي
والدولي، وغُيبت الحريات العامة تمامًا، وانتهكت حقوق الناس الذين عاشوا أحلك
أيامهم في ظل زعيمهم الشيوعي أنور خوجة، الذي حول ألبانيا من الدولة المسلمة
الوحيدة في أوروبا، إلى الدولة الملحدة بالكامل في العالم كله، بعد أن حارب الأديان
بصفة عامة، والإسلام بصفة خاصة، حربًا شعواء لا هوادة فيها أدت إلى تدمير المساجد
أو تحويلها إلى متاحف ومخازن ومتاجر، وحلت جميع المؤسسات الدينية، وتم تصفية
أملاكها وأوقافها، وحظرت العبادات والشعائر حظرًا تامًا، وعوقب المخالفون بعقوبات
صارمة وشديدة لا مثيل لها في قوانين أخرى أو واقع آخر في العالم. عام 1985 يُتوفى
أنور خوجة ليخلفه (رامز عليَّة) الذي بدأ في إدخال بعض الإصلاحات تدريجيًّا من أجل
إنعاش الاقتصاد.
وفي عام 1989 ومع سقوط الشيوعية في أوروبا الشرقية، بدأت التحركات المعادية
للحكومة لتجرى أول انتخابات متعددة الأحزاب عام 1991 يفوز بها الاشتراكيون، لتعقبها
انتخابات مبكرة في العام التالي يفوز بها الديمقراطيون، لكن البلاد تشهد عام 1997
موجة من الاضطرابات نتيجة انهيار شركات توظيف الأموال، وتعم الفوضى البلاد، مما
يدفع بالأمم المتحدة لأن ترسل قوات أمن أوروبية بقيادة إيطاليا. وفي التاسع
والعشرين من يونيو/حزيران من نفس العام، تجرى انتخابات تشريعية مبكرة يفوز بها
الاشتراكيون.
بحسب إحصاءات عام 1989، فإن الخارطة الدينية لألبانيا تفيد أن المسلمين يشكلون
70% سبعين بالمائة من سكانها، والأرثوذكس 20% عشرين بالمائة، والكاثوليك 10% عشرة
بالمائة، ولذلك نجد أن رئيس الجمهورية يكون دومًا من المسلمين، فيما رئيس الوزراء
من الأرثوذكس، ورئيس البرلمان من الكاثوليك، وذلك في اتفاق غير مكتوب بينهم. تقام
صلاة الأحد في (كاتدرائية شكودرا) التي هي المركز الديني الرئيسي للكاثوليك في كل
ألبانيا، والتي كانت قد حولت إلى نادٍ رياضي إبان حملة أنور خوجة ضد الأديان بعد
عام 1967، وحيث يشكل الكاثوليك 50% خمسين بالمائة من سكان (شكودرا) والغريب أن هذه
المدينة التي تعد عاصمة الشمال، ومركز الكاثوليك في الوقت نفسه، تشهد نشاطًا
دينيًّا مكثفًا سواء من الكاثوليك أو من المسلمين، أو حتى من مجموعات ومنظمات دينية
مختلفة قدمت من أنحاء مختلفة من العالم. وفي كل الأحوال فإن الفقر يوحد الجميع، حيث
تفيد الإحصاءات أن البطالة قد زادت نسبتها عن 40%، وأن أكثر من 60% من السكان
يعيشون تحت خط الفقر، وأن متوسط دخل الفرد لا يزيد عن خمسين دولارًا شهريًّا، تدهور
الأوضاع الاقتصادية لا يلحظه المرء هنا فقط، وإنما في كل ألبانيا. وإذا ما غادرنا
مدينة شكودرا سنفهم أن 70% سبعين بالمائة من الشعب الألباني يعمل بالزراعة، وسيحكي
لنا (جونجوزي) عن سوء حال أسرته المكونة من ستة أشخاص، وهو الفلاح الفقير المغيب
لسنتين في معسكرات الاعتقال الشيوعية، والمهاجر لبيته في أقصى الشمال الألباني
بحثًا عن الرزق، وكل أحلامه الآن أن يتمكن أولاده من السفر إلى (إيطاليا) أو
(اليونان) ليحققوا ما عجز عنه. هذا الواقع الداخلي المؤلم أوجد مناخًا ملائمًا
للتدخل الخارجي، الذي اتخذ أشكالاً متعددة، بِدءً من الثقافي والديني، ومرروًا
بالسياسي والاقتصادي، وانتهاءً بالعسكري، وهو التدخل الذي في كل أحواله كان يرفع
شارات السلام والإخاء والمحبة، وشعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وأهداف
الحداثة والمعاصرة واللحاق بالعصر. عشر سنوات مرت منذ أن سقطت الشيوعية في ألبانيا،
وانفتحت أبوابها على مصراعيها ليأتي العالم كله إلى هنا، فماذا فعل؟ وماذا يفعل؟
الانتقال من مدينة (فلورا) إلى مدينة (سارا ندا) لا يعني فقط قطع مسافة تصل إلى
مائة وخمسين كيلو متراً، وإنما يعني أيضًا التحول من المعسكر الإيطالي إلى المعسكر
اليوناني، وهما المتنازعان على ألبانيا، فموقع هذا البلد الاستراتيجي جعلها تدفع
على مر التاريخ ثمنًا فادحًا، فألبانيا لا تبعد سوى أميال معدودة عن اليونان صاحبة
الميراث (الأرثوذكسي) وحاميته، وأميالاً أخرى معدودة وحاميته وأميالاً أخرى معدودة
عن إيطاليا عاصمة (الكاثوليكية)، والاثنان هما خصمان لبعضهما لقرون طويلة، حاول كل
منهما خلالها بسط سيطرته العسكرية أو نشر نفوذه الديني في ألبانيا، وإذا كنا قد
لاحظنا النفوذ الإيطالي في (فلورا)، فإن بوسعنا أن نلحظ الحضور اليوناني القوي في
الجنوب بصفة عامة، و في مدينة (سارا ندا) بصفة خاصة. ثمة نزاع ديني مسيحي بين
اليونان و الألبان يعود لعام 1937 عندما تأسست الكنسية الأرثوذكسية الألبانية في ظل
رفض اليونان، التي كانت تريدها منضوية تحت لواء كنيستها والأب (نيكولا ماركو) راعي
كنيسة القديسة (ماريا) في مدينة البسان، يمثل اليوم رمز المعارضة الألبانية للدور
الديني لليونان في ألبانيا. ربما يستدعي الأمر التفكير بأن المسألة التي نبحثها
إنما تقصد الإشارة إلى استغلال الدين في مسائل وأهداف أخرى، لكنها لا تمس أبدًا
احترامًا يجب أن يبديه المرء تجاه الديان والعقائد على اختلافها، وهو ما يسهل لنا
أن نواصل الحديث لنشير إلى الجهود اليونانية المبذولة لتغيير الهوية العقائدية
للناس هنا. الأب نيكولا ماركو:
"إن أسلوب الطقوس هو أحد وسائل تدمير الأمة، حيث يتم تحويل الكثير من المسلمين
إلى الديانة الأرثوذكسية، وذلك بعد أن أوهموهم بأن عليهم تغيير دينهم إذا ما أرادوا
الحصول على وظيفة في اليونان، وهو أمر غير مسموح به في الإنجيل، إنهم يطلبون منهم
تغيير أسمائهم، ثم يقومون بتعميدهم". المشكلة أن هذا النشاط التبشيري السياسي -إذا
صح التعبير- يمتد في أنحاء الجنوب وفي (سار ندا) وهي المدينة ذات الغالبية المسلمة
سنجد كنائس متعددة، وأطلال مسجد واحد دمر في ظروف مجهولة، وسنعلم أن هيئات الإغاثة
الإسلامية منعت من ممارسة نشاطها في المدينة، وسيكون ملاحظًا في المنطقة كلها
الجهود المبذولة لتغيير الهوية. الانتماء الجغرافي يفيد أن ألبانيا أوروبية،
والانتماء العقائدي يفيد أنها إسلامية اعتبار أن سبعين بالمائة 70% من سكانها عضوًا
في منظمة المؤتمر الإسلامي، وذلك في خطوة حماسية من قبل رئيسها حينذاك صالح بريشا،
غير أن العالم العربي الإسلامي -كالعادة- لم يقدم له شيئًا، فيما حسبته أوروبا
متشددًا على موقفه هذا، حتى أن هناك من يقول: أن أحداث انهيار شركات توظيف الأموال
عام 1997، والإطاحة بصالح بريشا إنما كانت تدبيرًا أوروبيًّا عقابيًّا على دوره
التقاربي مع العالم الإسلامي، وعلى الرغم من محافظته على ولائه للغرب.
لكننا في (تيرانا) التي باتت عاصمة لألبانيا منذ عام 1920، واقترب عدد سكانها من
نصف مليون نسمة، سنفهم أن العالم العربي -في الواقع- قدم الممكن الأقل على المستوى
الشعبي ، وها هي مجموعة من الشباب العربي تعمل في إدارة هيئات إغاثية إسلامية، وفي
ظل ظروف شديدة التعقيد، فحكوماتهم تنظر إليهم بعين الشك من أن يكونوا منضويين تحت
عباءة جماعات إسلامية معادية لها، كما أن الفوضى الإدارية والأمنية -التي تعيشها
ألبانيا- تزيد الأمر سوءًا، فضلاً عن عملهم بجانب المنظمات الدولية الأخرى غير
المرحبة بهم.
محمد الواعي:
"أولاً: نحن هنا مجلس تنسيقي ينسق بين المؤسسات الإسلامية الموجودة على الساحة
الألبانية هنا، وهذه المؤسسات كلها مؤسسات شعبية، يعني قائمة على استجلاب الدعم من
أهل الخير، ومن أبناء الخير من بلاد العالم الإسلامي في شتى ربوعه، يعني تعرض
مشاريع مختلفة مدعومة بالأوثقة علىبعض المتبرعين من أهل الخير في مشروع الأيتام،
مشروع التعليم ..إلى أخره،اهل الخير من ابناء المسلمين من التجار الخيرين ومن غيرهم
ومن المتبرعين تقومون بارسال مندوب او ياتون بانفسهم او تستقصون الحقائق حتى
يتأكدوا او يروا مصداقية هذه المبادرات , ثم بعد ذلك يقومون بتمويل هذه المشاريع
لفترة معينة او فترة مفتوحة. فما هي إلا مؤسسات شعبية قائمة على أكتاف أهل الخير من
بلاد العالم الإسلامي، وعلى تبرعات أهل الخير فليست هناك علاقات بالحكومة، أو إلى
آخره، فهي مؤسسات شعبية أولاً وأخيرًا".
و الواقع ان الهيئات الإسلامية قدمت عشرات الاعمال و المشاريع على مدار السبع
سنوات الماضية وما زالت، وفي المجالات الاجتماعية والصحية والتعليمية.
يقول الشيخ صبري كوتشي: "من أهم الاحتياجات تجهيز الطلاب بالعلم والعلماء، يعني
لكي يكونوا قائمين بإرادتهم وقوتهم الروحانية، يعني يطلبوا الدعاء بالمعلمين،
المعلمين القرآن والدين، نحتاج للمعلمين، ولكن المعلمين -الحمد لله- توجد، توجد
ولكن ينقص الرواتب الشهرية". غير أن المأخوذ على الدور الإسلامي الشعبي أنه حضر
اجتماعيًّا وثقافيًّا، دون أن تكون له أبعاد اقتصادية أو سياسية مؤثرة.
عبدي باليتا:
"إن اليونانيين يسرقون أسماءنا وشخصياتنا وتاريخنا وهويتنا، إننا في حاجة إلى
التضامن الإسلامي، ربما"نحن نعاقب الآن لكوننا لسنا مسلمين صالحين، ولكنَّ هذا ليس
خطأنا، إننا أطفال إذا ما قورنا بالدول الإسلامية الأخرى، نحن نحتاج تفهمًا ومساعدة
مع استثمارات، إن الدول الإسلامية شديدة البطء، لكنَّ الهيئات الإسلامية أدت عملاً
طيبًا، لقد ساعدوا الجميع بغض النظر عن الدين". هذه هي ألبانيا اليوم، تنوع عرقي
داخلي، ومعاناة اقتصادية خانقة، وطبقة صغيرة تهيمن على المال والحكم، وتشتت قومي في
الخارج، وخلافات مع الجيران، هذه هي ألبانيا اليوم: دولة ذات غالبية مسلمة، وأقلية
أرثوذكسية محاطة ببلاد ذات غالبية أرثوذكسية، وأقلية مسلمة، هذه هي ألبانيا اليوم،
ألبانيا الأم بعد أن أقتطع المشرط الدولي منها شطرًا راح هنا، وشطرًا راح هناك.
----------------------
*************************************************************************************************************************
الإنحلال و نهاية الدولة العثمانية
مختارات من بحث :
شيخ علماء الإسلام
* محمد زاهد
الكوثري
عصره وآراؤه, دراسة تحليلية لمؤلفاته, وآرائه الإصلاحية
تأليف: الدكتور عمار جيدل, كلية العلوم الإسلامية, جامعة الجزائر
أولا: مسرح الأحداث
1/1 فرشة عن الدولة العثمانية
فهم شخصيات عثمانية تركية، يقتضي الإحاطة بالظروف الحضارية التي كانت فيها هذه
الشخصية فاعلة ومتفاعلة، لهذا أرى نفسي ملزما بعرض صورة مختصرة عن تلك الظروف
السياسية والفكرية والاجتماعية،لنر دفه بعد ذلك بتعريف موجز بشخصيتنا المختارة
ومجمل آرائها الإصلاحية ومنزلتها.
عاش هؤلاء هذا العلم أعزّ أيامهم في كنف الدولة العثمانية وبالتحديد في أواخر
أيامها ، دولة كانت نواتها الأولى عشيرة من الترك تسكن في أنحاء الأناضول( )، لهذا
بدأت الدولة وفق السنن الكونية صغيرة على يد عثمان بن أرطغرل(699هـ/1299م) ( )
المتحمّس للعقيدة الإسلامية ومشاورة الفقهاء، حيث أوصى ابنه وهو على فراش الموت
بتوقير العلماء والتزام الشرع الشريف، والتشاور مع أربابه في كل ما تقدم عليه،
وعليك بتعظيم أمر الله والجهاد في سبيله وإعلاء كلمته( )
فظهرت الدولة العثمانية قوية منذ أيامها الأولى ،جمعت إلى الطبيعة العسكري
لأفراد جيشها( ) قوة السلاح و قوة الإيمان، فخولت لهم هذه العناصر عبور البحر
الأسود (757هـ/1356م)( )ثم فتح القسطنطينية(857هـ/1453م)،فامتد سلطانها إلى سائر
بلدان شبه جزيرة البلقان. وواكب هذا الفتح تنازل المتوكل على الله عن
الخلافة(922هـ/1517م)لهم، كما تزامن مع انضمام سوريا ودخول العثمانيين مصر، واستلام
السلطان العثماني مفاتيح الحرمين الشريفين من ابن شريف مكة، وأصبح بذلك خليفة
المسلمين( ).
وتوالت الفتوحات تترى الواحدة بعد الأخرى، فشملت آسيا وأوربا وإفريقيا مستغلين
في ذلك الظروف الدولية التي مرت بها المنطقة( )، وخاصة انقسام المسلمين إلى دويلات
متناحرة متنافرة يتهددها الصليبيون من كل جهة.
وقد ساهم احترام وصية المؤسس الأول في نجاح الدولة وسرعة بسط سلطانها على كثير
من بلاد المسلمين، استجابة منهم لداعي نصرة المسلمين الذين يهددهم الصليبيون من كل
جهة ، لهذا حق فيهم في تلك الفترة اسم منقذ العالم الإسلامي من الاندثار،إذ ما كان
مستبعدا أن تتقلص دولة الإسلام، والإسلام نفسه كدين عالمي من تلك الديار باستقرار
الصليبيين فيها( ).
وفي ذلك يقول محرم( )
لولا بنو عثـــمان والسنن الذي--- شرعوا لما وضح السبيل الأقوم
سطعوا بآفاق الخــلافة فانجـلى--- عنها مــن الحدثــان ليل مظلم
فهــم ولاة أمورها وكفـــاتها--- وهم حماة ثغـورها ، وهم هم( )
واستقر العمل في الدولة على النسق نفسه إلى أن بلغت الدولة ذروتها في عهد
السلطان سليمان القانوني (1512ـ1520م)بعد تغلبه على الشاه الصفوي ( ) وهيمنته على
المقدسات الإسلامية ودخولها تحت إشرافه( )، وقد واكب هذا النمو والازدهار ظهور بعض
بوادر التململ في المجتمع العثماني ، تململ كانت له صلة بالتطور العلمي الذي ظهر في
أوربا مما بعث في الأوربيين أحقادهم الصليبية من جديد و أطمعهم في بلاد
المسلمين،فخططوا لضرب الدولة العلية وإضعافها ليتسنى تقسيمها في قابل الأيام ( )،
وقد ساهم في مشاريع الإجهاز على الدولة نخبة المجتمع الأوربي كما تؤكده شهادة
دجوفارا وزير خارجية رومانيا في كتابه” مائة مشروع لتقسيم الدولة العثمانية “ ،
الذي أكّد مساهمة أغلب الدول الأوربية ((فرنسا ، إنجلترا ،روسيا، بلجيكا ، هولندا ،
إسبانيا،… ) بكفاءات علمية وسياسية وعسكرية عالية المستوى(رجال الدين ، والساسة ،
والأدباء، والأطباء ، والعسكر( … في مشاريع الإطاحة ، منهم على سبيل المثال لا
الحصر لايبنيتز وبوانكرييه وفولتير وغيرهم كثير…( ) بلغ الأوربيون ما أرادوا على
حين غفلة من العثمانيين ، فغزت فرنسا الجزائر(1830م) ثم احتلت تونس ، وامتلكت
إنجلترا قبرص ثم غزت مصر ، واحتل الروس رومانيا (البغدان …) مما أظهر التنافس على
تركة الرجل المريض حسب تعبير قيصر روسيا للسفير الإنجليزي ( ) وتجاوزا لهذه
المؤامرات ظهرت عدّة محاولات إصلاحية بغرض منع سقوط الدولة أو اللحاق بالآخر حينا
آخر، أو بهدف تمثّل مسلكه الإداري دون الوقوع في شراك أفكاره .
فظهرت محاولات إصلاحية وفق المنظور الإسلامي الأصيل على يد عثمان الثاني
(1032هـ/1629م …) ثم ظهرت محاولات الإصلاح وفق النمط الغربي على يد سليم
الثالث(1222هـ/1807م)، أضفى عليها السلطان عبد المجيد صبغة رسمية مستعينا بأحد
المعجبين بالفكر الغربي (مصطفى رشيد(.
وبرزت إلى الوجود محاولات إصلاحية تلفيقية على يد أحمد الثالث(1143هـ/1730م)،
والصدر الأعظم إبراهيم باشا(1154هـ/1742م) ( ). وتلافيا لهذه الوضعية الخطيرة حاول
السلطان عبد الحميد الثاني إرجاع الدولة إلى سابق عهدها المجيد ، فعمل على صد
التيارات الانفصالية وحل المشاكل التي تتخبّط فيها الدولة ، فعمد إلى الحيلة
والتحايل من أجل حماية هذا الدرع الواقي لرسالة الإسلام من الاندثار،وحكم البلاد من
جرّاء ذلك أكثر من ثلاثين سنة(1876ـ1909م) ، عاش في ظلها الكوثري أعزّ أيامه، ولهذا
يعد التفصيل في وصف ذلك العصر مفتاحا أساسيا في فهم شخصية الكوثري وكيفية تفاعله مع
الأحداث السياسية والثقافية التي عاصرها في العهد المشار إليه أو الذي تلاه وخاصة
فترة حكم الاتحاد والترقي ثم مرحلة الكماليين.
1/2عهد السلطان عبد الحميد الثاني:
استهل عمله في ظل ظروف مأساوية بدأت بوفاة عمه عبد المجيد (1277هـ/1861م)
واغتيال أخيه عبد العزيز(1293هـ/1875م)، وقد صادف ذلك تسرّب الأفكار المناهضة
للأصالة الإسلامية من خلال مراد الخامس الذي كانت تربطه بالدوائر الإنجليزية
والماسونية علاقات حميمة بواسطة مدحت باشا ( ).
بدأ السلطان حركته الإصلاحية بوضع صيغ فعّالة للحد من خطورة التوجهات الانفصالية
المشجعة من قبل الأوربيين ( ) ، قال السلطان عبد الحميد الثاني :" منذ قرن كامل
خبرنا بآمال ونوايا العناصر البلغارية والروسية في الاستقلال الذاتي، يسعى البلغار
والسلاف نحو التخلّص من حكم العثمانيين"( )
كما عمل في ذات الوقت على منع التدخّل الأجنبي في الشؤون الداخلية للدولة والحد
من خطورة الحركة الدستورية ( كانت على أشدّها في تلك المرحلة) ( ) بهدف بعث حركية
سياسية إسلامية جديدة تتوخى تطبيق الشريعة وتتمثّل مقاصدها ، فبدأ بخاصة نفسه آمرا
بالمعروف وناهيا عن المنكر ومحاربا لمظاهر الفساد الإداري والسياسي داخليا وقطع
الطرق عن الأطماع الأجنبية خارجيا مع تقشّف متميّز. وفي هذا الجو السياسي المشحون
بالمؤامرات ظهرت عدّة حركات سياسية جديدة بعضها متّصل بالأمة وآمالها وآلامها،
وبعضها الآخر يتوخى تحقيق رغبة الآخر في البلاد العثمانية، فمن الأولى كانت حركة
الجامعة الإسلامية، ومن الثانية كانت حركات الاتحاديين والكماليين.
1/2/1 الجامعة الإسلامية والخلافة الإسلامية:
ظهرت الجامعة الإسلامية كفكرة فعالة على الساحة السياسية في النصف الثاني من
القرن التاسع عشر الميلادي على يد شخصيتين عالميتين، أولاهما جمال الدين الأفغاني (
)، و ثانيتهما السلطان عبد الحميد الثاني.
حاول من منصبه السياسي استغلالها باستعطاف المسلمين نظرا للظروف الصعبة التي تمر
بها بلاد المسلمين بصفة عامة،و خاصة في ظل عدم وفاء الأوربيين بما أبرم من اتفاقات
في مؤتمر برلين(1878م)، وتسرّب تيار الإصلاحات وفق المنظور الغربي في دواليب السلطة
وقد واكب ذلك أزمة مالية خانقة مصحوبة بتحديات عسكرية( ).
ورغم اتفاق الرجلين من حيث الغاية إلا أنهما-للأسف الشديد-اختلفا من حيث الوسائل
والأساليب المحققة لتلك الغايات.
فالأول: يرى أن أقصر طريق وأنجعه يتلخّص في الثورة على الأنظمة ثم تتحد
الحكومات، ولهذا اتهم بتأسيس جمعيات سرية و خاصة بعد قتل الشاه( ) الذي أتهم بقتله
أحد مريديه، وقد قالوا بأنه قال حين قتله خذها من جمال الدين".
أما الثاني:فيرى الحل في إحياء الدعوة إلى الخلافة التي تمثّلها الدولة
العثمانية.
لهذا لم يعمّر اتفاقهما طويلا نظرا لاختلاف المسلكين، وتذكية خلافهما من قبل
قوى( ) لا تريد الخير للأمة،فأفلت فكرة الجامعة الإسلامية، لتظهر بعد ذلك على يد
السلطان عبد الحميد الثاني في ثوب جديد عرف باسم الخلافة الإسلامية.
بدأ السلطان دعوته إلى الخلافة ( سنة 1904م)، وذلك بعد أن هيّأ لها الشروط
الموضوعية-حسب تقديره- بغرض قطع الطريق على التيار الدستوري( )والحيلولة دون توغّل
الأوربيين في البلاد، والسعي إلى إحكام السيطرة على الولايات العربية وغيرها من
الولايات. حاول السلطان وخز الضمير الإسلامي في الداخل والخارج لعلّه يظفر بنصير
لمواجهة الاستدمار العالمي،إلا أن الأزمات الداخلية حالت دون بعث عناصر ديمومة فكرة
الخلافة الإسلامية( )، ورغم المصاعب المحيطة به من كل جانب لم ينثن وقام بأعمال
جبارة لم يكتب لها النجاح المنتظر للأسف الشديد.
وتتلخّص تلك المحاولات في التركيز على مواجهة الأفكار الأوربية المتلبّسة
بالتنظيمات الدستورية في الداخل من خلال الدعوة إلى إحياء الخلافة والالتزام الفعلي
بأحكام الشريعة الإسلامية.
بدأ السلطان بخاصة نفسه متقشّفا آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر( )محاربا لمظاهر
الفساد مع عمل دؤوب من أجل تحقيق الإصلاح الشامل.
أنشأ شبكة الطرقات بهدف تخفيف كلفة النقل( )، وأنشأ المؤسسات العلمية كجامعة
استنبول والعسكرية كالكليات العسكرية والمدارس التعليمية( )،كما سعى إلى بعث إعلام
فعّال بإنشاء المجلات والنشريات والدوريات( )، وحاول في الوقت نفسه إصلاح التعليم
بإدخال العلوم الدينية واللغة العربية في المقررات الرسمية، وتشجيع استعمال لغة
القرآن في المجال الثقافي والعلمي، وهذا رغم العراقيل التي وضعها محمد سعيد باشا،
ومنع إطلاق الترجمة الأوربية للأسماء العربية والتركية على الشوارع( )هذا على
الصعيد الداخلي،أما على الصعيد الخارجي فقد منح الأولوية للحد من نفوذ إنجلترا
وفرنسا وروسيا في الدولة العثمانية،فرغب في التقارب مع ألمانيا والاستفادة من
خبراتها العسكرية في تنظيم الجيش مع استثمار صلاته الدبلوماسية من أجل الاستفادة من
الخبرة البحرية الإنجليزية( ).
وقد نتج عن التقارب العثماني الألماني زيارة ولهلم الثاني للآستانة حيث طمأن
خلالها السلطان، وأكّد له مساندة الشعب الألماني لخليفة المسلمين( ).
وقد شلّ اليهود والماسونيون محاولات الإصلاح الداخلية والخارجية بهجمات سياسية
شرسة، و خاصة بعد فشلهم في إقناعه ببيع فلسطين ، حيث يقول ردا على رغبتهم في شراء
فلسطين:"نكون قد وقّعنا قرارا بالموت على إخواننا (أهل فلسطين) في الدين…لا يريد
الصهيونيون إنشاء حكومة لهم وانتخاب ممثلين سياسيين عنهم ، وإني أفهم جيدا معنى
تصوراتهم …إن هرتزل يريد أرضا لإخوانه في دينه "( ) و قد سجّل تيودور هرتزل (الباعث
الأول لفكرة الدولة العبرية في فلسطين في مدينة بال السويسرية) للسلطان إخلاصه
لدينه ووطنه حيث قال عنه:" إنه لا يتخلى أبدا عن القدس "( ) ، كما سجّل أنه قال
لمبعوث اليهود الراغب في شراء فلسطين:" لا أقدر أن أبيع ولو قدما واحدا من البلاد
لأنها ليست لي بل لشعبي ، لقد حصل شعبي على هذه الإمبراطورية بإراقة دمائهم وسوف
نغطيها بدمائنا قبل أن نسمح لأحد باغتصابها منا …لا أستطيع أبدا أن أعطي أي جزء
منها ، ليحتفظ اليهود ببلايينهم"( )
لم يرفض السلطان بيع فلسطين فحسب، بل رفض المساومة والسمرسة نفسها، وأكد هرتزل
هذه المعاني بوضوح،بيّن من خلاله عدم رضوخ السلطان للترغيب والترهيب الذي سلّط عليه
من كل جانب،وردا لما بذله اليهود من وسائل ترغيب وترهيب، يقول السلطان عبد الحميد
الثاني : " فإذا قسمت الإمبراطورية فقد يحصل اليهود على فلسطين بدون مقابل إنما لن
تقسم إلا جثثنا ولن أقبل بتشريحها لأي غرض كان "( )
استغل اليهود الظروف المحلية والدولية أحسن استغلال فأوغروا قلوب الأوربيين عليه
بما أوتوا من مكر و خديعة متأصّلة فيهم…وظلوا على تلك الحال من غير ملل أو كلل إلى
أن تمّ لهم المراد فخلع السلطان بأيد محلية (وطنية) -وإمعانا في الانتقام بلّغه
قرار خلعه الوسيط اليهود( قره صو) الذي ردّه خائبا في محاولات شراء فلسطين( ) ولّد
تسارع الأحداث السياسية ظهور أحزاب سياسية تتبنى طرحا مغايرا للاتجاه الأصيل في
الأمة ولهذا تعد في أحسن أحوالها محاولة لتمكين القيّم الغربية من المجتمعات
الإسلامية.
سمح الوضع الجديد بانكشاف المستتر من الجمعيات المتسرّبة في المجتمع
العثماني،فنادى بعضهم بالإصلاح الجذري وفق المنظور الغربي، واختارت مجموعة أخرى
التلفيق بين الموروث الإسلامي والفكر الغربي،…واحتدم الصراع بين الفريقين في
المجتمع العثماني،فكانت الغلبة للمجموعة الأولى بقيادة مدحت باشا(
)(1238هـ-1301هـ)-(1822م-1883م) الذي يعد جهده امتدادا مرتقبا لفريق متأصّل الجذور
في المجتمع العثماني( )
حاول مدحت باشا تطبيق النظام الإنجليزي في الإدارة والحكم، فوضع الدستور للحد من
صلاحيات السلطان الذي اختاره لمنصب الصدارة العظمى إرضاء للمجتمع العثماني
المريض،يؤكد هذا المعنى قول السلطان:"لم أكن أستطيع الوقوف أمام تيار ذلك العهد،كنت
مجبرا على التعاون معهم،فقد كان من الضروري أن أتقدّم لشعب مريض أفصح أن اسم مدحت
باشا يساوي في حساب الجمل ( ) دواء الأمة أن تقدم له الدواء الذي طلبه"( ).
اقترح الفريق المتسلّط الجديد إضافة الصليب إلى راية الدولة إرضاء للغربيين، كما
عمل على تدريس اللغات القومية في المدارس الرسمية للدولة( )، وإمعانا في خدمة
الأوربيين عينوا ولاة من غير المسلمين في ولايات أغلب سكانها مسلمين، وسمحوا
بالتحاق الطلبة غير المسلمين بالجيش والمدارس الحربية خاصة الأرمن المعروفين بسوء
أخلاقهم وعمالتهم للدول الغربية.
ليس هذا فحسب، بل أقحم الصدر الأعظم(مدحت باشا) الدولة العثمانية في حرب خاسرة
ضد روسيا(1877م)، ونجم عنها قبول معاهدة سان ستيفانوس(03/03/1878م)،نالت الدولة
العثمانية المهيبة( ) بموجبها ذلا لا تحسد عليه،تدخّل بعدها السلطان بغرض تخفيف
آثارها الوخيمة،فعقد بموجب ذلك مؤتمر برلين(13/07/1878م) ( )، وأقيل بعدها مدحت
باشا ونفي بموجب الدستور( )،أرجع بعدها إلى الواجهة السياسية للدولة بإيعاز من
السلطان نفسه وهو أمر يدعو إلى الدهشة والاستغراب.
وقد واكبت هذه الحركة مجموعة أخرى ركّزت إصلاحاتها على الاستفادة من التجربة
الإنسانية الأوربية في مجالات مخصوصة، منها أساليب الحكم والإدارة والثقافة
والاجتماع وخاصة ما جاءت به الثورة الفرنسية من مثل الحرية والمساواة والعدالة، مع
العمل على إيجاد مسوغات شرعية للاقتباس من أوربا،فأرجعوا النظام البرلماني الأوربي
في إنجلترا وفرنسا إلى الشورى في الشريعة الإسلامية( ).
مثّل الاتجاه ودافع عنه المفكر العثماني ضياء باشا المفكر الوطني الملقّب بشاعر
الحرية وأب الوطنية( )بمفهومها العثماني،فقد كان متمسكا بالدولة العثمانية واستمرار
قوانينها ومعتقداتها التي تشكل أساس حضارتها( ) وتميّزها عن غيرها من الأمم الشرقية
والغربية.
فتحت هذه الاتجاهات السياسية المتنافرة باب الصراعات على مصراعيه،فظهر التشرذم
والتحزّب والانتصار للآخر بشكل علني، وصرّح على رؤوس الأشهاد برغبة جامحة في الدفاع
عن الأوربيين ومثلهم ثقافيا وسياسيا واجتماعيا، ثم توالى التنافس في صيغة الدفاع،
فركّز البعض على العمل السياسي الجماعي و اختار آخرون العمل الثقافي الفردي تهيئة
للعقول لقبول الأفكار الأوربية.
ثانيا: التيارات السياسية
عاصر زاهد الكوثري كثيرا من التيارات السياسية، وكانت له معها مساجلات كبيرة،فقد
ناقش كثيرا منها،فحفظت مؤلفاته مواقف صريحة من الاتحاد والترقي وتركيا الفتاة
والاتحاديين والكماليين، ولبيان ذلك اخترنا الحديث عنها باختصار في بداية الأمر.
2/1 الاتحاد والترقي:
تعرّض هذا الحزب إلى مضايقات كبيرة في بداية أيامه نظرا لإعلانه الصريح معاداة
الخلافة ، مما اضطره إلى العمل في سريّة تامة بدأها سنة(1317هـ/1899م) ليعقد مؤتمره
الأول في باريس (1320هـ/1902م) ثم مؤتمرا ثانيا (1324هـ/1906م) حرّض فيه على إبعاد
السلطان عبد الحميد الثاني بواسطة العصيان العسكري (الذي تم في إزمير واستنبول( )
ثم الأناضول سنة (1326هـ/1908م) .
نجح هذا الحزب جزئيا فمكّن لرجاله، ولكنه فشل في إبعاد السلطان نظرا لضعف موقفهم
السياسي ولما لقيه السلطان من تأييد المشائخ وبعض العسكريين المنادين بتطبيق
الشريعة( ) ، لكن ذلك لم يدم طويلا ،إذ استغلوا الظروف المحلية والدولية للانقضاض
على السلطان ،فبرزت الثورة المضادة قوية متسعة، وتمكنوا أخيرا من القيام بانقلاب
عسكري على السلطة القائمة و إبعاد السلطان في شهر أبريل(نيسان)1909م وسجنه في
سالونيك ( )(المدينة التي يهيمن عليها اليهود)، وطورد بموجب هذا الانقلاب خيرة
أبناء المجتمع العثماني .
مرت مرحلة حكم الاتحاديين بمرحلتين أساسيتين كانت أولاهما مهيئة لتحقيق الثانية،
أولاهما(1909ـ1914م)، وثانيتهما(1914ـ1918م)، انتهت الأولى باستياء شعبي كبير من
جراء استبدادهم وقلّة اكتراثهم بالموروث الثقافي والحضاري للأمة العثمانية، وعملا
منهم على امتصاص الغضب الشعبي المتزايد أقيل محمود شوكت باشا(1913م)( ) ، لتأتي
المرحلة الثانية التي استبشر العامة بها خيرا ، ولكن الأحوال بقيت على حالها سواء
من ناحية الخلفية العقدية للدولة أو من حيث الوضع السياسي والاجتماعي المتردي لأنهم
سرعان ما عادوا إلى ما عرفوا به في سالف الأيام( ).
2/2 التاريخ السياسي للاتحاديين
تسرّب الاتحاديون إلى مواقع القرار في الدولة العثمانية، ومن ثمّ عمدوا إلى
اتخاذ قرارات جائرة باسم الدولة،فأشاعوا التقتيل باسمها وتحت لوائها و أغروا بتلك
التصرفات الرعناء القوميات على المطالبة بالانفصال،استحوذوا بعدها على أغلب مقاعد
المجلس الوطني بطريق المكر والخداع.
خلصت لهم بعدها الهيمنة على مصادر القرار في المجتمع العثماني بغرض الانتصار
للقومية الطورانية على حساب القوميات الأخرى المكوّنة للمجتمع العثماني، وانتصارا
لتلك القومية منعوا التحدث باللغة العربية في المجلس الوطني، كما منعوا تدريسها في
المدارس الرسمية،فأشعلوا بتصرفاتهم فتنة مزّقت المجتمع العثماني، وإمعانا في إبعاد
العربية طردوا جل العرب من الوظائف السامية في الدولة،فعزلوا ثلاثة عشر متصرفا
إداريا وعوّضوا بأتراك،كما طرد الموظفون العرب من وزارة الخارجية، وتمادوا في تلك
السياسة إلى أن بلغت نسبة الموظفين العرب في مجموع الوزارات أدنى ما يمكن منذ نشأة
الدولة العثمانية.
فقد كان عدد الموظفين الأتراك في الوظائف السامية مائة وإحدى عشر موظفا، وإحدى
عشر موظفا يهوديا، وعشر موظفين من الأرمن، وعربي واحد فقط( )
وبلغة الأرقام يمثل عدد الموظفين السامين العرب نسبة أقل من واحد (0.72)من مائة
، وعممت هذه السياسة على سائر المجالات ،فأصبح عدد الطلبة الموفدين إلى الخارج يمثل
ربع واحد(0.25) من مائة( ) وتمادوا في تلك السياسة الرديئة ،فبلغوا فيها حدا لا
يطاق،فهجّروا السوريين من أوطانهم واعتبروا اليمن والحجاز مستعمرات تركية( )،
وسلّطوا بموجب هذه السياسة جمال باشا السفاح على الشعب فقتّل وحرّق
وهجّر(1915-1916م)في سوريا وأرمينيا( )
وكشفت هذه السياسة ما كان مستورا فانقلبوا على القوميات التي شجّعوها في سالف
الأيام، وخاصة القومية العربية،ليخلص لهم اجتثاث لغة القرآن من المجتمع الجديد(
)،وقد وصل بهم الاستهتار حدا لا يطاق، لا يتصوره أي عاقل،منها منع الشيخ محمد
الطاهر الجزائري (1268-1338هـ)(1852-1920م( ( ) من تدريس الشريعة الإسلامية في
إعدادية بيروت…هذا قطر من فيض أما عن إهانتهم للعرب وحضارتهم الإسلامية فحدّث ولا
حرج( )
صلة الاتحاديين باليهود :
نشأ الحزب في كنف يهود الدونمة(( في مدينة سالونيك حيث وجد روادها الرعاية
الكاملة في الفترة السرية، يقول أحد زعمائهم( رفيق بك)): “ حقا أننا وجدنا سندا
معنويا من الماسونية الإيطالية عند ما قدم لنا المحفلان الإيطاليان في سالونيك خدمة
حقيقية، وفّر لنا الملاجئ، فكنا نجتمع لتنظيم أنفسنا، كما أننا اخترنا معظم رفقائنا
من هذين المحفلين اللادينيين، نظرا لما كان يبديانه من دقة في الاستفسارات عن
الأفراد "( )
يؤيد ما ذهبنا إليه الوثائق والشهود العدول منهم العلامة مصطفى صبري
(ت1373هـ/1954م)حيث يقول:"عند بدء الحرب بيننا وبين إيطاليا في طرابلس الغرب عقدت
جلسة سرية بطلب من سعيد باشا(رئيس الوزارة الاتحادية) كان الغرض منه استجلاب أصوات
الثقة لتلك الوزارة من النواب ، فاتفق أن قرأ محمود ناجي بك نائب طرابلس الغرب
رسالة وصلته من أخيه (بحضور مصطفى صبري بصفة نائب عن مدينة توقاد)فقال:" إن كل
الأحزاب الإيطالية متفقة على احتلال ليبيا إلا حزبين البناءون الأحرار(الماسونيون)
والاشتراكيون ، حيث ورد عن البناءين الأحرار الإيطاليين :" لا يجدر بنا أن نصول على
الأتراك حال كون حكومتها في أيدي البناءين الأحرار لأن ذلك يفضي إلى تزعزع
مراكزهم"( )
و ذكر مراسل إحدى الجرائد المصرية من أنقرة أن الحكومة الاتحادية التركية
الحالية استندت إلى الإسرائيليين والماسونية لتتغلب بها وتستعين بأموالها( ).
ليس هذا فحسب بل كان على رأس لجنة قرار خلع السلطان عبد الحميد الثاني الماسوني
اليهودي قره صو الاتحادي( )
يتبيّن مما سلف أنها حركة قومية طورانية( )حبلها السري مربوط باليهود،غرضها
النهائي تأسيس دولة علمانية وفق الأنموذج الغربي في السياسة والحكم وقطع كل صلة لها
بالإسلام وما تعلّق به من لغة ومعالم وأسماء وشريعة و…وهو ما يبرر المساهمة في
تسليم فلسطين لليهود تحت غطاء الخضوع للحملات الدبلوماسية التي مارستها البعثات
السياسية الغربي في الآستانة سنة 1911م( )
2/3 الحركة الكمالية :
انتقل الحكم بعدها إلى وريثهم الشرعي المعروف بالكماليين ، لأن الفريق الأول ليس
سوى مهيئا لظروف جديدة ستفرض بقوة السنان على الأمة، إذ كانت أعمال الاتحاديين
بمثابة إرهاصات إلغاء الخلافة ( )، ولعل من علامات ذلك إبعاد اللغة العربية من
التداول الرسمي بل والشعبي ثم إلحاق المحاكم الشرعية بوزارة العدل الحاكمة بغير شرع
الله حتى في الأحوال الشخصية ( قانون الأسرة)…وبدؤوا ينكثون عرى الإسلام عروة عروة
إلى أن تم لهم إلغاء الخلافة سنة1924 م ، وتحقق أمل الأوربيين في جعل تلك البلاد
دولة لائكية وفق الأنموذج الغربي( ).
حقيقة الحركة الكمالية:
تعتبر الحركة الكمالية امتدادا طبيعيا للاتحاديين ، ظهرت نواتها الأولى باسم "
الحرية العثمانية " ، أسسها مصطفى بن علي(ت 1938م) بمدينة دمشق مع مجموعة من الضباط
الأتراك ،كان بعضهم بما فيهم المؤسس يحضرون اجتماعات الاتحاديين( ) ويعلنون عدم
مخالفة سياستهم في بعض الأحيان… لهذا كان الصراع بينهما صراع نفوذ ، خاصة إذا
استصحبنا الفكرة السابقة، ولأننا لو نظرنا إلى الحركتين من زاوية الخلفية السياسية
والثقافية والحضارية لوجدناهما وجهين لعملة نقدية واحدة …
استغل الكماليون كسابقيهم الأوضاع المأساوية المشحونة بالخوف ، وبدءوا يمهدون
للاستحواذ على السلطة، فأعلن أتاتورك استقلاله عن الحكومة المركزية واستقر في أنقرة
ثم أسرع إلى اتخاذ إجراءات هامة منها الدعوة إلى عقد المجلس الوطني الكبير
((23/04/1920م)، وانتخب في تلك الأثناء رئيسا للمجلس والحكومة واختار أنقرة عاصمة
للدولة الجديدة ، وتم له في الوقت نفسه تسوية بعض المشاكل مع الدول الغربية(
)…تكاتفت هذه العوامل وغيرها( الإعلام الغربي اعتبره محرر إزمير ( ) ) في تلميع
صورة الرجل في البيئة الإسلامية.
انتقل بعد الهيمنة على مقاليد الحكم إلى إعلان الفصل بين السلطة والخلافة
((10/11/1922م )وظهر التلاعب بالقوانين فسنّ قانون الخيانة العظمى الذي نكّل بموجبه
بكل معارض ، وطورد بموجبه العلماء والطلبة ونخبة المجتمع من المعارضين ، وكان من
بين من نعرّض للمضايقة زاهد الكوثري ومصطفى صبري وسعيد النورسي وغيرهم كثير.
وتنتهي تلك الفترة الحالكة من تاريخنا السياسي بإلغاء الخلافة
بتاريخ(03/03/1924م)وإزالة كل متعلقاتها (تطبيق الشريعة ،المحاكم الشرعية، اللغة
العربية، الحجاب ،منصب شيخ الإسلام …)وعدّل الدستور بتاريخ(20/04/1926م) وحذفت منه
المادة الثانية التي تنص على أن الإسلام دين الدولة( )،وفشت مظاهر الفساد والإلحاد،
وأجبر أتاتورك نساء أنقرة على نبذ الحجاب، وخرجت زوجته ترتدي ثياب الرجال وتحرّض
النساء على المطالبة بمساواتهن بالرجال()،ثم أزيحت الحواجز بين الجنسين في السفن
والمراكب والمسارح و الأماكن العمومية، وانتقلوا بعدها إلى منع تعدد الزوجات ورفع
سن الزواج،ليس هذا فحسب بل دعوا إلى أسوا من ذلك على الإطلاق، فدعوا إلى الأفكار
القومية التي جبّها الإسلام ممثّلة عندهم في الوثن التركي بوزقوت (الذئب الأبيض)
وتغنوا بأناشيده، و صار بعدها صورة متداولة على الطوابع البريدية( ) .
وتحقق للكماليين مبتغاهم و أنشأوا دولة مسايرة لمدينة أوربا والغرب( )على حساب
الإسلام والحضارة الإسلامية،وفي ذلك يقول أحدهم" إننا عازمون على أن ندوس بأقدامنا
وننسف كل موانع وحوائل في طريقنا التي تذهب بنا من الشرق الذي ودعناه إلى الغرب
الذي يممناه حتى أن التغرّب لا يقتصر على شؤوننا الرسمية و قوانيننا بل ستكون
أدمغتنا و عقليتنا غربية "( )، واختاروا بموجب هذه السياسة القوانين السويسرية( )
بديلا عن الشريعة.
ومما سلف بيانه يتّضح أنهم بمثابة سدنة اليهود والغرب في البلاد الإسلامية عامة
وتركيا على الخصوص،عملوا على تعطيل الشريعة وبعث الأفكار الجاهلية التي تمثّلها
الطورانية( )
ثالثا:التيارات الثقافية
(هيّا) المهيمنون الجدد على السياسة جوا ثقافيا محققا لرغباتهم ، مستغلين في ذلك
الجو الذي ولّده الجمود الثقافي في المجتمع العثماني. وبإيعاز مباشر منهم حينا وغير
مباشر أحيانا أخرى احتضنت البلاد العربية التيارات الثقافية الانفصالية،إذ ظهرت
الدعوة إلى القومية العربية في بلاد الشام على أيد النصارى الذين استوحوا أفكارهم
من رجال التنصير الأوربيين والأمريكيين( ).
ظهرت في لبنان المدارس اليسوعية الموجّهة دينيا من روما وسياسيا من فرنسا ،ثم
سرّبت في القرن الثامن عشر إلى سوريا( )،لهذا اعتبر نصارى الشرق رواد الحملات
الصليبية( ) الجديدة، واعتبرت مؤسساتهم التعليمية أوكارا للتآمر على الإسلام
والمسلمين.
تبنى عرب الشام القومية العربية بطريق تلك المؤسسات وبمباركة ورعاية القوتين
الفرنسية والأمريكية( )، ومكّن للفكرة من خلال مؤسساتهم التعليمية والخيرية( )، وفي
إطارها وبرعايتهم برزت الجمعيات الأدبية المروّجة لأفكار اليسوعيين والمبشرين.
3/1 المؤسسات التي ظهرت بمباركتهم:
1- تأسيس جمعية علمية برعاية الإرساليات الأمريكية سنة 1842م، وظهرت بعدها جمعية
علمية غامضة الأهداف عرفت باسم" جمعية الفنون والعلوم" وكان ذلك سنة 1847م،ساهم في
بعثها رجال من مختلف الجنسيات ومن طبقات اجتماعية متنوعة.
2- ظهرت الجمعية الشرقية برعاية الأب اليسوعي هنري دوبرنير( )،وتأسست بعدها
الكلية اليسوعية التي عرفت فيما بعد بجامعة القديس يوسف سنة 1866م( ).
3- دشّنت في الفترة نفسها الكلية البروتستانتية المعروفة فيما بعد بالجامعة
الأمريكية بهدف إحياء الأدب العربي القديم( )
4- انبثق عن المؤسسة السابقة جمعية خريجيها، وكان ذلك سنة 1875م،سعت هذه الجمعية
إلى نشر أفكار الجامعة، وكانت أفكارها تقليدا لحزب تركيا الفتاة( )
إن عملا كهذا يؤكد أن مصدر البلاء الذي حلّ بالعالم الإسلامي- و بما لا يترك
مجالا للشك - هو بلاد الشام ،فمنها بدأت الدعوة إلى العلمانية(اللائكية) سنة
1875م،أي قبل ظهورها في تركيا نفسها، ومن تلك البلاد بدأت الدعوة إلى زعزعة مكانة
اللغة العربية وإحلال العامية مكانها وهذا قبل ظهور ما في مصر وتركيا والجزائر( )و
غيرها من بلاد المسلمين، و كانت السباقة إلى تبني القومية والدعوة إليها ، وهذا قبل
ظهورها في تركيا وباقي البلاد العربية على يد ساطع الحصري(أبو خلدون) ( )
وبهذا يتّضح أن بعض العرب العثمانيين ساهموا في تقويض ملكهم(الدولة العثمانية)
،بمساعدة جحافل المستشرقين على ترويج أفكارهم(العلمانية،و العامية،و النزعات
القومية،والحركات الانفصالية،و…)( ).
وقد وجدت هذه الأفكار أرضا خصبة فنمت وبسرعة فائقة لتعهّدها بالحماية والصيانة
من قبل أعداء الأمة، وخاصة المحافا الماسونية ؛ فكانت بمثابة القنبلة الموقوتة التي
ساهمت بقسط وفير في التعجيل بسقوط الدولة العثمانية.
3/2 المحافل الماسونية
تعتبر المحافل الماسونية الخزان الثقافي والاقتصادي للمعارضة المتآمرة على كيان
الأمة الإسلامية،فقد كانت تموّل الأحزاب والجمعيات المتآمرة بالأفكار و المال
والرجال بمباركة القوى السياسية الأوربية( )
تعد الماسونية من أعظم الجمعيات السرية وتعرف بالبنائين الأحرار،ظل منشؤها غامضا
مجهولا أو على الأقل سريا كغاياتها المبهمة حتى بالنسبة لأتباعها،لقد اقتبست
أفكارها من المصادر اليهودية والمسيحية والفرعونية…و لا تعترف بالأديان، لهذا قال
أحدهم:" إن رجال الدين يريدون عن طريقه السيطرة على أمور الدنيا، وعلينا أن لا
نألوا جهدا في التمسّك بفكرة"حرية العقيدة" وألا نتردد في شيء خاصة محاربة الأديان
لأنها العدو الحقيقي للبشرية، ولأنها السبب في التطاحن بين الأفراد والأمم عبر
التاريخ"إلى أن يقول:"لا بد أن نكافح بجهد أكبر لإدماج القوانين والنظم اللادينية ،
لأن السلطة المطلقة التي حققها رجال الدين على وجه الخصوص قد قاربت النهاية، لا بل
آلت إلى الزوال".
و تزعم الماسونية أنها مؤسسة فلسفية تحب الخير للإنسانية، هدفها الأساسي إيجاد
صيغ ممتازة للتعاون والتآزر بإشاعة أخلاق ومبادئ دنيوية يركّز فيها على التسامح(
وفق منظورهم) المتبادل وحرية الضمير، وترك ما يتعلّق بما وراء الطبيعة للقناعة
الشخصية، لهذا عملوا على صرف أنظار الناس عن الحماس الديني والمذهبي… ينبني مشروعهم
على الثالوث"الحرية المساواة والإخاء" ، ولا يمكن تحقيق ذلك باحترام ظاهري للعقائد
و الأديان، بل لا بد من نبذها ومحاربتها في كل الشعوب والأمم، ويظهر ذلك في رفضهم
قبول المتدينين الصادقين في جمعياتهم.
أما وسائلهم فتتلخّص في إغراء أصحاب القرارين السياسي والثقافي بالمال والجاه،
وغيرها من وسائل الترغيب،وهذا لما تملكه من سلطة وهيمنة قانونية ومعنوية على
المؤسسات العالمية.( ) في ظل الظروف السابقة أصبحت الثقافة المهيمنة متسمة بصبغة
خاصة متناغمة مع الشروط التي أملتها المعطيات الثقافية والسياسية الجديدة.
3/3 الثقافة المهيمنة
يعرف هذا العصر من الناحية الثقافية بعصر الإعجاب بالآخر،اقتصر الإعجاب في بداية
أيامه على الميدان السياسي ونظرا لارتباطه الوثيق بالثقافة انتقل الإعجاب إلى
الميدان الثقافي، وفي هذا السياق وصف العهد الحميدي بالاستبداد والظلم
والقهر…وأصبحت الدولة العثمانية سببا مباشرا لتخلّفنا وفق تصوّرهم.
وبعد أن ألحقت كل نقيصة سياسية بالنظام السياسي العثماني (الإسلامي)ألحقت كل
نقيصة ثقافية بالثقافة الإسلامية،فوصفت بالجمود و الركود و الانحطاط والانغلاق
وغيرها من الأوصاف، التي ليست إلا تعبيرا عن موقف الآخر من الثقافة الإسلامية
الأصيلة بألسنة عثمانية.
وسرى هذا الداء إلى الأوساط العلمية الإسلامية،فقال أحدهم بعدم دينية الفقه،
وقال آخر بعدم جدوى الاستدلال على وجود الله تعالى بالأدلة العقلية( )، ومال ثالث
إلى القول بجواز التعبّد بالقرآن المترجم( )، وذهب رابع إلى عدم الاعتداد بالدليل
النقلي لأنه ظني سحب تقديره( )، وسجّل خامس أن القرآن الكريم متشابه في مجموعه،
يفهم هذا المعنى من قوله: هل يتفق وحكم العقل بأن جهنم التي بلغ حجوم شررها القصور
الشامخة يستطيع من يلقى فيها أن يحيا ويأكل ويشرب ويجادل ويطلب الخلاص"( )
وراح سادس يردد قول المستشرقين بأن دولة الرسول كانت سلطة زمنية و ليست سلطة
دينية( ) مما يوحي أن الإسلام لا صلة له بالسياسة.
اقتضى هذا الجو السياسي و الثقافي اتخاذ مواقف صريحة مما يجري في بلاد المسلمين،
وفي ظل الظروف المشحونة بالإرهاب الفكري والقانوني عمل الكوثري على نشر أفكاره وبعث
الحياة من جديد بين أفراد أمته ،فاستصحب ذلك الجو في رسم خطة التغيير التربوي
الروحي التي تجعل من القرآن الكريم معينها الذي لا ينضب .
_____________________________________________________________________