بسم الله الرحمن الرحيم الله أكبر بسم الله الرحمن الرحيم


تاريخ المسلمين بعد رسالةخاتم النبيين

صَلّى ألله عَلَيْه و سَلَّم

الصفحة الرئيسية الراشدون, الأمويون,العباسيون, المماليك,العثمانيون, الأندلس ,المغرب , مالي , الهند , القفجاق , فلسطين ,العراق





العثمانيون

تراجم السلاطين العثمانيين

معركة نيقوبوليس,محمد الفاتح وملحمة القسطنطينية الخالدة ,أيها المؤرخون: لا تظلموا العثمانيين المسلمين, الإنحلال و نهاية الدولة العثمانية, خلع السلطان عبد الحميد .. السقوط الحقيقي

المسلمون في البانيا

خلفاء العثمانيين في القسطنطينية (إستانبول)

: 923-1342هـ

كان سلطاناً للدولة منذ 918 هـ 923-926 سليم الأول بن بايزيد

926-974 سليمان القانوني بن سليم

974-982 سليم الثاني بن سليمان

982-1003 مراد الثالث بن سليم الثاني

1003-1012 محمد الثالث بن مراد الثالث

DamascusHouse 1012-1026 أحمد الأول بن محمد الثالث

للمرة الأولى 1026-1027 مصطفى الأول بن محمد الثالث

1027-1031 عثمان الثاني بن أحمد الأول

للمرة الثانية 1031-1032 مصطفى الأول بن محمد الثالث

1032-1049 مراد الرابع بن أحمد الأول

1049-1058 إبراهيم الأول بن أحمد الأول

1058-1099 محمد الرابع بن إبراهيم الأول

1099-1102 سليمان الثاني بن إبراهيم الأول

1102-1106 أحمد الثاني بن إبراهيم الأول

1106-1115 مصطفى الثاني بن محمد الرابع

1115-1143 أحمد الثالث بن محمد الرابع

1143-1168 محمود الأول بن مصطفى الثاني

1168-1171 عثمان الثالث بن مصطفى الثاني

1171-1187 مصطفى الثالث بن أحمد الثالث

1187-1203 عبد الحميد الأول بن أحمد الثالث

1203-1222 سليم الثالث بن مصطفى الثالث

1222-1223 مصطفى الرابع بن عبد الحميد الأول

1223-1255 محمود الثاني بن عبد الحميد الأول

1255-1277 عبد المجيد بن محمود الثاني

1277-1293 عبد العزيز بن محمود الثاني

1293-1293 مراد الخامس بن عبد المجيد

1293-1328 عبد الحميد الثاني بن عبد المجيد

1328-1337 محمد الخامس رشاد بن عبد المجيد

1337-1340 محمد السادس وحيد الدين بن عبد المجيد

1340-1342 عبد المجيد الثاني بن عبد العزيز

***************************************************************************************************************************

محمد الفاتح

وملحمة القسطنطينية الخالدة

بقلم: خليل حسن فخر الدين

----------------------------------------------------------------

مولده وحكمه وشخصيته [1]

ولد محمد الثاني بن مراد الثاني بن محمد الأول في 26 رجب سنة 833 هـ (20 نيسان/أبريل 1429م)، وتولى الحكم في سنة 1451م وهو شاب لم يتجاوز عمره اثنتين وعشرين سنة وحكم لمدة ثلاثين سنة (1451-1481م). واشتهر في التاريخ بلقب محمد الفاتح لفتحه القسطنطينية، وهو من بين الفاتحين في التاريخ العالمي في هذه السن المبكرة، ومن بناة الحضارة الراقية والمجد الرفيع.

ورث محمد الفاتح دولة قوية واسعة، ولكنها لم ترض نفسه الطموح بأن يكتفي بأمجاد أسلافه، ويعيش في رفاهية ونعيم بل صمم على أن يزيد أمجاداً جديدة إلى أمجادهم الإسلامية بفتوحه في أوروبا وآسيا الصغرى، ويتوج تلك الأمجاد وأمجاد الإسلام عامة بتحقيق حلم راود المسلمين مدة ثمانمائة عام[2]، وهو فتح القسطنطينية، عاصمة الدولة الرومانية الشرقية، العدوّة القديمة للإسلام والمسلمين منذ عهدهم الأول. وكان هذا الفتح أقسى ضربة سددها الإسلام في وجه أوروبا النصرانية في تاريخها الطويل على يد هذا الفاتح، ومن ثم نرى معظم المؤرخين الغربيين ينالون من محمد الفاتح وينعتونه بأبشع الصفات، ولم يشذ عنهم حتى المستشرق الإنجليزي المعتدل (لين بول Lane Poole)، وهو محض افتراء وبهتان، لم يدفعهم إليه إلا الحنق والغيظ لمحو اسم الدولة البيزنطية وريثة الإمبراطورية الرومانية من خريطة التاريخ إلى الأبد.

كان السلطان محمد الفاتح عبقرية فذة من عبقريات الإسلام، فلم يكن مجرد فاتح مغوار وقائد عسكري مظفّر، بل كان يجمع بين صفات القيادة العسكرية الموفقة وبين الثقافة العلمية الرفيعة [3]، يقود الجيوش، ويفتح المدن والدول، ويتذوق العلوم والآداب والفنون بمختلف أنواعها ويقدرها ويرعاها وينشئ ويعمر. ولقد أشاد بذكره المؤرخون المسلمون المعاصرون له كابن تغري بردين وابن إياس، والسخاوي، والسيوطي، وابن العمادالحنبلي، فيما كتبوه من ترجمته في مؤلفاتهم التاريخية العامة، وأثنوا عليه ثناء عاطراً، ونوهوا بفتوحه وعلمه. فمن ذلك ما قاله المؤرخ ابن إياس عندما بلغه نبأ وفاته: »وفي ربيع الأول جاءت الأخبار بوفاة السلطان المجاهد الغازي صاحب القسطنطينية وهو محمد بن مراد بن محمد.. وانتشر ذكره بالعدل في سائر الآفاق، وحاز الفضل والعلم والعدل والكرم الزائد وسعة المال وكثرة الجيوش والاستيلاء على الأقاليم الكفرية وفتح الكثير من حصونها وقلاعها..«.[4]

فتح القسطنطينية

قبل التعرض لفتح القسطنطينية أراد السلطان محمد الثاني أن يحصن مضيق البوسفور حتى لا يأتي لها مدد من مملكة طرابزون [5] وذلك بأن يقيم قلعة على شاطئ المضيق من جهة أوروبا تكون مقابلة للحصن الذي أنشأه السلطان بايزيد ببرّ آسيا. ولما بلغ ملك الروم هذا الخبر أرسل إلى السلطان سفيراً يعرض عليه دفع الجزية التي يقررها فرفض راداً ذلك للتعديات التي كانت تحدث من قبل الروم على الجنود العثمانيين وتقتل بعضاً منهم، فحاصر السلطان المدينةفي أوائل نيسان/أبريل 1453م من جهة البر بجيش يبلغ المائتين وخمسين ألف جندي، ومن جهة البحر بعمارة مؤلفة من مائة وثمانين سفينة، وأقام حول المدينة أربعة وعشرين بطارية مدفعية كانت تقذف كرات من الحجر إلى مسافة ميل. وفي أثناء الحصار اكتشف قبر أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه الذي استشهد في حصار القسطنطينية في سنة 52 هـ في خلافة معاوية بن أبي سفيان. وبعد الفتح بنى له مسجداً جامعاً وما يزال قائماً، وجرت العادة بعد ذلك أن كل سلطان يتولى الحكم يتقلد سيف عثمان الأول الغازي بهذا المسجد.

ولما شاهد قسطنطين آخر ملوك الروم هذه الاستعدادات استنجد بأهل جنوة [6] فأرسلوا له عمارة بحرية تحت إمرة جوستنياني ، فأتى بمراكبه، وأراد الدخول إلى ميناء القسطنطينية، فلقي معارضة شديدة، انتهت بفوزه ودخوله الميناء بعد أن رفع جنوده السلاسل الحديدية التي وضعت لمنع المراكب العثمانية من الوصول إليها، ثم أعيدت بعد مروره كما كانت.

بعدها أخذ محمد الفاتح يفكر في طريقة لدخول مراكبه إلى الميناء لإتمام الحصار براً وبحراً، فخطر بباله أن ينقل المراكب إلى البر ليجتازواالسلاسل الموضوعة لمنعه،وتم هذا الأمر بأن مهد طريقاً إلى البر رصّت فوقه ألواح من الخشب صبت عليها كميات من الزيت والدهن لسهولة زلق المراكب عليها، وبهذه الطريقة أمكن نقل سبعين سفينة في ليلة واحدة حتى أصبح النهار، ونظرها الروم، أيقنوا أن لا مناص من نصر العثمانيين عليهم.

أرسل السلطان محمد إلى قسطنطين يخبره أنه لو سلم البلد إليه طوعاً يتعهد له بعدم مس حرية الأهالي أو أملاكهم، وإن يعطيه جزيرة موره، فلم يقبل قسطنطين بذلك.

أمر الفاتح جنوده بالصيام قبل الهجوم بيوم لتطهير نفوسهم وتزكيتها، ثم قام بزيارة للسور وتفقد الأسطول، وفي تلك الليلة تعالت أصوات التكبير والتهليل، ورتلت آيات الجهاد على مسامع الجند، ودوت الأناشيد الإسلامية الحماسية .. ودعا الفاتح قادة جيشه، ثم خاطبهم قائلاً:

»إذا ثم لنا فتح القسطنطينية تحقق فينا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعجزة من معجزاته، وسيكون من حظنا ما أشاد به هذا الحديث من التقدير.. فأبلغوا أبناءنا العساكر فرداً فرداً أن الظفر العظيم الذي سنحرزه سيزيد الإسلام قدراً وشرفاً، ويجب على كل جندي أن يجعل تعاليم ديننا الحنيف نصب عينيه، فلا يصدر عن واحد منهم ما ينافي هذه التعاليم، وليتجنبوا الكنائس والمعابد، ولا يمسوها بسوء بأذى، وليدعوا القساوسة والضعفاء الذين لا يقاتلون..« [7] وظل الجند المسلمون طوال الليل يهللون ويكبرون حتى إذا لاح الفجر صدرت إليهم الأوامر بالهجوم، فتسلقوا الأسوار حتى دخلوا المدينة من كل فج، وأعملوا السيف فيمن عارضهم، ودخلوا كنيسة آيا صوفيا حيث كان يصلي فيها البطريق وحوله عدد من الأهالي، أما قسطنطين فقاتل حتى قتل، فدخل عندئذ محمد الفاتح إلى قصر الإمبراطور، وعمت بشائر الفتح في جميع العالم الإسلامي، إذ كتب الفاتح إلى السلطان المملوكي الأشرف إينال وإلى شريف مكة، كما أرسل إليه بعض الهدايا من الغنائم والأسرى، وأقيمت في مصر الزينات والاحتفالات لمدة ثلاثة أيام ابتهاجاً بهذا الفتح حسب كلام المؤرخ ابن تغري بردي.

بعد ذلك زار السلطان محمد كنيسة آيا صوفيا، وأمر بأن يؤذن فيها بالصلاة إعلاناً بجعلها مسجداً للمسلمين[8]، وأصدر أوامره بمنع كل اعتداء، وبأنه لا يعارض في إقامة شعائر ديانة النصارى، بل يضمن لهم حرية عقيدتهم، وحفظ أملاكهم فرجع من هاجر منهم وأعطاهم نصف الكنائس وجمع أئمة دينهم لينتخبوا بطريقاً يكون رئيساً لطائفتهم.

محاولات العرب لفتح القسطنطينية

ولنذكر هنا أن المسلمين حاصروا القسطنطينية إحدى عشرة مرة قبل هذه المرة الأخيرة التي تم فيها فتحها، منها سبعة في القرنين الأولين للإسلام، فحاصرها معاوية بن أبي سفيان في خلافة الإمام علي بين أبي طالب رضي الله عنه سنة 34 هـ (654م)، وحاصرها يزيد بن أبي معاوية سنة 47 هـ (667م)، وحاصرها سفيان بن أوس في خلافة معاوية سنة 52 هـ (672م)، وفي سنة 97 هـ (715م) حاصرها مسلمة بن عبد الملك في زمن الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، وفي المرة السابعة حاصرها أحد قواد الخليفة العباسي هارون الرشيد سنة 182 هـ (798م).

نتائج هذا الفتح

لم يكن فتح القسطنطينية أمراً سهلاً كما يحلو لبعض المؤرخين أن يصوروه بسبب ضعف الدولة البيزنطية، والانشقاق الكنسي في الشرق والغرب، بل الحق يقال: إن الجنود الإسلاميين بذلوا أرواحهم رخيصة في سبيل ذلك، وقاموا بالتضحية والفداء حتى تم لهم النصر المبين، كما أن السلطان محمداً أعدّ كل ما يمكن من الوسائل العسكرية الناجحة، ولم يشك لحظة في ثقته بنصر الله عز وجل حتى تم له ذلك، وصدق المؤرخ الفرنسي الشهير (كارادي فو Carra De Vaux) في قوله بهذا الصدد: »إن هذا الفتح لم يتيسر لمحمد الفاتح اتفاقاً، ولا تيسر بمجرد ضعف الدولة البيزنطية، بل كان هذا السلطان يدبر التدابير الللازمة له من قبل ويستخدم له ما كان في عصره من العلم.« [9] وكان من آثار هذا الفتح أن اتحد كلا القسمين الجنوبي والشمالي، الآسيوي والأوروبي للدولة الإسلامية العثمانية، وتحولت العاصمة من أدرنة إلى القسطنطينية التي سميت بأسماء عدة: إسلام بول (أي مدينة الإسلام)، ودار السعادة، واسمها الرسمي الآستانة، وفي العهد الكمالي قرر اسمها رسمياً إستنبول ولا تزال.

وأصبحت القسطنطينية بعد ذلك قاعدة للأعمال العسكرية في الشرق والغرب، وامتد النفوذ الإسلامي إلى شواطئ البحر الأسود الشمالي وكييف (حالياً في روسيا) [10] وإلى المجر واليونان وسواحل البحر الأدرياتيكي الشرقية، وإلى شرقي البحر الأبيض المتوسط.

وفاة محمد الفاتح

هكذا وبعد ثلاثين سنة من الحروب المتواصلة للفتح وتقوية الدولة وتعميرها، فاجأ الموتُ السطانَ محمد الفاتح في 4 ربيع الأول 886 هـ/3 مايو 1481م في أُسكُدار في معسكره وبين جنوده، إذ كان قد أعد في هذه السنة إعداداً قوياً لحملة لا يعرف اتجاهها لأنه كان شديد الحرص على عدم كشف مخططاته العسكرية حتى لأقرب وأعز قواده. وقد قال في هذا الصدد عندما سئل مرة: »لو عرفته شعرة من لحيتي لقلعتها.«

وهذه السرّية العسكرية التامة، مع الإيمان الصادق، كانت سر نجاحه في كثير من حملاته وفتوحه، ودفن في الضريح الذي شيده في جامعه بالقسطنطينية المعروف بجامع الفاتح، بينما غلبت روح الكآبة والحزن على الأتراك لفقدهم سلطانهم الحبيب وعمّ العزاء والرثاء في العالم الإسلامي لموت هذا المجاهد المسلم.

--------------------------------------------------------------------------------

مجلة الأمة، العدد 21، رمضان 1402 هـ

--------------------------------------------------------------------------------

[1] أفاض المؤلفون الغربيون في الكلام عن حياته وألفوا في سيرته، من أقدم هذه المؤلفات كتاب المؤلف الفرنسي في القرن السابع عشر الميلادي (جوييه)، وفي اللغة العربية كتابان عنه: »أبو الفتح السلطان محمد الفاتح وحياته« للقاضي التركي علي همت الأفسكي، ترجمة محمد إحسان بن عبد العزيز – القاهرة 1953م ، و»محمد الفاتح« للدكتور سالم الرشيدي.

[2] في الأصل »ألف عام« ولعله غلط في الطباعة. (الفسطاط)

[3] كان مولعاً بقراءة كتب التاريخ والسير ومكرماً للعلماء – انظر كتاب علي همت الأفسكي، وكتاب الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية لطاشكبري زادة.

[4] بدائع الزهور في وقائع الدهور أو تاريخ مصر ج2 ص204. ومثل ذلك ما كتبه ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة ج7 ص 357-437، وكتابه الآخر حوادث الدهور ج2 ص 298-299، ج3 ص 448-449، السخاوي في الضوء اللامع ج10 ص47، والشوكاني في البدر الطالع ج2 ص 269، وابن العماد الحنبلي ج7 ص 344-345.

[5] مدينة قديمة بآسيا على البحر الأسود تبعد 140 كلم عن مدينة أرضروم، ويظن أنها معاصرة لمدينة طروادة الشهيرة.

[6] جنوة مدينة قديمة جداً يقال أنها أنشئت سنة 707 قبل الميلاد واستولى عليها الرومانيون. فتحها شارلمان الفرنسي. نافست جمهوريتي بيزا والبندقية. تقهقرت شيئاً فشيئاً فدخلت تارة في حمى إسبانيا وطوراً في حمى فرنسا. بعد سقوط نابليون الأول سنة 1815م ضمت إلى لومبارديا، وهي الآن تابعة لإيطاليا.

[7]الدكتور علي حسون في كتابه تاريخ الدولة العثمانية ص 300 وما بعدها. ألا يذكرنا هذا بوصية سيدنا الصديق رضي الله عنه لجيوش الفتح الإسلامي التي وجهها؟ [

8] الأمير شكيب أرسلان: حاضر العالم الإسلامي ج 1، ص 220، نقلاً عن كتاب : مفكرو الإسلام، تأليف كارا دي فو الفرنسي. [9] المصدر السابق.

[10] وهي الآن في جمهورية أوكرانيا. (الفسطاط

**************************************************************************************************************************************************************************

أيها المؤرخون: لا تظلموا العثمانيين المسلمين!

بقلم: زياد محمود أبو غنيمة

--------------------------------------------------------------------------------

قبل أن يدخل الأتراك العثمانيون في الإسلام، لم يكونوا موضع اهتمام جاد من المؤرخين لم يكونوا موضع اهتمام جاد من المؤرخين المسلمين وغير المسلمين، فلم يردْ ذكرهم إلا من خلال إشارات عابرة. وحين دخل الأتراك العثمانيون في الإسلام انقلبت الصورة وأصبحوا محط أنظار المؤرخين المسلمين وغير المسلمين، بيد أن المؤرخين من غير المسلمين أبدوا اهتماماً ملحوظاً بدراسة تاريخ الأتراك العثمانيين المسلمين. ولأول وهلة يخيل للمرء أن اندفاع المؤرخين من غير المسلمين في دراسة تاريخ العثمانيين المسلمين كان ينطلق من منطلق علمي سليم، هدفه تتبع العثمانيين المسلمين بأمانة علمية منصفة، ولكن ما أن يطلع المرء على ما أفرزته جهود المؤرخين من غير المسلمين من دراسات عن تاريخ العثمانيين المسلمين، حتى يكتشف أن الغالبية العظمى منهم قد تجاهلوا، وتناسوا مقتضيات الأمانة العلمية والإنصاف، بل أطلقوا العنان لأحقادهم الظاهرة والباطنة، لتكون هي المنطلق الذي ينطلقون من خلاله في تشويه تاريخ العثمانيين المسلمين وإلصاق عشرات الافتراءات التي لا تسندها أية بينات تاريخية بالأتراك العثمانيين المسلمين. ولئن كنا لا نستغرب أن تصدر مثل تلك الافتراءات عن أقوام فضح الله عز وجل نواياهم تجاه الإسلام والمسلمين في قوله تعالى جل شأنه: (يا أيها الذين آمنوا لا تتّخذوا بطانةً من دونكم لا يألونكم خبالاً ودّوا ما عنتُّم قد بدتِ البغضاءُ من أفواههم وما تُخفي صدورهم أكبر قد بيّنا لكم الآياتِ إن كنتم تعقلونَ) [آل عمران: 118].

***

ولئن كنا لا نستغرب أن يحمل الحقد الأسود أولئك المؤرخين على تجاهل وتناسي أبسط قواعد مقتضيات الأمانة العلمية في عملية التاريخ للأتراك العثمانيين المسلمين، فإن الذي نستغربه أشد الاستغراب، بل ونستهجنه بشدة أن ينزلق الكثير من المؤرخين المسلمين، في حمأة عملية التزوير والتشويه والبهتان التي ألصقت بتاريخ العثمانيين المسلمين..

من ذلك مثلاً، تلك الفرية اللئيمة التي لا يكاد يخلو منها إلا النذر اليسير من الكتب التي تؤرخ للعثمانيين المسلمين، والتي تزعم أن السلاطين العثمانيين كانوا يملكون الحق، بموجب فتوى شرعية إسلامية، في قتل من يشاؤون من إخوانهم أو بني رحمهم، أو أقاربهم، بحجة الحفاظ على وحدة المسلمين، ولقطع الطريق على أية فتنة يمكن أن تبرز إذا حاول أحدهم المطالبة بالسلطة لنفسه.

وكان آخر ما وقع عليه نظري من ترديد لهذه الفرية ما جاء في مقال للأستاذ إبراهيم محمد الفحام في عدد المحرم 1402 هـ تشرين الثاني (نوفمبر) 1981م من مجلة العربي التي تصدر في الكويت، حيث ذهب إلى القول بأن السلاطين العثمانيين الجدد اعتادوا عند توليهم مقاليد السلطة أن يقتلوا إخوانهم جميعاً، ليأمنوا محاولات اغتصاب الملك، وأن هذه الظاهرة تكررت مراراً في تاريخ الدولة العثمانية حتى شمل القتل الإخوة الأصاغر سناً. وإن كنتُ لا أنفي ولا أنكر وقوع العديد من حوادث التصارع بين بعض السلاطين العثمانيين وبين بعض إخوانهم، بل وأحياناً بينهم وبين أبنائهم، وأن بعض هذه الصراعات كانت تنتهي بمقتل أحد الأطراف المتصارعة، إلا أنني أنفي، وبكل شدة، وبإصرار، ما يزعمه الزاعمون من وجود فتوى شرعية إسلامية تبيح لكل سلطان عثماني جديد أن يقتل من يشاء من إخوانه، أو بني رحمه، بحجة المحافظة على وحدة المسلمين منعاً لوقوع الفتنة.

أقول هذا.. وأتساءل:

أليس من مقتضيات أمانة التوثيق العلمي والتاريخي أن يقدَّم بين يدي أية رواية تاريخية بالبينات التي تدعم صحتها، من تحديد للأسماء والأمكنة والأزمنة، وتبيين سلسلة الرواة الذين تناقلوا الرواية، إلى أن وصلت إلى راويها الأخير؟ ثم أليس من مقتضيات أمانة التوثيق العلمي والتاريخي، أن لا يُكتَفى بالتعميم المبهم، بعبارات مبهمة، في رواية تحمل تهمة خطيرة لشعب بأسره هو الشعب التركي المسلم، بل الأمة بأسرها، هي أمة الإسلام، بل للإسلام ذاته الذي كان العثمانيون يحملون لواءة ويمثلونه آنذاك..؟ أين نص الفتوى الشرعية التي يزعم الزاعمون أنها تبيح للسلاطين العثمانيين قتْل بني رحمهم من غير أي مسوغ شرعي؟

أين أسماء العلماء المسلمين الذين أفتوا الفتوى المزعومة هذه؟ وفي زمن أي من سلاطين بني عثمان على التحديد صدرت؟ لقد قرأت بضعة وعشرين مرجعاً، عربياً وتركياً وإنجليزياً، تؤرخ للعثمانيين المسلمين، فما وجدت من بينها مرجعاً واحداً يذكر نص الفتوى المزعومة، أو يذكر اسماً لعالم واحد تنسب الفتوى إليه، بل لقد اكتفى كل مرجع عند ذكر هذه الفرية بسردها وكأنها يقين لا يرقى إليه شك، فلا يحتاج إلى توثيق. وقبل أن أتحدث بشيء من التفصيل عن تلك الأحداث التي تشبث بها الزاعمون ليرفدوا بها فريتهم، يجدر بي أن أؤكد أن الإسلام يرفض رفضاً قاطعاً هذا الهراء، ولا يقبل مطلقاً أن تهون حياة المسلم، أي مسلم، إلى درجة تباح فيها حياته لمجرد شبهة، أو من أجل وساوس وأوهام تتستر وراء الزعم بالغيرة على جماعة المسلمين من أن تقع فتنة مزعومة لم يقم على وقوعها، أو على مجرد الشك بوقوعها دليل شرعي. إن طبيعة الإسلام، وأخلاق الإسلام، وإنسانية الإسلام، ترفض رفضاً قاطعاً أن تصدر باسم الإسلام فتوى تبيح لأي إنسان مهما بلغ شأنه، أن يقتل مسلماً إلا في الحالات التي نصّ عليها الشرع : الثيّب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة (المرتد)، والقاتل عمداً (النفس بالنفس).

ألا، وإن كل مسلم مهما كان مستوى علم، يعلم أن قتل النفس، أي نفس، محرّم في شرع الله عز وجل إلا ضمن الحدود التي حددها الله عز وجل.

ولقد ندد الله عز وجل أيما تنديد، بتلك الجريمة التي اقترفها قابيل ابن سيدنا آدم عليه الصلاة والسلام، يوم طوّعت له نفسُه قتلَ أخيه هابيل فقتله: (واتل عليهم نبأَ ابنيْ آدمَ إذْ قرّبا قرباناً فتقبِّل من أحدهما ولم يُتَقَبَّلْ من الآخر قال لأقتلنكَ قال إنما يتقبّلُ اللهُ من المتقين. لئنْ بسطتَ يديَ لأقتلكَ ما أنا بباسطٍ يديَ إليكَ لأقتلكَ إني أخافُ اللهَ ربَّ العالمين. إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمكَ فتكونَ من أصحابِ النار وذلك جزاء الظالمين. فطوّعتْ له نفسُه قتلَ أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين. فبعثَ اللهُ غراباً يبحثُ في الأرض لِيُريَهُ كيف يواري سوأةَ أخيه قال يا ويلتا أعجزتُ أن أكونَ مثلَ هذا الغرابِ فأواريَ سوأةَ أخي فأصبح من النادمين) [المائدة: 27-31].

بل إن الله عز وجل لم يكتفِ بالتنديد بجريمة قابيل، بل جعلها منطلقاً لحكم رباني يؤكد حرمة النفس البشرية تأكيداً قاطعاً لا لبس فيه ولا غموض: (من أجل ذلكَ كتبنا على بني إسرائيلَ أنه مَن قتلَ نفساً بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتلَ الناسَ جميعاً) [المائدة: 32]. تلك هي الحقيقة، حقيقة تؤكد براءة الإسلام من تلك الفتوى المزعومة، وتؤكد رفض الإسلام لهذا الهراء.

فمن أين جاءت هذه الفرية إذن؟ وما هي دوافعها، وماذا يقصد مروجوها من ورائها..؟ أما الدوافع التي تكمن وراء ترويج هذه الفريةة، فلا أملك إلا أن أقول: إنها نابعة من الحقد الأسود الذي تمتلئ به قلوب العديد من المؤرخين الصليبيين من أعداء الإسلام، ضد الإسلام والمسلمين.. فلقد انتهز بعض المؤرخين الصليبيين الحاقدين، وقلدهم في ذلك عن قصد أو عن غير قصد، بعضُ المؤرخين الذي يحملون أسماء إسلامية، وقوع بعض حوادث الصراع الدموي على السلطة في الدولة العثمانية، وهو أمر لم تسلم منه أمة ن الأمم على مدار التاريخ، فوجدوا في تلك الأحداث متنفساً لينفثوا من خلاله أحقادهم الدفينة ضد الإسلام والمسلمين، فوجهوا سهام افتراءاتهم ضد العثمانيين المسلمين، وهم في حقيقة الأمر يوجهونها إلى الإسلام الذي كان العثمانيون يمثلونه آنذاك. أقول هذا، وبين يدي أكثر من دليل.

أبدأ بحادثة مقتل الأمير «دوندار» عمّ السلطان «عثمان»، وهي حادثة أرودها المؤرخ التركي المعاصر إسماعيل حامي دنشمند في كتابه «موسوعة التاريخ العثماني»، الذي ألفه عام 1945م، أي في الوقت الذي كانت فيه أنواء الردة الأتاتوركية في أصخب حالات هبوبها على تركيا، بكل ما تحمله من مشاعر العداء للعثمانيين المسلمين، وزعم فيها أن عثمان بن أرطغرل استشار عمه دوندار البالغ من العمر تسعين عاماً في أمر عزمه على محاربة البيزنطيين، فعارضه عمه في الرأي، فلم يتحمل عثمان معارضة عمه فقام بإعدامه بيده برميه بسهم انتقاماً منه بسبب هذه المعارضة. ولئن كانت هذه الرواية بنصها هذا من الضعف بحيث خلت منها معظم المراجع التي تؤرخ لعثمان بن أرطغرل، ولئن كان من أجلة ضعفها أن إسماعيل حامي دنشمند لم يؤثق روايته لهذه الحادثة بإيراد اسم المرجع، أو اسم المؤرخ الذي نقل عنه الرواية، فإن الحاقدين على العثمانيين المسلمين، بل على الإسلام الذي يمثله العثمانيون، تلقفوا هذه الحادثة، ونسجوا من حولها من سواد حقدهم ما لا تحتمل، فزعموا، وبئس ما زعموا، أن عثمان قتل عمه دوندار بناءً على فتوى شرعية تبيح له قتله خشية أن يزاحمه على السلطنة، مما قد يؤدي إلى وقوع الفتنة بين المسلمين. ولئن كان من الإنصاف أن نشير إلى أن ما نقلته معظم المراجع الموثوقة التي أرّخت لعثمان بن أرطغرل، عن شدة تعلّق عثمان بأحكام الشريعة الإسلامية، وعن التزامه الصادق بالإسلام، عبادةً، وخلقاً، وتواضعاً، وما نقلته عن توقيره الشديد لعمه الشيخ الكبير دوندار، يجلعنا نستبعد تصديق مقولة أن عثمان قتل عمه لمجرد معارضته له في الرأي، ويجعلنا نستبعد تصديق مقولة أن عثمان قتل عمه لمجرد معارضته له في الرأي، ويجعلنا على يقين أنه ما فعل ذلك إلا لسبب جلل، أكبر من مجرد الاختلاف في الرأي.

ويرسخ قناعتنا ما أورده المؤرخ التركي المعاصر قادر مصر أوغلو في كتابه «مأساة بني عثمان» المطبوع في إستانبول عام 1979م، في وقت كانت المشاعر الإسلامية في تركيا تشهد فيه شيئاً من أشكال الحرية التي تستطيع معها أن تعبر عن حقيقة رفضها لمشاعر العداء التي حاولت الردة الأتاتوركية ترسيخها ضد العثمانيين المسلمين في نفوس الأتراك.

ففي كتابه ذلك ينقل قادر مصر أوغلو، عن المؤرخ التركي خير الله الهندي الذي عاصر عثمان بن أرطغرل، أن دوندار كان طرفاً في مؤامرة اتفق على تدبيرها بالتعاون مع حاكم مدينة «بيله جك» البيزنطي، تستهدف اغتيال عثمان، تمهيداً لوثوب دوندار إلى الزعامةخلفاً لعثمان، فلما انفضح أمر المؤامرة أصرّ عثمان، وهو الحريص علىتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، على تنفيذ حكم الله في عمه جزاء افترافه لجريمةموالاة أعداء الإسلام، والتآمر معهم ضد جماعة المسلمين. وتلك لعمري نقطة بيضاء ووقفة شماء شامخة تسجَّل في حسنات عثمان بن أرطغرل، إذ أكّد من خلال حرصه على تطبيق شرع الله في عمه على صدق التزامه بالإسلام، وصدق خضوعه لحكمه، وصدق تفضيله لوشيجة العقيدة وارتباطه بها فوق وشيجة الدم والقرابة.

تلك هي حقيقة السلطان عثمان بن أرطغرل مع عمه دوندار تتهاوى أمامها أباطيل الحاقدين وأراجيف المرجفين.

أما قصة السطان مراد بن أورخان مع ولده الأمير «ساجي» فهي أيضاً علامة بارزة تؤكد صدق التزام مراد بالإسلام، وصدق خضوعه لأحكام شريعته.

ففي الوقت الذي كان السلطان مراد يواجه أشرس الحملات المتلاحقة التي تمثلت في العديد من الأحلاف الصليبية التي تجمع تحت ألويتها ملوك وأمراء المجر والصرب والبلغار والأرناؤوط (ألبانيا)، بمباركة من بابا روما أوربيان الخامس، وبتحريض سافر منه [766هـ/1365م].

وفي الوقت الذي كان فيه السلطان مراد يواجه فيه خطراً تمثل في قيام الأمير الإيطالي آميديو بتجميع جيش من الإيطاليين تحت شعار الانتقام للصليب من العثمانيين المسلمين [770هـ/1368م]. وفي الوقت الذي ازداد فيه الخطر ضد الدولة العثمانية المسلمة، بقيام إمبراطور بيزنطة يوانيس الخامس بزيارة روما عام [771هـ/1369م] مستنجداً بالبابا ضد العثمانيين المسلمين، ومعلناً تحوله عن مذهبه الأرثوذكسي إلى المذهب الكاثوليكي في محاولة لاسترضاء بابا روما لإقناعه بعده بالنجدة التي يطلبها ضد العثمانيين المسلمين.

وفي الوقت الذي كان السلطان مراد يواجه خطراً داهماً جديداً تمثّل في نجاح البابا بتجنيد أكثر من ستين ألف مقاتل صليبي بقيادة ملك بلاد الصرب الجديد ووقاشتين [773هـ/1370م]. وفي الوقت الذي كان السلطان مراد لا يكاد ينجح في التغلب على إحدى مكائد الأعداء، حتى يواجه مكيدة أخرى، كان ولده الأمير ساوجي يتآمر سراً مع الأمير البيزنطي أندرونيقوس، الابن الثاني للإمبراطور يوانيس، لتدبير مؤامرة للإطاحة بالسلطان مراد، وتسليم السلطة للأمير ساوجي، وسرعان ما انتقلت المؤامرة من مرحلة التدبير إلى مرحلة التنفيذ، فسار الأميران ساوجي وأندرونيقوس على رأس جيش كانت غالبية جنوده من البيزنطيين، وتمركزا بجيشهما في منطقة لا تبعد كثيراً عن القسطنطينية، فسارع السلطان مراد لملاقاتهما، فما كاد يقترب منهما حتى خارت معنويات المتآمرين ففر الجنود البيزنطيون من أنصار أندرونيقوس، ولجأ الجنود العثمانيون من أنصار الأمير ساوجي إلى جيش أبيه السلطان مراد، فأصبح ساوجي وأندرونيقوس من غير جيش، فلم يجدا أمامهما مفراً من الهرب، ففرا إلى مدينة »ديمومة«، فلحق بهما السلطان مراد واضطرهما إلى الاستسلام.

وجمع السلطان نخبة من القادة والعلماء والقضاة لمحاكمة ولده ساوجي، فحكوا عليه بالموت جزاء خروجه على طاعة ولي الأمر وجزاء موالاته للكفار أعداء الإسلام والتحالف معهم قولاً وفعلاً في محاربة المسلمين. وأمر السلطان مراد بتنفيذ حكم الشرع في ولده مسجلاً في ذلك صدق ولائه لحكم الشريعة، وصدق التزامه بالإسلام، ولكأني به وهو يفعل ذلك، كان يستشعر قوله تعالى عز وجل: (لا تجدُ قوماً يؤمنونَ باللهِ واليومِ الآخر يوادّون من حادّ اللهَ ورسولَه ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئكَ كتب الله في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي اللهُ عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألاَ إنّ حزبَ الله هم الغالبون) [المجادلة: 22].

ولقد كان من الطبيعي أن يستغل الحاقدون حادثة مقتل ساوجي، فتلقفوها وطفقوا ينسجون من حولها الأقاويل والافتراءات ليرفدوا من خلالها فريتهم عن الفتوى الشرعية المزعومة التي تبيح للسطان العثماني المسلم قتل من يشاء من بني رحمه. وكان من الطبيعي أن يشتط الحقد بأعداء الإسلام، فينفثوا حقدهم ضد السلطان مراد ويتهمونه بالوحشية، وتحجُّر عاطفة الأبوة في قلبه، وما دروا أن صدق الالتزام بالإسلام يجعل وشيجة العقيدة فوق كل وشيجة. وصلوات الله وسلامه على نبينا محمد الذي علّم المسلمين هذه الحقيقة الإيمانية حين قال: »واللهِ لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها.«

وأنتقلُ إلى حادثة قتل السلطان بايزيد بن مراد (الصاعقة) لأخيه الصغير يعقوب، فلا أجد غضاضة في تأكيد وقوعها، ولا أجد حاجة إلى محاولة تبريرها. فقد استهل يايزيد عهده فعلاً بارتكاب جريمة بشعة حيث أقدم على قتل أخيه الصغير يعقوب بتحريض من بعض أنصاره الذين طفقوا يوغرون صدره ضد أخيه، الذي كان شجاعاً، قوي الشخصية، ووجدتْ وشايةُ المغرضين هوى في نفس بايزيد الذي خشي أن يزاحمه يعقوب على السلطنة، واشتطت به وساوسه حين أخذ الوشاةُ يذكرونه بأن جده أورخان بن عثمان ولي السلطنة رغم كونه الأصغر سناً من أخيه الأمير علاء الدين. ولئن كنت أنكر أن بايزيد قد ارتكب جريمته البشعة فعلاً، بعد أن غلبه هواه، وزينت له وساوسه أن يقترف تلك الجريمة، وطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله. فالجريمة يتحمل وزرها بايزيد وحده، وليس من العدل ولا من المنطق أن يزجّ بالإسلام في عملية تبريرها. وينبغي أن أشير هنا إلى أن الجفاء كان مستحكماً بين العلماء والسلطان بايزيد، لدرجة أستبعد معها أن يجد بايزيد عالماً واحداً يستجيب له فيصدر تلك الفتوى التي ينسب استصدارها في بعض المراجع إلى بايزيد. ولقد بلغ من حدة ذلك الجفاء أن العالم المؤمن القاضي شمس الدين محمد حمزة الفناري ردّ شهادة السلطان بايزيد في إحدى القضايا، فلما راجعه بايزيد في ذلك، أجابه القاضي المؤمن بأنه ردّ شهادته لأنه تارك لصلاة الجماعة. بل لقد بلغ الجفاء بين العلماء والسلطان بايزيد إلى حد أقرب ما يكون إلى القطيعة بسبب استنكارهم لوقوعه تحت سيطرة وتأثير زوجته النصرانية الأميرة أوليفيرا شقيقة ملك الصرب لازار، ونماديه بتحريض منه على إدمان شرب الخمر، وإقامة حفلات اللهو، ويذكر المؤرخ التركي المعاصر إسماعيل حامي دنشمند في كتابه »موسوعة التاريخ العثماني« أن بايزيد ذهب ليتفقد العمل في بناء مسجد »أولو جامع« في بورصة، وكان قد أوشك بناؤه على الانتهاء، فالتقى خلال تجواله في المسجد بالعالم المؤمن محمد شمس الدين البخاري، فسأله على مسمع من الناس عن رأيه في نابء المسجد، وهل يرى في البناء أي نقص..؟ فأجابه العالم المؤمن بجواب ساخر يحمل بين طياته مشاعر عدم الرضى عن سيرة بايزيد المنافية للإسلام، فقال له: بالنسبة لنا نحن المسلمين، فإننا لا نجد أي نقص في بناء المسجد، أما بالنسبة إليك يا بايزيد، فإني أخشى أن تكون قد نسيت أن تضع خزانة تحفظ بها خمورك بجانب المحراب. أفيعقل بعد هذا أن يجد بايزيد عالماً واحداً يفتي بقتل أخيه من غير مسوّغ شرعي؟ ولقد وجد الحاقدون رافداً جديداً يدعمون به فريتهم فيما وقع من صراع دموي بين أبناء بايزيد الصاعقة، حين قتل محمد بن بايزيد إخوته عيسى ثم سليمان ثم موسى ليتفرد بحكم السلطنة. ولئن اشتط المغرضون في حقدهم فزعموا أن محمد بن بايزيد قد قتل إخوته بموجب تلك الفتوى الشرعية المزعومة، فإن الحقائق التاريخية تؤكد أن ما جرى بين أبناء بايزيد من اقتتال دموي كان اقتتالاً مصلحياً من أجل الطموحات الشخصية بكل واحد منهم للجلوس على عرش السلطنة، وليس من العدل والإنصاف إن يزج بالإسلام في هذا المقام.

وينبغي أن أشير إلى أن شهوة الجلوس على عرش السلطنة قد اشتطت بأبناء بايزيد لدرجة لم يجدوا معها غضاضة في الاستعانة بأعداء الإسلام من البيزنطيين ضد بعضهم بعضاً، كما فعل سليمان بن بايزيد حين تنازل لملك الروم »إيمانويل الثاني« عن مدينة سلانيك وسواحل البحر الأسود مقابل الوقوف إلى جانبه ضد أخويه الآخرين عيسى ومحمد.

هذا، وينبغي أن أشير إلى أن بعض المؤرخين المغرضي زعموا أن الفتوى الشرعية المزعومة التي تبيح للسلطان قتل بني رحمه من غير مسوغ شرعي هي تلك الفتوى التي أصدرها الشيخ سعيد أحد تلاميذ الشيخ التفتازاني، والتي ورد نصّها على النحو التالي: »من أتاكم وأمركم جميعاً على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم، ويفرق جمعكم، فاقتلوه.«

والحقيقة أن هذه الفتوى قد صدرت عام [823هـ/1420م] كما يورد المؤرخ التركي عبد القادر داده أوغلو في كتابه »التاريخ العثماني المصوّر« ضد أحد قضاة العسكر وهو الشيخ بدر الدين الذي ثار على السلطان وتزعم حركة تنادي بإلغاء التفرقة بين الأديان، وبتوزيع الأموال سواسية بين الناس، وقد اندس في حركة الشيخ بدر الين، كما يروي الأستاذ محمد فريد في كتابه «تاريخ الدولة العلية العثمانية»عدد من اليهود والنصارى، وعندما وقع بدر الدين في الأسر بعد معركة حامية الوطيس، حوكم أمام هيئة من كبار العلماء والقضاة، فصدرت بحقه الفتوى بنصها الذي أوردته آنفاً، وبتوقيع الشيخ شعيد، ويروي المؤرخ التركي المعاصر إسماعيل حامي دنشمند في كتابه «موسوعة التاريخ العثماني» أن الشيخ بدر الدين قد وقع بنفسه أيضاً على الفتوى اعترافاً بذنبه، وتم إعدامه شنقاً على ملأ من الناس في السوق الرئيسي في مدينة سراز.

ولقد وجد المغرضون مبرراً آخر لرفد بهتانهم بخصوص الفتوى المزعومة في حادثة إعدام السلطان مراد الثاني لعمه مصطفى بن بايزيد.

وحقيقة الأمر أن مصطفى بن بايزيد كان قد اختفى وانقطعت أخباره بعد هزيمة بايزيد (الصاعقة) في معركة أنقرة أمام تيمورلنك، ثم ظهر فجأة في زمن أخيه السلطان محمد جلبي بن بايزيد مطالباً بالسلطنة لنفسه، واستنجد بأعداء الإسلام من البيزنطيين فأمدوه المساعدات، وأوعزوا لأمير بلاد الفلاخ بإمداده بجيش كبير، ولكن مصطفى فشل في تحقيق أي نجاح، واضطر إلى اللجوء إلى سلانيك التي كان الأمير سليمان بن بايزيد قد أعادها إلى السيطرة البيزنطية مقابل وعدهم له بمساعدته ضد إخوته، كما أسلفت قبل قليل، واتفق السلطان محمد جلبي مع إمبراطور بيزنطة على إبقاء أخيه مصطفى في سلانيك تحت مراقبة الإمبراطور، مقابل مبلغ من المالن استمر الأمر على هذا النحو إلى أن ولي السلطنةمراد الثاني بن جلبي فتحرش به الإمبراطور «إيمانويل الثاني» في محاولة منه لإعادة هيبة الإمبراطورية، وطلب منه عقد معاهدة يتعهد مراد بموجبها بعدم القيام بأية محاولة لغزو القسطنطينية، فلما وقف السلطان مراد موقفاً حازماً في وجه إيمانويل ورفض مطالبه عمد عمانويل إلى استدعاء الأمير مصطفى وأمده بعشر سفن حربية مدججة بالجنود والسلاح، فتمكن مصطفى من الإستيلاء على مدينة وميناء غاليبولي، ثم تمكن من التغلب على الجيش العثماني الذي أرسله السلطان مراد لمحاربته بقيادة وزيره بايزيد باشا، فسار السلطان مراد الثاني بنفسه لملاقاة عمه مصطفى الذي لم يلبث أن وقع في أسر مراد، ليواجه عقوبة الإعدام شنقاً، جزاء خيانته لله ولرسوله وللمؤمنين، وهل من خيانة لله ولرسوله وللمؤمنين أعظم من موالاة في جماعة المسلمين، ينبري هؤلاء ليزعموا أن الإسلام يبيح للسلطان قتل بني رحمه كيفما يشاء..؟ فرية باطلة ... وبهتان عظيم..

وأجدني هنا مضطراً للتوقف وقفة أردّ بها فرية خبيثة ألصقت بالسلطان محمد الفاتح، فقد درج بعض المؤرخين، وهم يؤرخون لحياته، على الزعم بأنه قام بقتل أخيه الرضيع أحمد جلبي بعد أيام قليلة من تسلمه مسؤولية السلطنة بعد وفاة أبيه السلطان مراد، خشية أن يزاحمه على السلطنة، ومن المؤسف أن هذا الزعم لم يقتصر على المؤرخين غير المسلمين، وإنما وقع في أحبولته عدد من المؤرخين المسلمين.

ولئن كانت هذه الفرية التي ألصقت بالسلطان محمد الفاتح تكون أوهمن من بيت العنكبوت، إلا أنني أجد من الواجب التوقف عندما وتفنيدها، لكي لا يبقى بعد ذلك عذر لأي مؤرخ يحترم نفسه، ويحترم شرف الكلمة التي يؤرخ بها، أن يستمر في ترديد هذا البهتان العظيم ضد السلطان محمد الفاتح. هل يعقل أن سلطاناً ولي السلطنة في عهد أبيه، وتحت كنفه، ثم وليها من بعد وفاة أبيه، وقد اشتدّ ساعده، ونضجت خبرته، والتفت الأمة من حوله تحوطه بالحب والطاعة، هل يعقل أن هذا السلطان يغار من أخ له رضيع، فيخشى أن ينازعه على السلطة..؟ وكيف يتسنّى لطفل رضيع، وأنى له، أن ينازع على السلطنة، وهو الرضيع الذي إن تأخرت أمه عليه بالحليب يوماً مات جوعاً. ثم هل يصدق إنسان عاقل، أن محمداً الفاتح، الذي تربى على مائدة القرآن، على يد خيرة علماء عصره، أمثال الشيخ أحمد بن إسماعيل الكوراني الذي كان الفاتح يسميه «أبا حنيفة زمانه»، والشيخ تمجيد أوغلو، والشيخ محمد جلبي زاده، والشيخ مولا إياش، والشيخ الغوراني، والشيخ سراج الدين الحلبي، والشيخ آق شمس الدين، ويمكن أن يفكر بمثل هذا الأمر الفظيع..؟ بل، لنفرض جدلاً أن محمداً الفاتح كان يوجس خيفة أن ينازعه أخوه الرضيع على السلطنة، أفما كان يستطيع أن يحتويه تحت كنفه، ويربيه على الإخلاص له، بدل أن يقتله؟ ولماذ يستبق محمد الفاتح الأمور فيقتل أخاه الرضيع، وقد كان بإمكانه أن ينتظر وهو مطمئن البال بضعة عشر عاماً حتى يكبر أخوه، فيتحقق من نوازعه ونواياه؟ من هنا نستطيع أن نتبين انتفاء المصلحة الشخصية للسلطان محمد الفاتح من قتل أخيه الرضيع.

ولننتقل الآن إلى مناقشة الطريقة التي تمت بها عملية القتل المزعومة، فقد زعم مروّجو هذه الفرية أن السلطان محمداً الفاتح أرسل أحد قواده، واسمه علي بك، إلى جناح النساء لقتل أخيه الرضيع، فلما علم علي بك أن الطفل موجود في حمام النساء حيث تقوم مربيته بغسله، اقتحم الحمام وأمسك بالطفل الرضيع وغطسه تحت الماء حتى مات مختنقاً غرقاً..

هل يصدق عاقل أن محمد الفاتح، وهو الذكي المحنك، يقدم على قتل أخيه الرضيع بهذه الصورة المكشوفة الساذجة؟ وهل كان عاجزاً عن تكليف إحدى النساء، كزوجته، أو إحدى خادماتها، بتنفيذ عملية القتل دون إثارة انتباه أحد، بدل من أن يرسل رجلاً إلى جناح النساء، وهو أمر غير مألوف، بله أن يسمح له بأن يقتحم هذا الرجل حمام النساء، حيث يكنّ فيه متحللات من حجابهن، ومتخففات من كثير من ملابسهن، وفي ذلك ما فيه من خروج مستهجن عن المألوف، من شأنه لو تحقق فعلاً أن يثير من هياج النساء، وضجيجهن، وصخبهن، ما يضطر ذلك الرجل إلى الفرار قبل أن ينفذ مأربه، مهما بلغت به الجرأة والنذالة؟ إذن، ما هي حقيقة هذه الفرية؟ الحقيقة أن المربية التي كان موكلاً إليها أمر العناية بالطفل الرضيع أحمد، انشغلت عنه لبعض شأنها بينما كانت تغسله، فوقع في حوض الماء، فمات مختنقاً غرقاً قبل أن تتداركه الأيدي التي امتدت لإنقاذه بعد فوات الأوان. وتصادف بعد غرق الطفل بأيام قليلة أن أحد ضباط الجيش، واسمه علي بك، ارتكب جريمة عقابها الإعدام، فلما أعدم، وجد الحاقدون مادة جديدة خيّل إليهم أنهاتدعم بهتانهم، فطفقوا يزعمون أن علي بك هو الذي أغرق الطفل الرضيع أحمد، وأن السلطان محمد الفاتح خشي أن يفشي هذا الرجل سره فقتله، ومن هنا جاءت الفرية على النحو الذي أشرت إليه، وينبغي الإشارة إلى أن «إدوارد سي كريسي» يتبنى هذا الزعم في كتابه «تاريخ العثمانيين الأتراك» المطبوع بالإنجليزية في بيروت في عام 1961م، ويدّعي أن السطان الفاتح أقدم على قتل الضابط علي بك متهماً إياه بقتل أخيه الرضيع دون أن يكون للسلطان علم بذلك. ولو أنهم توقفوا عند هذه الفرية وحدها لهانَ الأمر، ولكنهم ما برحوا أن بدأوا ينسجون من حولها المزيد من الافتراءات، فزعموا أن محمداً الفاتح، لم يكتف بقتل أخيه، بل أصدر قانوناً أعطى للسلطان الحق في قتل من يشاء من إخوته وأبنائه وأبناء عمومته وخؤولته، لقطع الطريق على أي منهم أن ينافسه على السلطة.

ولقد أوضح المؤرخ التركي المعاصر إسماعيل حامي دنشمند في كتابه «موسوعة التاريخ العثماني» الدافع الذي جعل السلطان محمد الفاتح يصدر هذا القانون فقال: «حين وجد السلطان محمد الفاتح أن أكبر خطر يهدد الدولة العثمانية في الفترة التي سبقت توليه مقاليد السلطنة، نجم عن تكرار حوادث الانشقاق التي كانت تقع بين الأمراء العثمانيين، والتي كانت تصل في أكثر الأحيان إلى درجة الاقتتال، وتؤدي إلى انقسام الدولة إلى فريقين أو أكثر، مما كان يؤثر على وحدة الدولة، ويغري خصوم الإسلام بها، فقد رأى السلطان محمد الفاتح أن يضع قانوناً أسماه «قانون حفظ النظام للرعية» أكد بموجبه أن الموت سيكون مصير كل من يعلن العصيان المسلح ضد السلطان، ويتعاون مع أعداء الإسلام ضد المسلمين.» ويردف إسماعيل حامي دنشمند أن هذا القانون كان سبباً في انحسار، أو على الأقل، في تقليص حوادث العصيان المسلح، التي كادت أن تصبح أمراً شائعاً في الدولة العثمانية قبل صدور هذا القانون. وإن المرء لتتملكه الدهشة، حين يرى أن كل دول الدنيا، قديمها وحديثها، لا تخلو قوانينها من مثل هذا القانون، ومع ذلك لا تجد أحداً يعترض عليها أو يشوه مقاصدها، كما كان يفعل المغرضون تجاه الدولة العثمانية! وبعد:

فإني أحسب أن القارئ الفطن، يدرك من خلال ما أوردتُ من حقائق، أن الحاقدين إنما يهدفون من وراء التركيز على تحريف تاريخ الأتراك العثمانيين المسلمين إلى الإساءة إلى الإسلام ذاته، ومن خلال الإساءة إلى الأتراك العثمانيين المسلمين، حين يظهرونهم بمظهر القوم المتوحشين الذين انعدمت الرحمة من قلوبهم، ومن خلال الإيحاء بأن مسألة قتل السلاطين لإخوانهم كانت أمراً عادياً مألوفاً عندهم. أقول هذا، ولا أنفي أن يكون في تاريخ بني عثمان، وخاصة في عصورهم المتأخرة، بعض الأمور التي لا تنسجم مع الإسلام، وتتعارض مع أحكامه، وليس الذنب في ذلك ذنب الإسلام، وإنما ذنب المسيء نفسه.

--------------------------------------------------------------------------------

مجلة الأمة، العدد 53، جمادى الأولى، 1405 هـ

**********************************************************************************************************************************************************

معركة نيقوبوليس

التكتل المسيحي الصليبي ضد الدولة العثمانية : قام( سيجسموند) ملك المجر والبابا (بونيفاس التاسع ) بدعوة لتكتل أوروبي صليبي مسيحي ضد الدولة العثمانية، وكان ذلك التكتل من أكبر التكتلات التي واجهتها الدولة العثمانية في القرن الرابع عشر ، من حيث عدد الدول التي اشتركت فيه ، ثم أسهمت فيه بالسلاح والعتاد والأموال والقوات ،وبلغ العدد الإجمالي لهذه الحملة الصليبية 120.000 مقاتل من مختلف الجنسيات (ألمانيا وفرنسا وإنجلترا واسكتلندا وسويسرا ولوكسمبورج والأراضي المنخفضة الجنوبية وبعض الأمارات الإيطالية). وتحركت الحملة عام (800 هـ / 1396م) إلى المجر ، ولكن زعماءها وقادتها اختلفوا مع سيجسموند قبل بدء المعركة. فقد كان سيجسموند يؤثر الانتظار حتى يبدأ العثمانيون الهجوم ، ولكن قواد الحملة شرعوا بالهجوم ، وانحدروا مع نهر الدانوب حتى وصلوا إلى نيكوبوليس شمال البلقان وبدؤوا في حصارها وتغلبوا في أول الأمر على القوات العثمانية ، إلا أن يزيد ظهر فجأة ومعه حوالي مئة ألف جندي ، وهو عدد يقل قليلاً عن التكتل الأوروبي الصليبي ، ولكنه يتفوق عليهم نظاماً وسلاحاً ، وكان بقيادة أمير الصرب (اصطفان بن لازار ) ومعه كثير من الشعوب النصرانية الخاضعة للحماية العثمانية ، إضافة إلى الجند العثمانيين ، وكان اللقاء في يوم 23 ذي القعدة 798 ، فانهزم معظم النصارى ولاذوا بالفرار والهروب وقتل وأسر عدد من قادتهم. وخرج العثمانيون من معركة نيكوبوليس بغنائم كثيرة وفيرة واستولوا على ذخائر العدو. وفي نشوة النصر والظفر قال السلطان بايزيد أنه سيفتح ايطاليا ويطعم حصانه الشعير في مذبح القديس بطرس برومة. لقد وقع كثير من أشراف فرنسا منهم ( الكونت دي نيفر) نفسه في الأسر ، فقبل السلطان بايزيد دفع الفدية وأطلق سراح الأسرى و( الكونت دي ينفر ) وكان قد ألزم بالقسم على أنه لا يعود لمحاربته قال له : إني أجيز لك أن لا تحفظ هذا اليمين فأنت في حل من الرجوع لمحاربتي ؛إذ لا شيء أحب إليّ من محاربة جميع مسيحي أوروبا والانتصار عليهم . أما سيجموند ملك المجر كان قد بلغ به الغرور والاعتداد بجيشه وقوته أن قال : لو انقضت السماء من عليائها لأمسكناها بحرابنا – فقد ولى هارباً ومعه رئيس فرسان رودس، ولما بلغا في فرارهما شاطئ البحر الأسود وجد هناك الأسطول النصراني فوثبا على إحدى السفن وفرت بهما مسرعة لا تلوي على شيء، وتضاءلت مكانة المجر في عيون المجتمع الأوروبي بعد معركة نيكويوليس ، وتبخر ما كان يحيط بها من هيبة ورهبة. لقد كان ذلك النصر المظفر له أثر على بايزيد والمجتمع الإسلامي ، فقام بايزيد ببعث رسائل إلى كبار حكام الشرق الإسلامي يبشرهم بالانتصار العظيم على النصارى ، واصطحب الرسل معهم إلى بلاطات ملوك المسلمين مجموعة منتقاة من الأسرى المسيحيين باعتبارهم هدايا من المنتصر ودليلاً مادياً على انتصاره. واتخذ بايزيد لقب (سلطان الروم) كدليل على وراثته لدولة السلاجقة وسيطرته على كل شبه جزيرة الأناضول. كما أرسل إلى الخليفة العباسي المقيم بالقاهرة يطلب منه أن يقر هذا اللقب حتى يتسنى له بذلك أن يسبغ على السلطة التي مارسها هو وأجداده من قبل طابعاً شرعياً رسمياً فتزداد هيبته في العالم الإسلامي ، وبالطبع وافق السلطان المملوكي برقوق حامي الخليفة العباسي على هذا الطلب لأنه يرى بايزيد حليفه الوحيد ضد قوات تيمورلنك التي كانت تهدد الدولة المملوكية والعثمانية ، وهاجر إلى الأناضول آلاف المسلمين الذين قدموا لخدمة الدولة العثمانية . وبعد هذا الانتصار عقد السلطان بايزيد صلحاً من إمبراطور بيزنطة فك بموجبه الحصار على القسطنطينية مقابل دفع ما يعادل عشرة آلاف دينار ذهبي ، والسماح للمسلمين ببناء مسجد لهم في القسطنطينية. ******************************************************************************************************************************************************************

المسلمون في البانيا

ها هي ألبانيا مطلع القرن الواحد والعشرين تعيش نفس الظروف التي مرت بها مطلع القرن العشرين حين كانت خارجة لتوها من الحقبة العثمانية، فرأت فيها أوروبا مصدرًا لذلك الخطر الإسلامي المزعوم، وكان أن تعرضت ألبانيا لضغوط دولية أوروبية شديدة، فجرى تقسيم البلاد، واقتطاع أجزاء منها، وحتى يعترف العالم بالشطر الرئيسي أي: ألبانيا -كما نعرفها اليوم- اشترط أن تكون محايدة وخاضعة للرقابة الأوروبية الدولية الجماعية، وأن تقبل بملك ألماني على عرشها، وأن تستبدل بالحروف العربية بالحروف الاتينية، وأن تفك علاقاتها الثقافية مع العالم الإسلامي، وأن تنحي الدين جانبًا، فكانت ألبانيا علمانية حتى قبل تركيا بعشرة أعوام. هل هذه نظرة ذات بعد ديني متطرف وأفق أيديولوجي محدود؟ أم أنها الواقع الذي يقفز عليه الكثيرون إذا ما أرادوا الحديث عن أزمة الألبان في البلقان؟ عام 1371 يبدأ العثمانيون التوغل في قلب البلقان، ويبادر الصرب إلى توحيد صفوفهم التي انفرط عقدها بعد وفاة دوشان الكبير، وفي الثامن والعشرين من يونيو / حزيران عام 1389 يسجل العثمانيون بقيادة السلطان مراد الأول نصرًا كبيرًا مبكرًا ضد الصرب في معركة (كوسوفا) الشهيرة، وفي عام 1393 يتمكنون من فرض الولاء على ألبانيا دون غزو أو قتال ليستمر الحال على هذا المنوال أكثر من ستين سنة، كانت ألبانيا خلالها تتمرد بعض الأحيان ثم تعود للاستسلام بعد استخدام القوة ضدها، وفي عام 1443 يتمرد حاكم ألبانيا (اسكندر بك) على السلطان العثماني مستغلاً انشغال الأخير في محاربة الصرب، ويقوم بجمع القبائل الألبانية وتوحيدها، وذلك لتأسيس وطن قومي للألبان، وطرد العثمانيين، ولكن في عام 1461 يعقد العثمانيون معه معاهدة صلح بعد أن فتحوا القسطنطينية، وتفرغوا للبلقان، غير أن شوكة الألبان تضعف بعد وفاة اسكندر بك عام 1468 مما يتيح للعثمانيين أن يتموا سيطرتهم الكاملة على ألبانيا عام 1479. ولم يمضِ قرن من الزمان حتى دخلت الغالبية العظمى من الألبان في الإسلام، وتبع ذلك أن أصبحت بلادهم ولاية عثمانية، وباتوا هم مواطنين عثمانيين. عبدي باليتا:

"لم يُجبَر الألبان على اعتناق الإسلام من قبل العثمانيين لأن هؤلاء ما كانوا ليجبروا الشعوب الخاضعة لهم على التحول عن دياناتهم، والدليل على ذلك أن البلغار والصرب واليونانيين لم يتحولوا إلى الإسلام، فيما دخل البوسنيون والألبان طواعية فيه، وذلك باعتقادي لحفظ أنفسهم من الذوبان في جيرانهم، بالإضافة لما للألبان من اهتمامات سياسية وقومية، فضلاً عن تميزهم بتفكيرهم البراجماتي الاقتصادي". في المقابل اعتقاد آخر بأن تحول ألبانيا بأسرها إلى الإسلام في أقل من قرن بعد امتناعها لقرون طويلة عن الذوبان في هوية محتليها إنما بسبب أن الألبان عرفوا للمرة الأولى في حياتهم الاستقرار النسبي، ونعموا بازدهار أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، وتأثروا بنظام العدالة والإدارة الذي أقامه العثمانيون بداية عهودهم وكان أكثر تطورًا وثباتًا من الأنظمة السابقة عليه، وما يُزكي هذا الاعتقاد أن الألبان لم يتحولوا فقط إلى الإسلام، وإنما لعبوا دورًا هامًّا ورئيسيًّا في الدولة العثمانية، وانخرطوا في أجهزتها السياسية، حتى شغل أكثر من ثلاثين منهم منصب الصدر الأعظم، الذي هو بمثابة منصب رئيس الوزراء في الدولة الحديثة، كما كانوا من أشهر القيادات العسكرية في الجيش العثماني بفتوحاته الشهيرة، وإذا شئنا أن لا نجامل لقلنا: أن الذاكرة العقابية للغرب لم تشأ أن تغفر للألبان أبدًا هذا الدور بالرغم من أنهم بادروا إلى تأسيس رابطتهم القومية عام 1878 في مدينة (بريزرن) بـ(كوسوفا) سعيًا للاستقلال عن الدول العثمانية، ونجحوا في أن ينتزعوا منها حق الحكم الذاتي عام 1912، إلا أن روح الانتقام ظلت تتلبس أوروبا التي لم تخف يومًا مخاوفها من وجود دولة إسلامية على أراضيها، ومن ثم قررت وبوسائلها الدبلوماسية المعهودة تقسيم الأراضي الألبانية، وبعثرتها بين أربع دول مجاورة هي: اليونان ومقدونيا وصربيا والجبل الأسود، لتصبح مساحتها ثمانية وعشرين ألف كيلو مترًا مربعًا من أصل ثمانين ألفًا، وليعيش فيها اليوم أكثر من ثلاثة ملايين نسمة، بينما يعيش في الأراضي الألبانية الأخرى أكثر من ضعف هذا العدد. عقاب أوروبا للألبان عن دورهم في الدولة العثمانية نفذ بمباركة دولية عبر أربعة مؤتمرات شهيرة هي: مؤتمر (سان ستفانو) في مارس 1878، فمؤتمر (برلين) في يونيو حزيران 1878، ثم مؤتمر (لندن) 1913 المنعقد بعد هزيمة تركيا في حرب البلقان الأولى، ومؤتمر (باريس) 1919 بعد الحرب العالمية الأولى، والذي قامت الدول المنتصرة خلاله برسم حدود الدول والكيانات في البلقان، وأوجدت دولاً لم تكن موجودة، ومزقت أخرى كانت موحدة. وفي ديسمبر عام 1920 تحصل ألبانيا على عضوية عصبة الأمم، لتكسب بذلك الاعتراف الدولي كدولة ذات سيادة، لكن بعد أقل من عشرين عامًا تتعرض ألبانيا للاحتلال الإيطالي، وفي نوفمبر عام 1941 يؤسس (أنور خوجة) الحزب الشيوعي الألباني، الذي يباشر بعد عام حرب تحرير ضد إيطاليا، التي تستسلم لقوات الحلفاء في أغسطس عام 1943، ويتمكن المقاتلون الألبان من هزيمة القوات الإيطالية، لكن ألمانيا تحتل ألبانيا في نفس العام، إلى أن تنجح قوات الحزب الشيوعي بزعامة أنور خوجة في تحرير أراضيها، وتنسحب القوات الألمانية، ولتبدأ الحقبة الشيوعية في البلاد. مويكوم زيكو:

"لقد كانت الشيوعية في ألبانيا قوية جدًّا وراسخة، كانت نظامًا (ستالينيًّا) قضى على حريات الشعب، وعلى حقه في التدين، وعلى العديد من حقوق الأفراد والمجتمع، لكن خلال الحقبة الشيوعية تم بناء الكثير من المدارس، وبناء أول جامعة وأكاديمية للعلوم، والعديد من المؤسسات الثقافية، إلا أن الكثير من الجرائم ارتكبت، والكثير من المشاكل ظهرت". في أيام الشيوعية عُزلت ألبانيا تمامًا عن محيطها الأوروبي والدولي، وغُيبت الحريات العامة تمامًا، وانتهكت حقوق الناس الذين عاشوا أحلك أيامهم في ظل زعيمهم الشيوعي أنور خوجة، الذي حول ألبانيا من الدولة المسلمة الوحيدة في أوروبا، إلى الدولة الملحدة بالكامل في العالم كله، بعد أن حارب الأديان بصفة عامة، والإسلام بصفة خاصة، حربًا شعواء لا هوادة فيها أدت إلى تدمير المساجد أو تحويلها إلى متاحف ومخازن ومتاجر، وحلت جميع المؤسسات الدينية، وتم تصفية أملاكها وأوقافها، وحظرت العبادات والشعائر حظرًا تامًا، وعوقب المخالفون بعقوبات صارمة وشديدة لا مثيل لها في قوانين أخرى أو واقع آخر في العالم. عام 1985 يُتوفى أنور خوجة ليخلفه (رامز عليَّة) الذي بدأ في إدخال بعض الإصلاحات تدريجيًّا من أجل إنعاش الاقتصاد.

وفي عام 1989 ومع سقوط الشيوعية في أوروبا الشرقية، بدأت التحركات المعادية للحكومة لتجرى أول انتخابات متعددة الأحزاب عام 1991 يفوز بها الاشتراكيون، لتعقبها انتخابات مبكرة في العام التالي يفوز بها الديمقراطيون، لكن البلاد تشهد عام 1997 موجة من الاضطرابات نتيجة انهيار شركات توظيف الأموال، وتعم الفوضى البلاد، مما يدفع بالأمم المتحدة لأن ترسل قوات أمن أوروبية بقيادة إيطاليا. وفي التاسع والعشرين من يونيو/حزيران من نفس العام، تجرى انتخابات تشريعية مبكرة يفوز بها الاشتراكيون.

بحسب إحصاءات عام 1989، فإن الخارطة الدينية لألبانيا تفيد أن المسلمين يشكلون 70% سبعين بالمائة من سكانها، والأرثوذكس 20% عشرين بالمائة، والكاثوليك 10% عشرة بالمائة، ولذلك نجد أن رئيس الجمهورية يكون دومًا من المسلمين، فيما رئيس الوزراء من الأرثوذكس، ورئيس البرلمان من الكاثوليك، وذلك في اتفاق غير مكتوب بينهم. تقام صلاة الأحد في (كاتدرائية شكودرا) التي هي المركز الديني الرئيسي للكاثوليك في كل ألبانيا، والتي كانت قد حولت إلى نادٍ رياضي إبان حملة أنور خوجة ضد الأديان بعد عام 1967، وحيث يشكل الكاثوليك 50% خمسين بالمائة من سكان (شكودرا) والغريب أن هذه المدينة التي تعد عاصمة الشمال، ومركز الكاثوليك في الوقت نفسه، تشهد نشاطًا دينيًّا مكثفًا سواء من الكاثوليك أو من المسلمين، أو حتى من مجموعات ومنظمات دينية مختلفة قدمت من أنحاء مختلفة من العالم. وفي كل الأحوال فإن الفقر يوحد الجميع، حيث تفيد الإحصاءات أن البطالة قد زادت نسبتها عن 40%، وأن أكثر من 60% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، وأن متوسط دخل الفرد لا يزيد عن خمسين دولارًا شهريًّا، تدهور الأوضاع الاقتصادية لا يلحظه المرء هنا فقط، وإنما في كل ألبانيا. وإذا ما غادرنا مدينة شكودرا سنفهم أن 70% سبعين بالمائة من الشعب الألباني يعمل بالزراعة، وسيحكي لنا (جونجوزي) عن سوء حال أسرته المكونة من ستة أشخاص، وهو الفلاح الفقير المغيب لسنتين في معسكرات الاعتقال الشيوعية، والمهاجر لبيته في أقصى الشمال الألباني بحثًا عن الرزق، وكل أحلامه الآن أن يتمكن أولاده من السفر إلى (إيطاليا) أو (اليونان) ليحققوا ما عجز عنه. هذا الواقع الداخلي المؤلم أوجد مناخًا ملائمًا للتدخل الخارجي، الذي اتخذ أشكالاً متعددة، بِدءً من الثقافي والديني، ومرروًا بالسياسي والاقتصادي، وانتهاءً بالعسكري، وهو التدخل الذي في كل أحواله كان يرفع شارات السلام والإخاء والمحبة، وشعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وأهداف الحداثة والمعاصرة واللحاق بالعصر. عشر سنوات مرت منذ أن سقطت الشيوعية في ألبانيا، وانفتحت أبوابها على مصراعيها ليأتي العالم كله إلى هنا، فماذا فعل؟ وماذا يفعل؟ الانتقال من مدينة (فلورا) إلى مدينة (سارا ندا) لا يعني فقط قطع مسافة تصل إلى مائة وخمسين كيلو متراً، وإنما يعني أيضًا التحول من المعسكر الإيطالي إلى المعسكر اليوناني، وهما المتنازعان على ألبانيا، فموقع هذا البلد الاستراتيجي جعلها تدفع على مر التاريخ ثمنًا فادحًا، فألبانيا لا تبعد سوى أميال معدودة عن اليونان صاحبة الميراث (الأرثوذكسي) وحاميته، وأميالاً أخرى معدودة وحاميته وأميالاً أخرى معدودة عن إيطاليا عاصمة (الكاثوليكية)، والاثنان هما خصمان لبعضهما لقرون طويلة، حاول كل منهما خلالها بسط سيطرته العسكرية أو نشر نفوذه الديني في ألبانيا، وإذا كنا قد لاحظنا النفوذ الإيطالي في (فلورا)، فإن بوسعنا أن نلحظ الحضور اليوناني القوي في الجنوب بصفة عامة، و في مدينة (سارا ندا) بصفة خاصة. ثمة نزاع ديني مسيحي بين اليونان و الألبان يعود لعام 1937 عندما تأسست الكنسية الأرثوذكسية الألبانية في ظل رفض اليونان، التي كانت تريدها منضوية تحت لواء كنيستها والأب (نيكولا ماركو) راعي كنيسة القديسة (ماريا) في مدينة البسان، يمثل اليوم رمز المعارضة الألبانية للدور الديني لليونان في ألبانيا. ربما يستدعي الأمر التفكير بأن المسألة التي نبحثها إنما تقصد الإشارة إلى استغلال الدين في مسائل وأهداف أخرى، لكنها لا تمس أبدًا احترامًا يجب أن يبديه المرء تجاه الديان والعقائد على اختلافها، وهو ما يسهل لنا أن نواصل الحديث لنشير إلى الجهود اليونانية المبذولة لتغيير الهوية العقائدية للناس هنا. الأب نيكولا ماركو:

"إن أسلوب الطقوس هو أحد وسائل تدمير الأمة، حيث يتم تحويل الكثير من المسلمين إلى الديانة الأرثوذكسية، وذلك بعد أن أوهموهم بأن عليهم تغيير دينهم إذا ما أرادوا الحصول على وظيفة في اليونان، وهو أمر غير مسموح به في الإنجيل، إنهم يطلبون منهم تغيير أسمائهم، ثم يقومون بتعميدهم". المشكلة أن هذا النشاط التبشيري السياسي -إذا صح التعبير- يمتد في أنحاء الجنوب وفي (سار ندا) وهي المدينة ذات الغالبية المسلمة سنجد كنائس متعددة، وأطلال مسجد واحد دمر في ظروف مجهولة، وسنعلم أن هيئات الإغاثة الإسلامية منعت من ممارسة نشاطها في المدينة، وسيكون ملاحظًا في المنطقة كلها الجهود المبذولة لتغيير الهوية. الانتماء الجغرافي يفيد أن ألبانيا أوروبية، والانتماء العقائدي يفيد أنها إسلامية اعتبار أن سبعين بالمائة 70% من سكانها عضوًا في منظمة المؤتمر الإسلامي، وذلك في خطوة حماسية من قبل رئيسها حينذاك صالح بريشا، غير أن العالم العربي الإسلامي -كالعادة- لم يقدم له شيئًا، فيما حسبته أوروبا متشددًا على موقفه هذا، حتى أن هناك من يقول: أن أحداث انهيار شركات توظيف الأموال عام 1997، والإطاحة بصالح بريشا إنما كانت تدبيرًا أوروبيًّا عقابيًّا على دوره التقاربي مع العالم الإسلامي، وعلى الرغم من محافظته على ولائه للغرب.

لكننا في (تيرانا) التي باتت عاصمة لألبانيا منذ عام 1920، واقترب عدد سكانها من نصف مليون نسمة، سنفهم أن العالم العربي -في الواقع- قدم الممكن الأقل على المستوى الشعبي ، وها هي مجموعة من الشباب العربي تعمل في إدارة هيئات إغاثية إسلامية، وفي ظل ظروف شديدة التعقيد، فحكوماتهم تنظر إليهم بعين الشك من أن يكونوا منضويين تحت عباءة جماعات إسلامية معادية لها، كما أن الفوضى الإدارية والأمنية -التي تعيشها ألبانيا- تزيد الأمر سوءًا، فضلاً عن عملهم بجانب المنظمات الدولية الأخرى غير المرحبة بهم.

محمد الواعي:

"أولاً: نحن هنا مجلس تنسيقي ينسق بين المؤسسات الإسلامية الموجودة على الساحة الألبانية هنا، وهذه المؤسسات كلها مؤسسات شعبية، يعني قائمة على استجلاب الدعم من أهل الخير، ومن أبناء الخير من بلاد العالم الإسلامي في شتى ربوعه، يعني تعرض مشاريع مختلفة مدعومة بالأوثقة علىبعض المتبرعين من أهل الخير في مشروع الأيتام، مشروع التعليم ..إلى أخره،اهل الخير من ابناء المسلمين من التجار الخيرين ومن غيرهم ومن المتبرعين تقومون بارسال مندوب او ياتون بانفسهم او تستقصون الحقائق حتى يتأكدوا او يروا مصداقية هذه المبادرات , ثم بعد ذلك يقومون بتمويل هذه المشاريع لفترة معينة او فترة مفتوحة. فما هي إلا مؤسسات شعبية قائمة على أكتاف أهل الخير من بلاد العالم الإسلامي، وعلى تبرعات أهل الخير فليست هناك علاقات بالحكومة، أو إلى آخره، فهي مؤسسات شعبية أولاً وأخيرًا".

و الواقع ان الهيئات الإسلامية قدمت عشرات الاعمال و المشاريع على مدار السبع سنوات الماضية وما زالت، وفي المجالات الاجتماعية والصحية والتعليمية.

يقول الشيخ صبري كوتشي: "من أهم الاحتياجات تجهيز الطلاب بالعلم والعلماء، يعني لكي يكونوا قائمين بإرادتهم وقوتهم الروحانية، يعني يطلبوا الدعاء بالمعلمين، المعلمين القرآن والدين، نحتاج للمعلمين، ولكن المعلمين -الحمد لله- توجد، توجد ولكن ينقص الرواتب الشهرية". غير أن المأخوذ على الدور الإسلامي الشعبي أنه حضر اجتماعيًّا وثقافيًّا، دون أن تكون له أبعاد اقتصادية أو سياسية مؤثرة.

عبدي باليتا:

"إن اليونانيين يسرقون أسماءنا وشخصياتنا وتاريخنا وهويتنا، إننا في حاجة إلى التضامن الإسلامي، ربما"نحن نعاقب الآن لكوننا لسنا مسلمين صالحين، ولكنَّ هذا ليس خطأنا، إننا أطفال إذا ما قورنا بالدول الإسلامية الأخرى، نحن نحتاج تفهمًا ومساعدة مع استثمارات، إن الدول الإسلامية شديدة البطء، لكنَّ الهيئات الإسلامية أدت عملاً طيبًا، لقد ساعدوا الجميع بغض النظر عن الدين". هذه هي ألبانيا اليوم، تنوع عرقي داخلي، ومعاناة اقتصادية خانقة، وطبقة صغيرة تهيمن على المال والحكم، وتشتت قومي في الخارج، وخلافات مع الجيران، هذه هي ألبانيا اليوم: دولة ذات غالبية مسلمة، وأقلية أرثوذكسية محاطة ببلاد ذات غالبية أرثوذكسية، وأقلية مسلمة، هذه هي ألبانيا اليوم، ألبانيا الأم بعد أن أقتطع المشرط الدولي منها شطرًا راح هنا، وشطرًا راح هناك.

----------------------

*************************************************************************************************************************

الإنحلال و نهاية الدولة العثمانية

مختارات من بحث :

شيخ علماء الإسلام

* محمد زاهد الكوثري

عصره وآراؤه, دراسة تحليلية لمؤلفاته, وآرائه الإصلاحية

تأليف: الدكتور عمار جيدل, كلية العلوم الإسلامية, جامعة الجزائر

أولا: مسرح الأحداث

1/1 فرشة عن الدولة العثمانية

فهم شخصيات عثمانية تركية، يقتضي الإحاطة بالظروف الحضارية التي كانت فيها هذه الشخصية فاعلة ومتفاعلة، لهذا أرى نفسي ملزما بعرض صورة مختصرة عن تلك الظروف السياسية والفكرية والاجتماعية،لنر دفه بعد ذلك بتعريف موجز بشخصيتنا المختارة ومجمل آرائها الإصلاحية ومنزلتها.

عاش هؤلاء هذا العلم أعزّ أيامهم في كنف الدولة العثمانية وبالتحديد في أواخر أيامها ، دولة كانت نواتها الأولى عشيرة من الترك تسكن في أنحاء الأناضول( )، لهذا بدأت الدولة وفق السنن الكونية صغيرة على يد عثمان بن أرطغرل(699هـ/1299م) ( ) المتحمّس للعقيدة الإسلامية ومشاورة الفقهاء، حيث أوصى ابنه وهو على فراش الموت بتوقير العلماء والتزام الشرع الشريف، والتشاور مع أربابه في كل ما تقدم عليه، وعليك بتعظيم أمر الله والجهاد في سبيله وإعلاء كلمته( )

فظهرت الدولة العثمانية قوية منذ أيامها الأولى ،جمعت إلى الطبيعة العسكري لأفراد جيشها( ) قوة السلاح و قوة الإيمان، فخولت لهم هذه العناصر عبور البحر الأسود (757هـ/1356م)( )ثم فتح القسطنطينية(857هـ/1453م)،فامتد سلطانها إلى سائر بلدان شبه جزيرة البلقان. وواكب هذا الفتح تنازل المتوكل على الله عن الخلافة(922هـ/1517م)لهم، كما تزامن مع انضمام سوريا ودخول العثمانيين مصر، واستلام السلطان العثماني مفاتيح الحرمين الشريفين من ابن شريف مكة، وأصبح بذلك خليفة المسلمين( ).

وتوالت الفتوحات تترى الواحدة بعد الأخرى، فشملت آسيا وأوربا وإفريقيا مستغلين في ذلك الظروف الدولية التي مرت بها المنطقة( )، وخاصة انقسام المسلمين إلى دويلات متناحرة متنافرة يتهددها الصليبيون من كل جهة.

وقد ساهم احترام وصية المؤسس الأول في نجاح الدولة وسرعة بسط سلطانها على كثير من بلاد المسلمين، استجابة منهم لداعي نصرة المسلمين الذين يهددهم الصليبيون من كل جهة ، لهذا حق فيهم في تلك الفترة اسم منقذ العالم الإسلامي من الاندثار،إذ ما كان مستبعدا أن تتقلص دولة الإسلام، والإسلام نفسه كدين عالمي من تلك الديار باستقرار الصليبيين فيها( ).

وفي ذلك يقول محرم( )

لولا بنو عثـــمان والسنن الذي--- شرعوا لما وضح السبيل الأقوم

سطعوا بآفاق الخــلافة فانجـلى--- عنها مــن الحدثــان ليل مظلم

فهــم ولاة أمورها وكفـــاتها--- وهم حماة ثغـورها ، وهم هم( )

واستقر العمل في الدولة على النسق نفسه إلى أن بلغت الدولة ذروتها في عهد السلطان سليمان القانوني (1512ـ1520م)بعد تغلبه على الشاه الصفوي ( ) وهيمنته على المقدسات الإسلامية ودخولها تحت إشرافه( )، وقد واكب هذا النمو والازدهار ظهور بعض بوادر التململ في المجتمع العثماني ، تململ كانت له صلة بالتطور العلمي الذي ظهر في أوربا مما بعث في الأوربيين أحقادهم الصليبية من جديد و أطمعهم في بلاد المسلمين،فخططوا لضرب الدولة العلية وإضعافها ليتسنى تقسيمها في قابل الأيام ( )، وقد ساهم في مشاريع الإجهاز على الدولة نخبة المجتمع الأوربي كما تؤكده شهادة دجوفارا وزير خارجية رومانيا في كتابه” مائة مشروع لتقسيم الدولة العثمانية “ ، الذي أكّد مساهمة أغلب الدول الأوربية ((فرنسا ، إنجلترا ،روسيا، بلجيكا ، هولندا ، إسبانيا،… ) بكفاءات علمية وسياسية وعسكرية عالية المستوى(رجال الدين ، والساسة ، والأدباء، والأطباء ، والعسكر( … في مشاريع الإطاحة ، منهم على سبيل المثال لا الحصر لايبنيتز وبوانكرييه وفولتير وغيرهم كثير…( ) بلغ الأوربيون ما أرادوا على حين غفلة من العثمانيين ، فغزت فرنسا الجزائر(1830م) ثم احتلت تونس ، وامتلكت إنجلترا قبرص ثم غزت مصر ، واحتل الروس رومانيا (البغدان …) مما أظهر التنافس على تركة الرجل المريض حسب تعبير قيصر روسيا للسفير الإنجليزي ( ) وتجاوزا لهذه المؤامرات ظهرت عدّة محاولات إصلاحية بغرض منع سقوط الدولة أو اللحاق بالآخر حينا آخر، أو بهدف تمثّل مسلكه الإداري دون الوقوع في شراك أفكاره .

فظهرت محاولات إصلاحية وفق المنظور الإسلامي الأصيل على يد عثمان الثاني (1032هـ/1629م …) ثم ظهرت محاولات الإصلاح وفق النمط الغربي على يد سليم الثالث(1222هـ/1807م)، أضفى عليها السلطان عبد المجيد صبغة رسمية مستعينا بأحد المعجبين بالفكر الغربي (مصطفى رشيد(.

وبرزت إلى الوجود محاولات إصلاحية تلفيقية على يد أحمد الثالث(1143هـ/1730م)، والصدر الأعظم إبراهيم باشا(1154هـ/1742م) ( ). وتلافيا لهذه الوضعية الخطيرة حاول السلطان عبد الحميد الثاني إرجاع الدولة إلى سابق عهدها المجيد ، فعمل على صد التيارات الانفصالية وحل المشاكل التي تتخبّط فيها الدولة ، فعمد إلى الحيلة والتحايل من أجل حماية هذا الدرع الواقي لرسالة الإسلام من الاندثار،وحكم البلاد من جرّاء ذلك أكثر من ثلاثين سنة(1876ـ1909م) ، عاش في ظلها الكوثري أعزّ أيامه، ولهذا يعد التفصيل في وصف ذلك العصر مفتاحا أساسيا في فهم شخصية الكوثري وكيفية تفاعله مع الأحداث السياسية والثقافية التي عاصرها في العهد المشار إليه أو الذي تلاه وخاصة فترة حكم الاتحاد والترقي ثم مرحلة الكماليين.

1/2عهد السلطان عبد الحميد الثاني:

استهل عمله في ظل ظروف مأساوية بدأت بوفاة عمه عبد المجيد (1277هـ/1861م) واغتيال أخيه عبد العزيز(1293هـ/1875م)، وقد صادف ذلك تسرّب الأفكار المناهضة للأصالة الإسلامية من خلال مراد الخامس الذي كانت تربطه بالدوائر الإنجليزية والماسونية علاقات حميمة بواسطة مدحت باشا ( ).

بدأ السلطان حركته الإصلاحية بوضع صيغ فعّالة للحد من خطورة التوجهات الانفصالية المشجعة من قبل الأوربيين ( ) ، قال السلطان عبد الحميد الثاني :" منذ قرن كامل خبرنا بآمال ونوايا العناصر البلغارية والروسية في الاستقلال الذاتي، يسعى البلغار والسلاف نحو التخلّص من حكم العثمانيين"( )

كما عمل في ذات الوقت على منع التدخّل الأجنبي في الشؤون الداخلية للدولة والحد من خطورة الحركة الدستورية ( كانت على أشدّها في تلك المرحلة) ( ) بهدف بعث حركية سياسية إسلامية جديدة تتوخى تطبيق الشريعة وتتمثّل مقاصدها ، فبدأ بخاصة نفسه آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر ومحاربا لمظاهر الفساد الإداري والسياسي داخليا وقطع الطرق عن الأطماع الأجنبية خارجيا مع تقشّف متميّز. وفي هذا الجو السياسي المشحون بالمؤامرات ظهرت عدّة حركات سياسية جديدة بعضها متّصل بالأمة وآمالها وآلامها، وبعضها الآخر يتوخى تحقيق رغبة الآخر في البلاد العثمانية، فمن الأولى كانت حركة الجامعة الإسلامية، ومن الثانية كانت حركات الاتحاديين والكماليين.

1/2/1 الجامعة الإسلامية والخلافة الإسلامية:

ظهرت الجامعة الإسلامية كفكرة فعالة على الساحة السياسية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي على يد شخصيتين عالميتين، أولاهما جمال الدين الأفغاني ( )، و ثانيتهما السلطان عبد الحميد الثاني.

حاول من منصبه السياسي استغلالها باستعطاف المسلمين نظرا للظروف الصعبة التي تمر بها بلاد المسلمين بصفة عامة،و خاصة في ظل عدم وفاء الأوربيين بما أبرم من اتفاقات في مؤتمر برلين(1878م)، وتسرّب تيار الإصلاحات وفق المنظور الغربي في دواليب السلطة وقد واكب ذلك أزمة مالية خانقة مصحوبة بتحديات عسكرية( ).

ورغم اتفاق الرجلين من حيث الغاية إلا أنهما-للأسف الشديد-اختلفا من حيث الوسائل والأساليب المحققة لتلك الغايات.

فالأول: يرى أن أقصر طريق وأنجعه يتلخّص في الثورة على الأنظمة ثم تتحد الحكومات، ولهذا اتهم بتأسيس جمعيات سرية و خاصة بعد قتل الشاه( ) الذي أتهم بقتله أحد مريديه، وقد قالوا بأنه قال حين قتله خذها من جمال الدين".

أما الثاني:فيرى الحل في إحياء الدعوة إلى الخلافة التي تمثّلها الدولة العثمانية.

لهذا لم يعمّر اتفاقهما طويلا نظرا لاختلاف المسلكين، وتذكية خلافهما من قبل قوى( ) لا تريد الخير للأمة،فأفلت فكرة الجامعة الإسلامية، لتظهر بعد ذلك على يد السلطان عبد الحميد الثاني في ثوب جديد عرف باسم الخلافة الإسلامية.

بدأ السلطان دعوته إلى الخلافة ( سنة 1904م)، وذلك بعد أن هيّأ لها الشروط الموضوعية-حسب تقديره- بغرض قطع الطريق على التيار الدستوري( )والحيلولة دون توغّل الأوربيين في البلاد، والسعي إلى إحكام السيطرة على الولايات العربية وغيرها من الولايات. حاول السلطان وخز الضمير الإسلامي في الداخل والخارج لعلّه يظفر بنصير لمواجهة الاستدمار العالمي،إلا أن الأزمات الداخلية حالت دون بعث عناصر ديمومة فكرة الخلافة الإسلامية( )، ورغم المصاعب المحيطة به من كل جانب لم ينثن وقام بأعمال جبارة لم يكتب لها النجاح المنتظر للأسف الشديد.

وتتلخّص تلك المحاولات في التركيز على مواجهة الأفكار الأوربية المتلبّسة بالتنظيمات الدستورية في الداخل من خلال الدعوة إلى إحياء الخلافة والالتزام الفعلي بأحكام الشريعة الإسلامية.

بدأ السلطان بخاصة نفسه متقشّفا آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر( )محاربا لمظاهر الفساد مع عمل دؤوب من أجل تحقيق الإصلاح الشامل.

أنشأ شبكة الطرقات بهدف تخفيف كلفة النقل( )، وأنشأ المؤسسات العلمية كجامعة استنبول والعسكرية كالكليات العسكرية والمدارس التعليمية( )،كما سعى إلى بعث إعلام فعّال بإنشاء المجلات والنشريات والدوريات( )، وحاول في الوقت نفسه إصلاح التعليم بإدخال العلوم الدينية واللغة العربية في المقررات الرسمية، وتشجيع استعمال لغة القرآن في المجال الثقافي والعلمي، وهذا رغم العراقيل التي وضعها محمد سعيد باشا، ومنع إطلاق الترجمة الأوربية للأسماء العربية والتركية على الشوارع( )هذا على الصعيد الداخلي،أما على الصعيد الخارجي فقد منح الأولوية للحد من نفوذ إنجلترا وفرنسا وروسيا في الدولة العثمانية،فرغب في التقارب مع ألمانيا والاستفادة من خبراتها العسكرية في تنظيم الجيش مع استثمار صلاته الدبلوماسية من أجل الاستفادة من الخبرة البحرية الإنجليزية( ).

وقد نتج عن التقارب العثماني الألماني زيارة ولهلم الثاني للآستانة حيث طمأن خلالها السلطان، وأكّد له مساندة الشعب الألماني لخليفة المسلمين( ).

وقد شلّ اليهود والماسونيون محاولات الإصلاح الداخلية والخارجية بهجمات سياسية شرسة، و خاصة بعد فشلهم في إقناعه ببيع فلسطين ، حيث يقول ردا على رغبتهم في شراء فلسطين:"نكون قد وقّعنا قرارا بالموت على إخواننا (أهل فلسطين) في الدين…لا يريد الصهيونيون إنشاء حكومة لهم وانتخاب ممثلين سياسيين عنهم ، وإني أفهم جيدا معنى تصوراتهم …إن هرتزل يريد أرضا لإخوانه في دينه "( ) و قد سجّل تيودور هرتزل (الباعث الأول لفكرة الدولة العبرية في فلسطين في مدينة بال السويسرية) للسلطان إخلاصه لدينه ووطنه حيث قال عنه:" إنه لا يتخلى أبدا عن القدس "( ) ، كما سجّل أنه قال لمبعوث اليهود الراغب في شراء فلسطين:" لا أقدر أن أبيع ولو قدما واحدا من البلاد لأنها ليست لي بل لشعبي ، لقد حصل شعبي على هذه الإمبراطورية بإراقة دمائهم وسوف نغطيها بدمائنا قبل أن نسمح لأحد باغتصابها منا …لا أستطيع أبدا أن أعطي أي جزء منها ، ليحتفظ اليهود ببلايينهم"( )

لم يرفض السلطان بيع فلسطين فحسب، بل رفض المساومة والسمرسة نفسها، وأكد هرتزل هذه المعاني بوضوح،بيّن من خلاله عدم رضوخ السلطان للترغيب والترهيب الذي سلّط عليه من كل جانب،وردا لما بذله اليهود من وسائل ترغيب وترهيب، يقول السلطان عبد الحميد الثاني : " فإذا قسمت الإمبراطورية فقد يحصل اليهود على فلسطين بدون مقابل إنما لن تقسم إلا جثثنا ولن أقبل بتشريحها لأي غرض كان "( )

استغل اليهود الظروف المحلية والدولية أحسن استغلال فأوغروا قلوب الأوربيين عليه بما أوتوا من مكر و خديعة متأصّلة فيهم…وظلوا على تلك الحال من غير ملل أو كلل إلى أن تمّ لهم المراد فخلع السلطان بأيد محلية (وطنية) -وإمعانا في الانتقام بلّغه قرار خلعه الوسيط اليهود( قره صو) الذي ردّه خائبا في محاولات شراء فلسطين( ) ولّد تسارع الأحداث السياسية ظهور أحزاب سياسية تتبنى طرحا مغايرا للاتجاه الأصيل في الأمة ولهذا تعد في أحسن أحوالها محاولة لتمكين القيّم الغربية من المجتمعات الإسلامية.

سمح الوضع الجديد بانكشاف المستتر من الجمعيات المتسرّبة في المجتمع العثماني،فنادى بعضهم بالإصلاح الجذري وفق المنظور الغربي، واختارت مجموعة أخرى التلفيق بين الموروث الإسلامي والفكر الغربي،…واحتدم الصراع بين الفريقين في المجتمع العثماني،فكانت الغلبة للمجموعة الأولى بقيادة مدحت باشا( )(1238هـ-1301هـ)-(1822م-1883م) الذي يعد جهده امتدادا مرتقبا لفريق متأصّل الجذور في المجتمع العثماني( )

حاول مدحت باشا تطبيق النظام الإنجليزي في الإدارة والحكم، فوضع الدستور للحد من صلاحيات السلطان الذي اختاره لمنصب الصدارة العظمى إرضاء للمجتمع العثماني المريض،يؤكد هذا المعنى قول السلطان:"لم أكن أستطيع الوقوف أمام تيار ذلك العهد،كنت مجبرا على التعاون معهم،فقد كان من الضروري أن أتقدّم لشعب مريض أفصح أن اسم مدحت باشا يساوي في حساب الجمل ( ) دواء الأمة أن تقدم له الدواء الذي طلبه"( ).

اقترح الفريق المتسلّط الجديد إضافة الصليب إلى راية الدولة إرضاء للغربيين، كما عمل على تدريس اللغات القومية في المدارس الرسمية للدولة( )، وإمعانا في خدمة الأوربيين عينوا ولاة من غير المسلمين في ولايات أغلب سكانها مسلمين، وسمحوا بالتحاق الطلبة غير المسلمين بالجيش والمدارس الحربية خاصة الأرمن المعروفين بسوء أخلاقهم وعمالتهم للدول الغربية.

ليس هذا فحسب، بل أقحم الصدر الأعظم(مدحت باشا) الدولة العثمانية في حرب خاسرة ضد روسيا(1877م)، ونجم عنها قبول معاهدة سان ستيفانوس(03/03/1878م)،نالت الدولة العثمانية المهيبة( ) بموجبها ذلا لا تحسد عليه،تدخّل بعدها السلطان بغرض تخفيف آثارها الوخيمة،فعقد بموجب ذلك مؤتمر برلين(13/07/1878م) ( )، وأقيل بعدها مدحت باشا ونفي بموجب الدستور( )،أرجع بعدها إلى الواجهة السياسية للدولة بإيعاز من السلطان نفسه وهو أمر يدعو إلى الدهشة والاستغراب.

وقد واكبت هذه الحركة مجموعة أخرى ركّزت إصلاحاتها على الاستفادة من التجربة الإنسانية الأوربية في مجالات مخصوصة، منها أساليب الحكم والإدارة والثقافة والاجتماع وخاصة ما جاءت به الثورة الفرنسية من مثل الحرية والمساواة والعدالة، مع العمل على إيجاد مسوغات شرعية للاقتباس من أوربا،فأرجعوا النظام البرلماني الأوربي في إنجلترا وفرنسا إلى الشورى في الشريعة الإسلامية( ).

مثّل الاتجاه ودافع عنه المفكر العثماني ضياء باشا المفكر الوطني الملقّب بشاعر الحرية وأب الوطنية( )بمفهومها العثماني،فقد كان متمسكا بالدولة العثمانية واستمرار قوانينها ومعتقداتها التي تشكل أساس حضارتها( ) وتميّزها عن غيرها من الأمم الشرقية والغربية.

فتحت هذه الاتجاهات السياسية المتنافرة باب الصراعات على مصراعيه،فظهر التشرذم والتحزّب والانتصار للآخر بشكل علني، وصرّح على رؤوس الأشهاد برغبة جامحة في الدفاع عن الأوربيين ومثلهم ثقافيا وسياسيا واجتماعيا، ثم توالى التنافس في صيغة الدفاع، فركّز البعض على العمل السياسي الجماعي و اختار آخرون العمل الثقافي الفردي تهيئة للعقول لقبول الأفكار الأوربية.

ثانيا: التيارات السياسية

عاصر زاهد الكوثري كثيرا من التيارات السياسية، وكانت له معها مساجلات كبيرة،فقد ناقش كثيرا منها،فحفظت مؤلفاته مواقف صريحة من الاتحاد والترقي وتركيا الفتاة والاتحاديين والكماليين، ولبيان ذلك اخترنا الحديث عنها باختصار في بداية الأمر.

2/1 الاتحاد والترقي:

تعرّض هذا الحزب إلى مضايقات كبيرة في بداية أيامه نظرا لإعلانه الصريح معاداة الخلافة ، مما اضطره إلى العمل في سريّة تامة بدأها سنة(1317هـ/1899م) ليعقد مؤتمره الأول في باريس (1320هـ/1902م) ثم مؤتمرا ثانيا (1324هـ/1906م) حرّض فيه على إبعاد السلطان عبد الحميد الثاني بواسطة العصيان العسكري (الذي تم في إزمير واستنبول( ) ثم الأناضول سنة (1326هـ/1908م) .

نجح هذا الحزب جزئيا فمكّن لرجاله، ولكنه فشل في إبعاد السلطان نظرا لضعف موقفهم السياسي ولما لقيه السلطان من تأييد المشائخ وبعض العسكريين المنادين بتطبيق الشريعة( ) ، لكن ذلك لم يدم طويلا ،إذ استغلوا الظروف المحلية والدولية للانقضاض على السلطان ،فبرزت الثورة المضادة قوية متسعة، وتمكنوا أخيرا من القيام بانقلاب عسكري على السلطة القائمة و إبعاد السلطان في شهر أبريل(نيسان)1909م وسجنه في سالونيك ( )(المدينة التي يهيمن عليها اليهود)، وطورد بموجب هذا الانقلاب خيرة أبناء المجتمع العثماني .

مرت مرحلة حكم الاتحاديين بمرحلتين أساسيتين كانت أولاهما مهيئة لتحقيق الثانية، أولاهما(1909ـ1914م)، وثانيتهما(1914ـ1918م)، انتهت الأولى باستياء شعبي كبير من جراء استبدادهم وقلّة اكتراثهم بالموروث الثقافي والحضاري للأمة العثمانية، وعملا منهم على امتصاص الغضب الشعبي المتزايد أقيل محمود شوكت باشا(1913م)( ) ، لتأتي المرحلة الثانية التي استبشر العامة بها خيرا ، ولكن الأحوال بقيت على حالها سواء من ناحية الخلفية العقدية للدولة أو من حيث الوضع السياسي والاجتماعي المتردي لأنهم سرعان ما عادوا إلى ما عرفوا به في سالف الأيام( ).

2/2 التاريخ السياسي للاتحاديين

تسرّب الاتحاديون إلى مواقع القرار في الدولة العثمانية، ومن ثمّ عمدوا إلى اتخاذ قرارات جائرة باسم الدولة،فأشاعوا التقتيل باسمها وتحت لوائها و أغروا بتلك التصرفات الرعناء القوميات على المطالبة بالانفصال،استحوذوا بعدها على أغلب مقاعد المجلس الوطني بطريق المكر والخداع.

خلصت لهم بعدها الهيمنة على مصادر القرار في المجتمع العثماني بغرض الانتصار للقومية الطورانية على حساب القوميات الأخرى المكوّنة للمجتمع العثماني، وانتصارا لتلك القومية منعوا التحدث باللغة العربية في المجلس الوطني، كما منعوا تدريسها في المدارس الرسمية،فأشعلوا بتصرفاتهم فتنة مزّقت المجتمع العثماني، وإمعانا في إبعاد العربية طردوا جل العرب من الوظائف السامية في الدولة،فعزلوا ثلاثة عشر متصرفا إداريا وعوّضوا بأتراك،كما طرد الموظفون العرب من وزارة الخارجية، وتمادوا في تلك السياسة إلى أن بلغت نسبة الموظفين العرب في مجموع الوزارات أدنى ما يمكن منذ نشأة الدولة العثمانية.

فقد كان عدد الموظفين الأتراك في الوظائف السامية مائة وإحدى عشر موظفا، وإحدى عشر موظفا يهوديا، وعشر موظفين من الأرمن، وعربي واحد فقط( )

وبلغة الأرقام يمثل عدد الموظفين السامين العرب نسبة أقل من واحد (0.72)من مائة ، وعممت هذه السياسة على سائر المجالات ،فأصبح عدد الطلبة الموفدين إلى الخارج يمثل ربع واحد(0.25) من مائة( ) وتمادوا في تلك السياسة الرديئة ،فبلغوا فيها حدا لا يطاق،فهجّروا السوريين من أوطانهم واعتبروا اليمن والحجاز مستعمرات تركية( )، وسلّطوا بموجب هذه السياسة جمال باشا السفاح على الشعب فقتّل وحرّق وهجّر(1915-1916م)في سوريا وأرمينيا( )

وكشفت هذه السياسة ما كان مستورا فانقلبوا على القوميات التي شجّعوها في سالف الأيام، وخاصة القومية العربية،ليخلص لهم اجتثاث لغة القرآن من المجتمع الجديد( )،وقد وصل بهم الاستهتار حدا لا يطاق، لا يتصوره أي عاقل،منها منع الشيخ محمد الطاهر الجزائري (1268-1338هـ)(1852-1920م( ( ) من تدريس الشريعة الإسلامية في إعدادية بيروت…هذا قطر من فيض أما عن إهانتهم للعرب وحضارتهم الإسلامية فحدّث ولا حرج( )

صلة الاتحاديين باليهود :

نشأ الحزب في كنف يهود الدونمة(( في مدينة سالونيك حيث وجد روادها الرعاية الكاملة في الفترة السرية، يقول أحد زعمائهم( رفيق بك)): “ حقا أننا وجدنا سندا معنويا من الماسونية الإيطالية عند ما قدم لنا المحفلان الإيطاليان في سالونيك خدمة حقيقية، وفّر لنا الملاجئ، فكنا نجتمع لتنظيم أنفسنا، كما أننا اخترنا معظم رفقائنا من هذين المحفلين اللادينيين، نظرا لما كان يبديانه من دقة في الاستفسارات عن الأفراد "( )

يؤيد ما ذهبنا إليه الوثائق والشهود العدول منهم العلامة مصطفى صبري (ت1373هـ/1954م)حيث يقول:"عند بدء الحرب بيننا وبين إيطاليا في طرابلس الغرب عقدت جلسة سرية بطلب من سعيد باشا(رئيس الوزارة الاتحادية) كان الغرض منه استجلاب أصوات الثقة لتلك الوزارة من النواب ، فاتفق أن قرأ محمود ناجي بك نائب طرابلس الغرب رسالة وصلته من أخيه (بحضور مصطفى صبري بصفة نائب عن مدينة توقاد)فقال:" إن كل الأحزاب الإيطالية متفقة على احتلال ليبيا إلا حزبين البناءون الأحرار(الماسونيون) والاشتراكيون ، حيث ورد عن البناءين الأحرار الإيطاليين :" لا يجدر بنا أن نصول على الأتراك حال كون حكومتها في أيدي البناءين الأحرار لأن ذلك يفضي إلى تزعزع مراكزهم"( )

و ذكر مراسل إحدى الجرائد المصرية من أنقرة أن الحكومة الاتحادية التركية الحالية استندت إلى الإسرائيليين والماسونية لتتغلب بها وتستعين بأموالها( ).

ليس هذا فحسب بل كان على رأس لجنة قرار خلع السلطان عبد الحميد الثاني الماسوني اليهودي قره صو الاتحادي( )

يتبيّن مما سلف أنها حركة قومية طورانية( )حبلها السري مربوط باليهود،غرضها النهائي تأسيس دولة علمانية وفق الأنموذج الغربي في السياسة والحكم وقطع كل صلة لها بالإسلام وما تعلّق به من لغة ومعالم وأسماء وشريعة و…وهو ما يبرر المساهمة في تسليم فلسطين لليهود تحت غطاء الخضوع للحملات الدبلوماسية التي مارستها البعثات السياسية الغربي في الآستانة سنة 1911م( )

2/3 الحركة الكمالية :

انتقل الحكم بعدها إلى وريثهم الشرعي المعروف بالكماليين ، لأن الفريق الأول ليس سوى مهيئا لظروف جديدة ستفرض بقوة السنان على الأمة، إذ كانت أعمال الاتحاديين بمثابة إرهاصات إلغاء الخلافة ( )، ولعل من علامات ذلك إبعاد اللغة العربية من التداول الرسمي بل والشعبي ثم إلحاق المحاكم الشرعية بوزارة العدل الحاكمة بغير شرع الله حتى في الأحوال الشخصية ( قانون الأسرة)…وبدؤوا ينكثون عرى الإسلام عروة عروة إلى أن تم لهم إلغاء الخلافة سنة1924 م ، وتحقق أمل الأوربيين في جعل تلك البلاد دولة لائكية وفق الأنموذج الغربي( ).

حقيقة الحركة الكمالية:

تعتبر الحركة الكمالية امتدادا طبيعيا للاتحاديين ، ظهرت نواتها الأولى باسم " الحرية العثمانية " ، أسسها مصطفى بن علي(ت 1938م) بمدينة دمشق مع مجموعة من الضباط الأتراك ،كان بعضهم بما فيهم المؤسس يحضرون اجتماعات الاتحاديين( ) ويعلنون عدم مخالفة سياستهم في بعض الأحيان… لهذا كان الصراع بينهما صراع نفوذ ، خاصة إذا استصحبنا الفكرة السابقة، ولأننا لو نظرنا إلى الحركتين من زاوية الخلفية السياسية والثقافية والحضارية لوجدناهما وجهين لعملة نقدية واحدة …

استغل الكماليون كسابقيهم الأوضاع المأساوية المشحونة بالخوف ، وبدءوا يمهدون للاستحواذ على السلطة، فأعلن أتاتورك استقلاله عن الحكومة المركزية واستقر في أنقرة ثم أسرع إلى اتخاذ إجراءات هامة منها الدعوة إلى عقد المجلس الوطني الكبير ((23/04/1920م)، وانتخب في تلك الأثناء رئيسا للمجلس والحكومة واختار أنقرة عاصمة للدولة الجديدة ، وتم له في الوقت نفسه تسوية بعض المشاكل مع الدول الغربية( )…تكاتفت هذه العوامل وغيرها( الإعلام الغربي اعتبره محرر إزمير ( ) ) في تلميع صورة الرجل في البيئة الإسلامية.

انتقل بعد الهيمنة على مقاليد الحكم إلى إعلان الفصل بين السلطة والخلافة ((10/11/1922م )وظهر التلاعب بالقوانين فسنّ قانون الخيانة العظمى الذي نكّل بموجبه بكل معارض ، وطورد بموجبه العلماء والطلبة ونخبة المجتمع من المعارضين ، وكان من بين من نعرّض للمضايقة زاهد الكوثري ومصطفى صبري وسعيد النورسي وغيرهم كثير.

وتنتهي تلك الفترة الحالكة من تاريخنا السياسي بإلغاء الخلافة بتاريخ(03/03/1924م)وإزالة كل متعلقاتها (تطبيق الشريعة ،المحاكم الشرعية، اللغة العربية، الحجاب ،منصب شيخ الإسلام …)وعدّل الدستور بتاريخ(20/04/1926م) وحذفت منه المادة الثانية التي تنص على أن الإسلام دين الدولة( )،وفشت مظاهر الفساد والإلحاد، وأجبر أتاتورك نساء أنقرة على نبذ الحجاب، وخرجت زوجته ترتدي ثياب الرجال وتحرّض النساء على المطالبة بمساواتهن بالرجال()،ثم أزيحت الحواجز بين الجنسين في السفن والمراكب والمسارح و الأماكن العمومية، وانتقلوا بعدها إلى منع تعدد الزوجات ورفع سن الزواج،ليس هذا فحسب بل دعوا إلى أسوا من ذلك على الإطلاق، فدعوا إلى الأفكار القومية التي جبّها الإسلام ممثّلة عندهم في الوثن التركي بوزقوت (الذئب الأبيض) وتغنوا بأناشيده، و صار بعدها صورة متداولة على الطوابع البريدية( ) .

وتحقق للكماليين مبتغاهم و أنشأوا دولة مسايرة لمدينة أوربا والغرب( )على حساب الإسلام والحضارة الإسلامية،وفي ذلك يقول أحدهم" إننا عازمون على أن ندوس بأقدامنا وننسف كل موانع وحوائل في طريقنا التي تذهب بنا من الشرق الذي ودعناه إلى الغرب الذي يممناه حتى أن التغرّب لا يقتصر على شؤوننا الرسمية و قوانيننا بل ستكون أدمغتنا و عقليتنا غربية "( )، واختاروا بموجب هذه السياسة القوانين السويسرية( ) بديلا عن الشريعة.

ومما سلف بيانه يتّضح أنهم بمثابة سدنة اليهود والغرب في البلاد الإسلامية عامة وتركيا على الخصوص،عملوا على تعطيل الشريعة وبعث الأفكار الجاهلية التي تمثّلها الطورانية( )

ثالثا:التيارات الثقافية

(هيّا) المهيمنون الجدد على السياسة جوا ثقافيا محققا لرغباتهم ، مستغلين في ذلك الجو الذي ولّده الجمود الثقافي في المجتمع العثماني. وبإيعاز مباشر منهم حينا وغير مباشر أحيانا أخرى احتضنت البلاد العربية التيارات الثقافية الانفصالية،إذ ظهرت الدعوة إلى القومية العربية في بلاد الشام على أيد النصارى الذين استوحوا أفكارهم من رجال التنصير الأوربيين والأمريكيين( ).

ظهرت في لبنان المدارس اليسوعية الموجّهة دينيا من روما وسياسيا من فرنسا ،ثم سرّبت في القرن الثامن عشر إلى سوريا( )،لهذا اعتبر نصارى الشرق رواد الحملات الصليبية( ) الجديدة، واعتبرت مؤسساتهم التعليمية أوكارا للتآمر على الإسلام والمسلمين.

تبنى عرب الشام القومية العربية بطريق تلك المؤسسات وبمباركة ورعاية القوتين الفرنسية والأمريكية( )، ومكّن للفكرة من خلال مؤسساتهم التعليمية والخيرية( )، وفي إطارها وبرعايتهم برزت الجمعيات الأدبية المروّجة لأفكار اليسوعيين والمبشرين.

3/1 المؤسسات التي ظهرت بمباركتهم:

1- تأسيس جمعية علمية برعاية الإرساليات الأمريكية سنة 1842م، وظهرت بعدها جمعية علمية غامضة الأهداف عرفت باسم" جمعية الفنون والعلوم" وكان ذلك سنة 1847م،ساهم في بعثها رجال من مختلف الجنسيات ومن طبقات اجتماعية متنوعة.

2- ظهرت الجمعية الشرقية برعاية الأب اليسوعي هنري دوبرنير( )،وتأسست بعدها الكلية اليسوعية التي عرفت فيما بعد بجامعة القديس يوسف سنة 1866م( ).

3- دشّنت في الفترة نفسها الكلية البروتستانتية المعروفة فيما بعد بالجامعة الأمريكية بهدف إحياء الأدب العربي القديم( )

4- انبثق عن المؤسسة السابقة جمعية خريجيها، وكان ذلك سنة 1875م،سعت هذه الجمعية إلى نشر أفكار الجامعة، وكانت أفكارها تقليدا لحزب تركيا الفتاة( )

إن عملا كهذا يؤكد أن مصدر البلاء الذي حلّ بالعالم الإسلامي- و بما لا يترك مجالا للشك - هو بلاد الشام ،فمنها بدأت الدعوة إلى العلمانية(اللائكية) سنة 1875م،أي قبل ظهورها في تركيا نفسها، ومن تلك البلاد بدأت الدعوة إلى زعزعة مكانة اللغة العربية وإحلال العامية مكانها وهذا قبل ظهور ما في مصر وتركيا والجزائر( )و غيرها من بلاد المسلمين، و كانت السباقة إلى تبني القومية والدعوة إليها ، وهذا قبل ظهورها في تركيا وباقي البلاد العربية على يد ساطع الحصري(أبو خلدون) ( )

وبهذا يتّضح أن بعض العرب العثمانيين ساهموا في تقويض ملكهم(الدولة العثمانية) ،بمساعدة جحافل المستشرقين على ترويج أفكارهم(العلمانية،و العامية،و النزعات القومية،والحركات الانفصالية،و…)( ).

وقد وجدت هذه الأفكار أرضا خصبة فنمت وبسرعة فائقة لتعهّدها بالحماية والصيانة من قبل أعداء الأمة، وخاصة المحافا الماسونية ؛ فكانت بمثابة القنبلة الموقوتة التي ساهمت بقسط وفير في التعجيل بسقوط الدولة العثمانية.

3/2 المحافل الماسونية

تعتبر المحافل الماسونية الخزان الثقافي والاقتصادي للمعارضة المتآمرة على كيان الأمة الإسلامية،فقد كانت تموّل الأحزاب والجمعيات المتآمرة بالأفكار و المال والرجال بمباركة القوى السياسية الأوربية( )

تعد الماسونية من أعظم الجمعيات السرية وتعرف بالبنائين الأحرار،ظل منشؤها غامضا مجهولا أو على الأقل سريا كغاياتها المبهمة حتى بالنسبة لأتباعها،لقد اقتبست أفكارها من المصادر اليهودية والمسيحية والفرعونية…و لا تعترف بالأديان، لهذا قال أحدهم:" إن رجال الدين يريدون عن طريقه السيطرة على أمور الدنيا، وعلينا أن لا نألوا جهدا في التمسّك بفكرة"حرية العقيدة" وألا نتردد في شيء خاصة محاربة الأديان لأنها العدو الحقيقي للبشرية، ولأنها السبب في التطاحن بين الأفراد والأمم عبر التاريخ"إلى أن يقول:"لا بد أن نكافح بجهد أكبر لإدماج القوانين والنظم اللادينية ، لأن السلطة المطلقة التي حققها رجال الدين على وجه الخصوص قد قاربت النهاية، لا بل آلت إلى الزوال".

و تزعم الماسونية أنها مؤسسة فلسفية تحب الخير للإنسانية، هدفها الأساسي إيجاد صيغ ممتازة للتعاون والتآزر بإشاعة أخلاق ومبادئ دنيوية يركّز فيها على التسامح( وفق منظورهم) المتبادل وحرية الضمير، وترك ما يتعلّق بما وراء الطبيعة للقناعة الشخصية، لهذا عملوا على صرف أنظار الناس عن الحماس الديني والمذهبي… ينبني مشروعهم على الثالوث"الحرية المساواة والإخاء" ، ولا يمكن تحقيق ذلك باحترام ظاهري للعقائد و الأديان، بل لا بد من نبذها ومحاربتها في كل الشعوب والأمم، ويظهر ذلك في رفضهم قبول المتدينين الصادقين في جمعياتهم.

أما وسائلهم فتتلخّص في إغراء أصحاب القرارين السياسي والثقافي بالمال والجاه، وغيرها من وسائل الترغيب،وهذا لما تملكه من سلطة وهيمنة قانونية ومعنوية على المؤسسات العالمية.( ) في ظل الظروف السابقة أصبحت الثقافة المهيمنة متسمة بصبغة خاصة متناغمة مع الشروط التي أملتها المعطيات الثقافية والسياسية الجديدة.

3/3 الثقافة المهيمنة

يعرف هذا العصر من الناحية الثقافية بعصر الإعجاب بالآخر،اقتصر الإعجاب في بداية أيامه على الميدان السياسي ونظرا لارتباطه الوثيق بالثقافة انتقل الإعجاب إلى الميدان الثقافي، وفي هذا السياق وصف العهد الحميدي بالاستبداد والظلم والقهر…وأصبحت الدولة العثمانية سببا مباشرا لتخلّفنا وفق تصوّرهم.

وبعد أن ألحقت كل نقيصة سياسية بالنظام السياسي العثماني (الإسلامي)ألحقت كل نقيصة ثقافية بالثقافة الإسلامية،فوصفت بالجمود و الركود و الانحطاط والانغلاق وغيرها من الأوصاف، التي ليست إلا تعبيرا عن موقف الآخر من الثقافة الإسلامية الأصيلة بألسنة عثمانية.

وسرى هذا الداء إلى الأوساط العلمية الإسلامية،فقال أحدهم بعدم دينية الفقه، وقال آخر بعدم جدوى الاستدلال على وجود الله تعالى بالأدلة العقلية( )، ومال ثالث إلى القول بجواز التعبّد بالقرآن المترجم( )، وذهب رابع إلى عدم الاعتداد بالدليل النقلي لأنه ظني سحب تقديره( )، وسجّل خامس أن القرآن الكريم متشابه في مجموعه، يفهم هذا المعنى من قوله: هل يتفق وحكم العقل بأن جهنم التي بلغ حجوم شررها القصور الشامخة يستطيع من يلقى فيها أن يحيا ويأكل ويشرب ويجادل ويطلب الخلاص"( )

وراح سادس يردد قول المستشرقين بأن دولة الرسول  كانت سلطة زمنية و ليست سلطة دينية( ) مما يوحي أن الإسلام لا صلة له بالسياسة.

اقتضى هذا الجو السياسي و الثقافي اتخاذ مواقف صريحة مما يجري في بلاد المسلمين، وفي ظل الظروف المشحونة بالإرهاب الفكري والقانوني عمل الكوثري على نشر أفكاره وبعث الحياة من جديد بين أفراد أمته ،فاستصحب ذلك الجو في رسم خطة التغيير التربوي الروحي التي تجعل من القرآن الكريم معينها الذي لا ينضب .

_____________________________________________________________________

* محمد زاهد بن حسن الحلمي الكوثري نسبة إلى قرية الكوثري بضفة نهر"شيز" من بلاد القوقاز، وقيل بأنه نسبة إلى أحد أجداده ،ينحدر من أصل جركسي سكن أجداده الضفة اليسرى من نهر القوقاز.

ولد بقرية حاج حسن قريسي القريبة من دوزجه بنحو ثلاثة أميال شرق الأستانة، وكان ذلك يوم الثلاثاء 27أو28 من شوال 1296هـ الموافق لسنة 1878م ( )

تلقى عن والده المبادئ الأولى للعلوم الإسلامية، وفي ذلك يقول:"تلقيت عن والدي علوم الفقه والحديث وغيرها لأنه كان متفرغا لتدريس هذه العلوم"، وأجازه بمروياته عامة ومنها دعاء الفرج المبارك بقول رواته"كتبته وهاهو في جيبي"( )

تلقى العلم بعدها على علماء بلدته"دوزجه" ،فتتلمذ فيها على ناظم الدوزجوي ،فأخذ عنه الصرف والنحو والتاريخ والرياضيات واللغة الفارسية وتقويم البلدان وبعض العلوم الشرعية والأربعين العجلونية( )

نزل بعدها في الأستانة(1311هـ/1893م) واستقر بها في مدرسة الحديث التي أنشأها قاضي العسكر حسن أفندي عام 1044هـ،ثم انتقل إلى جامع الفاتح طالبا للعلم على الشيخ إبراهيم حقي الأكيني ثم علي زين العابدين الألصوني ، و الشيخ حسن القسطموني ،كما سمع بعدها من يوسف ضياء الدين التكوشي، وشيخ المشايخ الشيخ أحمد شاكر الكبير، ومحمد أسعد ده …فأخذ عنهم الصرف والبلاغة والأدب والفقه و الأصول والتوحيد والمصطلح والتفسير والحديث و المنطق و آداب المناظرة والحكمة لتمتحنه بعدها لجنة يرأسها أحمد عاصم الكملنجاوي وبعضوية محمد أسعد بن النعمان الأخسخوي ومصطفى بن عظم الداغستاني وإسماعيل زهدي الطوسوي.

ورغم الدرجات العلمية العالية التي نالها ظل الكوثري مواظبا على التحصيل والتعلم، فسمع بعدها من أحمد بن مصطفى العمري حديث الرحمة المسلسل بالأولية وقد أجازه بمروياته بإجازة مخطوطة في عشرين ورقة.

وأخذ سماعا عن الكتاني الشمائل للترمذي من لفظه في الجامع الأموي،و أجازه محمد بن سالم النجدي الشافعي بمروياته، وسمع من السيد أحمد بن رافع الطهطاوي بعض المؤلفات وأجازه في عامة مؤلفاته، كما تلقى من يوسف الدجوي موطأ مالك بن أنس( )

وفاته:

أملى الكوثري على تلميذه أحمد خيري بتاريخ 27 من رمضان سنة 1371هـ أبياتا من إنشائه يقول فيها:

يا واقفـــا بشفــير اللحد معتــبرا--- قد صار زائرا أمس اليوم قد قــبرا

فالموت حتم فلا تغفل وكن حذرا--- مــن الفجــاءة وأدع للذي عــبرا

فالــزاهــد الكوثري ثــاو بمرقــده--- مسترحمــا ضارعـا للصفح منتظرا

وطلب إليه أن تكتب على قبره"فكأنه كان يؤذن بدنو أجله.

توفي رحمه الله تعالى بتاريخ 19 من ذي القعدة 1371هـ عن خمس وسبعين سنة، وأمّ صلاة الجنازة الشيخ عبد الجليل عيسى شيخ اللغة العربية ، ودفن قرب قبر أبي العباس الطوسي في قرافة الشافعي.

هذا هو الرجل الذي فقده الإسلام وخسره الأحناف ورزئ فيه العلم وثكلته المروءة واستوحش لغيابه الزهد وشغر مكانه بمصر رضي الله عنه وأرضاه وأعلى في جنان الخلد منازله ومثواه

*******************************************************************************************************************

تراجم السلاطين العثمانيين

عثمان بن أرطغرل,,,أورخان غازي بن عثمان ,,,مراد الأول ابن أورخان غازي ,,,بايزيد ابن مراد خان ,,,محمد جلبي ابن بايزيد الأول ,,,مراد خان الثاني ابن محمد جلبي ,,, محمد الثاني (الفاتح) ابن مراد الثاني ,,,بايزيد الثاني ابن محمد الفاتح ,,,سليم بن بايزيد الأول ,,,سليمان بن سليم الأول ,,,سليم الثاني ابن سليمان القانوني,,,مراد خان الثالث ابن السلطان سليم ,,,محمد الثالث ابن السلطان مراد الثالث ,,,أحمد ابن السلطان محمد الثالث ,,,مصطفى الأول ابن السلطان محمد الثالث ,,,عثمان الثاني ابن السلطان أحمد الأول ,,,مراد ابن السلطان أحمد الأول ,,,إبراهيم ابن السلطان أحمد,,,محمد الرابع ابن السلطان إبراهيم ,,,سليمان الثاني ابن السلطان إبراهيم ,,,أحمد الثاني ابن السلطان إبراهيم ,,,مصطفى الثاني ابن السلطان محمد الرابع ,,,أحمد الثالث ابن السلطان محمد الرابع ,,,محمود ابن السلطان مصطفى الثاني ,,,عثمان خان الثالث ابن السلطان مصطفى الثاني ,,,مصطفى خان الثالث ابن السلطان أحمد الثالث,,,عبدالحميد الأول ابن السلطان أحمد الثالث,,,سليم الثالث ابن السلطان مصطفى الثالث,,,مصطفى الرابع ابن السلطان عبدالحميد الأول,,,محمود الثاني ابن السلطان عبدالحميد الأول ,,,عبدالمجيد ابن السلطان محمود الثاني,,,عبدالعزيز ابن السلطان محمود الثاني ,,,مراد الخامس ابن السلطان عبدالمجيد خان,,,عبدالحميد الثاني ابن السلطان عبدالمجيد ,,,محمد رشاد ابن السلطان عبدالمجيد خان ,,,محمد وحيد الدين ابن السلطان ابن السلطان عبدالمجيد

تمهيد:

          نشأت الدولة العثمانية إمارة صغيرة عام 699هـ (1299م)، وتوسعت مع مرور الأيام توسعاً مضطرداً، شمل ثلاث قارات، وأصبحت من الدول القوية، صاحبة النفوذ الكبير والكلمة المسموعة في العالم. وهي أطول الدول الإسلامية حكماً في التاريخ. إذ استمر حكمها إلى عام 1342هـ (1924م)، عندما ألغيت الخلافة الإسلامية، وتقوَّضت الدولة العثمانية، وقامت على أنقاضها الجمهورية التركية. ومن ثم فإن حكم الدولة العثمانية استمر سبعة قرون، تعاقب على الحكم فيها ستة وثلاثون حاكماً من أسرة آل عثمان، بعضهم بلقب أمير، وبعضهم بلقب خليفة، ومعظمهم بلقب سلطان.

          وفيما يلي ترجمة موجزة لسلاطين الدولة العثمانية:

1. عثمان بن أرطغرل:

ولد الأمير عثمان بن أرطغرل عام 656هـ (1258م) في بلدة سوغود
Sogud
أو عثمانجق Osmancik . وهو رأس أسرة آل عثمان ومؤسس الدولة العثمانية.

خلف والده في قيادة عشيرته. ولبث مصاحباً للسلطان السلجوقي علاء الدين كيكوبات. وقد ساعده في فتح مدن منيعة وقلاع حصينة. فلما قُتل السلطان السلجوقي وسقطت الدولة السلجوقية على أيدي التتار، هرع الناس يلتفون حول المير عثمان غازي، وبايعوه حاكماً عليهم، وذلك عام 699هـ (1299م)، فاتخذ مدينة قره حصار مركزاً لدولته. ثم حصَّن مدينة يني شهير وجعلها عاصمة إمارته. حكم بين الناس بالقسط والعدل، وأنصف المظلوم، وأعطي كل ذي حق حقه. حتى ذاع صيته، وعلا شأنها . ولا سيما بعدما تزوج بنت الشيخ أده بالي
Edebali
.

أُعجب به السلطان السلجوقي مسعود، لِما حقّقه من انتصارات متتالية على البيزنطيين في الحروب التي وقعت بينهم. فخاطبه السلطان بعثمان شاه، وأرسل إليه علماً أبيض وتاج الملك. ولما واصل جهاده في فتح القلاع والحصون البيزنطية الواحدة تلو الأخرى، واشتدت وطأته على البيزنطيين فعزموا على قتله، فدبروا له مكيدة، غير أن القائد البيزنطي كوسه ميخال "
Kose Mihal
"، أسر إليه بالأخبار، فاحتاط للأمر، واعد العدة الكافية، وبادر القوات البيزنطية بهجوم مباغت أحبط مكيدتهم، وحقق النصر عليهم.وبعد أن أصبحت الدولة العثمانية مستقلة استقلالاً تاماً، توسعت جبهات القتال مع البيزنطيين. وكان الهدف الأسمى، الذي يسعى الأمير عثمان لتحقيقه، هو فتح مدينة بورصا واتخاذها عاصمة للدولة العثمانية. وظل هذا هدفاً يطمح إليه الأمير عثمان حتى آخر حياته؛ فقد أمر، وهو على فراش الموت، ولده أورخان بفرض الحصار عليها، والاستماتة في فتحها. وقد نجح أورخان في ذلك، وطارت أنباء الفتح إلى الأمير عثمان وهو يجود بأنفاسه الأخيرة. ونُقل جثمانه إلى مدينة بورصا ودفن بها. في عام 726هـ (1324م)، بعد أن عاش سبعين عاماً، قضى منها 27 عاماً على عرش السلطنة .

كان ـ رحمه الله ـ شديد البأس، سديد الرأي، عالي الهمة، كريم الأخلاق، أبيّ النفس. له من الأولاد سبعة، هم: أورخان بك، وعلاء الدين بك، وجوبان بك، وحامد بك، وفاطمة خاتون، وبازارلي بك، وملك بك.

2. أورخان غازي بن عثمان

ولد السلطان أورخان بن عثمان عام 680هـ (1288م). خلف والده على عرش الإمارة وعمره ستة وثلاثون عاماً.

كان قائداً عسكرياً متميزاً. قلَّده والده قيادة الجيش في عدة غزوات ومعارك. جلس على كرسي السلطنة عام 726هـ (1324م). اعتمد على أعوان أقوياء لوضع القوانين وسن الأنظمة. أبرزهم أخوه الأمير علاء الدين، الذي نصبه وزيراً له. ومنهم، كذلك، علاء الدين ابن الحاج كمال الدين، وقره خليل جاندارلي، الذين نظموا أمور البلاد، ووضعوا القوانين والتشريعات التي سارت عليها الدولة فيما بعد. في عهده سُك أول مسكوك عثماني. ونظمت أمور الجيش النظامي، ونُقلت عاصمة الدولة العثمانية من يني شهير إلى بورصا في عهده.

وفي الوقت الذي كانت الأمور التنظيمية للدولة تجري على قدم وساق، كان السلطان أورخان ينتقل من فتح إلى آخر، ومن معركة إلى أخرى. حتى اتسعت الدولة العثمانية، ووصلت إلى شواطىء مرمرة. وزحف السلطان أورخان بجيش جرار، قوامه عشرون ألف مقاتل، إلى بلاد اليونان، فهزم رجالها وانتزع منهم إزميد وأزنيق، وامتلك قره سي وبرغمه، ثم حاصر سمندرة وإيدوس واستولى عليهما بعد ذلك .

وقد وكل السلطان أورخان ابنه الأمير سليمان بفتح بلدان أوروبا عن طريق جنق قلعة، فاستولى على كليبولي والمناطق المجاورة لها. غير أنه توفي بعد ذلك بقليل في عام 761هـ (1360م) بعد أن سقط عن ظهر جواده. فحزن عليه والده حزناً شديداً، أصابه بمرض الموت؛ فتوفي على إثره بشهرين. ودفن بجانب الجامع الذي بناه في مدينة بورصا.

دامت فترة حكمه خمسة وثلاثين عاماً، نظم، خلالها، شؤون الرعية، وفتح المدن والقلاع، وضمها إلى دولته الفتية.كان ذكياً محنكاً حاذقاً يهتم بتنظيم أحوال الناس والبلاد. خلف سبهة أولاد، هم: سليمان باشا وقد توفي في حياة أبيه، ومراد بك، وإبراهيم بك، وفاطمة سلطان، وخليل بك، وسلطان بك، وقاسم بك .

3. مراد الأول ابن أورخان غازي

ولد عام 726هـ (1325م). جلس على كرسي السلطنة عقب وفاة والده، عام 761هـ (1360م)، وكان عمره أربعة وثلاثين عاماً . لقبه المؤرخون العثمانيون بـ خداونكار، أي الحاكم أو الأمير.

بدأ جهاده بالاستيلاء على مدينة أنقره. ثم انتقل إلى أوروبا لمواصلة الفتوحات العثمانية في قارة أوروبا، ونجح في فتح كثير من البقاع، وضمها إلى حوزة الدولة العثمانية. حيث تحقق في عهده فتح أدرنه، وفليبة، وبلاد بلغاريا حتى جبال البلقان. فانتقلت عاصمة الدولة العثمانية إلى أدرنة. وقد بثت هذه الانتصارات الرعب في قلوب الأوربيين، الذين ما فتئوا أن جمعوا، بتشجيع من البابا، ستين ألف مقاتل من الصربيين والمجريين والشيك، وزحفوا إلى العاصمة العثمانية الجديدة أدرنة. غير أن القائد العثماني حاجي إلبك Ilbeg فاجأهم بهجوم مباغت، على رأس عشرة آلاف مقاتل، فأعمل فيهم السيف وقضى عليهم. وتعد هذه أول حملة صليبية على العثمانيين في التاريخ .

قاد السلطان مراد 37 موقعة عسكرية في الروملي والأناضول، وانتصر فيها جميعاً. كان جسوراً، رابط الجأش، مقداماً. فاق جميع معاصريه من الحكام ورجال الدولة في العالم. نجح في تأمين مصالح الدولة العثمانية، وحقق لها أعظم التطورات المذهلة في تاريخها كله. نال احترام الروم، بل ربما نال محبتهم .

عاش السلطان مراد خمساً وستين سنة، وتوفي عام 791هـ أو 792هـ (1388م) بعد أن قضى أكثر من ثلاثين سنة في سدة الحكم.

4. بايزيد ابن مراد خان

ولد عام 761هـ (1360م) ، وجلس على عرش السلطنة بعد وفاة والده في كوسوفا، عام 792هـ (1360م)، وله من العمر تسعة وعشرون عاماً. تربى في قصر والده بمدينة بورصا، وتلقَّى حظاً جيداً من التعليم على يد علماء عصره. كان يمتاز بسرعة المبادرة والذكاء. وقد لقب بالبرق، نظراً لخفته وتحركه السريع. وعمل والياً على مدينة كوتاهيا .

ولما جلس على عرش السلطنة، جهز جيشاً كثيفاً زحف به إلى الصرب، فاستولى على مدينة أزبورنا وودين، وكان مصمماً على الاستيلاء على مدينة سكوب. غير أن ملك الصرب، ستيفن بن لازار حين تملكه الفزع من ذلك، عرض على السلطان بايزيد أن يزوجه أخته تقرباً منه وتودداً، وتعهد له بدفع جزية كبيرة سنوياً، وعدد من العساكر . وانتقل من أوروبا إلى الأناضول، بسرعة البرق، لما رأى أن الإمارات التركية المتبقية فيها على وشك الانهيار، فضم توقات، وسيواس، وقيصري، وقسطموني إلى الأراضي العثمانية. وفي الوقت الذي كان فيه قسم من جيشه يحاصر القسطنطينية، كان القسم الآخر يتقدم في البلقان.

أخضع كثيراً من الأمراء الأوربيين وأجبرهم على دفع الجزية للدولة العثمانية، وتوسعت الدولة في عهده توسعاً كبيراً. وانتصر على الحملة الصليبية الجديدة وقوامها 150 ألف شخص في معركة نيكبولي عام 798هـ (1396م). وحاصر القسطنطينية عدة مرات، إلا أنه لم يتمكن من فتحها. وبعد جملة من الانتصارات الباهرة، وبينما كان السلطان بايزيد يستمتع بوقته في بورصا، إذ وفد إليه رسول من تيمورلنك يعلن عليه الحرب، فلم يكن من السلطان إلا أن جمع جيوشه وتقدم بهم إلى ساحة القتال في سهل أنقره. وتقابل الجيشان في 19 ذي الحجة عام 803هـ (20 يوليه 1402م). وهُزمت القوات العثمانية ووقع السلطان بايزيد، وعدة من أولاده وبعض قواده، أسرى في يد تيمورلنك. وتوفي السلطان بايزيد بعد تلك المعركة بثمانية أشهر (8 مارس 1403م). فنقل جثمانه إلى بورصا فدفن بها .

كان له من الأولاد أحد عشر، هم: محمد جلبي، وأرطغرل، وسليمان، وموسى جلبي، وقاسم جلبي، ومصطفى جلبي، وعيسى جلبي، وهندو خاتون، وفاطمة خاتون، وباشا ملَك، وأخرى لم يعرف اسمها .

5. محمد جلبي ابن بايزيد الأول

ولد محمد جلبي بن بايزيد الأول في عام 781هـ (1387م). ولما بلغ أشده خاض ميادين الوغى تحت إشراف والده.

تربى في بورصا، ودرس على بعض علماء عصره، مثل الشيخ بايزيد، والشيخ محمد الجزري. ولما نال قسطاً مقبولاً من العلوم والمعارف أرسله والده إلى آماسيا والياً، بغية التدرب على شؤون الحكم والإدارة .

رافق والده في معركة أنقره التي جرت مع تيمورلنك. ولما انهزمت فيها القوات العثمانية ووقع والده في أسر تيمورلنك، استطاع أن يفر إلى آماسيا، ثم وقع النزع بينه وبين إخوته بعد وفاة والده، في الصراع على الحكم. وقد استمر هذا النزاع إحدى عشرة سنة، حاول خلالها التمكن من عرش السلطنة من جهة، وحارب الإمارات المجاروة من جهة ثانية، وأرسل بعض قواته لمقاومة ملك المجر، الذي تدخل في شؤون الأفلاق (جزء من المجر اليوم) من جهة ثالثة. وقد استطاع القضاء على بعض حركات التمرد التي نشبت في الأناضول. ونجح أخيراً في الانفراد بالسلطة منتصراً على إخوته .

حاول إصلاح ما فسد من أوضاع البلاد العثمانية بسبب هجوم تيمورلنك. ونجح في استعادة معظم الأراضي، التي تركها والده، والتي سبق أن احتلها تيمورلنك. وعقد الصلح مع ملوك الإفرنح. وأخضع بلاد الصرب، وفتح مدينة إزمير، وضرب الجزية على بلاد الأفلاق (المجر)، وحارب إمارة البندقية لأول مرة في تاريخ الدولة العثمانية. وهو أول من شكل العساكر البحرية للدولة .

أصيب بالدوسنتاريا الحادة، فأرسل لابنه مراد الذي كان والياً على آماسيا بالعودة إليه سريعاً، بغية استلام مقاليد الحكم، فقد كان يشعر أن أجله قريب. ولم يلبث مدة طويلة حتى توفي عام 824هـ (1421م). وأخفى رجال الدولة موته عن الجند، حتى لا يحدث التمرد في صفوفهم. وبعد مرور أربعين يوماً ووصول ابنه مراد، أُذيع النبأ، فنقل جثمانه إلى بورصا، ودفن بجوار الجامع الأخضر . وكان له من العمر اثنان وثلاثون عاماً.

كان سياسياً محنكاً وإدارياً جيداً. وكان يحب بناءالمساجد الجامعة، ويميل إلى رجال العلم والمشايخ. ويعد المؤسس الثاني للدولة العثمانية بسبب نجاحه في إخراجها من المحنة التي تعرضت لها. له من الأولاد أحد عشر، هم: مراد، ومصطفى، وأحمد، ويوسف، وقاسم، وسلجوق، وخديجة، وعائشة، وحفصة، واثنتان أخريان .

6. مراد خان الثاني ابن محمد جلبي

ولد مراد خان ابن محمد جلبي عام 806هـ (1403م). جلس على كرسي السلطنة عام 824هـ (1421م)، وكان عمره آنذاك ثمانية عشر عاماً. وقد تكالب عليه الأعداء، وتوقعوا عدم مقدرته على الصمود في وجههم، نظراً لصغر سنه. ولكنه خيبَّ ظنونهم، فعلى الرغم من كونه في ريعان الشباب؛ إلاّ أنه كان يمتاز بالنشاط، والكفاية العسكرية، والاستقامة الخلقية .

وبعد جلوسه على العرش أرسل يخبر كلاً من ملك المجر، وملك اليونان، وأمير منتشة، والكرماني. فهنأه أمير الكرماني وسيسموند، وطلب إليه الأخير أن يهادنه خمس سنوات. ثم طلب ملك القسطنطينية إتمام المعاهدة التي سبق وأبرمها مع والده، أن يرسل إليه أخويه على سبيل الرهن وضماناً للوفاء بالمعاهدة. أما إذا أبى فإنه سيطلق سراح مصطفى بن السلطان بايزيد اللاجئ إليه في سلانيك، ويؤيده ويدعمه ضد أخيه، ويطلب له العون والمدد من دول الأفرنج؛ فأغلظ السلطان له الجواب، ولم يخش له وعيداً ولا تهديداً. ولما أن سمع الجواب استشاط غيظاً، وأطلق سبيل مصطفى، ومده بقوة حربية. قابلها السلطان مراد بقوة قوامها ثلاثون ألف مقاتل. واستمر نشوب العديد من المعارك، وانتهت الأزمة بين الطرفين بمقتل مصطفى جلبي على يد بعض أعوانه أثناء فراره إلى الأفلاق، بعد هزيمة قواته .

ثم زحف السلطان مراد الثاني إلى القسطنطينية في عام 1421م، وحاصرها. غير أنه لم يستطع فتحها بسبب منعة أسوارها. فتحول عنها إلى آسيا الصغرى. وفتح العديد من المدن. وانتقل إلى أوروبا حيث عقد الصلح مع أهل الصرب والأفلاق، وشن عدداً من الغارات على بلاد ألبانيا والبلغار، إلاّ أنه تعسر عليه فتحها، وانكسرت عساكره، فعقد هدنة معهم لمدة عشرين عاماً. ثم تنازل عن الحكم لولده محمد البالغ من العمر أربعة عشر عاماً.

أما ملوك الأعداء فلما علموا بتنازله لولده أخلفوا وعودهم، وانطلق قوم من الأفلاق فأحرقوا 24 مركباً من المراكب العثمانية، واستولوا على جملة قلاع ومدن. ولما استفحل أمرهم، أسرع أركان الدولة في استدعاء السلطان مراد، لإنقاذ البلاد من الوقوع في أيدي الأعداء، فلبى طلبهم، وسار لقتال ملك المجر بأربعين ألف مقاتل، فقضى عليهم. ولما هدأت الأحوال رجع السلطان مراد إلى مانيسا متعبداً. غير أن الإنكشارية في هذه المرة قامت بإحداث الشغب في المدينة، مستخفة بولده الأمير محمد الثاني. فلما حضر أرسل ولده إلى مانيسا، وكبح جماح الإنكشارية، ثم توجه مع ستين ألف مقاتل إلى بلاد الموره وألبانيا، فأخضعها .

توفي عام 855 هـ (3 شباط 1451م). بعد أن عاش ثمانية وأربعين عاماً. دام حكمه للبلاد تسعاً وعشرين سنة وثمانية أشهر. كان سلطاناً متديناً، يحب العلم وأهله. ولا ينقطع عن مجالس الذكر. وكان يقرض الشعر. وقد اتسمت فترة حكمه بالعدل، ورعاية الفقراء والمساكين. بنى كثيراً من المساجد الجامعة ومدارس العلم. وقد أوصى بالحكم لابنه محمد. وكان له من الأولاد اثنا عشر، هم: أحمد، وعلاء الدين، وأورخان، وحسن، ومحمد (الفاتح)، وأحمد الصغير، وفاطمة وخمس بنات أخريات لم تعلم أسماؤهن .

7. محمد الثاني (الفاتح) ابن مراد الثاني

ولد محمد بن مراد الثاني عام 833هـ (1430م) في مدينة أدرنة. وحَظِي، منذ نعومة أظافره، برعاية خاصة من والدته "هما خاتون" المعروفة بالتدين. كما نال اهتماماً خاصاً من والده الذي كان يود أن ينشأ الابن أحسن تنشئة. وبقي في القصر القديم بمدينة أدرنة فترة من الوقت، ثم أرسل إلى بورصا، وتلقى مبادئ العلوم والتربية إلى أن بلغ العاشرة، حيث عين أميراً على سنجق مانيسا، اتباعاً للعادة الجارية في الدولة مع أمراء آل عثمان، للتدرب على الشؤون الإدارية والعسكرية. صحبته حاشية تضم عدداً من الضباط والعلماء. على رأسهم الشيخ ملا كوراني، الذي أحسن تربية محمد الفاتح وتعليمه. فقد تعلم في مدة وجيزة اللغة العربية والفارسية، إلى جانب بعض العلوم الإسلامية. كما تدرب من جهة أخرى على ركوب الخيل وفنون الفروسية، واتخذ لنفسه ـ كما هي عادة أمراء آل عثمان ـ صنع المدافع .

اعتلى عرش السلطنة، بعد وفاة والده عام 855هـ (1451م). وكان يفكر في مدينة القسطنطينية (إستانبول) منذ الصغر. وما أن انتقل إليه الحكم حتى تفرغ لفتحها بكل ما أوتي من قوة وجهد. فشرع في بناء القلاع على شاطئ المدينة لقطع الإمدادات التي قد تصل إلى البيزنطيين، وإعداد جميع ما يلزم من مهمات الحرب، ولا سيما إعداد المدافع الكبيرة التي لم تشاهد من قبل. وفرض الحصار على المدينة، في أوائل شهر إبريل 1453م (857هـ)، بقوة قوامها نحو مائة وخمسين ألف جندي. واستمر ذلك الحصار ثلاثة وخمسين يوماً، أبلى فيها المسلمون بلاءً حسناً، وخلدوا بذلك ذكرهم في التاريخ، حيث تمكنوا من فتح المدينة، في يوم الثلاثاء 20 جمادى الأولى 857هـ (29 مايو 1453م) . فأصبحت إستانبول ولأول مرة في تاريخ الإسلام، بحوزة المسلمين. وصار هذا الفتح العظيم نقطة تحول في تاريخ العالم؛ حيث اتخذ هذا التاريخ بداية للعصر الحديث.

اهتم السلطان محمد الفاتح بإعادة بناء المدينة، وتشييد الجوامع، وأول جامع قام بتشييده جامع أبي أيوب الأنصاري، الذي ما إن انتهى من بنائه حتى قلده شيخ الإسلام سيفاً بيده. ومن ذلك الوقت جرت العادة أن السلطان، الذي يجلس على عرش الملك، يذهب إلى ذاك الجامع ويُقَلَّد السيف .

لم يكتف السلطان محمد الفاتح بفتح إستانبول؛ وإنما زحفت جيوشه إلى بلاد البلقان، وفرض الحصار على قلعة بلغراد، غير أنه لم يتيسر له فتحها، وجُرح في المعارك التي جرت أثناء ذلك، فعاد إلى أدرنة، ثم توجه إلى فتح مدينة أتنا بعد مضي فترة من الوقت، ففتحها، ثم فتح بعض البلاد الواقعة على البحر الأسود مثل طرابزون وسينوب، كما فتح بعض البلاد البلقانية مثل البوسنة، والأفلاق والبغدان. وعلى الرغم من فرضه الحصار على جزيرة رودس لثلاثة أشهر عام 885هـ (1480م)، إلا أنه لم يتمكن من فتحها. وفي الوقت الذي كان فيه الفاتح يستعد لفتح جزيرة قبرص، والتصدي لقتال شاه إيران، إلا أن المرض العضال الذي ألمّ به لم يمهله، بل أودى بحياته، دون أن يتمكن من تحقيق الهدفين المذكورين. وذلك في عام 886هـ (3 مايو 1481م) في بلدة كبزة، فدفن بجانب الجامع الذي بناه في إستانبول .

كانت مدة حكمه إحدى وثلاثين سنة، وعاش ثلاثة وخمسين عاماً. عرف بسجايا أخلاقية حميدة، منها جديته في العمل، واستقامته، وسماحته وعدله ومروءته. ويكفيه فخراً أنه نال الوصف النبوي الكريم "لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش وكان يحب العلم والعلماء ويكرمهم ويعرف لهم قدرهم أنشأ العديد من المدارس، وعلى رأسها مدارس "صحن ثمان" التي تعد جامعة، انضوى تحتها مختلف التخصصات العلمية. كما أنشأ مدرسة أندرون داخل قصر طوب قابي لتنشئة كبار رجالات الدولة. وقد امتاز بدبلوماسية واعية، وطموحاتٍ عالية، وشجاعة نادرة، وتعمق في دراسة الجغرافيا والتاريخ والعلوم العسكرية. وكان يتحدث العربية والفارسية واليونانية إضافة إلى اللغة التركية .

كان له ستة من الأولاد، هم: مصطفى، وبايزيد، وجم، وجوهر، وبنتان لم يعرف اسماهما.

8. بايزيد الثاني ابن محمد الفاتح

ولد بايزيد بن محمد الفاتح عام 851هـ (1452م).

اعتلي عرش السلطنة، في عام 886هـ (21 مايو 1481م). وقد نازعه أخوه جم العرش، فنشبت بينهما عدة معارك، انتهت بفوز بايزيد، وهروب أخيه إلى مصر ثم إلى جزيرة رودس ومنها إلى فرنسا. وقد توفي في الطريق (1495م) ، وقيل تُوفِّي مسموماً .

وعلى الرغم من أن ذلك النزاع قد استغرق من السلطان الجديد (بايزيد) جل وقته، مما أوقف حركة الفتوحات فترة من الوقت؛ إلا أن بايزيد استأنف تلك الحركة، فتم في عهده فتح الهرسك، وأبرمت معاهدة مع المجر، وفتحت قلعة كيليا ثم قلعة آق كرمان، وزحف على بولونيا، وضبط بلاد الألبان. غير أنه لم ينج من توجيه الانتقادات إليه من جانب المؤرخين؛ إذ أنه استلم دولة قوية، وميزانية كبيرة للغاية، ولكم ما أنجزه من فتوحات فلا يرقى إلى مستوى يليق بابن الفاتح. ولعل السبب في ذلك، كما يشير إليه بعض المؤرخين ، أن السلطان بايزيد لم يكن رجل دولة، بل كان رجلاً زاهداً في الدنيا، ومحباً للعلم والتقوى.

كان بايزيد سلطاناً وديعاً، وإن كان رامياً ماهراً، نشأ محباً للأدب، متفقهاً في العلوم الشرعية، شغوفاً بعلم الفلك. واستعان بالعديد من الخبراء في تحسين شبكة الطرق والجسور التي أقامها أسلافه للأغراض العسكرية، واشتهر هو بمنشآته المعمارية. وعلى رأسها المسجد الذي بناه في إستانبول بين عامي 903-909هـ (1497 و 1503م) .

سلم زمام أمور السلطنة لابنه سليم عام 918هـ (1512م)، ثم توفي بعد ذلك بيومين، وهو في الطريق متوجهاً إلى مدينة ديمتوقة، فنقل جثمانه إلى إستانبول، ودفن بجوار مسجده. عاش سبعة وستين عاماً، وأقام في مدة ملكه جملة مدارس ومساجد جامعة. وكان يرسل إلى الكعبة المعظمة كل سنة مبلغاً وافراً من المال . وكان له من الأولاد أربهة عشر، هم: قورقود، وعيني شاه سلطان، وعبدالله، وأحمد، وشهنشاه، وشاه سلطان، وعالم سلطان، وسليم، ومحمود، وخديجة سلطان، وفاطمة سلطان، ومحمد، وسلجوق، وهما سلطان .

9. سليم بن بايزيد الأول

ولد سليم الأول ابن بايزيد في مدينة آماسيا عام 875هـ (1470م). ولقي اهتماماً ورعاية كبيرة من والدته كل بهار خاتون، بناءً على الرواية التي تقول: إن أحد الدروايش أخبرها يوم ولادته أنه سوف يصبح سلطاناً على الدولة العثمانية، مما حدا ذلك بأمه على تنشئته على وجه يليق بالسلاطين.

تربى الأمير سليم على يد المشاهير من علماء عصره، أمثال: ملا محيي الدين أفندي، ومصلح الدين مصطفى أفندي طاش كوبريلي، وملا حليمي أفندي. واهتم بالتاريخ والأدب والخط أكثر من غيرها. وتعلم العربية والفارسية، إلى جانب التدريب على الفنون العسكرية والفروسية والرماية. ولما كبر قليلاً عين أميراً على سنجق طرابزون, وتفوق على إخوانه في العلوم والمعارف .

اهتم بشؤون الدولة منذ وقت مبكر. وكان يقارن بين عهد جده السلطان محمد الفاتح وبين عهد والده، الذي لم يرق إلى مستوى جده، بل كان يشعر بمكامن الخطر تحيط بالدولة من الصفويين، وخطر انتشار المذهب الشيعي في أنحاء الأناضول، وموقف والده المسالم المهادن من كل ذلك. فلما أخذ الحكم من والده عام 918هـ، نازعه عليه إخوانه، فقضى عليهم في الحروب التي وقعت بينهم، وتفرغ بذلك للحرب مع الشاه إسماعيل الصفوي، الذي استطاع تكوين دولة كبيرة في مدة وجيزة، ونجح في إدخال قانصو الغوري، سلطان مصر، في حلفه ضد العثمانيين. لقيه في سهل جالدران عام 920هـ (1514م) وهزمه شر هزيمة، وانتقلت بذلك أرضروم، ودياربكر، ومرعش، وغيرها، من المدن المهمة في شرق الأناضول، إلى الإدارة العثمانية .

كان السلطان سليم يود تكوين دولة كبيرة في آسيا، فتوجه إلى مصر. وكانت الأراضي السورية وفلسطين، في ذلك الوقت، تحت الحكم المملوكي المصري. والتقى في مرج دابق، بالقرب من حلب، السلطان الغوري، عام 922هـ (1516م)، فتغلب عليه، ثم سار إلى فلسطين فضمها إلى ملكه، وتوجه بعد ذلك إلى القاهرة، وبعد معركة حامية قضى على الدولة المملوكية ودخلت بذلك مصر تحت الحكم العثماني . وبذلك انتقل الحرمان الشريفان التابعان إدارياً لمصر إلى الدولة العثمانية. ولقب، في هذه الفترة، بخادم الحرمين الشريفين.

وبعد عودته من مصر أعد أسطولاً ضخماً، بقصد استئناف الفتوحات، التي كانت تراود أحلامه. غير أنه توفي قبل أن يكمل تلك الاستعدادات، وذلك في مدينة جورلو عام 926هـ (1520م). عاش أربعة وخمسين عاماً، قضى منها ثمان سنوات على عرش السلطنة. وعلى الرغم من قصر مدة حكمه إلا أنه أحرز نجاحاً باهراً فيما أقدم عليه من خطط لتوسيع أراضي الدولة العثمانية .

كان صارماً في الأمور التي تخص الدولة. وكان يتابع الأمور بنفسه. وكان خبيراً في اختيار الرجال، ووضعهم في الأماكن المناسبة. كان يحب العلم والعلماء. ونظم أشعاره باللغة الفارسية. وكان له من الأولاد خمسة، هم: فاطمة، وشاه سلطان، وخديجة، وحفيظة، وسليمان .

10. سليمان بن سليم الأول

ولد سليمان ابن السلطان سليم الأول في عام 900هـ (27 نيسان 1495م) في مدينة طرابزون. وبقي فيها سبع سنوات، ثم أرسل إلى إستانبول لدى جده بايزيد الثاني، بغية إكمال تحصيله العلمي. فخصص لتدريسه خير الدين خضر أفندي، حيث أخذ عنه علوم الدين والتاريخ والآداب. واختير له معلم لتعليمه صناعة الذهب، على عادة الأمراء العثمانيين في تعلم مهنة معينة. وقد أتقن تعلم تلك المهنة، ولما تولى زمام أمور الدولة فيما بعد أبح حامياً للمهنيين .

اعتلى عرش السلطنة عام 926هـ (1520م)، وكان آنذاك في السادسة والعشرين من عمره. ولما أقدم المجر على قتل مبعوث السلطان الموكل بأخذ الجزية منهم، بعد توليه الحكم بسنة واحدة، أعد العدة وهاجمهم، فاستولى على قلعة بلغراد عام 927هـ (1521م)، وبذلك فتح الطريق إلى قلب أوروبا. ثم استولى، بعد سنة واحدة، على جزيرة رودس، وبعض الجزر القريبة منها. كما شنّ هجوماً آخر على المجر، وانتصر في معركة موهاج الحاسمة ، وتوغل في داخل أوروبا حتى فرض حصاره على مدينة فيينا عام 935هـ (1529م)، إلا أن فتحها لم يتيسر له. وتوجّه في عام 1534م، إلى شرق الأناضول ففتح مدن وان، وقارس، وبغداد، والموصل، وتوغل عدة مرات إلى داخل تبريز وقضى بذلك على الاعتداءات، التي كان الصفويون يقومون بها على أراضي الدولة العثمانية. كما زحف إلى نخجوان عام 1553م. وكانت آخر معركة شارك فيها السلطان سليمان هي معركة زكتوار. وقد توفي أثناء حصار قلعة زكتوار، بعد إصابته بمرض، فنُقِل جثمانه إلى إستانبول، ودفن بجانب الجامع الذي بني باسمه، وذلك في عام 974هـ (1566م)، عن عمر يناهز اثنين وسبعين عاماً .

عرف السلطان سليمان بفتوحاته العظيمة في التاريخ العثماني؛ فقد توسعت أراضي الدولة العثمانية شرقاً وغرباَ وشمالاً وجنوباً. ووصلت الدولة، في عهده، إلى أوج قواتها، وأصبحت الدولة العثمانية في عهده أقوى دولة في العالم. وقد ألحقت بممالك الدولة في عهده المجر، وأردل، وطرابلس الغرب، والجزائر، والعراق، ورودس، وشرق الأناضول من وان إلى أردهان، وقسم من أراضي جورجيا، وجزر بحر إيجة، وبلغراد، وجربة .

عرف السلطان سليمان ببراعته العسكرية، وإدارته المتميزة، وتصديقه على القوانين، التي أعدها له شيخ الإسلام أبو السعود أفندي. أطلق المؤرخون الغربيون لقب العظيم على السلطان سليمان تشريفاً له وتعظيماً، في حين وصفه العثمانيون بلقب القانوني، نظراً لوضع القوانين التي تنظم شؤون الدولة .

شيد الكثير من المساجد الجامعة الكبيرة، والجسور، والخانقاهات، والمدارس الشرعية، ولا سيما مدراس السليمانية، التي كانت تدرس فيها مختلف التخصصات العلمية. وبرز في عهده العديد من العلماء والشعراء والأدباء. وكان السلطان سليمان شاعراً وأديباً.

وكان له من الأولاد عشراً، هم: عبدالله ، ومراد، ومحمود، ومصطفى، ومحمد، وسليم، وبايزيد، وجهانكير، ومهرماه، وراضية، التي توفيت في سن صغيرة .

11. سليم الثاني ابن سليمان القانوني

ولد سليم ابن السلطان سليمان القانوني عام 930هـ (28 مايو 1524م) في إستانبول. وقد أطلق عليه سليم الأشقر، نظراً لشُقْرة بشرته. نال تعليماً جيداً، مثل غيره من الأمراء في عهده، على يد كل من جعفر أفندي، وحليمي أفندي، وعطاء الله أفندي. وعمل والياً على كوتاهيا ومانيسا .

جلس على عرش السلطنة عام 974هـ (1566م). وكان عمره أربعاً وأربعين عاماً. وعلى الرغم من عدم اهتمامه بشؤون الدولة، فقد ترك أمورها للصدر الأعظم صرقولي باشا، إلاّ أنه تحقق في عهده العديد من الانتصارات، على أيدي القواد الذين أرسلهم لإخماد بعض الثورات، مثل أوزدمير أغلو عثمان باشا، وحملته على اليمن عام (1567م)، وفتح قبرص عام 978هـ (1570م) بقيادة لالا مصطفى باشا، وإلحاق تونس بالدولة العثمانية عام 982 هـ (1574م). غير أن الهزيمة، التي مُنِي بها الجيش العثماني عام 978هـ (1571م)، المعروفة بـ لوفانتو (لبانتو)، كانت أكبر هزائم ذلك العهد .

من أهم أعماله: مضاعفته لمخصصات الحرمين الشريفين، وبناؤه لمسجد جامع سمي باسمه في أدرنة، وإصلاحه لجامع آياصوفيا من آثار الزلزال. تم في عهده الصلح مع النمسا، وجددت المعاهدة مع فرنسا، كما قضت الدولة على التمرد، الذي قام به ابن عليان في البصرة .

وجه إليه المؤرخون بعض الانتقادات، منها أنه لم يشترك في أي حرب خاضتها الدولة العثمانية، وأنه لم يكن يخرج من القصر؛ الأمر الذي لم يتعود عليه جنود الدولة. ويعزو هؤلاء المؤرخ تماسك الدولة في عهده إلى كونه ورث العرش من والده، وهي أقوى دولة في العالم، ومن خلال الأنظمة التي وضعها والده، إضافة إلى وجود الصدر الأعظم صوقوللي محمد باشا على رأس الدولة، وهو من أساطين الحكم في الدولة العثمانية .

وهو أول سلطان عثماني توفي في إستانبول، وذلك عام 982هـ (1574م). عاش اثنين وخمسين عاماً، قضى منها على عرش السلطنة ثماني سنوات . كان كريماً محباً للخير وأهل العلم. وكان له من الأولاد عشراً، هم: أسماء خان، وعثمان، وجوهر سلطان، وشاه سلطان، ومصطفى، ومراد، وسليمان، وجهاكير، ومحمد، وعبدالله .

12. مراد خان الثالث ابن السلطان سليم

ولد مراد الثالث ابن السلطان سليم الثاني في مانيسا عام 953هـ (4 تموز 1546م). نال تعليماً جيداً على يد بعض العلماء، ومن أشهرهم سعد الدين أفندي، وإبراهيم أفندي. وقد أخذ منهم العلوم السائدة في عهده. غير أن اهتمامه الكبير كان بالأدب. كتب أربعة دواوين، اثنان منها باللغة التركية، وأحدها باللغة الفارسية وآخرها باللغة العربية ، مما يدل على إتقانه للغتين العربية والفارسية على نحو متميز، يمكنه من نظم الشعر بهما.

ولما بلغ مراد الثالث سن الخامسة عشرة، عين والياً على مانيسا، فتعلم فيها الأمور الإدارية. وجلس على عرش الملك عام 982هـ (1574م). وكان عمره تسعة عشر عاماً. جدد العهود مع دول الإفرنج. ووقعت في عهده بعض المعارك مع المجر، فاستولى على بعض قلاعها، وضمها إلى ولاية البوسنة. وأخضع بعض المناطق في شمال المغرب العربي مثل الجزائر والمغرب للدولة العثمانية عام 984هـ. كما وقعت في عهده بعض المعارك مع الإيرانيين، وفتح بعض المناطق من جورجيا مثل تفليس وذلك عام 986هـ (1578م). ومنح بعض الامتيازات الأجنبية لفرنسا. ولما استأنف الإيرانيون الحرب ضد الدولة العثمانية، تصدت لها القوات العثمانية، وهزمتها، وانتزعت منها ولايتي شروان وداغستان . كما وقعت في عهده حرب طاحنة مع النمسا،استمرت ثلاث عشرة سنة. غير أنه لم يسجل تقدم يذكر في هذا الصدد.

من أهم الأعمال، التي أنجزت في عهده، القضاء على النفوذ البرتغالي في المغرب، وضم بعض المناطق إلى الدولة. ويذكر أن السلطان مراداً الثالث أكثر السلاطين العثمانيين جرياً وراء النساء. إذ أنه لما توفي عام 1003هـ (1595م) إثر مرض فجائي، كان له من الأولاد مائة وثلاثة عشر. أهمهم: سليم، وبايزيد، ومصطفى، وقرقود، وعبدالرحمن، وعبدالله، ومحمد، وعلي، وإسحاق، ومراد، وعمر، وعلاء الدين.. إلخ .

13. محمد الثالث ابن السلطان مراد الثالث

ولد محمد خان الثالث ابن السلطان مراد الثالث في مانيسا عام 974هـ (1566م). نال تعليماً جيداً على يد المؤرخ سعد الدين أفندي. وكان مولعاً بالشعر مثل أجداده. واستخدم لقب "عدلي" في أشعاره" .

تولى الملك في عام 1003هـ (1595م) بعد وفاة والده باثني عشر يوماً. وحال جلوسه أصلح الأحوال المختلفة في داخل السلطنة، وعزل بعض رجال الدولة، ونصب مكانهم من وجد فيهم الإخلاص والأهلية. نشب في عهده العديد من المعارك مع الأفلاق وبغداد ثم مع المجر والنمسا . واستولى على مدينة بوخارست. غير أن جيوش الدولة انهزمت في يركوكي. وبناءً على ذلك فقد ذكر سعد الدين أفندي للسلطان محمد أن الأسباب، التي تكمن وراء الهزائم العسكرية لجنود الدولة العلية، عدم مشاركة السلطان للحرب بنفسه. فاقتنع بذلك وطفق يشن المعارك بنفسه، فاستولى على قلعة أكري، وانتصر في موقعة "خاج أوه" عام 1004هـ (1596م). غير أن سرعة عودته إلى إستانبول حال دون الحصول على نتائج ملموسة من ذلك الانتصار. ووقعت في عهده التمردات المعروفة في التاريخ العثماني بـ"التمرد الجلالي". كما أن شاه إيران أخل بالمعاهدة المبرمة بينه وبين الدولة العثمانية، وأعلن الحرب عليها عام 1011هـ (1603م). ولكن المنية وافته قبل أن يطفئ نار الحرب بينه وبين إيران توفي، وذلك عام 1012هـ (1603م). ودفن بجانب مسجد آياصوفيا . وكان عمره آنذاك ثمانية وثلاثين عاماً. وقد حكم الدولة العثمانية ثماني سنوات .

ويعد السلطان محمد الثالث آخر السلاطين العثمانيين، الذين خرجوا إلى السناجق لقضاء فترة معينة من التدريب على الشؤون الإدارية. كان طبيب القلب، وكثير التأثر بالغير. وكان له من الأولاد ستة، هم: محمود، وأحمد، وسليم، ومصطفى، وسليمان، وجهانكير .

14. أحمد ابن السلطان محمد الثالث

ولد أحمد الأول ابن السلطان محمد الثالث في مانيسا عام 998هـ (1590م). درس على يد معلم سلطان ومصطفى أفندي من علماء ذلك العصر. ومع صغر سنه كان يبهر أساتذته بذكائه. وقد بدأ نظم الشعر في سن صغيرة نسبياً. واستخدم في الشعر اسم "بختي" .

جلس أحمد الأول على عرش السلطنة عام 1012هـ (1590م) وكان عمره آنذاك أربعة عشر عاماً. جرت في عهده عدة حروب مع الفرس ومع النمسا، إلى أن أبرمت معاهدة مع ملك النمسا لمدة عشرين سنة، وذلك عام 1015هـ (1609م)، كما عقدت معاهدة مماثلة مع الفرس عام 1021هـ (1612م)، فقدت الدولة العثمانية بموجبها كل ما ضمه السلطان سليمان القانوني إلى أراضي الدولة، وكان ذلك بداية تراجع للدولة العثمانية . وقعت في هذا العهد بعض الاضطرابات الداخلية من الإنكشارية، وأمراء بعض المناطق. فتم إخمادها. وجددت الدولة في عهده أيضاً امتيازات مع فرنسا وإنجلترا، وحصلت هولندا على مثلها. كما جددت الاتفاقية مع بولونيا، بحيث تمنع الدولة تتار القرم من التعدي على أراضي الدولة العثمانية .

أصيب السلطان أحمد في عام 1026هـ (1617م) بحمّى خبيثة أودت بحياته. كانت مدة ملكه أربع عشرة سنة. ولما توفي كان عمره ثمانية وعشرين عاماً. وكان معروفاً بتدينه وصلاحه؛ وقد منع الخمر منعاً باتاً على أراضي الدولة العثمانية. كما قضى على نفوذ الحريم على السلطان. وخالف أسلافه من السلاطين في قتل إخوانه، خوفاً من الصراع على الحكم. وقد أوصى بالحكم لأخيه مصطفى قبل موته. وأكبر الآثار العمرانية، التي قام بتشييدها هو الجامع الذي سمي باسمه، وقد استمر العمل فيه سبع سنوات متواصلة . كما أنشأ بعض المدارس . وكان له من الأولاد عشرة، هم: بايزيد، وسليمان، وقاسم، ومراد، وعثمان، وعائشة، ومحمد، وفاطمة، وإبراهيم، وعاتكة .

15. مصطفى الأول ابن السلطان محمد الثالث

ولد مصطفى ابن السلطان محمد الثالث في عام 991هـ (1591م) .

قضى أربع عشرة سنة من عمره محجوزاً بين الجواري والحريم، خوفاً من تدخله في شؤون الدولة. ولهذا السبب فإنه لم يعرف شيئاً من أمور الحكم والإدارة عندما آل إليه عرش السلطنة عام 1026هـ (1617م). ونظراً لتدهور وضعه العقلي، فقد عزل من منصبه بعد ثلاثة أشهر من توليه الحكم. ثم رقي سدة الحكم للمرة الثانية في عام 1030هـ (1622م)، بعد مقتل ابن أخيه عثمان، إلا أنه لم يستطع إخماد التمردات الداخلية، التي فرّغ لأجلها خزينة الدولة. ولهذا فقد اجتمع أركان الدولة في قصر الصدر الأعظم علي باشا، وقرروا تنحية السلطان مصطفى عن الحكم وحبسه، وتنصيب الأمير مراد. فأُزيح السلطان مصطفى عن الحكم عام 1031هـ (01623م) . وقضى بقية حياته محبوساً في إحدى مقصورات القصر حتى عام 1048هـ (1638م)، حيث توفي فيها، ودفن بالقرب من جامع آياصوفيا .

16. عثمان الثاني ابن السلطان أحمد الأول

ولد عثمان ابن السلطان أحمد الأول عام 1013هـ (1604م). واعتلى عرش السلطنة بعد عزل عمه مصطفى من الحكم عام 1026هـ (1618م) .

وكان أول عمل قام به هو إبرام معاهدة صلح مع الفرس ، قضت بإيقاف الحرب المستعرة بين الطرفين منذ فترة طويلة. وجرت في عهده بعض المعارك مع بولونيا والأفلاق والبغدان، وشارك السلطان بنفسه في الحرب. فحاربهم بالقرب من قلعة خوتن عام 1030هـ (1622م). وقد سعى لإلغاء الإنكشارية من نظام الدولة العثمانية، نظراً لما تسببه من مشاكل للدولة. وأوعز إلى أركان الدولة أنه يريد أداء فريضة الحج، وذلك بغية جمع القوات من الأناضول وسوريا ومصر، لمساندته في الوقوف أمام الإنكشارية . ففقد عرشه أولاً، ثم فقد حياته ثانياً. وذلك بعد أربع سنوات من الحكم. فدفن بالقرب من والده. وكان عمره آنذاك ثمانية عشر عاماً .

كان سريع الحركة في استخدام السلاح وفي ركوب الخيل. غير أنه كان قليل التجربة في شؤون الدولة. وعلى الرغم من رغبته الشديدة في إجراء الإصلاحات اللازمة في مختلف أنظمة الدولة العثمانية، إلا أن سنه وظروف ومحيطه الذي نشأ فيه لم يكن معيناً له في ذلك. كان قاسياً في تعامله مع رجال الدولة، مما أدى إلى نفورهم منه. كان له من الأولاد ثلاثة فقط، هم: عمر، ومصطفى، وزينب .

17. مراد ابن السلطان أحمد الأول

ولد مراد الرابع ابن السلطان أحمد الأول في إستانبول عام 1021هـ (17 تموز 1612م). نشأ في قصر طوب قابي لدى والدة السلطان. ودرس، على عادة الأمراء العثمانيين، على يد أشهر الأساتذة في عهده. تعلم الشعر والخط تعلماً جيداً. وقد شاهد الأحداث الدامية في عهده، مثل مقتل أخيه السلطان عثمان، وخلع عمه السلطان مصطفى. ولذلك فقد كان يراقب الأحداث عن كثب، ويتخذ منها عبراً وعظات . على الرغم من صغر سنه.

آل إليه زمام أمور الدولة العثمانية عام 1032هـ(1623م) وكان له من العمر أحد عشر عاماً. ولذلك فقد وقع تحت تأثير والدته ورجال الدولة في تسيير شؤون البلاد. وكانت الأوضاع الداخلية والخارجية في عهده سيئة للغاية؛ إذ إن الإنكشارية كانوا يتمرّدون بين الحين والآخر من جهة، وقام الأمير فخر الدين المعني الدرزي بثورة في لبنان، وكان يريد الاستيلاء على الشام من جهة ثانية، واندلعت الحرب في العراق مع الفرس من جهة ثالثة ، وتمرد اثنان من خانات القرم على الدولة من جهة رابعة . وكان على السلطان مراد أن يواجه كل تلك التحديات.

ولما بلغ الواحدة والعشرين، استطاع إبعاد والدته عن أمور الدولة، وقضى على رؤوس المتمردين من السباهية والإنكشارية، وتوجه بنفسه لمحاربة الفرس. فدخل إلى بغداد عنوة، واستردها منهم عام 1048-1049هـ (1638-1639م). وعقب ذلك عقد معاهدة مع الفرس في قصر شيرين، مُنهياً بذلك الحرب المستعرة بين الطرفين. وقد توفي السلطان بعدما رجع إلى إستانبول بفترة وجيزة، وذلك عام 1049هـ (1640م) . عاش ثمانية وعشرين عاماً، قضى منها في سدة الحكم سبع عشرة سنة.

كان محباً للشعر وويقرضه، ويحب جلسات الأدب. وكان يحب ركوب الخيل والبذخ. كانت فترة حكمه زاهرة للغاية، نظراً لقوة شخصيته، وجديته في أمور الدولة. وقد نُسب ذلك النجاح، الذي أحرزه في حكمه إلى قيامه بإعدام أكثر من عشرين ألف شخص .

وكان له من الأولاد سبعة، هم: رقية، وعلاء الدين، وجوهر سلطان، وصفية، ومحمد، وقايا، وحفيظة .

18. إبراهيم ابن السلطان أحمد

ولد إبراهيم ابن السلطان أحمد في إستانبول عام 1024هـ (1615م). وكان يُعد، عند توليه مقاليد الحكم العثماني عام 1049 (1640م)، آخر أمير عثماني على قيد الحياة. إذ أن السلطان مراد توفي دون أن يعقب ذكوراً، ولم يبق بعد موته من آل عثمان سوى أخيه إبراهيم. وكان له من العمر، أثناء ذلك خمس وعشرون سنة. قضى معظمها سجيناً في غرفة خاصة بالقصر. ولهذا فقد كان دائماً متوتر الأعصاب، وأُشيع عنه الجنون. وإن لم تظهر منه بوادر تدل على ذلك .

من أهم الأحداث، التي جرت في عهده، بدء الحرب مع أهالي جزيرة كريت، بسبب تعدِّيهم على سفن الدولة العثمانية عام 1055هـ (1645م). وعلى الرغم من فتح العديد من قلاعها، إلاّ أن الحرب استمرت خمساً وعشرين سنة، وسرت إلى البندقية أيضاً . وانزعج أركان الدولة من استمرار هذه الحرب، كما انزعج الناس من بعض الضرائب التي فرضت على الناس. وانتشرت الرشاوي والالتماسات في هذا العهد. واجتمع أركان الدولة بشيخ الإسلام واستصدر منه فتوى بخلع السلطان، فعُزل، وأُودع في محبسه من جديد، ثم قُتل، بعد مدة وجيزة، في عام 1058هـ (1648م).

أهم خاصية تذكر لهذا السلطان أنه لم يكن هناك أحد من نسل آل عثمان لما آل إليه الحكم. وكان له من الأولاد أحد عشر، هم: سليمان، ومحمد، أورخان، وأحمد، ومراد، وعاتكة، وبيخان، وعائشة، وعثمان، وبايزيد، وجهانكير .

19. محمد الرابع ابن السلطان إبراهيم

ولد محمد الرابع ابن السلطان إبراهيم عام 1051هـ (1641م). وقد اعتلى عرش السلطنة وعمره آنذاك سبع سنوات، فقد كان والده الوريث الوحيد للملك في الدولة العثمانية. ومن ثم آل أمر الدولة قد آل إلى والدة السلطان، وإلى رجال القصر، والإنكشارية .

تم في عهده استرداد جزيرتي بوزجاآدا، وليمني، وتمكنت الدولة من إرسال المساعدات إلى القوات المرابطة في كريت، وقُضِيَ على الفساد الذي نشب في صفوف الدولة. وكل ذلك بفضل جهود الصدر الأعظم محمد كوبريلي، ذي الشخصية القوية والمؤثرة، الذي تميز بالحنكة وحسن التدبير. وقد شارك السلطان محمد الرابع في حرب بولونيا الأولى عام 1672م، والثانية بعد عام، كما هاجم أوكرانيا عام 1674م. وحققت الدولة بعض الانتصارات. غير أن وفاة الصدر الأعظم محمد كوبريلي، ووفاة ابنه أحمد فاضل باشا، الذي عين في الصدارة بعد والده، جعل أحوال البلاد تسير من سيء إلى أسوأ .

توجهه السلطان محمد إلى النمسا عام 1683م، وحاصرها الصدر الأعظم مصطفى باشا، غير أنها قاومت مقاومة شديدة، وتمكنت من هزيمة الجيش العثماني، بسبب التمرد الذي قام به خان القرم، وخسرت الدولة العديد من القلاع والحصون والبلدات في تلك المعركة. وبسبب هذه الهزيمة أخذ البابا يشجع الحرب على الدولة العثمانية من أربع جبهات، في الوقت الذي كان فيه السلطان محمد الرابع مشغولاً بالصيد. تظاهر الأهالي في إستانبول مما أدى إلى تنحي السلطان عن الحكم لأخيه سليمان، بدلاً من ابنه الأمير مصطفى، يطمع في تسلُّم مقاليد الحكم. وذلك عام 1100هـ (1687م). توفي السلطان عام 1104هـ (1693م) .

ظل السلطان محمد الرابع على سدة الحكم تسعة وثلاثين عاماً، وهي أطول فترة حكم بعد السلطان سليمان القانوني. وعلى الرغم من وجود العديد من الفرص لإخراج الدولة العثمانية من الأزمات التي لحقتها، إلاّ أن السلطان كان مشغولاً عن ذلك بهواية الصيد، والأدب، فلم يستطع أن يحقق نجاحاً يذكر أثناء تلك الفترة الطويلة من حكمه. كان له ثمانية من الأولاد، هم: مصطفى، وأحمد، وبايزيد، وأحمد الصغير، وخديجة، وأم كلسوم، وصافية، وفاطمة .

20. سليمان الثاني ابن السلطان إبراهيم

ولد سليمان الثاني ابن السلطان إبراهيم في إستانبول عام 1052هـ (1642م). وقضى أربعين عاماً من عمره في السجن. وكانت أمه المتدينة تعمل على تعليمه وتؤنسه في وحشته. وكان يقضي وقته في العبادة وقراءة الكتب .

آل إليه الحكم العثماني عام 1687م. في فترة من أحرج الفترات في التاريخ العثماني؛ حيث استولى النمساويون على بلغراد، وأخذوا يتقدمون باتجاه البلقان. عين السلطان سليمان الثاني فاضل مصطفى باشا، من أسرة كوبريلي العريقة في إدارة الدولة، صدراً أعظم. وكان هذا الإجراء من أحسن الأعمال التي قام بها السلطان في حكمه. إذ أن فاضل مصطفى باشا سرعان ما تمكن من القضاء على مظاهر الضعف والسؤ في البلاد، ووضع رقابة شديدة على الإنكشارية، وقام بالعديد من الإصلاحات المالية والإدارية ، وشارك بنفسه (أي الصدر الأعظم) في جبهه القتال، فاستطاع استرداد صربيا، وبلغراد عام 1690م. وتوفي السلطان سليمان في أدرنة، وهو يتأهب للقتال، ذلك عام 1691م.

كان السلطان سليمان عاقلاً متواضعاً وحكيماً في تدبير الأمور.واشتهر كذلك بحسن خطه وحبه للكتابة . استمر حكمه ثلاث سنوات وسبعة أشهر. أما عن أولاده فلم يرد ذكر لهم في المراجع المتخصصة .

21. أحمد الثاني ابن السلطان إبراهيم

ولد أحمد الثاني ابن السلطان إبراهيم في إستانبول عام 1052هـ (1643م).قضى فترة طويلة من حياته في السجن. ومن ثم فقد كان عصبي المزاج متوتراً .

انتقل إليه الحكم العثماني عام 1102هـ (1691م). غير أنه وجد نفسه في حرب مع النمسا. فأرسل لمقاومتها جيشاً عظيماً، تحت إمرة الصدر الأعظم، مصطفى فاضل باشا. وقد كان النصر في البداية في جانب العثمانيين، غير أن استعجال الصدر الأعظم للنصر، وإنهاء القتال بسرعة، وتقدمه المتهور، أدى إلى مقتله، مما أدى إلى حصول البلبلة في صفوف الجيش وبالتالي حدوث الهزيمة .

خسرت الدولة في عهده أيضاً بعض الجزر في بحر إيجه، كما خسرت بعض القلاع في دالماجيا. ونشبت في هذا العهد بعض الفتن في جبل لبنان، وامتد شرارها إلى حوران والبصرة .

توفي السلطان أحمد الثالث عام 1106هـ (1695م) دون أن يقدم شيئاً يذكر للدولة. وكانت فترة حكمه قصيرة، ومشاكل الدولة على أشدها. كان له تسعة من الأولاد، هم: إبراهيم، وسليم، وآسية، وعاتكة، وخديجة .

22. مصطفى الثاني ابن السلطان محمد الرابع

ولد مصطفى ابن السلطان محمد الرابع عام 1074هـ (1664م). درس على يد أشهر علماء عصره، أمثال فيض الله أفندي، وواني أفندي، وإبراهيم أفندي. كما تعلم الخط على يد الحافظ عثمان أفندي. وقد أولع بالأدب والشعر مثل أسلافه .

تولى الحكم بعد وفاة عمه أحمد الثالث، وكان عمره آنذاك اثنين وثلاثين عاماً. وفور جلوسه على العرش، أمر بحشد الجيوش، وشحذ السيوف، وإعداد معدات الحرب، معلناً الحرب على النمسا والبندقية. فاسترد بلاد الصرب، وأغرق سفن البندقية، واسترد جزيرة ساقز . ونجح في فك الحصار الروسي على آزاق، غير أنه فقدها بعد سنة. كما أن الدولة العثمانية في هذا العهد (1110هـ/1698م) اضطرت للتوقيع على معاهدة كارلوفجا، بسبب تعرض الدولة للقتال في الجبهات الأربع من جهة الدول الغربية وروسيا. وتنازلت الدولة، بموجبها، عن كثير من أراضيها في أوروبا. وبالتوقيع على تلك المعاهدة بدأت الدولة في تنظيم الشؤون الداخلية وإجراء بعض الإصلاحات الإدارية. غير أن السلطان، بسبب سكوته عن تصرفات أستاذه فيض الله أفندي، تعرض لانتقادات لاذعة في حادثة أدرج، فقد منصبه إثرها. (1114هـ/1703م). وتوفي بعدها بفترة وجيزة .

كان السلطان مصطفى الثاني محباً للخير ومتواضعاً. وكان يحمي العلماء ورجال العلم، ويأنس بمجالستهم. وكان متديناً ورعاً . وكان له من ثلاثة عشر الأولاد، هم: أحمد، وحسن، وحسين، ومراد، وعثمان، وسليم، وزينب، وأمينة، وأم كلثوم، وصافية، ورقية، وأمة الله، وأسماء .

23. أحمد الثالث ابن السلطان محمد الرابع

ولد أحمد الثالث ابن السلطان محمد الرابع، عام 1084هـ (1673م). وهو شقيق السلطان مصطفى الثاني. درس على يد العديد من العلماء في عصره. وكان ذكياً، مرهف الإحساس. يحب الشعر والخط . وقد استمتع بشبابه، ولم يتعرض مثل أسلافه لقضائها في السجن؛ لانتهاء تلك التقاليد من أسرة آل عثمان. ولذلك فقد كان يراقب الاكتشافات الجديدة في الغرب. وهو الذي وافق على إدخال المطبعة العربية إلى إستانبول عام 1139هـ (1727م)، بعد استصدار الفتوى من شيخ الإسلام بفوائد المطبعة.

تولى مقاليد الأمور في الدولة العثمانية عام 1115هـ (1703م)، بعد تنازل أخيه السلطان مصطفى الثاني عن الحكم. وعلى الرغم من وقوع بعض الحروب في عهد هذا السلطان مع كل من البندقية وروسيا، وفي الشرق في جورجيا وتفلس وغيرها من البلدان؛ إلا أن أهم ما يميز هذا العهد، عن غيره من عهود الدولة العثمانية، هو أن هذا العهد كان عهد الانفتاح، والتعلق بمباهج الدنيا؛ ومن ثم فقد سمي بعهد الخزامى أو عصر الزهر في التاريخ العثماني، نتيجة لتعلق الناس بزراعة أزهار الاقحوان والخزامى والتباري في العناية بها. وانفتحت الدولة في علاقتها الخارجية، حيث تم التبادل الدبلوماسي مع بعض الدول الغربية. وعمل السلطان على الاستفادة من الاكتشافات الأوربية الحديثة في البنيان وتخطيط المدن، وفي تنظيم الحدائق والبساتين. كما ظهر، في هذا العهد، نوع من الاهتمام بالعلوم البحتة، غير أنها لم تكن لتوفي طلبات العصر. إلاّ أن البذخ والإسراف الذي ساد في هذا العهد لم تشهده الدولة العثمانية من قبل . لكن طابع هذا العهد الثقافي اتسم بالحركة والنشاط. وكانت إستانبول في هذا العهد تمثل منطقة جذب لأصحاب الطموح والمواهب .

وعلى الرغم من وضع السلطان أحمد الثالث المسالم، إلا أن الفرس لم يقفوا مسالمين؛ فقد قاموا في عام 1143هـ (1730م) بالاستيلاء على نهاوند، وتعرض أهل السنة المتوطنون في بلاد العجم للاعتداء، مما حدا بالسلطان إلى القيام بإيقاف ذلك التحرك. فتوجه إلى أسكودار، ومكث فيها سبعة وأربعين يوماً بغية التحرك إلى جبهة القتال، إلا أنه لم يسافر، مما جعل بخليل جاندار أوغلو يقوم بحركة تمرد، وانضم إليه الإنكشارية. فرجع السلطان إلى قصره، غير أن الثورة لم تخمد، وطلب الثائرون تنازل السلطان عن العرش. فتنازل السلطان أحمد الثالث لابن أخيه محمود في عام 1143هـ (1730م). وتوفي عام 1149هـ (1738م) .

وكان السلطان أحمد الثالث رجلاً مسالماً، محباً للورود. وكان يتفادى الحروب قدر الإمكان. وكان له عدد كبير من الأولاد، هم: عبدالله، وعبدالحميد، وعبدالمجيد، وعبدالملك، وعلي، وعيسى، وإبراهيم، وسليم، وسيف الدين، وسليمان، ومراد، ومصطفى، وفاطمة، وأمينة، وصالحة، وأم كلثوم، وزينب، وغيرهم كثير .

24. محمود ابن السلطان مصطفى الثاني

ولد محمود بن مصطفى الثاني في إستانبول عام 1108هـ (1696م). ونشأ في كنف والدته الحنون. ونال تعليماً متميزاً. وكان اتسم بالذكاء والفضول لمعرفة كل شيء، محاولاً استيعاب دروسه بسرعة. وقد ولع بالأدب والشعر، واستخدم لقب سبكاتي في الشعر.

تولى عرش السلطنة عام 1143هـ (1730م). وكان له من العمر خمسة وثلاثون عاماً. وكانت الدولة العثمانية، في تلك الفترة، تغلي من التمردات والحركات الثورية. فأمر السلطان بالقضاء على رؤوس المشاغبين دون هوادة، حيث تفرغ بذلك للحرب مع الفرس. وقد تغلبت الدولة على طهماسب، الذي طلب إبرام معاهدة صلح عام 1144هـ (1732م)، بعد أن استولت الدولة العثمانية على همدان وأورمية وتبريز. ووقعت الحرب مع روسيا في هذا العهد، وتمكنت الدولة العثمانية من إيقاف التقدم نحو إقليم البغدان، كما أوقفت تقدم النمسا المتحالفة مع روسيا نحو إقليم الأفلاق، وانتصرت على الصرب. ونتج، عن كل ذلك، عقد معاهدة صلح في بلغراد عام 1152هـ (1739م)، تعهدت بموجبها النمسا بالتنازل عن مدينة بلغراد وعن بلاد الصرب والأفلاق. كما تعهدت روسيا بعدم الشروع في بناء السفن في البحر الأسود، وهدم قلاع ميناء آزوف .

توفي السلطان محمود في إستانبول عام 1168هـ (1754م). وكان محبوباً من جاانب الشعب، صافي القلب، رؤوفاً. وكان شاعراً، ومحباً للعلم. ويعد عهده أحسن عهود الانحطاط في التاريخ العثماني، بما حققه من انتصارات . كان عقيماً فلم يترك أولاداً .

25. عثمان خان الثالث ابن السلطان مصطفى الثاني

ولد عثمان الثالث ابن السلطان مصطفى الثاني عام 1110هـ (1699م).

تولى الحكم بعد وفاة أخيه عام 1168هـ (1754م). وكان له من العمر آنذاك ثمان وخمسون سنة. تعرضت إستانبول في فترة عهده لحريق كبير، كما تعرضت لانتشار وباء الطاعون ولم يحدث سواهما من الأحداث في عهده القصير .

كان السلطان شديد البأس على الرشوة والمرتشين، ولم يكن يسامح في هذا قط. وأنشأ جامعاً ومسجداً في أسكودار. كما أكمل الجامع، الذي بدأه سلفه محمود الأول، والمعروف بنور عثمانية. ولم يكن للسلطان عثمان الثالث عقب .

26. مصطفى خان الثالث ابن السلطان أحمد الثالث

ولد مصطفى بن أحمد الثالث عام 1129هـ (1717م).

جلس على عرش السلطنة عام 1171هـ (1757م)، وله من العمر اثنتان وأربعون سنة. وبعد أن استقر له الملك شرع في تنظيم الأحوال وسن الشرائع وتوطيد دعائم الأمن . سار حكمه بشكل جيد، ولا سيما السنوات العشر الأولى منه. ثم وقعت بعد ذلك بعض الحروب مع روسيا، والتي ضاع بسببها القرم. اهتم السلطان بإجراء الإصلاحات اللازمة، والاستفادة من الخبرة العسكرية في الغرب. ولذلك استقدم كومت دو بنفال، والبارون "دو توت" لإصلاح شؤون المدفعية العثمانية، كما أُنشئت، في عهده، المدرسة البحرية وغرفة الهندسة ، بقصد إحراز تقدم ملموس في الأمور العسكرية، وتجاوز المحن، التي تعرض لها الجيش العثماني بسبب تأخر أجهزته العسكرية. وعملت الحكومة العثمانية، في هذا العهد، على توسيع نطاق التجارة البحرية والبرية، وعلى فتح الخليج لإيصال نهر دجلة بالآستانة وأن تستعمل الأنهار الطبيعية مجرى له، لتسهيل نقل الغلال من الولايات إلى دار الخلافة، وعلى نشر التجارة .

توفي السلطان مصطفى الثالث عام 1187هـ (1774م) بإستانبول، ودفن بجوار مسجد لاله لي الذي بناه. بعد أن قضى في الحكم سبعة عشر عاماً. وكان محباً للأعمال الخيرية، حيث بنى عدة مساجد، ومكتبات، ومدارس. كما كان مقتنعاً بضرورة القيام بالإصلاح الشامل في صفوف الجيش، واستفاد في تحقيق ذلك من الضباط الغربيين، غير أنه لم يستطع تحقيق انجازات كبيرة في هذا الصدد . وكان له تسعة من الأولاد، هم: محمد، وسليم، وبيهان، وأسماء، وفاطمة، وخديجة، وشاه، ومهريشاه، وهبةالله .

27. عبدالحميد الأول ابن السلطان أحمد الثالث

ولد عبدالحميد ابن السلطان أحمد الثالث في إستانبول عام 1137هـ (1725م).

قضى ثلاثة وأربعين عاماً من عمره محبوساً في إحدى غرف القصر. ولم يكن لديه إلمام بالأمور الإدارية سوى ما قرأه في الكتب، أثناء محبسه. ومن ثم لما آل إليه الحكم العثماني، عام 1187هـ (1774م)، كان قليل الخبرة والتجربة. وكانت آثار الحرب العثمانية ـ الروسية واضحة في كل مجالات الحياة بالدولة العثمانية. ومن ثم فقد عقدت في هذا العهد معاهدة، انتهت بموجبها الحرب، عرفت بمعاهدة كوجوك قاينارجه عام 1187هـ (1774م). وتم في هذا العهد أيضاً عقد الصلح مع إيران، على الرغم من محاولات روسيا إفشاله، وذلك بعد أن استولت إيران على البصرة، إلاّ أن الصراعات الداخلية على الحكم داخل إيران، كسر من مقاومتهم، فرجعت البصرة إلى الدولة العثمانية ثانية .

توفي السلطان عبدالحميد الأول عام 1203هـ (1789م)، وكان عمره آنذاك خمسة وستين عاماً، قضى منها في سدة الحكم خمس عشرة سنة. وكان متفتحاً ومثقفاً ومحباً للخير، ولديه الرغبة في القيام بأعمال كبيرة. غير أنه لم يجد، من حوله، من يساعده على تحقيق تلك الرغبات. وكان له ستة عشر من الأولاد، هم: أحمد، وسليمان، ومحمد، ومصطفى، ونصرت، ومحمود، ومراد، وأسماء، وأمينة، وربيعة، وزكية، وصالحة، وعالمشاه، وفاطمة، وملك شاه، وهبةالله .

28. سليم الثالث ابن السلطان مصطفى الثالث

ولد سليم الثالث ابن السلطان مصطفى الثالث عام 1175هـ (1761م). وقد نشأ في جو من الحرية. وكان شاعراً وخطاطاً محباً للسلم. وكان أكبر أمانيه التمكن من القيام بإجراء إصلاحات، على غرار الدول الغربية في النظام العثماني، الذي أخذ يتخلخل يوماً بعد يوم؛ حيث أجرى الاتصالات بشخصيات غربية، لمساعدته في إجراء تلك الإصلاحات بعدما آلت إليه السلطنة.

تولى الحكم عام 1203هـ (1789م)، وكان عمره آنذاك ثمانية وعشرين عاماً. وكانت الدولة العثمانية في تلك الفترة تمر بأيام عصيبة. إذ إنه إضافة إلى الصراع المرير والحروب المستمرة مع روسيا، كانت فرنسا أيضاً في الطريق لأن تصبح دولة قوية في أوروبا، لتضيق الخناق على الدولة العثمانية. كما أخذت النمسا تستولي على الأراضي العثمانية في أوروبا يوماً بعد يوم. ولذلك كله فقد كان السلطان سليم الثالث يفكر في سبل لإخراج الدولة من المحن التي أحاطت بها من جميع الأطراف .

قام بإجراء الإصلاحات الشاملة في كيان الدولة؛ فأنشأ الكليات التقنية، ونظم الأمور الثقافية، وانشأ المصانع الحربية، التي تقدم العتاد لقوات البرية والبحرية، على غرار الدول الغربية. كما أنشأ وحدات الجيش الذي سماه بالنظام الجديد. وأرسل السفراء الدائمين إلى الدول الغربية. وعلى الرغم من كل ذلك فإن المشاكل الداخلية والخارجية لم تنته؛ فقد استولى نابليون على مصر عام 1798م، على الرغم مما كان يعلنه من صداقة حميمة للدولة العثمانية. كما ثار الإنكشارية ورفضوا تنفيذ أمر السلطان بالتوجه لإخماد الفتنة التي أثارها الصرب؛ فقد كانوا يعلمون أن السلطان يرمي، من وراء ذلك، إلى إفنائهم بغية إقامة نظام الجيش الجديد محلهم. فاستجاب السلطان تحت ذلك الضغط لمطالبهم بإلغاء جيش النظام الجديد، إلا أنه لم ينجُ من التنازل عن الحكم. حيث قُبض عليه وأُودع السجن في عام 1222هـ (1807م). ولما رأى الثائرون أن عالمدار مصطفى باشا يريد إعادة السلطان إلى الحكم، سارعوا إلى قتل السلطان سليم وذلك عام 1222هـ (1808م) .

وعلى الرغم من الصفات، التي تحلى بها السلطان سليم الثالث، إلا أنه كان محروماً من حاشية تساعده في تنفيذ ما كان يرمي إليه من إصلاحات. يضاف إلى ذلك أن الرغبة الشديدة في اقتباس ما يهم الدولة من أوروبا، دون التحقق من رغبة المجتمع العثماني واستعداده لتقبل كل ذلك، كان من أهم الأمور التي أودت بالسلطان وبعرشه.

ولم يترك السلطان سليم الثالث عقباً له .

29. مصطفى الرابع ابن السلطان عبدالحميد الأول

ولد مصطفى الرابع ابن السلطان عبدالحميد الأول عام 1193هـ (1779م). وكان داهية، واسع الحيلة، محنكاً.

آل إليه الحكم العثماني في عام 1222هـ (1807م)، بعد تنحي السلطان سليم بتدبير منه .ولذلك فقد كان دمية في يد الذين نصبوه سلطاناً على الدولة العثمانية. فبدأ أولاً بقتل كل من له علاقة بالنظام الجديد، وإلغاء ما بقي من هذا النظام من الدولة. فتوجه من استطاع الفرار من هذا البطش، الذي حل بهم، إلى القائد عالمدار باشا في روستجق، وكان يقاوم القوات الروسية في ذلك الموقع. وبعد استشارة قواد الجيش الموجودين بمعيته، قرر إعطاء مهلة للهدنة مع روسيا والتوجه إلى إستانبول لإعادة السلطان إلى الحكم. فجمع جيشه وجاء إلى إستانبول. فلما وصل إلى القصر، أشار السلطان مصطفى الرابع بقتل السلطان سليم وهو في السجن، فقتل. وحينئذ هاج القوم وخلعوا السلطان مصطفى الرابع، وأودعوه السجن، وقُتل بعد ثلاثة أشهر .

ونظراً لقِصَر فترة حكمه لم يقع في عهده ما هو جدير بالذكر سوى ما أُشير إليه من صراع على الحكم. وقد وصف السلطان مصطفى الرابع بضيق في التفكير، وحرص على السلطة، وعدم التورع عن أي شيء يوفر له البقاء في الحكم. ولم يعرف من أولاده سوى بنته أمينة.

30. محمود الثاني ابن السلطان عبدالحميد الأول

ولد محمود الثاني ابن السلطان عبدالحميد الأول في إستانبول عام 1199هـ (1784م). ونشأ تحت رعاية السلطان سليم الثالث، متأثراً به في فكره الإصلاحي.

كان الوريث الوحيد للعرش العثماني من أسرة آل عثمان، بعد مقتل السلطان سليم الثالث. ومن ثم فقد كان السلطان مصطفى الرابع يود قتله أيضاً، حتى يؤمن لنفسه البقاء في الحكم، وينجو مما قد يصيبه من سوء بسبب التمرد الذي قام به مصطفى باشا عالمدار. غير أن الراغبين في الإصلاح من أركان الدولة سرعان ما أبعدوه عن الأنظار، إلى حين إسقاط السلطان مصطفى الرابع من الحكم. وحينئذ بادر مصطفى باشا عالمدار مع مؤيدي حركة الإصلاح إلى مبايعة الأمير محمود الثاني سلطاناً على الدولة العثمانية، وذلك عام 1223هـ (1808م). وكان عمره آنذاك أربعاً وعشرين سنة. فعين السلطان الجديد مصطفى باشا عالمدار صدراً أعظم على الدولة .

ولما استتب للسلطان محمود الثاني الأمر، وتمكن من تنفيذ خططه الرامية إلى إجراء الإصلاحات التي ينوي القيام بها، بعد مضي فترة من الوقت، أصدر أمره بإلغاء الجيش الإنكشاري عام 1241هـ (1826م) وأحلَّ محله الجيش المسمى بالعساكر المنصورة المحمدية. وفي السنة نفسها، استقلت اليونان عن الدولة العثمانية، كما تعرض الأسطول العثماني والمصري، في العالم االتالي، في موقعة نافارين للهدم والتدمير على يد القوات المتحالفة (روسيا ـ فرنسا ـ بريطانيا)، ضد الدولة العثمانية. ثم تعرضت الجزائر للحتلال الفرنسي عام 1830هـ. وفي الوقت عينه، نشبت ثورة داخلية من والي مصر محمد علي باشا، الذي وصل جنوده إلى كوتاحيا في وسط الأناضول، بعد أن وقعت فلسطين وسوريا تحت سلطته. وكان ينوي الاستقلال بحكم العرب .

وعلى الرغم من تلك الأحداث السياسية الداخلية والخارجية فقد سعى السلطان محمود الثاني نحو انتهاج برنامجه في تغريب المؤسسات العسكرية، والتعليمية، والإدارية في الدولة العثمانية. ونجح في تحقيق ذلك، وفي التقليل من نفوذ المشيخة الإسلامية، التي كانت تشرف على التعليم في الدولة بشكل مباشر.

توفي السلطان محمود الثاني بالوباء عام 1255هـ (1839م). وكان له عدد كبيرمن الأولاد، هم: عبدالعزيز، وعبدالحميد، وعبدالمجيد، وعبدالله، وأحمد، ومحمود، ومحمد، ومراد، وسليمان، وعثمان، ونظام الدين، وعادلة، وأسماء، وسالمة، وعائشة، وعطية، وزينب، ومنيرة، وخيرية، وحميدية، وغيرهم .

31. عبدالمجيد ابن السلطان محمود الثاني

ولد عبدالمجيد خان ابن السلطان محمود الثاني في عام 1237هـ (1823م).

تولى الحكم في الدولة العثمانية بعد وفاة والده عام 1255هـ (1839م). وكان عمره آنذاك سبعة عشر عاماً، والدولة العثمانية مثقلة بالمشاكل الداخلية والخارجية. فقام في أول عمل له بإعلان "خط شريف كلخانة"، المعروفة في التاريخ العثماني بحركة التنظيمات العثمانية.

وأُبرمت، في عهده، عدة معاهدات مع فرنسا وبريطانيا. كما وقعت حرب مع روسيا بسبب قيامها بالاستيلاء على الأفلاق والبغدان عام 1853م. ونشبت عدة أحداث داخلية، منها الحرب الأهلية، التي وقعت في جبل لبنان عام 1860م، وحادثة جدة (التي تعرض فيها القناصلة الأجانب للقتل) قبل ذلك بسنة واحدة .

وعلى الرغم من كل تلك الأحداث فقد سار السلطان عبدالمجيد في الإصلاحات التي بدأ بها أبوه. فمنح المزيد من الحريات للأجانب الذين تدخلوا في شؤون الدولة العثمانية، كما منح الأقليات القاطنة فيها الكثير من الامتيازات، التي لم يكن للدولة العثمانية عهد بها من قبل. غير أن حياة الإسراف والبذخ التي عاشها السلطان، عاجلته بالمنية فتوفي عام 1861م متأثراً بالوباء أيضاً.

وكان له عدد كبير من الأولاد، هم: عبدالحميد، وأحمد، وبهاء الدين، وعبدالصمد، وفؤاد، ونظام الدين، وسيف الدين، ومحمد وحيد الدين، ومحمد رشاد، ورشدي، وبهية، وبهيجة، وموهبة، ومديحة وغيرهم .

32. عبدالعزيز ابن السلطان محمود الثاني

ولد عبدالعزيز خان ابن السلطان محمود الثاني في إستانبول عام 1245هـ (1830م). تلقى تعليماً جيداً. وأتقن اللغة الفرنسية وأجادها. كان مولعاً بالرياضة والفروسية، والجريد، والمصارعة .

تولى حكم الدولة العثمانية، بعد وفاة أخيه السلطان عبدالمجيد، عام 1277هـ (1861م). وكان عمره آنذاك اثنين وثلاثين عاماً. وقد صادف في أوائل حكمه أعمال التمرد التي نشبت في الأفلاق، والبغدان (1861-1864م)، وصربيا (1862-1867م). فعمل على القضاء على تلك الأحداث الدامية ونجح في ذلك بعد التنازل عن بعض أراضي الدولة العثمانية في البلقان. غير أنه سرعان ما واجه مشاكل أخرى من اليونانيين الراغبين في إلحاق جزيرة كريت بهم، إلا أن الأمر انتهى لصالح الدولة (1868م) .

وفي عام 1281هـ (1863م) سافر السلطان عبدالعزيز إلى مصر، لتفقّد الممالك العثمانية. كما سافر في عام 1284هـ (1867م) إلى أوروبا لحضور معرض باريس. ولما عاد منها أصدر أمره بترجمة جميع الأنظمة واللوائح المتعلقة بالدستور الفرنسي، بغية الاستفادة منها في الدولة العثمانية . وكان من نتائج ذلك قيامه ببعض الإصلاحات الإدارية.

نشأ في هذا العهد مجلس الشورى في الدولة العثمانية (1868م)، كما نشأت بعض الجمعيات الأدبية المتأثرة بالأفكار الغربية. وأسست فيه أيضاً جمعية تركيا الفتاة، التي كانت تجري وراء الشعارات الأوربية، مثل الحرية، والعدالة، والمساواة. وهي التي عملت على مقتل السلطان عبدالعزيز بعد خلعه عام 1293هـ (1876م) .

وقد اتسم السلطان عبدالعزيز بالتدين، والثقافة، والأعمال الخيرية. وكان مهيب المنظر والهندام. وكان له اثنا عشر ولداً، هم: عبدالمجيد، وجلال الدين، ومحمد سليم، ومحمود، ومحمد سيف الدين، ومحمد شوكت، وفاطمة، وأسماء، وأمينة، ويوسف عز الدين، وصالحة، وناظمة .

33. مراد الخامس ابن السلطان عبدالمجيد خان

ولد مراد الخامس ابن السلطان عبدالمجيد في عام 1256هـ (1840م). وتلقّى تعليماً جيداً. وكان شغوفاً بالقراءة. وأتقن اللغة الفرنسية. وكان يأتي بالكتب من فرنسا. ومن ثم كان متأثراً بالثقافة الفرنسية.

نصب سلطاناً على الدولة العثمانية بعد خلع عمه عبدالعزيز في المؤامرة، التي حاكها المستغربون عام 1293هـ (1876م). وكانت الدولة العثمانية في تلك الفترة تمر بمرحلة صعبة؛ فبعد التمكن من إخماد ثورة البلغار، قامت التمردات في البوسنة والهرسك ثم في صربيا. ولما لم تستجب الدولة لمطالبهم فقد نشبت الحرب، وانهزمت القوات الصربية، غير أن روسيا تدخلت في الأمر فأعلنت الهدنة .

ولما سمع بمقتل عمه، وبتلك المؤامرة، توترت أعصابه، وصدرت منه تصرفات تدل على الجنون. ولا سيما عندما طالبه الذين نصبوه على الحكم بانتهاج سياسة معينة. وإزاء كل تلك التصرفات استفتى شيخ الإسلام، فأصدر الفتوى بخلعه بعد ثلاثة أشهر من جلوسه على العرش. فنقل السلطان مراد إلى قصر جراغان. وبقي فيه إلى أن توفي عام 1323هـ (1904م). وكان له ثمانية من الأولاد، هم: محمد، وصلاح الدين، وسيف الدين، وسليمان، وعالية، وفاطمة، وخديجة، وفهيمة .

34. عبدالحميد الثاني ابن السلطان عبدالمجيد

ولد عبد الحميد الثاني ابن السلطان عبدالمجيد عام 1258هـ (1842م). درس على يد أشهر الأساتذة الموجودين في إستانبول مختلف الدراسات الدينية واللغوية والأدبية. وتعلم اللغة الفارسية والعربية والفرنسية. كما درس اللغة الإيطالية. وكان مثقفاً للغاية .

آل إليه الحكم العثماني بعد خلع أخيه مراد في ظروف حرجة للدولة العثمانية. وكانت الأوضاع الداخلية والخارجية للدولة تطلب رجلاً قوياً، ذا حنكة سياسية، ومقدرة فائقة في حل مشاكلها. فمن جهة كان أنصار التغريب يطالبون بالدستور، جرياً وراء الشعارات الغربية. ومن جهة كانت الثورات في البلقان تفتك بجسم الدولة. ومن جهة ثالثة كانت التهديدات الروسية تصم الآذان. وإزاء كل ذلك، أعلن السلطان حركة الدستور المعروفة في التاريخ العثماني بالمشروطية الأولى، وافتتاح مجلس المبعوثان عام 1294هـ (1877م)، والتي تقيد من سلطات السلطان، وتمنح المزيد من الحريات للرعية. وفي تلك الأثناء وقعت الحرب مع روسيا، وهي الحرب الوحيدة التي وقعت في عهد السلطان عبدالحميد الثاني، الذي استمر حكمه ثلاثاً وثلاثين سنة. وقد انتهت تلك الحرب لصالح روسيا، بسبب رغبة السلطان في الابتعاد عن الحروب قدر الإمكان، ومحاولة تحويل الصراع الدائر بين الدولة العثمانية والدول الأجنبية إلى صراع فيما بين تلك الدول.

ولما رأى السلطان عبدالحميد أنه لا يستطيع العمل مع وجود مجلس المبعوثان، بسبب ما كان يكتنف ذلك المجلس من أعمال فوضوية، أصدر مرسومه بتعطيل المجلس (1295هـ/ 1878م) إلى أجل غير مسمى .

استولت فرنسا في هذا العهد على تونس (1881م)، وبريطانيا على مصر (1882م)، وبلغاريا على ولاية الروملي الشرقية (1885م)، وقدّمت اليونان مساعدات لجزيرة كريت للانفصال عن الدولة العثمانية (1897م) .

وعلى الرغم من كل تلك الأحداث، والتكالب الأجنبي على أراضي الدولة العثمانية، إلا أن السلطان عبدالحميد الثاني استطاع بحنكته السياسية وشخصيته القوية أن يسير بالدولة إلى شاطئ النجاة، وتفادي الحروب، وأخذ يعمل على تقوية أواصر الأخوة بين الشعوب الإسلامية، القاطنة في الدولة العثمانية أو في الخارج كأقليات. ونجح في سياسته تجاه الجامعة الإسلامية، وفي القيام بأعمال تخدم المسلمين في أنحاء الدولة العثمانية.ومن ثم فقد تعرض السلطان عبدالحميد من لدن المستغربين والدول الغربية نفسها إلى أشنع الافتراءات، ووصف حكمه بالاستبداد، وشخصه بالسلطان الأحمر. هذا على الرغم من استعمال سياسة اللين مع خصومه، وتحويل نفورهم منه إلى محبة، بعد إغرائهم بالمناصب. غير أن حادثة 31 مارس دفعه إلى إعلان المشروطية الثانية عام 1326هـ (1908م)، والتي مكنت حزب الاتحاد والترقي من زمام الأمور، ثم من عزل السلطان عبدالحميد من الحكم عام 1327هـ (1909م). وقد نقل السلطان عبدالحميد إلى سلانيك، وبقي فيها إلى نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1334هـ (1914م) فنقل على إثرها إلى قصر بيلر بكي في إستانبول، وبقي فيه حتى وفاته عام 1918م.

اتسم السلطان عبدالحميد الثاني بقوة الشخصية، والتأثير على مخاطبيه، والتدين والزهد، والأدب الجم. وكان أقوى سلاطين الدولة العثمانية في عهد التقهقر، وأعلاهم سياسة في الداخل والخارج. وقد قام بالعديد من الإصلاحات التعليمية والإدارية.

وكان له خمسة عشر من الأولاد، هم: عبدالرحيم، ومحمد عابد، ونور الدين، ومحمد بدر الدين، ومحمد برهان الدين، ومحمد سليم، وعائشة، خديجة، ونائلة، ونعيمة، وزكية، وعلوية، وشادية، وسامية، ورفيعة .

35. محمد رشاد ابن السلطان عبدالمجيد خان

ولد محمد رشاد المعروف بمحمد الخامس ابن السلطان عبدالمجيد عام 1260هـ (1840م).

تولى حكم الدولة العثمانية عام 1327هـ (1909م) بعد خلع أخيه السلطان عبدالحميد الثاني. وكانت أوضاع الدولة العثمانية في عهده تسير من سيء إلى أسوأ. وخاصة بعد انتشار الحركات القومية في أنحاء الدولة العثمانية، سواء بين الرعية من غير المسلمين، أو بين المواطنين المسلمين. وإضافة إلى نشوب تمردات انفصالية في البلقان، فقد هاجمت إيطاليا طرابلس الغرب، وتخلت الدولة العثمانية عنها وعن بنغازي (1912م)، كما وقعت الحرب بين الدولة العثمانية واليونان وبلغاريا في السنة نفسها، وقد خرجت كافة أملاك الدولة العثمانية في الروملي ما عدا أدرنة من حكم الدولة العثمانية (1913م). كما أصبحت الدولة العثمانية حليفة لألمانيا في الحرب العالمية الأولى، التي خسرت فيها أجزاء واسعة من أراضيبها، ولا سيما البلاد العربية جميعها. وقبل انتهاء الحرب توفي السلطان محمد الخامس (1918م). ودفن في حي أيوب بإستانبول.

كان السلطان محمد الخامس حليماً سليماً مشفقاً مرهفاً. وكان يساعد الفقراء والمحتاجين. وقد اتسم بحسن الخلق والتواضع. وكان له خمسة من الأولاد، هم: محمود، ونجم الدين، ومحمد ضياء الدين، وعمر حلمي، ورفيعة .

36. محمد وحيد الدين ابن السلطان ابن السلطان عبدالمجيد

ولد السلطان محمد وحيد الدين المعروف بمحمد السادس ابن السلطان عبدالمجيد عام 1277هـ (1861م).

انتقلت إليه سدة الحكم عام 1918م، عقب وفاة أخيه السلطان محمد الخامس. وكان عهده أسوأ العهود في التاريخ العثماني، لا لكونه سيئاً، وإنما آلت إليه الأمور على ذلك النحو. حيث خرجت الدولة العثمانية من الحرب العالمية الأولى منهكة القوى. وتعرضت عاصمة الدولة لخطر هجوم الإنجليز. كما وقعت في هذا العهد بعض المعارك مع اليونانيين. وعقدت عدة معاهدات للصلح بين الدولة العثمانية وبعض الدول الغربية، مثل معاهدة سيفر، التي وقعت بين الدولة العثمانية وفرنسا عام 1339هـ (1920م). ووقع، في هذه الأثناء، صراع شديد بين الحكومة الوطنية بزعامة كمال آتاتورك وبين حكومة إستانبول، انتهى ذلك الصراع بموافقة حكومة أنقرة على مطالب الإنجليز في الاعتراف بها، وعلى رأسها إلغاء الخلافة الإسلامية، وطرد الخليفة محمد السادس خارج حدود تركيا . استقبلته بارجة إنجليزية متوجهة إلى مالطا (1922م). ثم توجه إلى مكة المكرمة بدعوة من الملك حسين بغية استعادة حقوق الخليفة المغصوبة. ولما علم أنه لا يستطيع عمل شيء، رجع إلى سان ريمو الإيطالية، وبقي فيها إلى وفاته عام 1926م . ثم نقلت رفاته إلى الشام بموجب وصيته. وكان عمره آنذاك خمسة وستين عاماً. وكان له ستة من الأولاد، هم: أرطغرل، ومحمد، وفاطمة علوية، ومنيرة، ورقية، وصاحبة .

نصبت حكومة أنقرة، بعد طرد السلطان محمد السادس، عبدالمجيد ابن عبدالعزيز أفندي خليفة للمسلمين، مجرداً من منصب السلطة (السلطان). غير أنه بالنظر لإلغاء الخلافة الإسلامية، بيد مصطفى كمال آتاتورك، عام 1343هـ (1924م)، فقد اضطر إلى مغادرة تركيا.

وهكذا فإن سلسلة سلاطين آل عثمان، التي بدأت حلقاتها منذ قيام الدولة العثمانية بالأمير عثمان بن أرطغرل عام 699هـ (1299م) قد انقطعت بذلك القرار، وقامت حكومة الجمهورية التركية على أنقاض الدولة العثمانية، بزعامة رئيسها الجديد مصطفى كمال آتاتورك.

ــــــــــــــــــ