بسم الله الرحمن الرحيم الله أكبر بسم الله الرحمن الرحيم


تاريخ المسلمين بعد رسالةخاتم النبيين

صَلّى ألله عَلَيْه و سَلَّم

الصفحة الرئيسية الراشدون, الأمويون,العباسيون, المماليك,العثمانيون, الأندلس ,المغرب , مالي , الهند , القفجاق , فلسطين ,العراق




القفجاق

لا فرق بين الخنزير الأبيض والخنزير الأسود ,,,مملكة توران خوارزم والقبشاق ,,,وفاة بركة خان,,,المسلمون في الاتحاد السوفياتي (سابقاً) واتحاد الجمهوريات المستقلة ,,,التتار من مجد المغول.. إلى قهر الروس ,,, المسلمون في أوربا الجنوبية الشرقية ,,,تاريخ روسيا السياسية ومعاناة المسلمين في ظل توسعها قديما وحديثا
الهجرة الشركسية

دكتور محمد عباس

لكم كان جارحا ومؤلما أن يتناول حتي أنيس منصور - رغم كل مصائبه - الشيشان بسخرية. ولقد اتسع الجرح في الأسبوع الماضي و أنا أقرأ في العدد الأخير من صحيفة حزبية قومية هجوما ضاريا علي أبطال الشيشان - الإرهابيين في نظرها- والذين لم يتوقفوا عن شن الحرب على روسيا منذ عشرة أعوام.. عشرة أعوام !! .. عشرة أعوام.. ألا يقرأ هؤلاء الناس التاريخ قط..إلا أن الصدمة الكاملة كانت مع مقال الأستاذ فهمي هويدي في أهرام الثلاثاء الماضي..الأمر الذي دفعني للرجوع لتاريخ الشيشان..لكي يدرك الغافل ويعلم الجاهل أن ضياع الشيشان كان خطوة في الطريق إلي ضياع فلسطين، و أن عدم الربط بينهما هو الطريق إلى ضياعنا جميعا..

ليس على الشيشان وحدها أبكى..

..الدكتور محمد عباس:

... أرسل لسيادتك صورة من مقال : مواقف لأنيس منصور المنشور فى الأهرام وأنا أكاد أنفجر من الغيظ، ولا أعرف ماذا أفعل بالنسبة لهؤلاء الناس والكتاب. عندما تقرأها ستكتشف أن السم فى كل كلمة منها. إننى أبكى كل يوم قبل أن أنام بسبب ما يحدث للمسلمين فى العالم وعلى رأسهم اخوتنا الشيشانيون، ولست أتخيل كيف طاوع هذا الرجل قلبه فكتب بهذه الطريقة المستهترة المسمومة عن أشد آلامنا. إننى حزين جدا بسبب ما يحدث، وحزين أكثر بسبب موقف حكوماتنا، وحزين أكثر وأكثر بسبب ما يكتبه أمثال مثل هذا الرجل، وحزين أكثر و أكثر وأكثر .. لأن المسئولين لم يجدوا إلا هذا الرجل و أمثاله كى يكتبوا لنا. مواقف العالم كله يتفرج على الوحشية الروسية فى بلاد الشيشان وقد ابتلع كل واحد لسانه، واتجه إلى ما يحدث على حدود لبنان وإسرائيل وأهل الشيشان وقعوا فى غلطة غير مغتفرة ... فقد راحوا ينسفون ويقتلون المدنيين فى روسيا. فانضموا بذلك إلى بقيه الإرهابيين وتولت روسيا تأديبهم، كما سكت العالم عن المذابح الروسية لسبب آخر وهو أن أهل الشيشان قد أعلنوا انفصالهم عن روسيا، وأنهم دولة مستقلة ذات سيادة. والعالم كله من أوله لأخره ضد انفصال جزء من الدولة عن جسمها.. (..) وأذكر أننى ذهبت إلى الرئيس الفلبينى ماركوس استوضح ما تفعله الفلبين بالمسلمين فى جزيرة مندناو. ودافع عن سياسته . وأدهشه جدا موقف العرب المسلمين وتساءل : مل تقبلون فى بلادكم أن ينفصل جزء منها ، وذهبت إلى مندناو، ورأيت المسلمين البعيدين عشرات الألوف من الكيلو مترات ومئات السنين عن مهبط الإسلام، إنهم أناس على فطرتهم . وفهمهم للإسلام ساذج، فقد رأيت فى أحد المساجد دولابا مكتوبا عليه (كتب مقدسة).. ولم أجد سببا يجعلنى اشرح لهم أن الكتاب المقدس واحد فقط عندما وجدت فى الدولاب: (ألف ليلة) وكتاب (كليلة ودمنة) وكتاب (أدب الدنيا والدين)وهززت رأسى.. وبالمنسبة لشعب الشيشان، لا أطلب رد القضاء عنهم، ولكن اطلب اللطف فى ذبحهم ..

أنيس منصور أحمد التلوانى- كندا

***

لا فرق بين الخنزير الأبيض والخنزير الأسود

يا أخى فى الله:

يبدو أننا نحتاج فيما نحتاج إلى رعيل نتعقب به كتّاب السلطة كذلك الرعيل الصالح الذى أخذ فى قرون الإسلام الأولى يتعقب أصحاب الأحاديث الموضوعة الذين كذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأننا نحتاج إلى صياغة عصرية تقلد كتب الجرح والتعديل كى تكشف لنا من يزيفون وعينا .. فتصف كاتبا بأنه فاسق لا تقبل مقالته، والآخر بأنه كذاب لا تقبل روايته، والثالث بأنه سكير لا تقبل شهادته، والرابع بأنه لص لا ترجى أمانته، والخامس بأنه خائن لا يؤتمن حكمه، والسادس بأنه شاذ، والسابع أنه مجرم والثامن بأنه ضعيف العقل والتاسع أنه شيطان والعاشر بأنه يجمع بين هذه الموبقات جميعا، وهكذا دواليك.. لقد توقفت عن قراءة أنيس منصور منذ أدركت دوره فى تزييف الوعى ( وهو دور أخشى أن أقرر أنه رسمى) .. والرجل يتمتع برشاقة عبارة وصفها هو نفسه بقوله: " عباراتى مثل فساتين ضيقة وشفافة تغطى المعانى وتفضحها أيضا ، وبين الستر والفضيحة يتأرجح قبيح الكلام!!" .. ولقد كان فى البداية حريصا على ألا تنكشف نواياه.. فكان السم يتسلل بين سطوره فى خفاء لا يدركه إلا حصيف.. وقد اعتمد ككل أقرانه -ليس اعتماد الصدفة بل اعتماد التدريب- على سحر الكلمة المطبوعة على الناس.. ولقد دأبت فى فترة على تحقيق ما يكتب بالرجوع إلى المصادر التى ينقل منها.. وأشهد أننى وجدت الرجل يكذب.. يكذب حينما يكون للكذب داع -كما فى السياسة-.. لكنه يكذب أيضا حينما لا يكون للكذب أى داع -كما فى القضايا العلمية - .. لكنه كان كذبا خفيا لا يدركه إلا مدقق.. وازداد ضعفنا وازدادت قوة أعدائنا فتحول الرجل أكثر وقل حرصه على إخفاء أكاذيبه.. بل لقد بلغت به الجرأة – فى فترة قيام الغرب وإسرائيل بتحطيم بقايا الدولة القومية- أن ادعى أن سيناء تشكل سدس مساحة مصر وأن هزيمة 67 أضاعتها.. كان أحمد بهاء الدين يكتب العمود المقابل فى نفس الصفحة.. وصحح له المعلومة الخاطئة منوها أنه ليس ثمة فرق فى أن تشكل سدس مساحة الوطن أو مجرد ذرة رمل واحدة فيه.. فالوضع بالنسبة لها ولنا لا يختلف.. لكن الحقيقة أنها 6% من مساحة مصر وليس سدس مساحتها.. وكنت ما أزال على قدر من حسن النية وعدم فهم أمثال أنيس منصور.. وظننت أن الرجل سيذوب خجلا لجهله أو لانكشاف ضلوعه فى تزييف وعى الأمة.. بل ظننت أن الأهرام احتراما لنفسه واحتراما لقرائه – إن كان الأهرام معنا – سيقصيه.. فإن كان الأهرام علينا -لا لنا- فإنه سيقصيه أيضا لأنه- بمنطق المخابرات والجواسيس - كاتب قد احترق .. ورحت أتابع عموده فى شغف لأعرف كيف يغطى موقفه وكيف يعتذر.. إلا أنه بعد أيام كتب فى الموضوع مرة أخرى.. كتب عن سيناء التى تشكل مساحتها سدس مساحة مصر..!! وتوقفت عن قراءته.. حتى جاءتنى رسالتك يا أخى.. فذهلت من حديثه عن الانفصاليين الشيشانيين.. وكأنه لا يعرف أنها دولة مستعمرة تجاهد من أجل الاستقلال.. ويسرد الوقائع على الموقف العالمى ضد الانفصال لكنه يتجاهل ما يفعله هذا الموقف العالمى لتفتيت العالم الإسلامى.. وتجاهل الشيطان فى قلمه محاولات تقسيم العراق والسودان وإندونيسيا وحتى مصر.. بعد تقسيم دولة الخلافة الإسلامية إلى نيف وثلاثين دولة.. وتبقى بقية باقية من حصافة وذكاء -لا أقول حياء- تردع الرجل عن السخرية من الشيشانيين الذين ينظر لهم العالم الإسلامى كله بانبهار وألم لا يوصف.. الشيطان فى قلمه يريد أن يسخر من إسلامهم.. لذلك فهو يحول هذه السخرية إلى أشقاء مسلمين فى الفليبين التى كانت دولة إسلامية وامتدادا طبيعيا لإندونيسيا .. وقد دخلها الإسلام فى القرن الثالث الهجرى (قبل أن توجد على ظهر الأرض بلد اسمها روسيا يا أنيس منصور) وكانت عاصمتها أمان الله حتى غزاها الصليبيون عام 1516 ميلادية فدافعت عن نفسها حتى لقد قتلت الاستعمارى القبيح ماجلان نفسه .. لكن أرتال الصليبيين جاءت خلفه فاستولت على البلاد ..واستمرت المقاومة الضارية للمسلمين الذين سماهم الصليبيون ( الموروس) وهو نفس الاسم الذى كان يطلق على المسلمين فى أسبانيا( مازالت وسائل إعلامنا تستعمل نفس الاسم فى مزيج من الجهل والغباء وربما الحياء.. كى لا يدرك الناس أن الموروس هم إخوانهم فى الدين).. استمرت المقاومة أربعة قرون حتى حل الأمريكيون محل الأسبان وواصلوا فعلهم .. وحرفوا اسم العاصمة من أمان الله إلى مانيلا وفعلوا بأهل الفليبين المسلمين ما يفعله الروس الآن فى الشيشان.. أبادوا معظم أهلها وأرغموا الباقين بالحديد والنار على التنصر.. وحاصروا الباقين وعزلوهم عن العالم.. ولم يجدوا من العالم الإسلامى من يناصرهم.. ولا حتى من يعلمهم يا أنيس.. ولست أدرى لماذا لم تجب على التساؤل الداعر للرئيس الفليبينى ولست أدرى كيف تعاطفت معه.. لماذا لم تقل له يا كاتب السلطة الرسمى أن الفليبين كلها كانت دولة إسلامية اقتطعت من العالم الإسلامى؟!!.. ولست أدرى لماذا سخريتك بمسلمى الفليبين فى مقال عن الشيشان إلا إذا كان الإسلام نفسه هو المقصود.. نعم.. الإسلام هو المقصود بالسم شديد المفعول الذى تنفثه أقلام الشياطين..(وفى التفسير فإن الشياطين نوعان : إنس وجن).. فما دام المسلمون فى الفليبين على هذا الجهل بالإسلام فذلك يعنى أن اخوتهم فى الشيشان كذلك.. وأنهم والأمر ذاك ليسوا مسلمين حقا.. ولا يستحقون تعاطفكم يا أمة الإسلام والمسلمين.. وهذا بالضبط ما يهدف إليه كاتب الأهرام الكبير.. وهذا الدور بالذات هو ما جعلهم يصنعون منه كاتبا كبيرا.. وهذا بالضبط ما جعله أنيسا للرؤساء والملوك.. يطوع لهم كلماته.. وهى أمضى من النار وأنقع من السم وأفتك من الرصاص..نعم.. عندما تكون الكلمة كلدغة الحية الرقطاء .. تنتهى فى ثانية أو ثانيتين ويستغرق العلاج منها عاما أو أعواما.. هذا إذا نجح العلاج ولم نهلك..

لم يقل لنا أنيس منصور أن القوقاز التى احتلتها روسيا تقارب مساحتها مساحة أوروبا.. و أن دولة منها هى الداغستان -وليست السودان- هى أكبر بلد فى العالم الإسلامى.. ولم يقل لنا أنيس منصور أن الإسلام قد دخل هذه البلاد فى نفس العام الذى دخل فيه إلى مصر( إذ ربما ينبه هذا المصريين إلى أن ما يحدث للشيشان اليوم سيحدث لهم غدا).. ففى عام 18 هجرية (638م) أرسل الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه قائده عياض بن غنم عام والصحابي الجليل حذيفة بن اليمان صاحب سر الرسول صلى الله عليه و سلم حيث انتشر نور الإسلام صلحا فى معظم الأحوال فلم يأت عام 24 (644م) إلا و قد خضع جنوب القوقاز كله للحكم الإسلامي و ذلك خلال ست سنوات فقط من الجهاد.. وهناك استشهد قثم بن العباس ابن عم النبي صلى الله عليه و سلم.. كانت الفتنة الكبرى قد أطلت برأسها وخفت اندفاعة المسلمين فانتهز اليهود الخزر الفرصة وتصدوا للفتح الإسلامى، وفى سنة 652 م نشبت معركة هائلة استشهد فيها أربعة آلاف مسلم.. وفى سنة 730م انتصر اليهود فى معركة إرديبل وتقدموا حتى وصلوا الموصل وديار بكر عازمين على غزو دمشق نفسها والقضاء التام على الخلافة الإسلامية لكنهم أخفقوا فى التقدم نحو عاصمة الخلافة وردوا على أعقابهم بعد هزيمة نكراء.. وفى عهد مروان بن محمد الأموى تمكن المسلمون من هزيمة الخزر هزيمة كبرى.. و أدركوا عجزهم عن مواجهة المسلمين وفشلت خطتهم التى كانوا يخططون لها وهى هزيمة العالم الإسلامى ثم اكتساح أوروبا بكاملها لتهويدها. و لقد لجأ الأمويون والعباسيون لتعزيز الفتح فى بلاد القوقاز -والشيشان منها- إلى توطين العناصر العربية في تلك المناطق ليعلموا الناس الإسلام. وكانت البداية توطين 24000 من أهل الشام في المنطقة تبعتها عشرات أخرى من الآلاف.. و ذلك تفسير ما يقولونه اليوم هناك عن أصولهم العربية. عند الفتح الإسلامى لم تنشب أى معارك مع الروس فروسيا نفسها لم تكن موجودة حتى ذلك الوقت كما يقول الأستاذ محمد يوسف عدس فى دراسة قيمة منشورة بمجلة الهلال عددها الأخير.. كان الموجود مجرد إمارة حقيرة لا تتجاوز مساحتها 250 كيلومترا مربعا وكان اسمها موسكوفيا .. وخلال الخمسة قرون التالية حين تشكلت ما تعرف اليوم بروسيا من قبائل النورمان وهم مجموعة من الغزاة البرابرة الوثنيين امتهنوا القرصنة وقطع الطرق .. لم تزد مساحتها عن مساحة مصر اليوم..

وفى بداية القرن العاشر الميلادى كانت ثلاث قوى تتصارع لكسب الروس: الإمبراطورية البيزنطية التى كانت تبذل جهودها لنشر المسيحية بين الروس على المذهب الإرثوزكسى، ودولة الخزر اليهودية تحاول نشر اليهودية بينهم، ومن جهة ثالثة كان المسلمون قد نجحوا فى نشر الإسلام فى معظم القوقاز، كان الطريق ممهدا أمامهم لولا وَهَنِ الثقة وجَلَدِ الفاجر، ففى ذلك الوقت أرسل أحد حكام المنطقة وهو ألمش بن يلطوار طلبا إلى الخليفة العباسى المقتدر بالله (908-932م) لكى يرسل إليه بعثة تنشر الإسلام وتفقهه بالدين وتبنى مسجدا يقيم عليه الدعوة للخليفة فى جميع مملكته و أن يدعمه بجيوش تحميه من اليهود الخزر. وقد استجاب المقتدر و أرسل له العالم و المؤرخ المسلم " ابن فضلان" الذى رحل من بغداد يوم الخميس 11 صفر 309 هـ الموافق 21 حزيران 921 م، وقد نجح فى مهمته مبدئيا، إلا أن المسلمين لم يأخذوا المسألة على محمل الجد، ولم يرسلوا الدعاة ولا الجيوش ، وقد ترك لنا ابن فضلان وصفا دقيقا للأمة الروسية الهمجية، و لم يكن عددهم حينئذ يتجاوز المائة ألف فقال: "و هم أشر خلق الله على الأرض…شقر الأبدان صفر الشعور طوال القامات ضخام الأجسام مستهترون بالخمر ، يشربونها ليلاُ و نهاراُ و ربما مات الواحد منهم و القدح في يده… إذا نزلوا بساحة قوم لم ينصرفوا عنهم دون أن يهلكوهم أو يستبيحوا نسائهم و أطفالهم و يسترقونهم .. وهم أقذر خلق الله لا يستنجون من غائط و لا يغتسلون من جنابة كأنهم حمير ضآلة .".. (ترى هل يختلف الوضع الآن؟!).. و إزاء درع منيع كان المسلمون أقوى حلقاته انهارت دولة الخزر وفر بقايا اليهود إلى أوروبا .. ومن بطش أوروبا لجأ عدد كبير منهم إلى سماحة الإسلام فى الأندلس.. وبعد سقوط الأندلس فروا مرة أخرى إلى سماحة الإسلام فى الدول الإسلامية خاصة تركيا حيث شكلوا يهود الدونمة التى تنتمى إليهم حركة الاتحاد والترقى وكمال أتاتورك الذين قضوا على الخلافة الإسلامية.. ثم التف بقايا كل هؤلاء .. التفوا وعادوا إلينا فى إسرائيل!!.. لنفس الهدف: القضاء على الإسلام والمسلمين..

و بدخول القرن الخامس الهجري سيطر السلاجقة الأتراك على معظم القوقاز و ازدادت نسبة المسلمين في عهدهم زيادةً عظيمةً إلا أن المنطقة أصيبت بنكسة بسبب الهجمة المغولية. ثم حدثت آية من آيات الله و هي تحول تلك القبائل الهمجية الشرسة إلى الإسلام و حسن إسلامهم فيما بعد و صاروا حماة للإسلام في القوقاز وعلى ضفاف الفولجا والذى أصبح نهرا إسلاميا . خضعت إمارة موسكوفيا للحكم الإسلامى حتى بدأت الصراعات بين المسلمين فبدأت هذه الإمارة الصغيرة الحقيرة فى الاستيلاء على الأراضى المجاورة.. وسامح الله المقتدر بالله فقد ترتب على إهماله فى نشر الإسلام نجاح الضغوط والإغراءات البيزنطية و تحول الروس إلى المسيحية عندما تنصر أميرهم فلاديمير عام 989 ميلادية وكان هذا انتصارا كبيرا لبيزنطة على المسلمين. وكانت الشيشان يا أنيس حرة مستقلة..

بعد ذلك وحتى القرن الحادى عشر كانت روسيا الأوروبية مقسمة إلى أربع وستين إمارة. وظلت موسكو قرية مغمورة حتى القرن الثالث عشر.

فى القرن الثالث عشر الميلادى كان دوق روسيا الأعظم يقسم يمين الولاء للمسلمين ويعلن خضوعه وجميع الأمراء الروس لهم .. نعم .. كانوا يدفعون الجزية ويدعون لهم فى الكنائس. كان إيفان الأول موظفا عينه الحكام المسلمون لتحصيل الجزية من الروس.. فكان يسرق لنفسه أضعاف الجزية وبدأ فى تكوين جيش قوى.. وحتى عام 1480 كانت روسيا تدفع الجزية للمسلمين القوقازيون.. والشيشان يا أنيس!!. وحتى ذلك الوقت لم تكن مساحة روسيا تتجاوز مساحة مصر لكنها أخذت بعد ذلك تتوسع توسعا همجياً فوق جماجم المسلمين حتى بلغت اليوم خمسة عشر ضعفاً من حجمها الأول فوصلت إلى البحر الأسود في عهد بطرس (1722م) و لم يكن لها موضع قدمٍ فيه من قبل. كان الهجوم الكاسح على الإسلام والمسلمين قد غير اتجاهه من الهجوم على القلب ( فى الحروب الصليبية) إلى الهجوم على الأطراف.. وكان البابا يبارك.. والتدين المحرف المنقوص يتلاقى مع هوى نفوس الملوك اللصوص .. وكان أمثالك يا أنيس قد زيفوا وعى الأمة أيامها.. وأوهموها أن الحروب الصليبية قد انتهت وانقضى الخطر.. بينما هذه الحروب لم تتوقف.. ولا ليوم واحد حتى اليوم.. بدأ الهجوم تلك المرة من الغرب بعد سقوط الأندلس( 1492 م) وفى الشمال والشرق بدأ هجوم كاسح آخر من الروس ( أذكر القارئ وأسأله أن يتساءل معى: ماذا كان سيحدث لنا جميعا لولا وجود الدولة العثمانية التى تصدت للهجومين قدر ما استطاعت ).. وكانت القوقاز كلها -والشيشان منها- حتى ذلك الوقت يا أنيس حرة مستقلة..

فى منتصف القرن السادس عشر الميلادى بدأ إيفان الرابع المسمى "بالرهيب" ( حفيد إيفان الأول أجير المسلمين) هجومه .. ولقد سمي بالرهيب لكثرة الفظائع التي ارتكبها. تولى الحكم و هو في الثالثة من عمره بعد وفاة أبيه. و في الثالثة عشر قرر التخلص من الوصي عليه و لكي يبث الرعب في نفوس النبلاء الروس قام بإلقاء الرجل الذي رباه للكلاب لكي تنهشه وهو حي! و قد بلغت قسوة إيفان هذا و إجرامه أن ذبح ابنه بيده.(لم يتحدث المستنيرون ورائدهم أنيس عن ذلك.. يتحدثون فقط عن المسلمين الإرهابيين وعن الحكام العثمانيين )!!.. قام هذا المجرم بعد أن تغلب على بعض إمارات المسلمين ودخل عاصمتهم قازان بقتل كل سكان تلك المدينة…فى مجزرة هائلة عام 959هـ (1552م).

بعد سقوط قازان المروع تحول نهر الفولجا من نهرٍ إسلاميٍ إلى نهرٍ يسيطر عليه مجرمو الروس بعد أن أراقوا دماء المسلمين على ضفتيه. أيضاُ بسقوط أستراخان أصبح للروس موطأُ قدمٍ على الشاطئ الشمالي الشرقي لبحر قزوين (أو بحر الخزر) ذلك البحر الذي كان بحيرة إسلامية على مدى أكثر من أربعة قرون.. كان من العوامل المساعدة على انتصارات الروس ذاك التنازع الذى نشب بين الدول الإسلامية الكبرى قبيل القرن الخامس عشر.. المماليك فى مصر والصفويون فى إيران والعثمانيون.. ( نفس ما يحدث الآن) .. وفي عام 986هـ (1578م) كان العثمانيون ( السنة) والصفويون (الشيعة) يقتسمون النفوذ على الجمهوريات الإسلامية فى قازان ، و بعد وفاة شاه عباس 1628م استنجد مسلمو قازان بالسلطان العثماني يؤكدون له أنهم من رعاياه و يطلبون مساعدته لمواجهة الخطر الروسي الذي عظم في ذلك الوقت. لكن العثمانيين كانوا مشغولين بجهادهم في وسط وجنوب أوروبا في هذا الوقت مما أعطى الروس اليد الطولى فى البلاد الإسلامية فى القوقاز.. عام 1556 قام الروس بإغراء حاكم مسلم هو الأمير تيمروك بالتحول إلى المسيحية مقابل مساعدة الروس له ضد منافسيه، وبالفعل تحول تيمروك إلى المسيحية وزوج إحدى بناته للقيصر الروسى إيفان الرهيب.. ولقى الحاكم المرتد جزاءه عام 1558 فقد استعاد المسلمون الإمارة ودمروا المرتدين.. وفى عام 1594 أرسل الروس حملة عسكرية أخرى للاستيلاء على مزيد من الأراضى الإسلامية فتصدى لها المسلمون(العثمانيون والتتار والداغستانيون) وهزم الروس بعد معركة شرسة لكنهم عادوا مرة أخرى عام 1604 حيث قام القيصر بوريس جودونوف بهجوم كبير على داغستان فى محاولة لاحتلالها ولكن حملته انتهت بكارثة كبرى فقد دمر المسلمون جيشه وحطموا القلاع الروسية على أنهار سولاك وسونجا وتريك. وحتى ذلك الوقت - يا أنيس – كانت معظم القوقاز – ومن بينها الشيشان – حرة مستقلة.. وصب الروس غضبهم على المسلمين الذين فى قبضتهم ..

و استغرقت سياسة البطش و التنصير الإجباري و هدم المساجد و حرق المدارس الإسلامية قرنين من الزمان لقمع المسلمين على ضفاف الفولجا وفى سيبريا التى سقطت عام 988 (1580م) بعد أن كانت تحكم بالإسلام.. سقطت سيبيريا بعد معارك استمرت 56 عاما.. و في عام 1722م بدأت حملة روسية استعمارية جديدة بقيادة بطرس (المسمى بالكبير). و استطاع بطرس انتزاع داغستان من جسد الأمة الإسلامية على حين غفلةٍ من المسلمين. ثم استولى للمرة الأولى فى التاريخ (يا أنيس منصور) على شمال الشيشان و شرقها . و من الفظائع التي تروى بعد سقوط تلك البلدان أن الروس جعلوا بعض أسرى المسلمين فريسة يتبارون لاصطيادها عن طريق كلاب الصيد تماماً كما كان يفعل الإنجليز بالثعالب البرية. و توالت المصائب بتولي كاثرين عرش روسيا و تلك المرأة كان حلمها وهدفها المعلن هو السيطرة على بلدان المسلمين و تحويلها إلى بلدان أرثوذكسية . ففرضت النصرانية على المسلمين القاطنين فيما يسميه الروس و أوليائهم بالجزء الأوروبي من روسيا (يعنون بذلك تتاريا و باشكريا و الشوفاش و كومي و غيرها من بلدان المسلمين التي لا تمت لروسيا بصلة دينيةٍ كانت أو عرقية أو لغوية أو تاريخية أو حضارية (إن كان للروس حضارة تذكر عدا الهمجية و الوحشية و سفك الدماء). وعندما اصطدمت بتمسك المسلمين بدينهم سراً أصدرت مرسومها الشهير بأنه على المسلمين الذين عمدتهم الكنيسة قهراُ (و كان هؤلاء المستضعفين يمارسون شعائر دينهم سراً كما كان الأمر في الأندلس فيما بعد 1492م وهو تاريخ سقوط غرناطة) التوقيع على إقرار كتابي "يتعهدون فيه بترك خطاياهم الوثنية (أي العقيدة الإسلامية) و تجنب كل اتصال بالكفار (أي المسلمين) والتمسك بتعاليم النصرانية و الثبات عليها". وبالطبع كان هذا المرسوم أيضاً حبراُ على ورق إذ بعد ما يقرب من قرنين على إصداره و تحديداً في عام 1905م عندما أتيحت بعض الحريات الدينية في روسيا ظهر هؤلاء المقهورين كمسلمين حافظوا على إسلامهم سراً طوال تلك القرون. لم يكتمل سقوط القوقاز والشيشان بين أيدى البرابرة الهمج إلا فى عام 1785..

ولتتذكروا يا قراء .. أن ذلك هو الوقت الذى كانت روسيا تساعد فيه على بيك الكبير على الانفصال عن الدولة العثمانية.. على بيك الكبير ذلك يا قراء تدرسه وزارة تعليمنا – لا تعليم الروس ولا الأمريكان ولا إسرائيل ولا صربيا – لأبنائنا كبطل للتحرر والاستنارة..

ولتتذكروا يا قراء.. أن الحملة الفرنسية قد بدأت بعد ذلك بأعوام قليلة.. فى حرب طويلة مستمرة.. وضع أسسهها وبدأها الباباوات.. ثم يسخر كلاب جهنم منا الآن حين نتحدث عن المؤامرة.. حين استيقظ المسلمون القوقاز والشيشان على تلك المصائب هرعوا إلى حكامهم وأمرائهم يلتمسون منهم العون.. يلتمسون منهم السماح لهم بالاستشهاد.. لا يطلبون منهم إلا تدعيم وتنظيم هذا الاستشهاد.. لكن الحكام والأمراء خانوا بل وتحالف بعضهم مع الروس لقمع المسلمين (ما أشبه الليلة بالبارحة!). أما العلماء و القادة فحملوا راية الجهاد ضد الروس. . و كان أولهم الشيخ منصور الشيشانى الذى استطاع توحيد عشائر المسلمين تحت راية الإسلام بدعمٍ من الخلافة العثمانية رغم بداية أفول نجمها و استطاع كذلك أن يذل ناصية الروس على أرض القوقاز الإسلامية. . و ذلك بعد أن تمكن من إلحاق هزائم متتالية و مذلة بالروس خلال ما يقرب من تسع سنوات (1783-1791م). فأمرت إمبراطورة الروس كاثرين أصغر عشاقها الكونت بافل بوتيومكين بأن يأتي لها برأس الشيخ. و أرسل الأخير الكولونيل بيري ليفعل ذلك. و تمكن الشيخ منصور من إنزال هزيمة منكرة ببيري و قواته عند نهر سونجا عام 1785م و قتل بيري نفسه.. و جن جنون كاثرين واعتبرت تلك الهزيمة أسوأ كارثة تعرضت لها القوات الروسية في عهدها الذي توسعت روسيا خلاله حتى أحكمت السيطرة على شمال شرق البحر الأسود. و بعد ست سنوات من هزيمتهم على ضفاف نهر سونجا استطاع الروس أن يأسروا الشيخ منصور أثناء معركة ضارية تسمى تتار-تومب عام 1791م .. فخلفه فى الجهاد الإمام مولا الداغستانى.. ثم الإمام شامل.. الذى قاد المقاومة فى عام 1824، وكان شخصية أسطورية شامخة جمعت فى جوانبها شجاعة الفارس وورع المؤمن وأخلاق الزاهد وتضحية الشهيد، وقد حقق انتصارات هائلة حتى تمكن الروس من أسره بعد خمسة ثلاثين عاما من الجهاد: (1824-1859) بعد أن حشدت القيادة القيصرية له ثلث الجيش الروسى( 200000 رجل) ، لكن الجهاد لم يخمد كليا بل أعلن فى 1918 قيام الجمهورية الجبلية المستقلة.. لم يخمد الجهاد -يا أنيس- رغم قيام الروس بإغلاق جميع المساجد والمدارس وجعل مناسك الإسلام جرائم يعاقب عليها القانون.. وكان من أسلحة الروس مع المسلمين نفس السلاح الذى استعمله الصليبيون مع الفليبينيين.. ونفس السلاح الذى ما يزالون يستعملونه حتى اليوم..معنا جميعا أيها الساخرون من فكرة المؤامرة.. هذا السلاح يا نساء المسلمين ويا شيخ الأزهر هو إصدار قوانين للأحوال الشخصية تخالف الدين الإسلامى الذى يزعم المجرمون أنه يضطهد النساء.. فى عام 1556 ارتد تيمروك عن الإسلام فقتل شر قتلة.. الآن يكافأ المرتدون بأعلى المناصب.. ويقودون .. يا أنيس..

لم يخمد الجهاد .. و بعد الحرب العالمية الثانية قتل السفاح المجرم ستالين نصف مليون شيشانى ( 60% من الشعب الشيشانى ذلك الوقت ) بعد أن أرغمهم بالآلة العسكرية الروسية على الهجرة من بلادهم إلى سيبيريا .. لكن أبناء الشهداء عادوا ليواصلوا الجهاد..

نعم.. فمنذ بداية الاحتلال الروسى وحتى اليوم لم تنته المقاومة. كانت تخبو أحيانا تحت وطأة الآلة العسكرية الجبارة المدعومة من الغرب الصليبى كله .. وكانت تخبو إزاء خيانات حكام يدعون أنهم مسلمون لكنهم يخونون الله والرسول.. ويخونون أهل الشيشان.. ويستعملون مثلك يا أنيس.. كى ينشر بين الناس بالكذب.. أن مشكلة الشيشان والقوقاز مشكلة روسية داخلية.. وأن الشيشانيون إرهابيون انفصاليون.. كانت المقاومة تخبو أحيانا وتستعل أحيانا .. لكنها لم تخمد أبدا.. وكان العالم الإسلامى.. الأمة التى يريدها الله أمة واحدة.. تتحول إلى فتافيت أمة.. فتافيت أمة وليست فتافيت امرأة يا نساء المسلمين.. ويا شيخ الأزهر.. وكانت الأمة كمريض أصابه البرص.. تتساقط أطرافه دون أن يحس.. فى معركة استيلاء الروس على البلاد الإسلامية وبدون حصر للحروب المحلية مع الإمارات المسلمة المستقلة شنت روسيا 120 حربا ضد العثمانيين الأتراك استغرقت 150 عاما و 60 حربا ضد الصفويين استغرقت 94 عاما .. كانت حرب إبادة.. بلغ تعداد إحدى القبائل فى تعداد أجرى عام 1889 ثلاثة ملايين (يقارب الرقم تعداد مصر فى ذلك الوقت ) .. الباقى منهم الآن 850000!!.. فى مائة عام.. ترى كم سيبقى من المصريين بعد مائة عام.. فى منطقة القبرطاى كان تعداد المسلمين 400000 لم يبق منهم الآن إلا عشرين ألفا .. بقاياك يا فتافيت الأمة.. بقايا كبقايا الهنود الحمر..

ومع ذلك فقد كانت هذه المناطق أحسن حالا من سواها .. فثمة قبائل كاملة ومدن هائلة لم ينج منها أحد ولم يبق منها أحد...

انظروا على شاشات التلفاز إلى جروزنى.. وإلى مدن الشيشان الأخرى.. هذا ما يحدث فى القرن الحادى والعشرين.. انظروا .. وتخيلوا الذى كان يحدث من قرن وقرنين وثلاثة.. انظروا.. وانظرى يا فتافيت الأمة.. حتى عام 1928 كانت اللغة الشيشانية – يا أنيس - تكتب بالحروف العربية وما زالت تحتوى على قدر هائل من الكلمات العربية.. يا أنيس منصور الذى يعتب على الشيشان ( الإرهابيين ) محاولتهم للانفصال عن الدولة الروسية.. ولم يكن إسلامهم سطحيا يا أنيس( ومن بلايا الدهر أن يحكم مثلك على سطحية الإسلام أو عمقه ) بل لقد كان مسلمو القوقاز – والفليبين أيضا – من أشد الشعوب الإسلامية تمسكا بالدين وكانوا للمناسبة من المعترضين على إنهاء الخلافة الإسلامية فاضطهدهم كمال أتاتورك ونكل بمن لجئوا منهم تحت وطأة الحديد والنار الروسية إلى تركيا .. وكمال أتاتورك هذا.. هو معبود أنيس منصور!!.. كانت الفرقة التى يكرسها ويدعو لها أمثالك يا أنيس منصور هى السبب فيما حدث للإسلام والمسلمين..

يقول المؤرخ جون بادلى فى كتابه: "الغزو الروسى للقوقاز" : لو اتحدت إيران وتركيا لتم هزيمة الروس هزيمة ساحقة.. ( ترى ماذا يحدث الآن لو اتحدت إيران وتركيا وانضمت إليهما مصر؟!).. وكان العالم كله – وما زال – شديد الإعجاب بالمجاهدين القوزاق والشيشان .. حتى المنصفين من الروس أنفسهم راجع يا أنيس بوشكين وتولستوى ( راجعهما آمنا مطمئنا .. فليسا مسلميْن!) .. راجع أيضا الشاعر الروسى ليرمنتوف ومارلينشكى ومن المعاصرين فاليرى تشكوف .. راجع أى مرجع لا يرجع إلى يهود الخزر أو يهود إسرائيل قبل الوصول إليك.. كان كارل ماركس يقول: " يا شعوب العالم ليكن قتال القوقازيين من أجل حرياتهم درسا لكم"..

إن نبل القوزاق – والشيشان جزء منهم – لا تقتصر على البطولة والشجاعة والتضحية والفداء.. بل يتعدى ذلك إلى أفاق قد لا يتخيلها القارئ الذى دمر وعيه أمثال أنيس منصور.. يقول المؤرخ الروسى فادييف:" إن الحرب القوقازية شلت حركات الجزء الأكبر من الجيوش الروسية بعض الوقت، ولولاها لاستطاعت الجيوش الروسية أن تحتل الشرق جميعه من مصر إلى اليابان" هؤلاء هم الإرهابيون الذى أدانهم أنيس منصور.. وسخر منهم..

ولعل القارئ يدرك أننى لم أتكلم إلا عن رؤوس الموضوعات.. و لم أذكر إلا العناوين.. وأن كل سطر من هذا المقال يحتاج إلى كتاب.. كتاب لا تحرمه وزارة التربية والتعليم ولا تقاطعه الإذاعة والتليفزيون والصحف ولا تطلب مباحث أمن الدولة حظر نشره تجفيفا للمنابع .. نعم .. لقد أوجزت الإيجاز المخل.. فاغفر لى يا ربى.. لأننى وجلال وجهك أحسب أننى لو قضيت العمر كله أكتب فسوف تكون جنايتى أمامك يوم القيامة وسؤالى: ماذا فعلت.. أذلك كان قصارى جهدك؟.. وأخشى يا قراء أن يأتى ملاك بأطنان الحبر التى سودت بها مقالاتى ليضعها فى الميزان.. ثم يضع فى الكفة الأخرى .. قطرة دم واحدة.. لشهيد واحد.. من ملايين شهداء المسلمين.. فى أنحاء المعمورة.. من الشيشان إلى الفليبين.. ومن الأندلس إلى فلسطين.. فترجح قطرة الدم أطنان الحبر.. فيقال اذهبوا به إلى النار.. نعم يا قراء .. ما أفدح ذنبى وذنبكم..

كثيرا يا قراء ما أربط تفاصيل كوارث حياتنا اليومية بالتاريخ.. وكأن هذه الكوارث مجرد رمز .. أو تعبير فنى عن التاريخ كله.. ومن ذلك يا قراء ما أحسست به مع الوقائع الفاجعة للجريمة البشعة التى ارتكبها الأمريكيون بإسقاط الطائرة المصرية[1].. حين تخيلت .. أن هذه الطائرة هى الأمة الإسلامية التى أسقطها العالم.. واغتالها.. ومدركا أن المجرمين الروس كالمجرمين الأمريكيين وأذنابهم وعبيدهم.. يهدفون إلى طمس تاريخنا الشهيد كله.. طمسه بصورة مطلقة ونهائية وأبدية.. تماما كما فعل المجرمون بحادثة الطائرة المصرية.. يسقطون الطائرة.. يموت الجميع فلا يبقى ثمة شاهد.. ثم يلفقون الأدلة كى يكون الضحايا هم الجناة.. أما من شاهد من بعيد فإما الصمت وإما الموت.. يتعاملون مع تاريخنا بنفس المنطق..لذلك فإنهم هم المتحضرون ونحن المتخلفون الهمج.. والشيشانيون إرهابيون انفصاليون.. أما أنيس منصور الذى أدان الإرهاب الشيشانى والجهل الفليبينى.. فإنه هو الطبعة العربية لذلك العلج الأمريكى .. الذى خرج ليعلن أن الطيار المصرى هو الذى انتحر بكل ركابه.. وكان دليله على ذلك كلمة : " توكلت على الله..".. يجمح بى الخيال المعذب كثيرا لأتخيل الموقفين.. وفى الحالين يا قراء.. الشيشان والطائرة.. كان موقف مصر.. يخزينى ويضنينى ويبكينى..

يجمح بى الخيال.. و أحايل ذاكرة مستنزفة..فأستعيد ما كتبه أنيس منصور ذات يوم: " كان فى مصر شارع واحد للبغاء يتنفس فيه المراهقون، أما الآن بعد إلغائه فقد صار هناك مائة شارع" .. قال ذلك فلم يمنعوه من الكتابة.. ولم يوقفوا النشر له..

أوقفوا النشر لفهمى هويدى..

فاهنأ يا أنيس منصور – لا هنئت- .. اهنأ .. لم يعد البغاء فى أمتنا مقصورا على مائة شارع فقط.. بل انتشر فى الأمة.. فى فتافيت الأمة.. وليس بغاء الجسد وحده ما انتشر..

فاهنأ..

يجمح بى الخيال أحيانا يا قراء.. فأتخيل أن أعداءنا كانوا الخنزير الأبيض.. وأن من باعونا من ولاة أمورنا عبر التاريخ ومن زيفوا وعينا كانوا الخنزير الأسود.. أما نحن .. – أنا وأنتم يا قراء – فأظن أن منطقنا تجاه كل ذلك هو نفس منطق المثل الشيشانى: "لا فرق بين الخنزير الأبيض والخنزير الأسود".

-------------------------------------------------------------------------------

[1] - فى نهاية القرن العشرين كانت طائرة مصرية تحمل مئات الركاب تسقط بجوار الساحل الأمريكى.. المرجح أن صاروخا أمريكيا أسقطها.. كان عليها خيرة كبار ضباط الجيش المصرى..وادعت أمريكا أن الطيار المصرى انتحر بركاب الطائرة.. وكان دليلهم على ذلك أنه قال: توكلت على الله..!!..

*******************************************************************************************

مملكة توران خوارزم والقبشاق

مملكة توران خوارزم والقبشاق مغول القفجاق أو القبشاق في شمال البحر الأسود "الأوزبك "، فكانوا أيضا موضع اهتمام وعناية سلاطين دولة المماليك البحرية الذين كان معظمهم في الأصل من أجلاب بلاد القفجاني من الأتراك. وكان يحكم هذه البلاد الممتدة من تركستان شرقاً إلى شمال البحر الأسود غرباً، دولة مغولية إسلامية حديثة تعرف باسم، القبيلة الذهبية" Golden Horde (نسبة إلى لون مخيماتها) أو " مغول القبشاق ". وقد سماها القلقشندي "مملكة توران خوارزم والقبشاق ". وكان اسم زعيمها "بركة خان "، وهو أول من اعتنق الإسلام من أولاد جنكيز خان. وكانت عاصمته مدينة "صراي " أو "سراي " في شمال غرب بحر قزوين، وهي فرضة عظيمة للتجار ورقيق الترك،.وكانت مقصد العلماء والأدباء أمثال، " قطب الدين محمد الرازي "، و " سعد الدين التفتازاني " وغيرهما فيما بعد. ولقد حرض سلطان مصر الظاهر بيبرس على محالفة هذه الدولة الإسلامية المغولية، فتبادل مع عاهلها "بركة خان" البعوث والهدايا (0 66 هـ/\ 26 أم- 662 هـ/1263 م)، كما تزوج ابنته، وأمر بالدعاء له على منابر القاهرة والقدس ومكة والمدينة. ولا شك أن هذا الحلف كان موجهاً بطبيعة الحال ضد عدوهما المشترك الممثل في " دولة ايلخانات فارس المغولية" التي كان يحكمها "هولاكو" وأولاده، وكانت تشمل فارس والعراق، وعاصمتها " تبريز" أو "مرا غة" أو"بغداد ". فيروي المقريزي أن " بيبرس " أخذ يحرض "بركة خان، على قتال قريبه "هولاكو" ويرغبه في ذلك. يضاف إلى ذلك أن السلطان بيبرس استفاد من هذا التحالف في تقوية جيشه، إذ أنه أكثر من شراء المماليك من بنى جنسه القفجاق إذ مالت الجنسية إلى الجنسية، على قول القلقشندي، ووقعت الرغبة في الاستكثار من "القفجاق " على عهد" بيبرس "، حتى أصبحت مصر بهم أهلة المعالم، محمية الجوانب، منهم زعماء جيوشها، وعظماء أرضها، وحمد الإسلام مواقفهم في حماية الدين حتى أنهم جاهدوا قي الله أهليهم ". وهكذا نرى أن انتشار الإسلام في دولة مغول القفجاق في القرن السابع الهجري (13م)، قد أدى إلى اتساع رقعة الإسلام في أواسط أسيا (جنوب روسيا والقوقاز) من جهة، وإلى تطعيم الجيوش الإسلامية في مصر والشام بدماء فتية من شعوب تلك المنطقة من جهة أخرى.

على أن موضع الأهمية هنا، هو أن هذا التعاون العسكري بين هاتين الدولتين الإسلاميتين (مصر والقبيلة الذهبية)، ضد دولة مغول فارس والعراق، قد أدى في النهاية إلى غلبة الإسلام على تلك الدولة الوثنية أيضاً، وإلى انتشاره بين أفرادها، ومن ثم أخذت العلاقات تتحسن بين الجانبين منذ أوائل القرن الثامن الهجري (14 م). وانتهت المشكلة بأن عقد سلطان مصر والشام والناصر محمد بن قلاوون " صلحا مع " ايلخان " مغول فارس والعراق أبي سعيد، وانضم إلى هذا الصلح أيضاً زعيم القبيلة الذهبية أو مغول القفجاق الذي كان يدعى في ذلك الوقت "أوزبك خان ".

*****************************************************************************************************************************

-------------------------------------------------------------------------------- وفاة بركة خان

عام

:صفحات منسية :

الزمان/ 15 ربيع الآخر – 665هـ

المكان/ سراي عاصمة القبيلة الذهبية 'روسيا حاليا' .

الموضوع /وفاة أبي المعالي ناصر الدين بركة خان أول من أسلم من ملوك التتار . الأحداث/ هناك رجال على مر التاريخ الإسلامي كان لهم أعظم الأثر في حياة كثير من الناس وفي تغيير نظرتهم لدين الإسلام ولربما كانوا السبب في هداية أمم بأكملها أو دفع شر عن المسلمين لا يعلم قدره إلا الله عز وجل ولكنهم مع ذلك مجهولون لكثير جداً من المسلمين عامتهم وخاصتهم حيث أنهم لم ينالوا حظهم الحقيقي في الظهور على صفحات التاريخ المكتوبة رغم ما كان لهم من بصمات على سير أحداث التاريخ في الواقع وصاحبنا من هذا النوع . هو السلطان والملك التتاري بركة خان بن جوجي بن جنكيز خان زعيم القبيلة الذهبية أو مغول الشمال وقد كان جده 'جنكيز خان' قد قسم أملاك المغول بين أولاده الأربعة جوجي وأوغطاي وتولوي وجغطاي وكان جوجي أكبرهم وكان من نصبيه بلاد الروس والبلغار والقوقاز وما يمكن ضمه من غرب المعمورة 'شرقي أوروبا وغربي سيبيريا' وأوصى لجوجي بأن يخلفه في الخانية العظمى ولكن جوجي وافته المنية مثل أبيه 'جنكيز خان' فاختير أوغطاي خاناً أعظماً للتتار , وكان جوجي قد خلف ورائه سبعة أولاد هم أوردا , باتو , شوبان , بركة 'صاحبنا' , جمتامي , بركجار , توقايتمر' فلما مات جوجي ورث ملكه ولده الأكبر باتو وكان للإسلام بالغ الأثر في نفوس أبناء جوجي والسبب وراء ذلك أن أباهم جوجي قد تزوج الأميرة 'رسالة بنت خوارزم شاه' التي وقعت في الأسر وهي أخت السلطان جلال الدين آخر سلاطين الخوارزمية فكان لتلك الأميرة فضلاً على أبناء جوجي وإن لم يسلم منهم سوى بركة خان إلا أن باتو واخوته كانوا عطوفين على المسلمين , أما بركة خان فقد اعتنق الإسلام على يد أحد العلماء من مدينة بخارى وذلك في سنة 650هـ ومن يومها تحول هذا التتاري الوثني إلى جندي من جنود الإسلام شديد الحب للإسلام وأهله وبايع الخليفة المستعصم في بغداد وقام بإنشاء مدينة سراي 'مدينة سراتوف في روسيا الآن' لتكون عاصمة لمغول الشام وبنى فيها المساجد والجوامع وجعلها أكبر مدن العالم وقتها وفاقت كل بلاد العالم في السعة التحضر والعمران . كان مما يميز بركة خان عندما أسلم أنه كان في منتهى الغيرة على الدين وأهله فعندما زين هولاكو ابن عمه للخان الأعظم مانغو الهجوم على بغداد والسيطرة على بلاد المسلمين رب مانغو بذلك وكان ذلك في حياة باتو أخي بركة الأكبر وزعيم القبيلة الذهبية فما أن وصل الخبر لبركة خان حتى التهبت مشاعره وألح على أخيه باتو في منع الهجوم على المسلمين واقتنع باتو بذلك وأجبر هولاكو على التوقف عن زحفه على بلاد المسلمين وذلك حتى وفاة باتو سنة 650هـ وخلفه ولده حرتق الذي لم يعش طويلاً حتى مات وخلفه عمه بركة خان الذي أصبح زعيماً لمغول الشمال أو القبيلة الذهبية وفي تلك الأثناء بدأ هولاكو الانسياح الوحشي لبلاد المسلمين ولم يتمكن بركة خان من إيقافه ذلك لأن جنوده كان معظمهم على وثنية جنكيز خان التي تحرم مخالفة الخان الأعظم وهو الذي أمر بالهجوم على بلاد المسلمين لذلك فلم يستطع بركة أن يفعل شيئاً عندما اكتسحت قوات التتار بغداد وأسقطت الخلافة مما جعل بركة خان شديد العداوة لكل التتار الوثنيين عموماً ولابن عمه هولاكو خصوصاً . كان مما يميز بركة هي عقيدة الولاء والبراء الصحيحة النقية عنده ضرب بها الأمثال في كيفية تطبيقها لعل أن يتعلم منه حكام المسلمين اليوم , فلقد راسل بركة خان الظاهر بيبرس سلطان المماليك واتفقا على قتال هولاكو وجنوده حتى يخرجاه من بلاد المسلمين كلها وكتب لها قائلاً : 'قد علمت محبتي للإسلام وعلمت ما فعل هولاكو بالمسلمين فاركب أنت من ناحية حتى آتيه أنا من ناحية حتى نهزمه أو نخرجه من البلاد وأعطيك جميع ما كان بيده من البلاد ' الله أكبر ما أروعك يا بركة خان ولاء وبراء مع تجرد وإخلاص وعدم طمع في الدنيا هكذا يكون الرجال . عمل بركة خان بذكاء من أجل استدراج هولاكو للقتال حتى يطيع جنود بركة قائدهم بركة في قتال إخوانهم التتار الآخرين في جيش هولاكو فاختلق الذرائع من أجل ذلك فطالب بركة هولاكو بأعمال تبريز ومراغة اللذان يدخلان ضمن حدود القبيلة الذهبية واعتبر تعدي جنود هولاكو عليها تعد عليه ثم طالب هولاكو بثلث الغنائم كما هو متعارف عليه في عهد باتو وألح في الطلب فاستشاط هولاكو غضباً خاصة بعد أن جاءه خبر هزيمة جنوده في عين جالوت سنة 658هـ فأعد هولاكو الجيوش وقرر الهجوم على جيوش بركة ولكن بركة استطاع أن يحقق انتصاراً هائلاً على جيوش هولاكو في سنة 661هـ . كان بركة خان يتميز بفهمه الصحيح للعمل لدين الله وفهمه لطبيعة العداوة مع غير المسلمين لذلك فلقد عمل على إضعاف دولة المغول الوثنية وتفتيت كلمتها حتى يستطيع السيطرة عليها وإدخالها في الإسلام فاستغل خروج الخان الأعظم مانغو لقتال بعض الخارجين ومعه أخاه قبلاي وكان ترك أخاه أرتق بوكا مكانه لحين عودته فاستغل بركة وفاة مانغو لإثارة الفتن بين قبلاي وأخيه أرتق بوكا وبالفعل حدث بين الأخوين على منصب الخانية العظمى من عام 658هـ حتى سنة 661هـ واضطر أخوهما هولاكو لترك بلاد الشام والعودة إلى قرة قورم عاصمة التتار لإنهاء الخلافات بينهما مع جعل هولاكو شديد الحقد والبغض والعداوة لبركة خان . استطاع بركة خان أن يقنع كثيراً من جنود التتار في الشام بترك جيوش هولاكو والانضمام لجيوش بيبرس وإعلان إسلامهم فاشتد غيظ هولاكو وحقد حتى طفح ذلك على عقله فأصيب بمرض الصرع الذي قتله .

ظل بركة خان طوال حياته في نصح ودعوة واتباع للإسلام وجهاد للكافرين من أبناء جلدته الوثنيين ودفاع عن الإسلام وأهله حتى مات رحمه الله وبل بالمغفرة ثراه وهو ذاهب لقتال أباقا بن هولاكو سنة665

هـ وقد ترك وراءه سجلاً عظيماً في العمل للدين والفهم للإسلام حتى أن السلطان الظاهر بيبرس سمى ولده الأكبر بركة خان حباً في شخصية هذا الرجل العظيم .

**************************************************************************************************************

المسلمون في الاتحاد السوفياتي (سابقاً) واتحاد الجمهوريات المستقلة

تمتد هذه المنطقة على رقعة جغرافية شاسعة، تشمل اغلب الاراضي الجنوبية التي كانت تابعة للاتحاد السوفياتي. وتبدأ، تقريباً، من حدود رومانيا وجنوب يوكرانيا وحتى اواسط الصين. ويعود تاريخ الاسلام فيها إلى ما ذكرناه من اقامة مجاميع من المسلمين في منطقة حوض نهر الفولغا، وتحول ملك البلغار المسمى ألماز عن النصرانية ودخوله الاسلام عام 922م واتخاذه اسماً اسلامياً هو، جعفر، في ايام الخليفة العباسي المقتدر. وحاول البلغار اقناع ملك روسيا عام 986م باعتناق الاسلام ولكنهم فشلوا في ذلك. وقد اسقط التتار مملكة البلغار عام 1236م واقاموا بدلاً منها امبراطورية القبيلة الذهبية على ضفاف الفولغا، وعاصمتها ساراي. ثم ان التتار دخلوا في الاسلام دخولاً عاماً. وبقيت مملكتهم قائمة لاكثر من قرن حتى هاجمهم تيمورلنك واسقط دولتهم واكثر فيهم القتل. وفي عام 1395م فكّر بغزو موسكو ولكنه رجع عن ذلك وانسحب بجيشه إلى اواسط آسيا. وبقي للتتار بعد الغزو المغولي اربع ممالك متناثرة، وهي: قازان، استراخان، سيبريا والقرم. ولم تتميز هذه المناطق بالقوة والمنعة الطائفية. وتولد عن ذلك ظهور روسيا كدولة قوية، قامت بمحاولات لغزو قازان والسيطرة عليها عام 1552م، وكانت مملكة قازان متقدمة تجاريا وصناعيا. ثم توالت هجماتها على الممالك الاخرى فأخضعت استراخان عام 1556م وسيبريا عام 1598م. وجرى ذلك في عهد القيصر الروسي ايفان الرهيب الذي استعمل ابشع الاساليب في اجبار المسلمين على تغيير دينهم. وظلت القرم آخر مملكة خارج السيطرة الروسية حتى عام 1783م، وذلك عقب ظهور الضعف في الدولة العثمانية اذ لم يكن بمقدور هذه المملكة ان تقاوم الروس منفردة. وينتشر في شمالي بلاد القفقاس عدد من الجمهوريات والولايات التي تقع إلى الجنوب من المنطقة السابقة، وتشكل شريطاً تحده من الجنوب جورجيا ومن الشرق بحر قزوين ومن الغرب البحر الاسود. واشهر هذه الجمهوريات «داغستان» التي فتحت على يد عبد الرحمن بن ربيعة وحبيب بن مسلمة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب (رض). وترجع تسميتها إلى قبيلة «داغستان» التي تسكنها وفيها ايضاً اقوام من التتار. وقد قاموا بثورة جهادية مشرّفة قادها الشيخ شامل ولكن الروس الذين كانوا متفوقين عسكرياً قضوا على الثورة. اما الجمهوريات الاخرى فقد دخلها الاسلام عن طريق التتار والاتراك، مثل: كبارديا ـ بلكاريا وشاشان انجوشيا واوستينا الشمالية وولاية قوتشاي والشركسية وولاية الاديجا. وتقع إلى الجنوب من داغستان جمهورية اذربيجان التي لها حدود مع ارمينية وجورجيا وايران. وقد فتحت اذربيجان في صدر الاسلام على يد حذيفة بن اليمان واغالب سكانها من الترك والتتار. وتحوي اواسط آسيا عددا من الجمهوريات التي وصلها الاسلام منذ فترة متقدمة في صدر الاسلام، وهي تقع إلى الشرق والشمال من بحر قزوين وتتاخم حدودها الجنوبية كلاً من ايران وافغانستان وكشمير والتبت. وفتحت هذه البلاد في القرن الهجري الاول. وكان الاسم الذي يمتد من بحيرة خوارزم إلى افغانستان. وكان النهر يشكل الحدود الشمالية الشرقية لاقليم خراسان. ومن قادة فتح هذه البلاد: الاحنف بن قيس، وقتيبة بن مسلم الباهلي، والاشعث بن قيس، وحذيفة بن اليمان، والمغيرة بن شعبة. وقد وصل المسلمون إلى نهر جيحون في عهد الخليفة عمر بن الخطاب اذ ان الاحنف بن قيس فتح في تلك الفترة مدينة هراة ومرو وتمت للمسلمين السيطرة الكاملة على اقليم خراسان. وتشمل هذه المنطقة اليوم: تركمانستان، اوزبكستان، طاجيكستان، قازاخستان وقرغيزيا، بالاضافة إلى تركستان الشرقية التي ضمتها الصين إلى بلادها واطلقت عليها اسم سنكيانغ (المستعمرة الجديدة). وقد اخضعت جميع هذه الدول للسيطرة الشيوعية المباشرة، وعندما انحل الاتحاد السوفياتي حصلت الدول الاوربية المكونة للاتحاد على استقلالها، مثل بولندا والمانيا الشرقية ورومانيا وتشيكوسلفاكيا (التي انفصلت إلى دولتين الان) وليثوانيا، ولكن روسيا إلتي ورثت الاتحاد السوفيتي ابقت على الدول الاسلامية المذكورة واحتوتها داخل «اتحاد الدول المستقلة». ورغم تنامي الوعي الاسلامي في عدد من هذه الجمهوريات، كما هو الحال في اذربيجان وطاجيكستان ووصوله إلى حدود المقاومة المسلحة للعلمانية، فان قيادات آسيا الوسطى تبدي تطرّفاً في ميلها نحو الارتباط بروسيا واخلاصها للشيوعية المنهارة. ومن جهة اخرى فان الادارة الاميركية تحركت خلال العامين الماضيين لاحتواء هذه المنطقة دينياً وقومياً واقتصادياً من خلال محور واشنطن ـ الرياض ـ انقرة. وتوجه الحكومة التركية محطات بث تلفيزيونية إلى هذه الدول التي يكون الاتراك نسبة غالبة من سكانها.

ونعطي هنا وصفاً موجزاً لكل بلد:

جمهورية القرم: اهلها من التتار. وقد اعتنقوا الاسلام في اواخر القرن الرابع عشر الميلادي وتمكنوا من اقامة دولة لهم فيها خلال القرن الخامس عشر ولكن الروس اجتاحوها وضموا اليهم المناطق الشمالية منها، ثم انتزعها منهم الاتراك العثمانيون وبقوا فيها إلى مطلع القرن التاسع عشر ثم اجلاهم عنها الروس. ودخلها الشيوعيون بعد الثورة وانتقموا من اهلها لمقاومتهم للشيوعية وهدموا المساجد والمعاهد الدينية واكثروا القتل في المسلمين. وسقطت القرم تحت سيطرة النازيين الالمان في الحرب العالمية الثانية ثم عاد اليها الشيوعيون بعد هزيمة المانيا وانتقموا من اهلها مرة ثانية بحجة انهم تعاونوا مع الالمان. سيبيريا: تقيم في سيبيريا قبائل تتارية. ووصلهم الاسلام من اهالي بلاد ما وراء النهر وبخارى وقازان. غزتها القبيلة الذهبية وحاولت نشر الاسلام فيها في بداية القرن السابع عشر ثم دخلها الروس بعد ذلك بفترة وجيزة. ويقدر عدد السكان بنحو مليونين ونصف أو بنسبة ربع السكان.

منطقة حوض نهر الفولغا: وتضم هذه المنطقة جمهوريات صغيرة واقل صيتاً من غيرها وهي تقع في الطرف الشمالي من نهر الفولغا وتمتد نحو منابع نهر اورال. ويصب النهران معاً في بحر قزوين. والجمهوريات هي:

باشكيريا: تقع جنوب جبال الاورال. واهل البلاد الاصليين من الاتراك. واحتلت بلادهم في اواخر القرن الساس عشر من قبل الامبراطور ايفان الرابع الذي كان يقلب بـ(الرهيب). وكانت عاصمتها اونا مركزاً لمفتي مسلمي روسيا. ويقدر عدد سكانها باربعة ملايين. المسلمون منهم حوالي 60%.

نتاريا: وهي تجاور باشكيريا من الغرب. احتلها ايفان الرهيب وطرد المسلمين التتار منها ثم اعادهم. ونسبتهم إلى السكان حالياً 65%. وقد حوّل الشيوعيون قرابة 700 مسجداً إلى اصطبلات للخيول.

الجوفاش: تقع غرب نتاريا، وعاصمتها مدينة شيوفساري. ونسبة المسلمين فيها نحو 60% من السكان البالغ عددهم مليونين. مورودوف: موقعها في الجنوب الغربي من الجوفاش.. وعاصمتها مدينة سارانسك ونسبة المسلمين فيها اكثر من نصف السكان. ادموت: تقع شمال نتاريا، وعدد سكانها نحو مليون نسمة، ونسبة المسلمين منهم 60 وعاصمتها ايجفسك. ماري: شمان نتاريا والجوقاش. والمسلمون فيها بنسبة نصف السكان. ونفوسها نحو مليون نسمة، وعاصمتها مدينة يوشكار اولا. شكالوف (اورنبرغ): وتقع جنوب باشكيريا وتحدها من الجنوب جمهورية قازاخستان. وكانت قديماً مركزاً علمياً مهماً للمسلمين التتار. ونسبة المسلمين فيها حالياً حوالي 50% من السكان.

منطقة شمال القفقاس: تضم هذه المنطقة بعض الجمهوريات والولايات التي تتمتع بالحكم الذاتي ضمن السيطرة الروسية، وهي: داغستان: تقع بين جبال القفقاس وبحر قزوين وسكانها جميعاً من المسلمين ويصل تعداد نفوسهم إلى المليونين تقريباً. وعاصمتها مدينة محج قلعة. شاشان انغوشيا: تقع على السفوح الشمالية لجبال القفقاس وقد دخلها الاسلام منذ قرنين من الزمن. والمسلمون فيها نحو ثلاثة ارباع السكان البالغ عددهم قرابة المليوني.

اوستينا الشمالية: تقع إلى الغرب والجنوب من شاشان انغوشيا واهلها من الشراكسة. والمسلمون فيها نحو 55%، وعاصمتها مدينة اردغونيكير زي. كبارديا ـ بلكاريا: تقع إلى الغرب من اوستينا واهلها ايضاً من الشركس وسكانها مسلمون وهم حوالي المليون نسمة، وعاصمتها مدينة نلتشيك. ولاية قرتشاي: تقع غرب الجمهورية السابقة واهلها من التتار ونسبة المسلمين فيها حوالي 80% وعدد سكانها اقل من المليون. ولاية الاريغا: تقع إلى الشرق من البحر الاسود، واهلها من الشركس ونسبة المسلمين منهم نحو 80% ومركزهم مدينة مايكوب.

******************************************************************************************************************

التتار من مجد المغول.. إلى قهر الروس !

-وكالة الأنباء الإسلامية-

--------------------------------------------------------------------------------

شبه جزيرة القرم واحدة من أجمل بقاع العالم؛ وهي جمهورية ذات حكم ذاتي ضمن جمهورية أوكرانيا؛ حيث تقع جنوب البلاد ويحيط بها البحر الأسود من الجنوب والغرب، بينما يحدها من الشرق بحر أزوف، ومساحتها 2700 كيلومتر مربع، وسكانها 2,5 مليون نسمة، ويشكل الروس حوالي 50 % منهم، والأوكران 30 %، والباقي من التتار المسلمين. وأهم مدنها هي العاصمة سيمفروبل، وكان اسمها فيما مضى "اق مسجد" أي المسجد الأبيض قبل أن يستولي عليها الروس.

وكانت عاصمتها فيما مضى مدينة "بخشراي" عندما كانت خاضعة لحكم خانات التتار، ومن مدنها المهمة أيضًا "يالطا" المدينة الساحلية السياحية الجميلة، والتي عقد فيها مؤتمر يالطا بين قادة الحلفاء في الحرب العالمية الثانية في فبراير عام 1945م ستالين وروزفلت وتشرشل، ومدينة سيفستوبل الميناء الذي كان يأوي أسطول الاتحاد السوفييتي الضخم، والذي أصبح محل نزاع بين روسيا وأوكرانيا، ومدن أخرى أقل أهمية، مثل: كيرشوفيادوسيا وبيلاغورسك وسوداك وجانكوك.

وكلمة القرم تعني القلعة باللغة التتارية؛ وتتمتع القرم بموقع استراتيجي هام وفيها الثروات الطبيعية، مثل: البترول، والفحم الحجري، والغاز الطبيعي، والنحاس، والحديد، والمنغنيز، والرصاص، والثروة الزراعية مثل: القمح، والفواكه، والمياه المعدنية ذات الخاصية العلاجية التي جعلت منها واحدة من أفضل المشافي في العالم. وأقام التتار المسلمون في شبه جزيرة القرم منذ زمن بعيد، وهم قوم اكتسحوا أجزاء واسعة من آسيا وأوروبا بقيادة المغول في القرن الثالث عشر الميلادي، ولقد أسس باطوخان حفيد زعيم المغول الكبير جنكيز خان القبيلة الذهبية التي أنشأت إمارة القبشاق إحدى ممالك المغول الكبرى، والتي سيطرت على أجزاء واسعة من روسيا وسيبيريا، واتخذت من مدينة سراي في الفولغا عاصمة لها، وأجبرت دوقية موسكو على دفع الجزية، وامتدت سيطرة التتار إلى شبه جزيرة القرم، حيث استوطنتها العديد من العائلات التتارية، والتي اتخذت من الإسلام دينًا لها عام 1314هـ . وخضعت أجزاء من إمارة التتار للأتراك العثمانيين؛ بينما استولى القيصر الروسي إيفان الرابع على أجزاء أخرى، وتحولت الإمارة الكبرى إلى ثلاث إدارات هي استراخان وقازان والقرم .

وتولى الحكم في إمارة القرم الحاج دولت خيري أو كيراي في عام 1428م، وعندما توفِّيَ خلَّفه ابنه الثاني في الحكم بمساعدة البولنديين، إلا أن الأخ السادس منجلي قتل أخاه واستولى على حكم الإمارة بمساعدة الجنيزوف، حيث حكم في الفترة 1466/1515م وخضعت الإمارة لحكم العثمانيين في عام 1521م.

وحاصر محمد خيري موسكو، وأجبر حاكمها واسيلي على دفع الجزية، وتولى دولت خيري فتح موسكو عام 1571م، إلا أنه سرعان ما قلب الزمن ظهر المجن لإمارة القرم فقام بطرس الأول عام 1678م بمحاصرة القرم التي أسقطت في عهد الإمبراطورة انا أوانوفنا عام 1736م، واحتلت الجيوش الروسية عاصمة القرم بخشراي، وأحرقت الوثائق التي كانت تعد ذخيرة علمية لا تقدر بثمن، وكانت بمثابة رمز تاريخي للشعب التتري. ولقد مارست الجيوش الروسية المذابح ضد السكان الآمنين إلى درجة أن الجثث لم تجد من يدفنها، وانتشرت الأوبئة التي أودت بحياة القتلة الروس أنفسهم إلا أن أبشع المذابح وقعت عام 1771م، عندما طبقت الجيوش الروسية المعتدية شعار من غير انتظار ولا عودة يجب محو التتار من هذه الأرض، وقتل في تلك المذابح أكثر من 350 ألف تتري. ومارست روسيا القيصرية شتى ألوان القهر والتعذيب ضد شعب التتار، وصادرت أراضيهم ومنحتها لمواطنيها، وصادرت مساجدهم ومدارسهم، واضطر نحو مليون وعشرين ألفا منهم للفرار إلى تركيا، وقامت روسيا بتهجير الباقي إلى داخل المناطق الخاضعة لها؛ وذلك تطبيقا لاقتراح الأمير الروسي منشكوف، وعندما فشل الروس في زراعة أراضي القرم التي صادروها من أهلها التتار؛ وذلك لعدم خبرتهم بها أجَّروها مرة أخرى لهم لكي يزرعوها لهم. وفي ديسمبر 1917م وإثر الثورة الشيوعية في موسكو أعلن تتار القرم عن قيام جمهوريتهم المستقلة برئاسة نعمان حيجي خان، إلا أن الشيوعيين سرعان ما أسقطوا الحكومة، وأعدموا رئيس الجمهورية وألقوا بجثته في البحر.

وفي عام 1920م أعلنت حكومة الاتحاد السوفييتي عن قيام جمهورية القرم ذات الاستقلال الذاتي، وعندما أراد ستالين إنشاء كيان يهودي في القرم عام 1928م، ثار عليه التتار بقيادة أئمة المساجد والمثقفين فأعدم 3500 منهم، وجميع أعضاء الحكومة المحلية بمن فيهم رئيس الجمهورية ولي إبراهيم، وقام عام 1929م بنفي أكثر من 40 ألف تتري إلى منطقة سفر دلوفسك في سيبيريا، كما أودت مجاعة أصابت القرم عام 1931م بحوالي 60 ألف شخص. وهبط عدد التتار من تسعة ملايين نسمة تقريبا عام 1883م إلى نحو 850 ألف نسمة عام 1941م؛ وذلك بسبب سياسات التهجير والقتل والطرد التي اتبعتها الحكومات الروسية سواءً على عهود القياصرة أو خلفائهم البلاشفة، وتكفل ستالين بتجنيد حوالي 60 ألف تتري في ذلك العام لمحاربة النازيين، بينما هجَّر النازيون عند استيلائهم على القرم حوالي 85 ألف تتري إلى معسكرات حول برلين؛ وذلك للاستفادة منهم في أعمال السُخرة. واتهم ستالين التتار بالتعاون مع النازيين الألمان فقام في مايو 1944م بتهجير أكثر من 400 ألف تتري في قاطرات نقل المواشي إلى أنحاء متفرقة من الاتحاد السوفييتي خاصة سيبيريا وأوزبكستان. ولقد قام الجنود الروس بحرق ما وجدوه من مصاحف وكتب إسلامية، وأعدموا أئمة المساجد، وتم تحويل المساجد إلى دور سينما ومخازن. وأصدر مجلس السوفييت الأعلى قرارًا في 20 يونيو 1946م بإلغاء جمهورية القرم ذات الاستقلال الذاتي، وذلك كما ورد في القرار لخيانة شعب القرم للدولة اتحاد الجمهوريات السوفييتية الاشتراكية، وفي عام 1967م ألغى مجلس السوفييت الأعلى قراره السابق باتهام شعب القرم بالخيانة، إلا أنه مع ذلك لم يسمح لهم بالعودة إلى وطنهم. وعندما أعلن غورباتشوف آخر زعيم للاتحاد السوفييتي برنامجه الإصلاحي عام 1985م تحت شعار إعادة البناء "بريسترويكا" بدأ التتار في العودة إلى بلادهم، ولكن بلا أية حقوق، وعندما نالت أوكرانيا استقلالها عن الاتحاد السوفييتي عام 1991م عقد التتار مؤتمرهم الأول في 26 يونيو 1991م في مدينة سيمفروبل؛ حيث تم فيه تأسيس المجلس الأعلى لتتار القرم كممثل للشعب التتري، وانتخب المناضل التتاري الذي حكم عليه بالسجن مدة 15 عامًا "مصطفى جميل" رئيسًا للمجلس.

ولقد بدأ مصطفى جميل نضاله من أجل الحصول على حقوق شعبه تحت شعار لقد عادت إلينا شخصيتنا الإسلامية التي لا يمكن أن نفرط فيها، إننا مسلمون وسنبقى مسلمين، وسنعمل جاهدين على تعلُّم ديننا. ويقدر عدد التتار في شبه جزيرة القرم حاليًا بحوالي 262 ألف نسمة، ويعيش أكثرهم في ظروف بالغة الصعوبة والقسوة بلا خدمات ولا إعلام ولا تعليم؛ لأن معظمهم لا يحملون الجنسية الأوكرانية التي تعتبر أكبر العقبات التي تواجههم؛ حيث تشترط الحكومة الأوكرانية دفع مبلغ وقدره حوالي مائة دولار للشخص الواحد للحصول على الجنسية، وهو مبلغ كبير إذا كان أفراد العائلة الواحدة ما بين 5 : 10 أفراد. ومن المشاكل الكبيرة التي يواجهونها مشكلة البطالة التي تصل إلى 49 %، وهم ينظرون إلى إخوانهم المسلمين في العالم نظرة أمل وتفاؤل، ويأملون في إقامة مشاريع على أرضهم، مثل تشغيل المشافي والمصحات، والاستثمار في المجالات الزراعية والصناعية وغيرها

***********************************************************************************************************

المسلمون في أوربا الجنوبية الشرقية

للأستاذ حارث شاكر – يوغوسلافيا

-2-

ذكرنا طائفة من الأخبار عن السلافين و كيف كانت علاقاتهم بالعرب لما توطنوا في شبه جزيرة البلقان، و أما وطنهم الأصلي الذي هاجروا منه فقد كان في سهول روسيا الجنوبية الحالية وراء جبال الكربات حيث كان يجاورهم كثير من شعوب أخرى من أصل تركي، و تاريخ هذه الشعوب في تلك المنطقة غامض لم يقم بتدوين حوادثه أحد من أبنائها، و الرأي السائد في سبب تحرك هذه الشعوب نحو الغرب أنها كانت في وطنها عرضة لغارات كانت تشنها عليها قبائل مغولية من أواسط آسيا و شرقها، فبدأت جماهيرها في أواخر القرن الخامس الميلادي تتحرك متوجهة نحو الغرب لتستقر بعد تجوالها الطويل في أوطانها الحالية في شرقي أوربا، فيممت بعض القبائل السلافية شبه جزيرة البلقان، و تبعتها فيما بعد قبائل أخرى من أصل تركي فتأثرت بثقافة القبائل السلافية و لغتها، فاندمجت فيها، وهذا ما حصل في بلغاريا، و أما عكس ذلك فهو ماجرى في هنغاريا، فقد لحقت القبائل السلافية بالقبائل من أصل تركي في شمال البلقان (هنغاريا) فاندمجت فيها لغة و ثقافة. و مما سجله التاريخ أن القبائل السلافية المتجهة نحو البلقان كانت مسالمة فلم تكن تتقدم كغزاة فاتحين، و لما وصلت إلى ضفاف نهر الدانوب كانت الدولة البيزنطية يهدد كيانها العرب من الشرق، و الآفار من الغرب، الأمر الذي حمل ملك بيزنطة (هرقل) على أن يعرض على القبائل السلافية أن تنتقل إلى البلقان رجاء الاستعانة برجالها في صراعه مع العرب و الآفار. / صفحة 289 /

فهكذا بدأ توطن السلافيين في شرقي البلقان (الصرب) و في غربيه (الكروات) كرعايا ملك بيزنطة، و لم تكن هذه القبائل في أول أمرها ميالة إلى تنظيم سياسي و اجتماعي من طراز ما يمكن تسميته دولة، ولكن الإمارات التي أنشأوها فيما بعد بدأت تستغل ضعف بيزنطة لتنتقض عليها و تخرج عن طاعتها، و شرع الأمراء يطلقون على أنفسهم لقب الملك، و يخوضون حروبا طاحنة جرت بينهم سجالا، و كان من نتائجها تغييرات مؤقتة في حدود ممالكهم لا يزال ساسة الشعوب البلقانية يذكرونها و يحتجون بها في معرض تقرير أولوية دولة يتكلمون باسمها بضم جارتها إليها، أو الاستيلاء على بعض أراضيها. و لا يعلم إلا الله إلى أي مدى كانت ستبلغ هذه المنازعات بين دويلات البلقان لو لم يتقدم سلاطين آل عثمان بكتائبهم الجرارة من آسيا الصغرى، فتساقطت تلك الدويلات واحدة تلو أخرى ، فخضعت صربيا للأتراك سنة 1389، و بلغاريا سنة 1393، و بوسنة سنة 1463، فبقى البلقان تحت حكمهم قرونا طويلة. و أهم ما يهمنا في بحثنا هذا هو تفنيد الزعم المنتشر بأن الإسلام لم يكن له أى أثر في البلقان قبل الفتح التركي، و أن الأتراك أجبروا بعض الناس على اعتناقه. قد قلنا إن الهنغاريين من أصل تركي من أواسط آسيا، و قد هاجروا من وطنهم الأصلي تحت قيادة زعيمهم (آرباد) و استقروا سنة 895 م في إقليم تطابق حدوده حدود هنغاريا الحالية تقريبا، ثم تلاحقت وراءهم قبائل من شعوب أخرى ذات أصل تركي أو سلافي مثل البلغار من ضفاف قولغا و الكاليع و البجناك فتوطنوا في إقليمهم و ما يجاوره من البلاد شرقا، و في القرن الثالث عشر انضم إلى هؤلاء قبائل: باشغارد و كومان و بازيغ و التتار و بعض العرب و السلافيين من آسيا الصغرى، و أما قبائل الخزر التركية فقد وصلت قبل ذلك مخترقة سهول روسيا، و انضم إليهم عدد كبير من اليهود الذين أخرجوا من القسطنطينية، و من هؤلاء اليهود المندسين في الخزر تكونت الجاليات اليهودية في هنغاريا و بولندا و روسيا. لقد شاع فيما بين القرنين العاشر و الرابع عشر إطلاق اسم (ازمائيلت) أي إسماعيليين على بعض الجماعات من قبائل الشعوب المذكورة، كما اشتهر إطلاق / صفحة 290 /

اسم (هاجريين) و (سراكين) على المسلمين عموما في القرون الوسطى، و أما اسم (المحمديون) فلا يزال تستعمله الشعوب المسيحية في أوربا مرادفا لاسم المسلمين، و لا شك أن المسلمين لم يطلقوا أيا من هذه الأسماء على أنفسهم، ولكنهم عاشوا و لا يزالون يعيشون في بيئة متعصبة أقل ما تراه ملائما لإيذائهم هو تسميتهم بالاسماعيليين أو الهاجريين أو السراكين قديما، و بالمحمديين حديثا على اعتقاد أن في إطلاق هذه الأسماء عليهم شيئا من الاحتقار لهم، فمن المعروف أن توراة اليهود كانت منبع الثقافة و منهل المعارف في القرون الوسطى و أن رجال الكنيسة كانوا يتفننون في اختلاق تهم ونقائص يلصقونها بأصل العرب و منشأ الإسلام و خصال النبي عليه السلام، فمن الجائز جدا أنهم بنوا تضمن أسماء الإسماعيليين والهاجريين و المحمديين، لمعنى الاحتقار و الشتيمة على ما استنبطوا من بعض ما سطرته أحبار اليهود في ثورتهم من أخبار عن إسماعيل عليه السلام و أنه سيكون إنسانا وحشيا يده على كل واحد و يد كل واحد عليه، و أن أمه هاجر كانت جارية تذلها سيدتها و ضرتها سارة أم اليهود، و أن ذريته لن تكون من شعب الله المختار لأن الله لم يبارك فيه كما بارك في أخيه إسحق. فبتأثير هذه المعلومات رؤى إطلاق الأسماء المذكوره على العرب ثم على المسلمين كافة كائنا ما كان جنسهم و أصلهم، و على كل حال فقد ورد هذان الاسمان (إسماعيليين و هاجريين) في مصادر السلافيين الجنوبيين للتاريخ دالين على المسلمين، و وجدت في (دوجى) أحدى بيع الارثوذكس بالقرب من مدينة (تربينة) في هرسك وثيقة من سنة 1505 تسمي السيادة الإسلامية الجديدة بـ(القضيب الحديدي الإسماعيلي) فلأجل هذا و بناء على أن المؤلفين العرب الذين ذكروا أخبارا عن المسلمين في أوربا في القرون الوسطى متفقون على أنهم كانوا على مذهب أهل السنة و الجماعة في الاعتقاد و على مذهب أبي حنيفة في المعاملات، فلا يصح ما ذهب إليه بعض المستشرقين الجدد من أن المراد من (أزمائيلت) في المصادر الأوربية هو الفرقة الإسماعيلية التي يرأسها في الوقت الحاضر أغا خان، أما اسم (سراكين) فقد ورد في كتاب التاريخ العام لخليل مطران: (ان الإفرنج يدعون بالسراقين فريقا من عرب أفريقيا اتخذوا البحر ملكا لهم و أخذوا ينهبون جميع / صفحة 291 /

شواطيء الجانب الغربي من البحر المتوسط)، ولكن ابن بطوطة الرحالة العربي ذكر بمناسبة وصفه لما جرى له حين و صل إلى القسطنطينية و توجه لمقابلة ملك بيزنطة أن الناس كانوا يتصايحون (سراكنو، سراكنو) مشيرين إليه و إلى رفاقه، فيشرح ابن بطوطة تلك الكلمة بقوله: أي المسلمون.

المصادر العربية عن المسلمين في أوربا:

يصف المؤرخ أبو الفداء شعب بشغراد بأ،ه شعب كبير يقطن بين بلاد الألمان و الإفرنج أكثرهم نصارى و بعضهم مسلمون و المسلمون كانوا يؤدون الجزية كما كان المسيحيون يؤدونها في البلاد الإسلامية، و في جوار البشغارد كان يعيش البجينك و بلادهم تتاخم بلاد بيزنطة و كل من هذين الشعبين من أصل تركي. أما ياقوت الحموي فنجده يطلق العنان للقلم عند تسجيل الأخبار عن المسلمين الباشغرد في كتابه (معجم البلدان) فيقول بعد إيراد أقوال السابقين عليه في تفسير لفظ باشغارد: (و أما أنا فإني وجدت بمدينة حلب طائفة كثيرة يقال لهم الباشغاردية شقر الشعور و الوجوه جدا، يتفقهون على مذهب أبى حنيفة رضى الله عنه، فسألت رجلا منهم استعقلته عن بلادهم و حالهم فقال: أما بلادنا فمن وراء القسطنطينية في مملكة أمة من الإفرنج يقال لهم (الهنكر) و نحن مسلمون رعية لملكهم ، في طرف بلاده، نحو ثلاثين قرية، كل واحدة تكاد تكون بليدة، إلا أن ملك الهنكر لا يمكننا أن نعمل على شىء منها سورا خوفا من أن نعصى عليه، و نحن في وسط بلاد النصرانية فشمالينا بلاد الصقالبة، و قبلينا بلاد البابا، يعني رومية، و البابا رئيس الإفرنج هو عندهم نائب المسيح ، كما هو أمير المؤمنين عند المسلمين، ينفذ أمره في جميع ما يتعلق بالدين في جميعهم انتهى) و قال و في غربينا الأندلس و في شرقينا بلاد الروم، قسطنطينية و أعمالها، قال و لساننا لسان الإفرنج و زينا زيهم و نخدم معهم في الجندية و نغزو معم كل طائفة لأنهم لا يقاتلون إلا مخالفي الإسلام، فسألته عن سبب إسلامهم مع كونهم في وسط بلاد الكفر فقال: سمعت جماعة من أسلافنا يتحدثون أنه قدم إلى بلادنا منذ دهر طويل سبعة نفر من المسلمين من بلاد بلغار و سكنوا بيننا و تلطفوا في تعريفنا و ما نحن عليه من الضلال / صفحة 292 /

و أرشدونا إلى الصواب من دين الإسلام فهدانا الله والحمدلله فأسلمناجميعا و شرح الله صدورنا للإيمان و نحن نقدم إلى هذه البلاد و نتفقه، فإذا رجعنا إلى بلادنا أكرمنا أهلها و ولونا أمور دينهم، فسألته، لم تحلقون لحاكم كما تفعل الإفرنج، فقال يحلقها منا المتجددون و يلبسون لبسة السلاح مثل الإفرنج أما غيرهم فلا ، قلت فكم مسافة ما بيننا و بين بلادكم؟ فقال من ههنا إلى القسطنطينية نحو شهر و نصف، و من القسطنطينية إلى بلادنا نحو ذلك). فالمسلمون الباشغارد كما يتبين من هذا التقرير لم يكونوا أجانب في بلاد هنعاريا على أنه لايمكن القطع بتاريخ اعتناقهم للإسلام و لا أين حصل: في هنعاريا أم في وطن الباشغارد الأصلي، كما أن التقرير المذكور لا يدلنا على جنسية القائمين السبعة بالدعوة إلى الإسلام، و الرأى الراجح أنهم من بلغار البلقان لا من بلغار ضفاف نهر فولغا، و يبدو أنهم لم يطيلوا الإقامة بين المسلمين البشغارد. و مما يؤيد ما ورد في هذا التقرير للحموي بشأن خدمة المسلمين في الجيش الهنغاري أن التاريخ يذكر أن الملك الهنغاري أنجد الملك الإلماني بما بين 500 و 600 فارس مسلم حين كان يحاصر مدينة ميلانو سنة 1158، و أنهم حاربوا تحت لواء الملك الهنغاري (بلا الرابع) ضد الملك التشيكي بر ميسل أوتوكار الثاني في موارفيا سنة 1260، كما أنهم اشتركوا في محاولة ضد التتار عن هنغاريا فاستشهد عدد كبير منهم سنة 1241. و بتحدث أبو حامد الغرناطي في كتابه(تحفة الألباب) عن المسلمين في باشغارديا التي يقول عنها إنها لاتبعد من (رومة) إلا مسافة بضعة أيام سيرا وسطا، و عن زيارته لهم سنة 545 هـ (1150 م) فيذكر أن بلاد الباشغاردة يسكن فيها شعوب كييرة، و إنها تشمل على 78 مدينة ذات أسباب الرخاء و البذخ و كل واحدة منها على غرار مدينة إصفهان أو بغداد، و أنه كان ينوى السفر إلى روما ولكن المسلمين صرفوه عن قصده بأن أبلغوه أن أخا ملكهم ذهب إلى روما و تزوج من بنت ملكها، و قالوا له إذا توجهت من عندنا إلى روما فإننا نخاف من أن يلقى أحد في روع الملك أنك ذهبت إلى أخيه بمال كثير لتحمله على الحرب ضد ملكنا، و في ذلك هلاكنا، فأحجم عن السفر، و ذكر الغرناطي أن ابنه تزوج بنتين تنتميان إلى أسر أعيان مسلمي بشغارديا، و أنهما ولدتا له. و إذا أمعنا النظر فيما يحكي الغرناطي عن دولة بشغارديا و كثرة شعوبها يمكننا الاستنتاج منه أن الباشغارد كانوا العنصر المتغلب في تلك الدولة بحيث أنها سميت ياسمهم، و أن المسلمين فيها أقلية يجوز أنها كانت تنتمى إلى غير الباشغارد، و على ذلك فهذا المصدر العربي يؤيد وجة نظر من يقول من العلماء بأن شعب (بجناك) هو الذي كان يطلق عليه اسم الإسماعيليين – المسلمين.

اضطهاد المسلمين في هنغاريا:

و مما يدل على أن المسلمين في هنغاريا و البلاد التابعة لها كانوا أقلية قوية تمثل الخطر على الدولة والدين الكاثوليكي أن ملوكها كانو يتخذون أجراءات قاسية ضدهم و يجردون الحملات العسكرية عليهم، و قد شيد الملك استيفان القديس (997-1038) كنيسة كبيرة في (فيروار) من أموال صادرها من البجنك. و يبدو أن بعض المسلمين كانوا يتظاهرون في محنتهم بالارتداد عن الإسلام ثم يرجعون إليه، ولكن الملك لادسلاو القديس أعلن في سنة 1092 قانونا صارما ضد كل من يرجع من المسلمين المرتدين إلى دينه. و أمر الملك أندره الثاني (1205-1235) بطرد المسلمين من وظائف الدولة و إجبارهم على ارتداء زي خاص يميزهم عن المسيحيين. و أما الملك كارل الأول روبرت (1310-1342) فقد خير رعاياه من غير المسيحيين بين أن يعتنقوا الكثلكة و يبقوا في البلاد و بين أن يبقوا على دينهم و يغادروا البلاد سنة 1341. و هذا الإجراء خاتمة ما ابتلى به المسلمون في هنغاريا من قوانين ترمي إلى محوهم، ففي مجوعة القوانين الهنغارية القديمة نجد هذه المواد. المادة 46- من شاهد إسماعيليا يصوم أو يأكل على الطريقة غير المسيحية أو يمتنع من أكل لحم الخنزير أو يتوضأ قبل الصلاة أو يقوم بأى واجب من واجبات دينه ، فإنه إذا قدم البلاغ بذلك إلى الملك سيملك جزاء من أموال ذلك الإسماعيلي. المادة 47- على كل قرية إسماعيلية أن تقوم ببناء كنيسة و دفع ضرائب

/ صفحة 294 /

لها، فإذا تم بناء الكنيسة فإن نصف السكان الإسماعيليين سيجلو من القرية ليعيشوا معنا على دين واحد و يصلوا في الكنيسة المسيحية على وجه لا يدعوا إلى الريبة. المادة 48- لا يجوز لإسماعيلي أن يزوج بنته من أحد يماثله دينا بل يزوجها من أحدنا. المادة 49- إذا قام أحد بزيارة إسماعيلي أو دعا الإسماعيلي أحدا ليضيفه فعلي كليهما أن يأكلا لحم الخنزير. و بالرغم من المصائب التي صبت على المسلمين من جراء هذه الإجراءات الشديده يخبرنا أحمد القلقشندي في كتابه (صبح الأعشى) أن أهالي بلاد باشغارد أكثرهم مسيحيون و فيهم بعض المسلمين، و ذلك في سنة 1418 أي في الوقت الذي كانت سيادة الدولة التركية الإسلامية قد امتدت إلى جزء من بوسنة الشرقية، و أما المستشرق الإنجليزي أرنولد توماس فلعل الإنذار الذي أصدره الملك كارل روبرت سنة 1341 للمسلمين بالتنصر أو الهجرة جعله يعتقد أن السنة المذكورة هى تاريخ نهاية الإسلام في هنغاريا. و إذا تذكرنا أن اضطهاد المسلمين في هنغاريا بدأ في أواخر القرن العاشر حين أصبحت الغلبة في الدولة لنفوذ الكنيسة الكاثوليكية و اعتلى عرشها الملك استيفان الذي استحق البركة و التاج من البابا سيلفستر جزاء ما أدى للكنيسة من الخدمات يحمل الناس قسرا على اعتناق تعاليمها و أن المسلمين في هنغاريا لم تذهب ريحهم بالرغم من ذلك الاضطهاد الذي استمرت شدته المتزايدة طيلة 350 سنة، فإنه يحق لنا أن نعتقد أن بقايا أولئك المسلمين آثروا الهجره على الكثلكة حين فوض إليهم كارل اختيار أحدهما، و بما أن مملكة بوسنه كانت قد امتحنت مرارا بالغزو الهنغاري و أن الفرقة الدينية(بوغومبلي) الشبيهة بالإسلام في بعض تعاليمها و اشكال العبادة فيها كانت قد شاعت و انتشرت في بوسنه فجدير ببوسنة أن تكون هى البلاد التي وجد فيها المسلمون المنكوبون من هنغاريا مأوى و مأمنا ثم اندمجوا في أهاليها مؤثرين فيهم و متأثرين بهم، ليستقبلوا أخيرا بالبشر و السرور السلطان الفاتح محمدا الثاني على رأس جيش جنوده إخوة لهم في الدين.

***************************************************************************************************************************************************

تاريخ روسيا السياسية ومعاناة المسلمين في ظل توسعها قديما وحديثا

ألقى هيوغ واتسون في كتابه "الاستعمار الجديد" الضوء على تاريخ روسيا السياسية وكيفية توسع إمارة موسكو لتصبح خلال ثلاثة قرون وربع قرن إمبراطورية كبيرة تضم شعوبا وأقواما من غير الروس وأراض غير الأراضي الروسية وفي البداية يشير واتسون الى طوبوغرافية روسيا قائلا بأن أرضها تتكون من غابات وسهول تقطعها أنهار عديدة من بينها نهري دنيبر وفولغا. كما ويشير الى ظهور إمارات ودويلات عديدة في تلك المناطق خلال القرون الماضية. وقد ظهرت أول دولة في تلك المناطق على ضفاف نهر دنيبر في أواخر القرن الثامن الميلادي وكانت عاصمتها "كييف". واعتنق أمراء هذه الدولة المذهب الأرثودكسي عام988 للميلاد. وأشار العديد من المهتمين بالشؤون الروسية الى أن روسيا كانت عبارة عن إمارة موسكو وكانت وثنية فاعتنقت المسيحية نتيجة زحف اليهود الى الامارة قادمين من سواحل بحر قزوين الغربية ، وكذلك خوف أمرائها من سيطرة اليهود عليها بعد أن تورط أطبائهم في قتل أحد القياصرة بالسم تحركت إمارة موسكو بإتجاه مناطق الغابات حيث فر قسم من أهلها أمامهم في حين قبل القسم الآخر بسيطرة الروس عليهم وإتخاذ اللغة الروسية لغة لهم. خلال الاعوام من1226 الى1230 الميلادية تمكن الأمير باطو إبن جنكيزخان من تحطيم دولة كييف وإخضاع أمراء الروس لسلطته حيث بنى بالقرب منهم دولة جديدة كانت عاصمتها على نهر فولغا وإسمها ساراي أمراء دولة ساراي كانوا من المغول وشعبه كان من التتار وكانت لغتهم التركية ، واعتنقوا الاسلام في القرن الرابع عشر للميلاد. وأستطاعت فيما بعد إحدى الامارات الروسية وبمساعدة الكنيسة الأرثودكسية الانفصال من دولة التتار منشأة لنفسها قوة عسكرية وإدارة ذاتية. وفي جانب التتار تمزقت دولتهم نتيجة صراعات داخلية بين أمرائها فأصبحت ثلاث كيانات ضعيفة وهي

أولا : إمارة خان قازان في المناطق الواقعة في أواسط نهر فولغا

ثانيا : إمارة إستراخان القريبة من مصب نهر فولغا عند بحر قزوين

ثالثا : إمارة القرم في شبه جزيرة القرم

هذا التمزق والتشتت دفع بالروس الى تجميع قواهم والتهيؤ للزحف على التتار ، فاستطاع القيصر إيفان الرابع الملقب بالرهيب من إحتلال إمارة قازان عام1552 الميلادي ، وإمارة إستراخان عام1556 الميلادي وبما أن الدولة العثمانية كانت على صراع مع الامبراطورية الروسية القيصرية فكانت تساعد الامارات التتارية لتقف جدارا بوجه الزحف الروسي بإتجاه قلب الامبراطورية في أستامبول مما دفع بالروس الى تكثيف هجماتهم العسكرية على مناطق نهر فولغا من أجل الوصول الى سواحل بحر قزوين ، وكذلك الهجمات على شبه جزيرة القرم بهدف الوصول الى سواحل البحر الأسود ، ولكن تحول التتار الى حلفاء أقوياء للعثمانيين عام1475 للميلاد حال دون تحقيق الروس لأهدافهم. وإستطاع القيصر الروسي بطرس الكبير خلال الاعوام من1689 الى1725 الميلادي من تحقيق إنتصارات عسكرية على شبه جزيرة القرم ، وفي سواحل البحر الأحمر التي كانت للدولة العثمانية سيطرة عليها. جاءت السيطرة الكاملة للروس على شبه جزيرة القرم عام1783 الميلادي بعد سيطرة الروس على إمارة قازان وإستراحان توجهوا الى الشرق والجنوب الشرقي ، فاستطاعوا في القرن السابع عشر الوصول الى سبيريا بعد أن عبروا نهر آمواداريا ، وفي الجنوب الشرقي أجبروا إمبراطور الصين آنذاك على الدخول معهم في إتفاقيات ثنائية لتقسيم النفوذ في تلك المناطق فكانت إتفاقية نرشينسك عام1689 الميلاد والتي كانت مدتها200 عاما وفي الشرق تمكن الروس من بسط نفوذهم على جزيرة كامشتكا خلال القرن التاسع عشر وعقدوا إتفاقا مع سكان جزر كوريل

الزحف نحو المناطق الاسلامية

بعد إحتلال إمارة إستراخان زحف الروس نحو المناطق الاسلامية الواقعة الى الجنوب الشرقي من إمارة الروس في موسكو ، وخلال زحفهم على مناطق قفقاس واجهوا مقاومة عنيفة من قبل شعوب تلك المناطق ، ولكن القوات الروسية المجهزة بأسلحة جيدة تمكنت من دحر مقاومتهم فالتحقت بهم شعوب مناطق كاباردين وأوستين وكانت غالبيتهم العظمى مسيحيون. وكان الى الشرق منهم يعيش شعب الشركس الذين لم يكن بمقدورهم مقاومة الروس طويلا بالرغم من تلقي مساعدات من الدولة العثمانية. وبعد الشركس زحف الروس بإتجاه الشيشان وداغستان الواقعتين في المناطق الجبلية العالية شرقي قفقاس. قاوم الشيشانيون والداغستانيون الروس مقاومة شديدة ولسنوات طويلة بحيث سجل التاريخ لهم تلك المقاومة وظهر من بينهم أبطال من أمثال الشيخ شامل والى الجنوب من الداغستان وخلف جبال القفقاس كانت مناطق جورجيا التي زحف اليها الروس بأمل الوصول الى بحر قزوين المطل على الاراضي الايرانية ، وكان الشعب الجورجي قد إعتنقوا المسيحية خلال القرن الرابع الميلادي. إتبع ملك جورجيا سياسة التقرب الى الروس من أجل الحفاظ على إستقلالهم وهويتهم فتحالف مع الروس عام1801 للميلاد ، ولكن قعت جورجيا في قبضة الروس بالكامل في زمن جورج الثامن وفي عام1823 الميلادي تمكن الروس من إحتلال مناطق أرمينيا بعد أن إحتلوا بداية عام1813 مدينة باكو الستراتيجية ، وبعد ذلك استطاع الروس الضغط عسكريا على الامبراطورية العثمانية

الزحف نحو المناطق الواقعة جنوب سيبيريا

توجد الى الجنوب من سيبيريا سهول قيرغيزيا التي تسمى اليوم قازاخستان ، فوقعت هذه المناطق بالتدريج خلال قرني الثامن عشر والتاسع عشر تحت سيطرة الروس. وكانت الى الجنوب من قازاخستان تقع مناطق تركستان التي من أشهر مدنها سمرقند وبخارى العلاقات بين أهل هذه البلاد والروس كانت متوترة بإستمرار ، لأن الروس كانوا يطمعون في إحتلالهم ، وكانت تحصل بين الطرفين مناوشات وأحيانا هجمات عسكرية. تمكن الروس من إحتلال تركستان عام1860 الميلادي بعد أن استعانوا بعدد من تجار وأصحاب النفوذ من التتار داخل تركستان. وفي عام1865 سيطر الروس على مدينة طاشقند ، وفي عام1873 الميلادي سيطروا على مدن كييفا وبخارى ، وفي عام1884 الميلادي إحتلوا إمارة خان خوقند ، وفي الاعوام من1881 الى1884 تمكن الروس من إحتلال مدن مرو ، نسا ، سرخس ، وبيهق القريبة من الحدود الايرانية في الجنوب

التحرر من السيطرة القيصرية

بعد إنتصار ثورة أكتوبر من عام1917 تحررت الشعوب الواقعة تحت ظلم القياصرة وبدأت الحركات القومية بالظهور على مسرح الأحداث في سعي الى الاستقلال الكامل من سيطرة الروس ، وكانت الشعوب الاسلامية في تركستان وطاجيسكتان وأوزبكستان ، وفي الشيشان والداغستان وآذربايجان قد تحركت لنيل إستقلالها الكامل من قبضة الروس ، فقد عقد مسلمو القفقاس مؤتمرا حاشدا في موسكو في14/5/1917 وقدموا من خلاله مطاليبهم ضمن مقترحين الى الحكومة الروسية المقترح الأول قدم من قبل ممثلي مسلمي آذربايجان وآسيا الوسطى طالبوا بموجبه منحهم حكما ذاتيا في إطار دولة روسيا المقترح الثاني قدمه ممثلوا تتار فولغا والشعوب التي تبعثرت داخل روسيا طلبوا بموجبه منحهم الاستقلال الثقافي ، وكانوا يسعون كذلك الى إقامة حكومة خاصة بهم داخل روسيا في22/4/1918 إتحدت ثلاثة أحزاب في مناطق قفقاسيا وأعلنت عن تشكيل قفقاسيا الموحدة. والأحزاب الثلاثة كانت : حزب المنشفيك/جورجيا ، والحزب الأرمني ، والحزب التتاري الآذربايجاني الديمقراطي. وكانت الأحزاب الثلاثة شكلت في البداية حكومة القفقاس المستقلة وإنفصلوا عن الروس. ومهدت معاهدة برست ـ لينوفسك المبرمة بين روسيا وألمانيا في آذار/مارس من عام1918 الطريق أمام الاستقلال الكامل لمناطق أوكرانيا وقفقاس ، وكانت النتيجة الاعلان عن قفقاسيا الموحدة وقد سرت موجة من التحرر وتشكيل حكومات مستقلة في البلاد التي سيطرت عليها الروس في زمن القياصرة ، ولكنها لم تدم طويلا حيث عاد الروس الى إحتلالها مجددا في زمن البلاشفة الروس

التحرك بإسم الأخ الأكبر

الجنرال الروسي كوروباتكين كان حاكما عاما في تركستان الشرقية ، فقال في مؤتمر للوطنيين التركستانيين يوم21/8/1916: ينبغي أن يكون للروس في كل أرجاء روسيا دورا كبيرا ورئيسيا وينبغي أن يمسكوا بزمان شؤون الدولة قبل غيرهم ، لأنهم ساهموا أكثر من غيرهم في بناء روسيا. والشعوب الكثيرة الواقعة داخل روسيا كلها لإب واحد وهو إمبراطور روسيا الكبير ، وكلها من أم واحدة وهي روسيا الكبرى. وفي داخل هذه الأسرة الكبيرة ينبغي أن يكون الروس هم الأخ الأكبر للجميع هذه الفكرة وهذه الروحية إنتقلت الى قادة الروس من البلاشفة فتعاملوا مع الشعوب من غير الروس بنفس الأسلوب واعتبروا أنفسهم أخا أكبر لتلك الشعوب ، ولما رفضت هذه الشعوب الخضوع لهم واجهوهم بأعنف طريقة وبقسوة شديدة قالت أنا بنكروتوفا عضوة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الروسي في كتابها "أمة الروس العظيمة": أن الشعب الروسي العظيم ساهم بشكل منقطع النظير في التغيير الاقتصادي والثقافي للشعوب غير الروسية داخل الاتحاد السوفيتي. عليه فإن هذه الشعوب مدينة لهم وعليها أن تشكر الروس العظام الذين ساعدوهم من أجل التحرر في زمني القيصر والسوفيتي الحالي. وفي الحقيقة فإن على تلك الشعوب أن تكون ممتنة لروسيا القيصرية التي ضمتهم اليها ، لأنه لم يكن بمقدورهم التعامل مع الثقافة والتطور الموجودان لدى الروس

معاناة الشعوب الاسلامية داخل روسيا

تعرضت الشعوب الاسلامية داخل روسيا البلشفية الى التهجير القسري والحصار الاقتصادي والاضطهاد السياسي والتدمير الاجتماعي والثقافي ، وتعرضوا الى هجمات شرسة قام بها الجيش الروسي بعد ثورة أكتوبر فأعاد إحتلال جميع المناطق والشعوب التي كانت قد تحررت للتوه من قبضة القياصرة ، وتعرضوا الى المجاعة المتعمدة بشكل راح ضحيتها الملايين من البشر بعيدا عن توجيه إنتقادات ولو على إستحياء الى الروس كتبت جريدة أزفيستيا في عددها الصادر يوم15/9/1922 حول مجاعة شبه جزيرة القرم قائلة

بلغ عدد الذين أصيبوا بالمجاعة في هذه الجزيرة كالآتي

أولا : في شهر شباط/فبراير302000 شخص فمات14413 منهم

ثانيا : في شهر آذار/مارس أصيب بالمجاعة379000 شخص ، مات19902 منهم

ثالثا : في شهر نيسان/أبريل أصيب بالمجاعة377000 شخص ، ولم يتم الكشف عن عدد الموتى جوعا. وكان عدد سكان الجزيرة عام1917 خمسة ملايين نسمة فبقي منهم عام1940حوالي400 ألف شخص وجاء في رسالة للشيخ محمد عبداللطيف نائب رئيس الأزهر في مصر بالاتفاق مع عدد من أهالي شبه جزيرة القرم اللاجئين الى مصر أرسلها الى الأمم المتحدة حول ما تعرض لها مسلمو روسيا من مجازر ومجاعة ومعاناة على أيد الروس

جاءت في جانب من الرسالة ما يلي

نورد لكم بإختصار الأساليب المتبعة من قبل الروس للقضاء على المسلمين داخل الاتحاد السوفيتي أولا : الابادة الجماعية لشعب بأكمله أو لجزء منه ، أو نفيهم الى سيبيريا ومناطق أخرى ليلقوا حتفهم هناك. والمثال على ذلك 1ـقتل مئة ألف من أهالي تركستان عام1934 ، وكان من بينهم المئات من العلماء والمثقفين والتجار والفلاحيين ، ونفوا300 ألف شخص الى مناطق بعيدة 2ـإعتقال500 ألف شخص خلال الأعوام من1937 الى1939 ، وأعدموا مجموعات كبيرة منهم ، ونفي الألاف منهم الى مجاهيل سيبيريا

3ـبلغ عدد القتلى من المسلمين عام1950 سبعة آلاف شخص

4ـمنذ عام1919 والى حين كتابة هذه الرسالة بلغ عدد الهاربين من تركستان فقط مليونان وخمسئة ألف شخص 5ـبلغ عدد الموتى بسبب المجاعة من عام1932 الى1934 ثلاثة ملايين شخص في تركستان وحدها ، لأن الروس استولوا على حقول الحبوب ومخازنها 6ـنتيجة سياسة الدمج بين البلدان داخل الاتحاد السوفيتي تم تهجير400 ألف شخص من تركستان الى أوكرانيا وأواسط آسيا

7ـبلغ عدد المعتقلين13565 شخصا عام1915

8ـفي جزيرة القرم قتل الروس100 ألف شخص تحت المجاعة ، وأجبروا50 ألف آخرين على الرحيل وعلى صعيد الهدم والتدمير فقد إرتكب الروس أعمالا يندى لها جبين الانسانية لقد بلغ عدد المساجد التي حولت الى أماكن للهو وأماكن الاستراحة للقوافل وغيرها من النشاطات غير الاسلامية6682 مسجدا ، وبلغ عدد المدارس والمعاهد الدينية والعلمية التي أغلقت7052 مدرسة ومعهدا ، ولم يبق الروس إلا على ثلاث معاهد وهي : مدرسة ديوان بيكي في مدينة بخارى ، ومدرسة بغلربك وبران خان في مدينة طاشقند واشارت الرسالة الى أسماء العلماء وتلاميذة العلم من الذين أعدمهم الروس في مدن بخارى وطاشقند وسمرقند وغيرها من المدن الاسلامية ، كما اشار الرسالة الى أسماء السياسيين والمثقفين الذين أعدمهم الروس أو أبعدهم من تركستان ، وكان من بين الذين قتلوا على أيد الروس : رئيس جمهورية تركستان حاجي خواجه نياز ، ورئيس وزرائه مولانا ثابت ، وقائد منطقة آلطا شريف الحاج ، ووزير الدولة يونس بك ، ووزير التجارة حاجي أبوالحسن ، ورئيس مجلس النواب طاهر بك ، ووزير العمل عبدالله داملا ، ورئيس جمهورية القرم ولي إبراهيم مع جميع وزرائه حيث قتلوا عام1928 ، وكذلك الرئيس الذي خلفه محمد قوباي مع وزرائه عام1930 فالمعاناة والمآسي التي يتعرض لها الشعب الشيشاني اليوم على أيد الروس تحت أمرة رجل المخابرات الروسية فلاديمير بوتين هي إستمرار للمعاناة والفواجع التي تعرضوا لها في القرون الماضية على أيد الروس وعلى مرأى ومسمع من المجتمع الدولي ، وأن جهادهم اليوم هو إستمرار لجهاد أجدادهم وآبائهم ، ولكنه جاء في زمن لا يسمع فيه أحد لإستغاثة المسلمين ، لأن الزمن هو زمن الارهاب وتبادل المصالح بين القوى الكبرى

******************************************************************************************************************************