الإعلام
الإعلام الغربي
وتشويه حقائق الصراع , الإعلام من المنطلق
الغربي إلى التأصيل الإسلامي, الإعلام الامبريالي
وأثره على اعلام الدول , الهجوم على الإسلام
مِنْ مَنْ؟ ولماذا؟
إرهاب الإعلام الصهيوني وطمس الحقائق, الحرب الإعلامية الصليبية على العراق
الإعلام الغربي وتشويه حقائق الصراع
عام :
لا جدال في أن من يملك الإعلام في هـــذا الزمان يملك زمام الشعوب؛ ففي عالم
تحوّل إلى قرية صغيرة تطورت فيه وسائل الإعـــلام والاتصالات، وغزت فيه عالمنا
الإسلامي الأفكار والقيم الواردة من كل أنحاء العالم... وأصـبح من المهم بل من
الضروري البحث في أثر هذا الإعلام على حسم الصراعات والخلافات الفـكـرية وغير ذلك،
في هذه القرية العالمية. وقد أدى تطور وسائل الإعلام وتضخم الآلة الإعلامـية
الغربية إلى ظهور خطرها على الهويات الدينية والعرقية لكثير من شعوب العالم؛ ففي
عـالم تزيد عدد اللغات فيه عن 6000 لغة، وتتنوع وتتباين فيه القيم الحضارية
والدينية، يـمـثــل الإعـــلام الغربي أكثر من 90% من حركة الإعلام المتدفق بين
أرجاء العالم. ولا شك أن لهذا آثــــاراً سلبية على محاولات الحفاظ على الهوية
الدينية، والوقاية من الأمراض الأخلاقية الغربـيـــــة التي تتسرب إلى الشعوب من
خلال تدفق المعلومات.
والإعــلام الغربي يؤثر أيضاً بصورة فعالة على كثير من القيادات السياسية في
العالم، مما دعا الأمـيـــن العام السابق للأمم المتحدة للقول بأن وكالة الأنباء
التلفزيونية - هي العضو رقم 6 في مجلس الأمن. ولكن المعلوم أن هذا الإعلام لا
يعبِّر عن المعاناة الحقيقية للبشر. إن المتتبع للإعــــــلام الغربــي وطرق صياغته
وأساليب إيصاله إلى المواطن يرى الكثير من التجاوزات في المصداقــيـــــة والحيدة.
وكثرت في الآونة الأخيرة الدلائل على المحاولات المتعمدة لإعادة صياغة المواقف
السياسية وتفسيرها وتشويهها بما يخدم أهداف الغرب ومن يدور في فلكه.
ومن هنا تأتي أهمية تتبع الآثــار التي تنتج عن تشويه الإعلام الغربي لحقائق
الصراع في كثير من بقاع العالم. والحديث فـي هذا المجال لا بد أن يتطرق إلى
المنطلقات الشرعية في فهم حقائق الصراع العالمي، والحـديــث عـمــــــن يملك
الإعلام الغربي، والآثار المنظورة والمحسوسة للإعلام على الرأي العام للشعوب.
كـمـــا أنه من الضروري التطرق إلى بعض أمثلة تشويه الحقائق وتغييرها من قبل
الإعلام الغربي، والـبـحــث عن المستفيد من وراء ذلك، وأخيراً ما هو دور الإعلام
الإسلامي في مقاومة هذا التشويــــــه لحقائق الصراعات القائمة في العالم؟
تحذير قر آني:
لقد فضح القرآن الكريم لنا أساليب وسائل الإعلام الكافرة عبر التاريخ في حرب
الإسلام وأهله، التي تنوعت صورها ووسائلها وجمع بينها جميعاً رابط الكيد والعداء
للإسلام، والكذب والخداع وتشويه الحقائق. ولنتأمل قول الله - تعالى:
وَقَالَ الَذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا القُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ
لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ
[فصلت: 26]
وكذلك قوله:
وَمِنَ الَذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ
آخَرِينَ لَمْ يَاًتُوكَ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ
[المائدة: 41]،
وكذلك قوله - جل شأنه:
يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ
الحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ
[آل عمران: 71].
كما أن الاستهزاء بالإسلام والمسلمين، والسخرية منهم، وإشاعة الأخبار السيئة
عنهم ليس بالأمر المستغرب أو الجديد في ساحة الصراع بين حزب الرحمن وحزب الشيطان
منذ بدايات هذا الصراع. وقد أصبحت وسائل الإعلام الغربية من أهم وسائل إدارة هذا
الصراع وتأجيج ناره في العقود الأخيرة. وقد حذر الله - تبارك وتعالى - الأمة
المجاهدة من هذه الوسائل الشيطانية في أكثر من موضع في الكتاب العزيز. ومن ذلك:
يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لا
يَاًلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ
أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ
[آل عمران: 118]،
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ
الَذِينَ آمَنُوا
[البقرة: 212]،
وَإذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ
[النساء: 83].
هل تثق الشعوب الغربـية في إعلامها؟
في دراسة أعدها كل من أندرو كوت وروبرت توث حول ثقة المواطن الأمريكي في مصداقية
الإعلام الغربي، ونُشرت في دورية الصحافة والسياسة الصادرة عن جامعة هارفارد، وجد
أن المجتمع الأمريكي قد انخفضت ثقته بالإعلام الغربي بصورة واضحة في السنوات
الأخيرة، ودلت الدراسة على أن الغالبية من الشعب الأمريكي التي كانت تثق في مصداقية
وسائل الإعلام الغربية قد تحولت إلى أقلية خلال عشر السنوات الماضية. فبينما اعتقد
33% من الشعب الأمريكي في عام 1985م أن الإعلام بصورة عامة يفتقد المصداقية، فقد
ارتفعت هذه النسبة إلى 44% في عام 1992م، وبلغت في نهاية عام 1997م حوالي 53%، كما
أظهرت الدراسة نفسها أن أكثر من 60% من الشعب الأمريكي يعتقد أن الإعلام يركز على
الجوانب السلبية أكثر من اللازم2. كما بينت الدراسة أن أهم أسباب عدم المصداقية
يرجع إلى عدم الحيدة من جانب الإعلام الغربي عند طرح القضايا وتحليلها. وعدم الحيدة
يرجع إلى عدد من الأسباب التي من أهمها وأبرزها: ملكية اليهود لوسائل الإعلام
وتأثيرهم المباشر على هذا الإعلام بشكل لافت للنظر.
من يملك الإعلام الغربي؟
تجمع معظم الإحصاءات أن المواطن الأمريكي يتابع ما يحدث في بلده وفي باقي أنحاء
العالم من خلال نشرات الأخبار التلفزيونية التي تشكل أهم مصدر إخباري لنسبة 85% من
الشعب الأمريكي. وهناك أربع شبكات تلفزيونية تشكل في مجموعها أكثر من 95% من
الأخبار المحلية والعالمية التي تجمع وتصور وتبث للمواطن الأمريكي. وهذه الشبكات
هي: سي. إن. إن CNN وتملكها شركة تايم - وارنر التي يرأسها جيرالد ليفين يهودي،
وشبكة إي. بي. سي ABC وتملكها شركة والت ديزني التي يرأسها مايكل إيزنار يهودي،
وشبكة سي. بي. إس. CBS وتملكها شركة وستنجهاوس ويرأس الشبكة إيريك وابر يهودي،
وشبكة إن. بي. سي. NBC وتملكها جنرال إليكتريك ويرأس قطاع الأخبار فيها أندرو لاك
يهودي. ومن المفاجئ بلا شك أن نجد أن كل هذه الشبكات تدار حالياً من قبل اليهود.
وهذا يعني أن 100% من القرار الخاص بالأخبار تبث من أكبر أربع شبكات تلفزيونية
أمريكية تتحكم في 95% من الأخبار في أمريكا، ولها تأثير بالغ؛ لأنها تشكل مصدراً
رئيساً للأخبار التي يتلقاها 85% من الشعب الأمريكي هي لليهود. فهل يعقل أن تكون
هذه مصادفة!
أما الصحافة اليومية فقد نجح اليهود في السيطرة عليها بل وامتلاك أكبر ثلاث
مؤسسات صحفية أمريكية مؤثرة. وهذه الصحف هي: نيويورك تايمز التي تعتبر الصحيفة
الموجهة لنبض المجتمع الأمريكي والمعبرة عن ثقافته، ويتولى رئاستها ويشغل منصب
الناشر لها في الوقت الحالي أرثر أوكس سالزبرج يهودي. وإضافة إلى الصحيفة اليومية
الهامة، فإن مؤسسة نيويورك تايمز تمتلك أيضاً 36 صحيفة يومية أخرى و12 مجلة هامة،
و3 شركات لطباعة الكتب، وتتولى نيويورك تايمز تزويد ما يزيد عن 500 صحيفة يومية
بالأخبار. والصحيفة الثانية هي واشنطن بوست وهي الجريدة السياسية الأولى في أمريكا،
ويقرؤها معظم صانعي القرار ابتداءً من البيت الأبيض، وحتى ممثلي الولايات في
الكونجرس الأمريكي. وقد اشترى إيجين ماير يهودي هذه الصحيفة عام 1933 ولا تزال
مملوكة لعائلته، وتملك الحصة الكبرى فيها إحدى حفيدات إيجين وهي كاثرين ماير
يهودية. أما صحيفة وول ستريت جورنال وهي صحيفة المال والتجارة، والتي يقرؤها
السياسيون ورؤساء الشركات والمستثمرون وأصحاب الأموال في أمريكا وكثير من بقاع
العالم، وتعتبر أكثر الصحف الأمريكية انتشاراً؛ حيث يطبع منها ما يزيد على 2.1
مليون نسخة يومياً فهي مملوكة لشركة داو جونز التي يرأسها بيتر كان يهودي. وتصدر
المؤسسة 24 صحيفة يومية وأسبوعية أخرى. أما المجلات الأسبوعية فنجد أن أهمها على
الساحة السياسية مملوك تماماً لليهود. وهذه المجلات هي: مجلة التايم 4.1 مليون نسخة
أسبوعياً وتملكها تايم وارنر التي يرأسها جيرالد ليفين يهودي، ومجلة نيوزويك 2.3
مليون نسخة وهي مملوكة للواشنطن بوست التي ترأسها كاثرين ماير يهودية وأخيراً مجلة
يو إس نيوز 2.3 مليون نسخة ويملك أغلب أسهمها ويرأسها مارتينمر زوكرمان يهودي.
أما من ناحية دور النشر فيوجد في أمريكا مئات دور النشر في المجالات الثقافية
والعلمية المختلفة؛ ولكننا نجد عند البحث عن أكبر هذه الدور أنها مملوكة وتدار
أيضاً من قِبَلِ اليهود؛ فمؤسسة تايم بوكس مملوكة لشركة تايم - وارنر التي ذكرنا
سابقاً أن رئيسها هو جيرالد ليفين يهودي، ومؤسسة راندم هاوس يملكها نيوهاوس صامويل
يهودي. ومؤسسة سايمون أند شوستر مملوكة لشركة بارامونت التي يرأسها مارتين دايفز
يهودي. وأخيراً شركة وسترن التي يرأسها ريشارد برنستاين يهودي. ولذلك فليس من
المستغرب أن نشاهد هذا التواطؤ الإعلامي على تشويه حقائق الصراع في كل مناطق العالم
الإسلامي، وطرحها بصورة تخدم التوجهات الغربية واليهودية.
تشويه الواقع: لماذا؟
في كتاب بعنوان: الإعلام الأمريكي والشرق الأوسط: الصورة والانطباع يذكر مؤلف
الكتاب سببين للتشويه المتكرر في الإعلام الغربي لصورة الإسلام والمسلمين: السبب
الأول في نظر الكاتب: هو أن طبيعة الشرق الأوسط والإسلام غير مفهومة بشكل صحيح لمن
ينقلونها إلى الإعلام الغربي من مراسلين ومحررين غربيين. والسبب الثاني: هو أن هذه
الوسائل الإعلامية تنقل رسالتها من خلال منطلقات علمانية غربية؛ وهذه ليست بالضرورة
أفضل وسيلة لنقل المعلومات عن العالم الإسلامي. ورغم أن الكاتب قد يكون مصيباً في
ذكر هاتين النقطتين كسببين لتفسير هذا التشويه، إلا أن هذه الأسباب ليست هي الأسباب
الأكثر أهمية. كما أن هذه الأسباب تنطبق أيضاً على إسرائيل مثلاً؛ ومع ذلك فلا نجد
أي تشويه متعمد أو غير ذلك فيما يتعلق بمواقفها. ومن خلال دراسة سابقة حول الهيمنة
الصهيونية على الإعلام الغربي3 لوحظ أن السيطرة الصهيونية على معظم وسائل الإعلام
الغربي هي السبب الرئيس في هذا التشويه المتعمد والمتكرر لكثير من حقائق الصراعات
في العالم بالشكل الذي يخدم مصالح هذه الفئة - ويغلب على كافة المصالح الأخرى - ومن
بينها المصالح الأمريكية ذاتها.
كما أن هناك أسباباً أخرى ساهمت بصورة أساسية في تكوين الانطباع السلبي العام عن
الإسلام والمسلمين في القارة الأمريكية مما سهل بلا شك تقبّل ما يقدمه الإعلام من
صور سيئة عن المسلمين؛ ومن ذلك أن كثيراً من المستعمرين الأوائل للقارة الأمريكية
القادمين من أوروبا كانوا يعقدون الكثير من الشبه بين واقعهم من ناحية فرارهم من
الاضطهاد الكنسي في أوروبا، وبين تاريخ بني إسرائيل وفرارهم بدينهم. وفي بداية هذا
القرن، رأى الأمريكيون أن اليهود في فلسطين يقومون بنفس العمل الذي قام به أجدادهم
عندما قدموا إلى أمريكا. ولذلك فكما رأى الأجداد الأوائل أن هذه البلاد غير مأهولة
إلا بالرعاع من الهنود الحمر الذين كان لهم أحد خيارين: إما التنصر وخدمة الرجل
الأبيض، أو القتل، فإن الحكومة الأمريكية قد تعاملت مع بداية إسرائيل وعلاقتها
بالفلسطينيين بنفس المنطق والتصور. وأخيراً فإن المبشرين من القارة الأمريكية قد
انطلقوا في القرن الماضي في حملات متوالية لتنصير المسلمين في الشرق الأوسط وفي
فلسطين خاصة، وفوجئ هؤلاء المنصرون بصعوبة تنصير المسلمين بل حتى بصعوبة تحويل
نصارى العرب إلى البروتستانتية. وأدى ذلك إلى كتابة عدد من الكتب عن تجاربهم
السلبية.
وامتلأت تلك الكتب بالأوصاف السيئة عن جمود العرب وتخلفهم، وعدم قبولهم للهدايـة
التي جـاؤوا بها4. وكان لهذه الأسباب مجتمعة أثر كبير في قناعات كثير من القائمين
على أوجه التأثير الإعلامي في القارة الأمريكية، ولذلك لا يستغرب انصياعهم
واستجابتهم للتشويه المتعمد من قبل اليهود الذين سعوا منذ نشأة الإعلام الغربي
لتوجيهه ضد الإسلام والمسلمين.
وسائل التشويه
إخفاء الحقائق:
المتتبع للإعلام الغربي يلحظ عدم الحيدة بشكل واضح عندما يتعرض الأمر لاهتمامات
إسرائيل؛ فلا يتم الإعلان عن الجرائم التي ترتكب يومياً في فلسطين على يد المتطرفين
اليهود، بينما تبرز العمليات الاستشهادية وتستغل أبشع استغلال. وهناك تصوير الغزو
لجنوب لبنان على أنه عمل تحريري ودفاعي، بينما يمثل الجهاد الأفغاني ضد الاحتلال
الروسي بأنه تطرف وأصولية. وعلى صعيد آخر نلاحظ في الفترة الأخيرة الحملة التي
يتبناها الإعلام الفرنسي ويتبعه في ذلك العلمانيون والتنويريون في مصر للاحتفال
بمرور 200 عام على الحملة الفرنسية على مصر، وإبراز الحملة كنقلة حضارية للشعب
المصري، وتعمد إخفاء أنها كانت استعماراً واحتلالاً انتُهكت فيه حرمة المقدسات
الدينية، وعُبِثَ فيه بالأزهر الشريف، وقُتِلَ آلاف المسلمين من أبناء مصر دفاعاً
عن دينهم ووطنهم.
ويذكر الكاتب الأمريكي بالتز أن الإعلام الأمريكي قد ضلل الشعب الأمريكي وقيادته
بشكل واضح خلال الفترة التي سبقت انهيار إمبراطورية الشاه في إيران5. ومن ذلك أن
معارضة حكم الشاه كانت تصور دائماً على أنها مقاومة من أقلية دينية متطرفة. ولم
تجرؤ وسائل الإعلام الغربية على وصفه بالدكتاتورية حتى نهاية حكمه، وكان معارضوه
يوصفون دائماً بعدم التنظيم، وكان المراسلون يكررون دائماً صعوبة الانقلاب على
الشاه، وأنه أمر غير محتمل.
كما يبدو واضحاً للمتابع حرص الإعلام على إخفاء بعض الوقائع التاريخية التي لا
تخدم اهتمامات الإعلام الغربي الحالية. فرغم كثرة استشهاد وسائل الإعلام الغربية في
المناسبات القومية وغيرها بأقوال مؤسسي الولايات المتحدة، وتقديمها للشعب الأمريكي
على أنها من الحِكَمِ والمآثر للأجداد الذين قامت على أكتافهم الحضارة والتفوق
الأمريكي، إلا أننا نجد تعتيماً تاماً لمواقف هؤلاء الزعماء من الوجود اليهودي في
القارة. وقد قرأت مؤخراً أحد خطابات الرئيس الأمريكي السابق بنجامين فرانكلين في
عام 1779م محذراً أول مجلس تأسيسي للولايات المتحدة من خطر اليهود قائلاً: لا تظنوا
أن أمريكا قد نجت من الأخطار لمجرد أنها نالت استقلالها، فهي ما زالت مهددة بخطر
جسيم وهو تكاثر اليهود في بلادنا.. إن هؤلاء اليهود هم أبالسة وخفافيش ليل.. اطردوا
هذه الفئة الفاجرة من بلادنا قبل فوات الأوان.. أيها السادة: ثقوا أنكم إذا لم
تتخذوا هذا القرار فوراً، فإن الأجيال القادمة ستلاحقكم بلعناتها وهي تئن تحت أقدام
اليهود.
الكذب المتعمد:
يروي دافيد بن جوريون - وهو الرئيس الإسرائيلي الأسبق - في مذكراته أنه اتفق مع
جمال عبد الناصر خلال الحملة على الإخوان المسلمين أن تقوم الإذاعة الإسرائيلية
بالدفاع عن الإخوان والهجوم على عبد الناصر للإيحاء بوجود صلة بين الإخوان واليهود،
ولإعطاء الفرصة لعبد الناصر باتهام الإخوان بالعمالة لليهود والتعاون معهم. وقد ذكر
هذه الواقعة أيضاً رئيس الوزراء الأردني السابق سعد جمعة في كتابه: أبناء الأفاعي
نقلاً عن مايلز كوبلاند صاحب كتاب: لعبة الأمم. كما تعمد هذا الإعلام اليهودي نقل
قصص الفساد الإداري في الدولة العثمانية في بداية القرن للتعجيل بسقوطها، وإبراز
حوادث الانحلال والاستبداد من خلال الحملة الشعواء التي شنها الإعلام الغربي على
الخليفة العثماني السلطان عبد الحميد، ووصفه بلقب السلطان الأحمر عقب رفضه بيع
فلسطين للوفد الصهيوني الذي أراد انتزاع ذلك الاعتراف منه. وتلا ذلك إبراز الخلافة
العثمانية بصورة الرجل المريض وإثارة التيارات القومية التركية للانقضاض على
الخلافة وتقويض أركانها.
ولعل أحد شواهد أثر هذا الكذب الإعلامي هو ما نقلته صحيفة الصنداي تايمز في أحد
أعداد عام 1981م عن الصحفية الأمريكية اليهودية: سارة ايهرمان أن مؤسسة الضغط
اليهودية إيباك قد تمكنت باستخدام الوسائل الإعلامية من تغيير الرأي العام الأمريكي
خلال 48 ساعة فقط عقب قصف إسرائيل للمفاعل النووي العراقي. وتدعي الصحيفة بكل فخر
نجاح الضغط الإعلامي في تحويل الرأي العام الأمريكي من الموقف الغاضب جداً ضد
إسرائيل إلى تقبل وجهة النظر اليهودية، بل والقناعة بأن ضرب المفاعل كان عملاً
شجاعاً من أجل سلام العالم6.
وقد استخدمت وسائل إعلامية أخرى مؤثرة لنقل الكذب والحقد على الإسلام والعرب في
العالم الغربي؛ ومن ذلك استخدام الأفلام السينمائية التي تؤثر على قناعات عامة
الشعوب الغربية. فمثلاً تظهر جولدا مائير في صورة المرأة الرحيمة في أحد الأفلام
الغربية التي تصور قصة حياتها، فعندما تسألها طفلة أمريكية: متى يتحقق السلام بينكم
وبين العرب؟ ترد الممثلة التي تؤدي دورها في إنسانية ورحمة: عندما يفوق حب العرب
لأولادهم على بغضهم لليهود سيتحقـق السلام بيننا7. وفي المقابل يظهر العربي المسلم
في معظم الأفلام الأمريكية الحديثة بصورة الغوغائي الدموي الحاقد على الغرب، والذي
لا يعرف للإنسانية أو الرحمة معنى. وقد تنبه الكثير من المؤسسات الصحفية المحايدة
منذ زمن طويل إلى السيطرة الرهيبة لليهود على صناعة الأفلام الغربية، فذكرت مجلة
نصرانية تسمى: الأخبار المسيحية الحرة في عام 1938م تحذيراً لهذه الظاهرة قائلة: إن
صناعة السينما في أمريكا يهودية بأكملها، ويتحكم اليهود فيها دون منازعة، ويطردون
كل من لا ينتمي إليها، وجميع العاملين فيها هم إما من اليهود، أو من صنائعهم، ولقد
أصبحت هوليوود بسببهم سدوم العصر الحديث، حيث تنحر الفضيلة، وتنشر الرذيلة، وتسترخص
الأعراض... أوقفوا هذه الصناعة المجرمة؛ لأنها أضحت أعظم سلاح يمتلكه اليهود لنشر
دعايتهم المضللة المفسدة. وكتب كثير من الكتاب المعاصرين عن سيطرة اليهود على صناعة
السينما والتلفزيون وأثر ذلك على صورة العرب في أذهان الشعب الأمريكي؛ ومن ذلك كتاب
صدر في العام الماضي لكاتب اسمه جولدبرج بعنوان قوة اليهود، أفرد فيه فصلاً كاملاً
للحديث عن تغلغل اليهود في صناعة السينما الأمريكية. كما كتب روبرت شارج في بحث له
عن تأثير الإعلام الغربي على صورة الشخصية العربية في نفوس الأطفال الأمريكيين.
وركز في دراسته على بعض البرامج الأمريكية المشهورة التي تنتجها مؤسسة والت ديزني
التي يمتلكها اليهود. ومن ذلك قصة علاء الدين الذي يظهر فيها كشخصية عربية تتحول
تدريجياً إلى النمط الغربي، وتحظى بحب كل من يتعامل معها في مقابل شخصية عربية أخرى
هي جعفر تمثل جانب الشر وتبقى محتفظة بالمظهر العربي، وكذلك بكراهية كل من يتعامل
معها. ويركز الباحث على الأثر النفسي لمثل هذا الفيلم على قناعات الأطفال في
المجتمع الأمريكي تجاه الشرق الأوسط؛ خاصة أن الفيلم تجاوزت مبيعاته 10 ملايين
نسخة.
السخرية والتهكم:
نشرت إحدى الصحف البريطانية الشعبية مؤخراً رسماً كاريكاتوريا على الصفحة الأولى
يبرز صورة الشيخ عمر عبد الرحمن بجوار صورة الطفلة البريطانية التي قتلت في حادث
الأقصر مؤخراً، وقد كتب تحت الكاريكاتور تعليق حاد وهو: من أجل هذا الشيطان قتلت
هذه البريئة ويروي الأستاذ زياد أبو غنيمة في كتابه: السيطرة الصهيونية على وسائل
الإعلام العالمية أنه رأى إعلاناً في إحدى القنوات التلفزيونية الأمريكية عام 1975م
عن أحد أنواع المنظفات الذي يبدأ بصوت المعلن قائلاً: إن هذا الصابون ينظف أي شيء..
حتى العربي ثم يظهر شخص في زي عربي متسخ وتحاول إحدى الفتيات تنظيفه بالمنظف الجديد
وينتهي الإعلان بقول الفـتاة: لقد بذلنا كل ما في وسعنا ويظهر المعلن مرة أخرى
ليقول: إن تقارير المختبرات أثبتت أن عدم نظافة العربي لا يرجع إلى عدم وجود
المنظفات، ولكن لأن العربي لا يمكن أن يصبح نظيفاً أبداً 8. وفي إعلان آخر عن وسيلة
لحماية النساء من المعتدين تسير فتاة باطمئنان ثم يفاجئها رجل يرتدي الزي العربي
ليهجم عليها بخنجر في يديه، فتستخدم الفـتاة مادة مخدرة ترشها في وجهه ليسقط مغشياً
عليه، ولا تنسى الفـتاة قبل أن تمضي أن تبصق على العربي.
تعميق الإحساس بالكراهية:
لقد أجاد الإعلام الغربي في تعميق إحساس الكراهية لدى الشعوب الغربية تجاه
الإسلام والمسلمين على مدى العشرين سنة الماضية، وكان لأحداثٍ مثل المظاهرات التي
أعقبت صدور كتاب: آيات شيطانية وعمت أنحاء أوروبا أثر كبير في استغلال صور انفعال
المسلمين لما في هذا الكتاب من إهانة للنبي -صلى الله عليه وسلم- وزوجاته والصحابة
لتصوير المسلمين أنهم جهلاء ولا يتمتعون بروح السماحة والنقاش الحر، وهي أمور
يعتبرها الغربي من المسلّمات والبدهيات خاصة في المجتمعات الغربية التي غُيِّبَ
فيها الدين بصورة تامة عن الحياة اليومية للشعوب، وشاهد المتفرجون على شاشات
التلفزيون الفرنسي صورة المظاهرة التي قام بها 500 شاب مسلم في باريس مطالبين
بالاقتصاص من كاتب ذلك الكتاب، وأعيدت المشاهد الانفعالية لهذه المظاهرة مرات عديدة
خلال الأيام التالية، وعبرت عن ذلك جريدة النيويورك تايمز في عدد 5 مارس 1989م
قائلة: لقد ظهر هؤلاء المتظاهرون فجأة في المجتمع كطابور خامس للتطرف الإسلامي في
فرنسا التي كانت تحتفل بمرور القرن الثاني على ثورتها ضد الدين وخرجت إحدى
اليمينيات في ذلك الوقت لتقول: إن الإسلام دين قائم على عدم التسامح.
وذكر روبرت فيسك في مقال له صدر في جريدة الإندبندنت البريطانية في يوم
3/12/1997م حول الإعلام الغربي وتعامله مع قضايا المسلمين أن هناك تعمداً مستمراً
للإساءة للدين الإسلامي بكل الطرق الإعلامية الممكنة من قِبَلِ الصحافة والإعلام
الغربي. وذكر في مقاله مثالين على ذلك وهما: وصف مجلة باري ماتش الفرنسية لحادثة
الأقصر بأنها من فعل مجانين الله، وكذلك غلاف مجلة التايم الأمريكية عقب تفجير برج
التجارة العالمي في نيويورك، والذي خرج بعنوان الإرهاب الإسلامي. وفي المقابل
فعندما قام الصرب بكل أنواع التنكيل والتعذيب للمسلمين في البوسنة والهرسك، كان ذلك
ينقل في الإعلام الفرنسي على أنه صراع عرقي وليس ديني. ولم يحدث أن أشير إلى جرائم
الصرب على أنها جرائم لنصارى أوروبا، ولكنها صورت في معظم وسائل الإعلام الغربية
على أنها صراعات من أجل الهيمنة على الأرض أو الحدود الجغرافية. وتلقفت كثير من
وسائل الإعلام العربية هذا الموقف نفسه وبدأت في إعادة بثه في وسائل الإعلام
العربية.
التعتيم والمحاصرة:
رغم أن الدراسات الإحصائية قد أثبتت أن أكثر من 50% من حملة شهادات الدكتوراه في
المجالات الهندسية في القارة الأمريكية هم من أبناء العالم الإسلامي، وكثير من
العلماء البارزين في شتى فروع العلوم الطبيعية والتقنية في الجامعات الأمريكية هم
من المسلمين، إلا أن الإعلام الغربي يصر على تصوير هذه النجاحات على أنها نجاحات
فردية، بينما تبرز نجاحات اليهود المماثلة على أنها تفوّق عرقي وأنها تؤكد تميّز
وذكاء الشعب اليهودي بأكمله. وقد صدر مؤخراً في أمريكا كتاب بعنوان: بين اليهود
والسود يعقد سلسلة من المقارنات بين السود واليهود في أمريكا، ويؤكد صاحب الكتاب في
أكثر من موضع أنه رغم أن كل من اليهود والسود في أمريكا يمثلان أقلية عرقية، إلا أن
هناك فرقاً شاسعاً بين تأثير كل منهما على الحضارة الغربية. ويتفنن الكاتب في ذكر
مناقب الأقلية اليهودية والذكاء الفطري لها، والإنجازات العلمية والحضارية
لأبنائها، بينما يهوِّن من الناحية الأخرى من شأن السود ويلتمس لهم الأعذار، ويقدم
بطريقة ماهرة وماكرة صورة سلبية وقاتمة لهذه الأقلية. وحيث إن الإسلام هو الدين
الأسرع انتشاراً بين طوائف السود في القارة الأمريكية، فلا يخفى على القارئ الربط
الذي سيعقده الأمريكي العادي عند قراءة مثل هذا الكتاب.
نماذج تاريخية: الصراع العربي الإسرائيلي في مجلة التايم: في دراسة متخحصة عن
القضية الفلسطينية والإعلام الأمريكي، قام ر. س. زهارنة بدراسة إعلامية تعقّب فيها
كيف تعاملت أشهر المجلات الأمريكية والعالمية - مجلة التايم - مع القضية الفلسطينية
منذ بداية الكيان اليهودي في فلسطين 1948م. ولاحظ الباحث أن التايم قد بدأت منذ عام
1946 1949م في تغيير كلمة الفسلطينيون إلى كلمات أخرى من مثل سكان فلسطين و عرب
فلسطين وذلك لإخفاء الهوية الحقيقية للسكان الأصليين في المنطقة. ثم تغيرت هذه
المصطلحات خلال الفترة من 1950م إلى نهاية الستينيات إلى: العرب غير الأردنيين و
العرب الإسرائيليين و الأردنيين، وصاحَبَ ذلك تطور آخر وهو التركيز على خصوصية
العلاقة بين أمريكا وإسرائيل لدرجة أن مجلة التايم قامت بنقل الموضوعات الخاصة
بقضية إسرائيل من صفحات القضايا الدولية في المجلة إلى الصفحات المحلية. واستمر هذا
التغيير منذ ذلك الحين. أما من ناحية اللقاءات الصحفية فقد كان أغلبها يتم مع
مسؤولين أمريكيين أو إسرائيليين مما جعل الطرح الصحفي دائماً متحيزاً للجانب
الإسرائيلي من النزاع، وكان لتصوير الفلسطينيين أنهم من العرب أثر إعلامي قوي في
أمريكا بين مختلف فئات الشعب الأمريكي لاستغلال الكراهية المترسخة نحو العرب من
جراء سنوات من الإعلام السلبي، إضافة إلى تصوير إسرائيل كياناً صغيراً في مقابل عدو
ضخم هم العرب، بدلاً من التركيز على المجازر الوحشية التي ارتكبتها إسرائيل ضد
الشعب الفلسطيني.
كما قامت التايم بعدد من التحقيقات الإنسانية مع العائلات اليهودية المهاجرة إلى
أرض الميعاد، وركزت هذه التحقيقات على جوانب التضحية والمعاناة والمشقة. ومثال ذلك
تحقيق أجري في عدد 7/2/1949م مع عائلة يهودية مهاجرة. كما استخدمت المقارنات
الإعلامية لإضفاء البريق على اليهودي والضعف والمهانة على العربي. ففي عدد
26/4/1948م كان عنوان أحد المقالات: اليهود يحتفلون بأسبوع من النصر، والعرب قد
أصابهم الضعف والضياع، وفي عدد 17/5/1948م: اليهود ينتظرون انتهاء الانتداب
البريطاني في ثقة تامة، والعرب الفلسطينيون في انهيار نفسي تام. عقب ذلك وخلال
الفترة من 1950م - 1967م انتقل تركيز مجلة التايم إلى الحديث عن شؤون إسرائيل،
وإبرازها قوة دولية مؤثرة، بينما كثر الحديث عن ضعف أبناء فلسطين وتشردهم في البلاد
العربية والغربية وعدم وجود قيادة لهم، وكانت صور الملاجئ تؤكد هذا الانطباع في نفس
القارئ، كما استمرت المجلة في امتهان الشخصية العربية وتصويرها بشكل مخز ومقزز9.
أما في الفترة من 1967م - 1987م فقد اختلفت الصورة تدريجاً، فمع إنشاء منظمة
التحرير عند بداية العمليات الفدائية، بدأ التركيز على صورة الفلسطيني الإرهابي،
وانتقلت الصورة الماثلة في أعين الغربيين عن الفلسطيني الذي كان ينظر إليه على أنه
مشرد لا حول له ولا قوة، إلى الإرهابي خاطف الطائرات وقاتل الأطفال والنساء بلا
رحمة ولا شفقة. وانتقلت مجلة التايم مرة أخرى إلى نوع جديد من التصوير السلبي
للفلسطينيين لتصفهم بأنهم متوحشون، إرهابيون بلا رحمة و غير منطقيين10. ولذلك كان
هناك نوع من التأييد عند احتلال إسرائيل لجنوب لبنان فيما صُوِّر أنه محاولة للقضاء
على الإرهاب الفلسطيني الذي يهدد العالم بأسره، ولكن تبع ذلك مذابح صبرا وشاتيلا
فعادت مرة أخرى صورة الفلسطيني المشرد المغلوب على أمره تحتل عناوين التايم وكأنما
كان ذلك لامتصاص غضبة العرب والمسلمين تجاه تلك المذابح الرهيبة.
أما في الفترة التي بدأت منذ عام 1988م فقد ظهر تغير في النظرة تجاه القضية
الفلسطينية وذلك عقب الانتفاضة التي قدمت الشعب الفلسطيني للعالم كشعب أعزل يقاتل
بالحجر وحشية الجندي اليهودي المدجج بالسلاح.
وهنا بدأ الإعلام الغربي في إعادة رسم وتقديم منظمة التحرير كشريك مقبول للسلام،
وبدأت عمليات تجميل صورة قيـادات المنظمـة التي كانت حتى عهد قريب توصـف بأنها
منظمة إرهابية، ويرجع كثير من الباحثين هذا التغيير في السياسة الإعلامية التي
تحركها اهتمامات اللوبي اليهـودي في أمريكا إلى الحاجة التي ظهرت لاستبدال قيـادة
الشعـب الفلسطيني واللحاق بهـا قبل أن تقع في أيدي الإسلاميين الذين ظهرت مصداقيتهم
للشعب خلال أحداث الانتفاضة، وفجأة تتحول مجلة التايم إلى دور المدافع عن ياسر
عرفات عندما رفض جورج شولتز وزير الخارجية آنذاك منحه تأشيرة دخول أمريكـا لإلقاء
خطاب في الأمم المتحدة.
وتعقِّب التايم على ذلك في عدد 5/12/1988م قائلـة: جهد فردي لمنع رئيس المنظمة
من التحدث أمام الأمم المتحدة. وصُوِّر عرفات عقب ذلك أنه النجم الصاعد الذي يتحدى
صـلــــف الحكومة الأمريكية11 والملاحظ هنا أن المنظمة لم يتم الاعتراف بها من قبل
الإعلام الأمريكي كممثل للشعب الفلسطيني عندما نالت المنظمة الاعتراف الدولي في عام
1974م، ولكن تم ذلك بعد أكثر من 19 عاماً؛ إذ تطابقت سياسة المنظمة مع سياسة قادة
إسرائيل عام 1993م. ولأول مرة تبدأ مجلة التايم في إظهار الجانب الإنساني في شخصية
عرفــــــــات بوصفه محباً للأطفال والرجل المسن في عدد 13/9/1993م، كما اختفى
الحديث عــن العداء، وبدأ ذكر عبارات الحوار والنقاش والخروج من دوامة الصدامات
التاريخية والبناء المشترك لأرض الميعاد والحياة جنباً إلى جنب.
دور الإعلام الإسلامي:
لا شك أن الإعلام الغربي قد نجح طوال القرون الماضية في صياغة عقول وتصورات
الكثير من الغربيين بل والشرقيين أيضاً حول قضايا وصـــراعات العالم. ونحن في حاجة
ماسة إلى الأخذ بزمام المبادرة في توعية الأمة بمثل هذه المكائـد. ولا بد من إدراك
حقيقة أن الوقاية خير من العلاج، وأن وجود الجهاز الإعلامي الإسلامي القادر على
التعامل مع هذه المكائد وصدها يجب أن يكون في دائرة اهتمام المخلصين مــن الأمــة،
ولا بد للإعلام الإسلامي أن يتمتع بالجرأة والمصداقية والعزم الصادق في التصدي
لمحــــاولات تغـيـيـب وتحريف هذا الدين، ولا بد من مشاركة المهتمين من غير
المسلمين في هذه القضية ودفع عـجـلـتـهـــا إلى الإمام. لقد عقد في العام الماضي
المؤتمر الدولي الأول حول الجوانب الأخلاقية والقانونـيــة والمجتمعية للمعلومات
الرقمية في مونت كارلو. وركز عدد من المندوبين في هذا المؤتمر على أهمية الحفاظ على
حيدة المعلومات والمصداقية في نقلها وتوزيعها. وعبر المدير العام لمنظمة اليونسكو
عن قضية هامة وهي ضرورة تحقيق ديمقراطية المعلومات.
وأكد على أهمية تأمين المعلومات والاتصالات للجميع؛ لأن مجتمع الـمعلومات ليس
جمعية سرية أو نادياً خاصاً وإنما هو أمر يهم كافة المجـتـمـعــات والثقافات. وأنهى
حديثه بالتأكيد على أن أخلاقية المعلومات تتحقق بديمقراطية المعلومات12، ولذلك
ينبغي لنا أن نبذل قصارى الجهد في إيقاف محاولات التـشـويــــه المتعمدة لديننا
وواقعنا وقيمنا الحضارية المستمـدة من الدين الإسـلامي، والله غالـب علـى أمـره
ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
________________________________________________________
الإعلام من المنطلق الغربي إلى التأصيل
الإسلامي
عام :
في عصرنا الحاضر تطورت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة وفق تقنيات
عالية، بما أكسبها قدرة ملموسة على الاستقطاب والتأثير والتوجيه، حيث وجدت من
الحضارة الغربية عناية بالغة، وقام الغرب بتطويرها لدعم المفاهيم والأفكار الـتـي
يؤمن بها، مما جعل الإعلام أسيراً للإبداع الأوروبي بما توفرت لوسائله من أسباب
التقدم التقني والتجـديد والإبداع، ليكون سلاحاً خطيراً يتعدى دوره الترويحي
والإخباري، ليعمل على تبديل المفاهيم وصناعة الاتجاهات، حاملاً لقيم ومفاهيم تحكم
قواعد التلقي والتثقيف بصورة تحقق التأثير المطلوب، ليس في المجتمع الغربي فقط، بل
في كافة المجتمعات والدول بما فيها المجتمع الإسلامي.
ولـمـــا كــانت الدعوة الإسلامية هي قدر أمتنا الإسلامية: فقد أصبح لزاماً
عليها أن تنظر للإعلام باعـتـباره قوة لمسيرة المسلمين واتجاهاتهم الفكرية والعقدية
أمام هذا الغزو الغربي، والذي لا يمـثـل ـ بالطبع ـ النموذج المطلوب وفق الهدي
الإسلامي.. مما يتطلب محاولات جادة لتأصيل الإعلام، ليكون عنصراً فاعلاً في مسيرة
الدعوة الإسلامية.
أثر الحضارة الغربية في المسيرة الإعلامية الحديث:
من المعلوم أن الحـضـارة الغربية المعاصرة قامت على إثر الصدام الذي حدث بين
المجتمع الأوروبي والكنيسة، أي: بين المجتمع ورجال الدين، نتيجة لمواقف الكنيسة ضد
العلماء والمفكرين آنذاك، وبالتالي: ظهر الاستبداد الكنسي على كافة مظاهر الحياة
ومناشطها. وانسحب العداء ليـتـعـــدى رجال الدين النصراني ويشمل الدين ـ أيّ دين ـ؛
مما أحدث المفاصلة الكاملة بين الفكر الديني والعقل الأوروبي في كافة أنشطة الحياة،
فظهر الاتجاه المادي المتحلل من تعاليم الدين ليحكم المسيرة العلمية والفكرية
للنهضة الأوروبية ، ولما كان الإعلام واحداً من هـمـــوم هذه النهضة: فقد جاء
متأثراً بهذه المفاصلة، ومع التطور الهائل في تقنيات الإعلام وتجدد وسائله: فإن هذه
المفاصلة ظهرت في اتجاهين مختلفين في المسيرة الإعلامية الأوروبية.
الاتجاه الأول:
الإعلام المادي الدنيوي الذي ابتعد عن الالتزام بالمثل والقيم، واتجه نحو إشباع
الميول والغرائز والإلهاء دون النظر إلى كون ذلك حراماً أو حلالاً، حتى أصبح أقرب
للتجارة والكسب منه إلى التوجـيــه والتـبـصـيـر، فاتجه نحو الجماهير والعامة سعياً
وراء التسويق والكسب المادي؛ مما كرس الاتجاهات الرخيصة، فظهرت صحف وأفلام الجنس
والإغراء، وقد ساعد اليهود كثيراً في دعم هذا الاتجاه.
الاتجاه الثاني:
الإعلام الموجّه، والذي استخدمـتــه بعض المنظمات والمؤسسات في أوروبا ودولها
لدعم اتجاهاتها ونشر أفكارها والتأثير بها على شعوب العالم بعد أن أثبتت الخبرة
السياسية المعاصرة أن الإدارة الإعلامية هي إحدى الأدوات المهمة في مجال تنفيذ
السياسة الخارجية، مما يندرج تحت ما يطلق عليه بعض الباحثين اسم [الأدوات الــرمزية
لتنفيذ السياسة الخارجية]، تلك الأدوات التي تهدف إلـى الـتـأثـيـر عـلــى مفاهيم
الآخرين في الوحدات الدولية الأخرى.
التدفق الإعلامي الغربي نحو المجتمع الإسلامي :
لقد استهدف الإعلام الغربي الأوروبي بشقيه [المادي والموجه] العالم الإسلامي ضمن
ما استهدفه من المجتمعات، لا سيما في العالم النامي.
فـفـي الـوقــت الـــذي بدأت فيه أوروبا نهضتها الحديثة ـ بعيدة عن الدين ـ كان
العالم الإسلامي يعيش حالة تخلف واضح قعد به تماماً عن أسباب التجديد والإبداع، وفق
قيمه ومثله العليا ، بينما العقل الأوروبي يعيش نشاطاً إنسانيّاً متجدداً متحرراً
من القيود، بعيداً عن الإسلام الـذي لم يعرفه لقصور المسلمين عن ذلك، وبذلك وقع
العالم الإسلامي ـ والعالم العربي ـ أسير هذا الإبداع الأوروبي المتنامي.
ولما كان الإعلام واحداً من أهم قضايا الفكر وناتجاً أساساً لقيم الحضارة
المتجددة: فقد سقط بدوره أمام الزحف الـغـربي الذي يقود ثورة هائلة في عالم
الاتصال، فأصبح إعلاماً تابعاً معتمداً في أدائه لوظائفه على الخارج.. وهذه التبعية
تبدأ من استيراده الآلات والتقنيات، وتنتهي باستيراد البرامج والمواد الإعلامية
المعلبة ، حيث بلغت ما تستورده أجهزة الإعلام في العالم الإسلامي من المواد الغربية
والمعلومات أكثر من 90% من مجموع ما تبثه من برامج وأخبار، وسيطرت وكالات الأنباء
الكبرى ـ وكلها غربية، بل يهودية في معظمها ـ على أكثر من 80% من البث الإعلامي
العالمي.
وتصدر الولايات المتحدة وحدها أكثر من مئة ألف ساعة سنويّاً من البرامج
التلفازية، فضلاً عن السيطرة على السوق الدولية للمعلومات والاتصال في العالم
بواسطة مؤسسات وتجمعات رأسمالية أمريكية.
ونتج عن هذا التدفق الغربي: أن أصبحت المنطقة الإسلامية بعامة والعالم العربي
بصفة خاصة تعيش في ظل الثقافة الغربية بفضل ما تبثه أجهزة الإعلام التي لم تجد
المقاومة الفاعلة من الشخصية الذاتية للمجتمع المسلم، والتي كانت وليدة لا تمتلك
مصادر التجديد والابتكار؛ مما جعلها مقلدة أكثر من كونها مجددة مبدعة.
ومما ساعد على ذلك التأثير: اختلاط البلاد الإسلامية والعربية بالمجتمع الغربي،
فحمل طلاب البعثات والزائرون من الوسائل الترفيهية والمعنوية والفكرية من بلاد
الغرب أكثر مما حملوه من وسائل الصناعة والتقنية، وظلت المنطقة تعيش مستورِدة: إما
لفقرها المادي، أو لعجزها البشري.
ومع غياب الأصالة الإسلامية: فإن الأمر تعدى إلى محاولة إبعاد الثقافة الإسلامية
نفسها المتمثلة في القيم الخلقية والعقدية في نفوس أبناء الأمة المسلمة متأثرة بذلك
بقناعة عزل الدين عن أمور الحياة كلها.
اتجاهات الإعلام الغربي وآثاره:
لم تكن الرسالة الإعلامية الغربية محايدة، بل كانت تحمل أهدافها وأغراضها للعالم
الإسلامي بصفة خاصة، الذي كان في معظمه تحت الاستعمار الأوروبي، وعندما قامت حركات
الاستقلال: حاولت أوروبا استبدال الاحتلال الفكري بالاحتلال العسكري؛ مما كان سبباً
أساساً في هذا التدفق الإعلامي باتجاهيه: التحرري المنحل، والثقافي الموجه والمنظم.
أما الاتجاه التحرري المنحل: فقد جاء مجرداً من قيم الدين، بل وقيم الإنسان
المعتدل، فزخر بالقيم الهابطة؛ مما أوجد حشداً من الصحف والمجلات والوسائل
الإعلامية المسموعة والمرئية تمارس ألواناً من الفساد والتضليل والانحلال، تسرب
معظمها إلى بلاد المسلمين في غيبة من الالتزام الصحيح، فأصبحت تمثل تهديداً لأبناء
الأمة في أعز ما تملكه من قيم ومبادئ.
وأصبحت الوسيلة الإعلامية تعمل على إلهاء الأمة المسلمة لتعيش حالة ضياع تقرب من
حالة كثير من مجتمعاتهم، وصدق الله العظيم: [[أَلَمْ تَرَ إلَى الَذِينَ أُوتُوا
نَصِيباً مِّنَ الكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا
السَّبِيلَ]] [النساء: 44].
وقد تركت هذه النزعة الانحلالية آثارها على المجتمع المسلم، حيث انساقت بعض
وسائل الإعلام نحو القيم الهابطة التي تتعارض مع هدي الإسلام، فزخرت بالبرامج
الرديئة، ففقدت النصائح التربوية آثارها في نفوس الأبناء والأجيال الصاعدة، كما
احتلت مواد البث الإعلامي الغربي مكان الوظيفة التربوية للمدرسة والبيت، فأصبحت
الأجيال المسلمة تعيش تناقضاً بين ما تتلقاه وتسمعه من وسائل الإعلام وما تقدمه لها
المدرسة وينصح به الآباء.
أما الاتجاه الثقافي الموجه: فقد تصدرته الكنيسة والجمعيات الدينية الغربية، في
محاولة للتنصير بين أبناء المسلمين في البلاد النامية، وجاء مسانداً للحملات
والمنظمات الكنسية التي تنتشر في معظم أنحاء العالم الإسلامي في إفريقيا وآسيا على
وجه الخصوص، امتداداً لحركة التغريب التي بدأت في تركيا المسلمة، فظهرت العديد من
المطبوعات من صحف ومجلات ونشرات، ثم استخدمت الإذاعة على المستوى القومي والشعبي،
حيث استقلت بعض الهيئات الدينية النصرانية بمحطات خاصة ـ كما حدث في البرتغال
وإيطاليا وهولندا ـ.
وفي عصرنا الحاضر: فإن حملات التنصير ما زالت تعمل من خلال وسائل الإعلام
المختلفة، مثل إذاعة [مونت كارلو]، و[صوت الغفران]، و[مركز النهضة] ، وحيث تبث
إذاعة [الفاتيكان] وحدها عبر ست موجات قصيرة، بثلاثين لغة عالمية، تعمل ضمن 40 محطة
إذاعية تنصيرية، تبث أكثر من ألف ساعة أسبوعيّاً.
هذا بخلاف الصهيونية العالمية التي تسخر أكثر من [954] صحيفة ومجلة، تصدر في
[77] دولة، تقوم عليها مجموعة كبيرة من محطات البث الإذاعي والتلفازي ومؤسسات
الإنتاج المسرحي والسينمائي.
كما صاحب هذه الموجة من الإعلام الموجه حمى بث مشابهة استهدفت الإسلام والمسلمين
في حملات مباشرة، فظهرت كتابات تـطـعــن في عقائد المسلمين وتتناول الأنبياء والرسل
بالتشكيك في رسالتهم وسيرتهم، بل إن بعض الاتجاهات العقائدية المشبوهة قامت أخيراً
بتبني حملة إعلامية منظمة ضد المسلمين، انتصاراً لآرائهم الضالة فأنشؤوا شبكات
إذاعية تبث برامجها، مستهدفة المسلمين في آسيا والخليج وإفريقيا.
الدعوة الإسلامية والإعلام:
أهمية الإعلام الدعوي:
حسب العرض السابق: نلمس أن الإعـــلام يعتبر من أهم أدوات الأمة داخليّاً
وخارجيّاً، ويعكس بالضرورة حقيقة الأوضاع السياسية والفكرية، ويقود الرأي العام في
الداخل نحو التماسك الاجتماعي، مما يتطلب ضرورة الوصول إلى برنامج عام متميز يحقق
إبراز رموز الأمة وحَمَلة الفكر فيها، مع افتراض درجة عالية من النقاء والوضوح.
وتظهر الأهمية أكثر عندما يـكـــون للأمة فكر وعقيدة تسعى لنشرها وحمايتها عن
إيمان وصدق ويقين.. وأمة المسلمين تحمل عقيدة الإسلام ورسالة التوحيد، فهى ـ ولا شك
ـ في حاجة إلى تبليغ ما تحمله، ليس عن رغبة في الظهور، ولكن عن يقين وإيمان بأن ما
تقدمه للناس هو الأصلح لهم والأنفع لدنياهم وآخرتهم.
وأمام إحكام السيطرة الغربية على وسائل الإعلام: فإن مخاطبة الغرب بأفكاره
ومبادئه ـ التي هي في غير صـالـح الـمـسلمين ـ تتم مباشرة لشعوب العالم الثالث،
وضمنها الشعوب الإسلامية، مما أثر كثيراً في معظم المجتمعات الإسلامية على حساب
دعوتها وعقيدتها، حتى كادت أن تضيع ملامح الدين الحق بين إفراط وتسيب وتشدد
ومغالاة.
ولعل مما يؤكد سوء النية في التدفق الإعلامي الغربي [الذي سارت عليه معظم
الأجهزة الإعلامية في كثير من بلاد المسلمين أنفسهم]: ما تقوم به من حملات للنيل من
الإسلام والمسلمين والطعن في معتقداتهم للنيل من عقيدة الأمة وتاريخها وتراثها
بعامة، وبتشويه سيرة العلماء فيها، حتى أصبح التاريخ الإسلامي في الإعلام المعاصر
لا يمثل سوى مواقف الثأر والغدر والتبذير، بل العشق والغرام.
الإعلام الإسلامي بين الواقع والواجب:
صحيح أن هناك محــاولات ظـهرت فيها بعض الزوارق الصغيرة تحاول الإبحار مع تيار
الـحـــق، تـلـك هــي المجلات والصحف الإسلامية ـ ثم التلفاز بعد ذلك ـ لتحمل صوراً
توجيهية وبرامج تتعلق بالدعوة الإسلامية، منها قراءة للقرآن الكريم، أو حديث ديني،
أو ندوة، أو كلمة وعظ وإرشاد.. وبجانب بعض المحـــاولات التمثيلية والكتابات
المسرحية، غير أنها اتسمت بقلة الإمكانات المادية نتج عنها ضعف في الإخراج وسوء
الطباعة، رغم ما تحتويه بعضها من معلومات طيبة، مما جعلها غيـر قــــادرة على
الوقوف في مواجهة المنافسة مع غيرها من الوسائل الحديثة.
ولكنها في النهاية صدرت تحت مسمى البرامج الدينية أو الصـفـحــــات
الإســــلامية في الصحف، بما كرس مفهوم المفاصلة بين ما تقدمه وسائل الإعلام من
مواد عامة مـتـنـوعة وتلك التي حملت اسم الدين، فجعلها في عزلة، تعزيزاً للنظرة
الغربية التي قامت عـلـى الـفـصـل بين علوم الدنيا وعلوم الدين، متعارضة بذلك مع
طبيعة الإسلام المتكامل الذي يجعل الحياة كلها عبادة.
ومما زاد عزلة هذه البرامج التي قدمت تحت مظلة الدين: أنها لم تحظ بنصيبها من
الفن الإعلامي في التجديد والتسويق، وظهرت غـريـبة، وساعد على غربتها: تدني
مستوياتها إخراجاً وتقديماً بالنسبة إلى غيرها من البرامج الترويحية والمنوعات
والرياضة... إلخ.
لهذه الأسباب وغيرها: تـظـهــــر الحـاجـة إلى إعلام ملتزم يحمل الدعوة
الإسلامية بكل مفاهيمها وشمولها، مستقلاً عن المفهوم الغربي باتجاهاته المادية
والعنصرية، حتى لا تقوم تلك الازدواجية بين ما هو برنامج ديني أقرب إلى الجمود منه
إلى الحركة والعطاء، وما هو برنـامـج غـيـر ديـنــي مـقـيـد بآداب المجتمع وقواعد
الشرع، وبذلك يتحقق القضاء على الانفصام القائم بين الإعلام وبرامجه والشخصية
السوية والنظرة المستقيمة، وبـمــــا يحرر الدعوة الإسلامية نفسها من هذه الأطر
والنماذج التقليدية التي هـي عـلـيـهـا ـ في كثير من وسائل الإعلام ـ للاستفادة من
مميزات عدة تتميز بها هذه الدعوة الإسلامية، نذكر منها:
أولاً: الطبيعة الإعلامية للدعوة الإسلامية.
ثانياً: قدرة الدعوة الإسلامية على استيعاب الوسائل المتاحة.
ثالثاً: تمايز المسيرة الإسلامية ومنطلقاتها.
أولاً: الطبيعة الإعلامية للدعوة الإسلامية
فالدعوة الإسلامية ذات طبيعة إعلامية مميزة ولها سماتها التي تؤكد قدرتها عـلــى
إبراز كافة عناصر الرسالة الإعلامية القادرة على التعامل بإيجابية بما يجعلها في
مكان الريادة والقدرة في مجال الدراسات الإعلامية المعاصرة.
فحملتها أتباع دعوة الـمُرسِلُ فيها هو الحق [سبحانه وتعالى]: [[يَا أَيُّهَا
النَّبِيُّ إنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إلَى
اللَّهِ بِإذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً]] [الأحزاب: 45، 46]، [[وَبِالْحَقِّ
أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ مُبَشِّراً
وَنَذِيراً]] [الإسراء: 105]. ومضـمـون الرسالة هو التوحيد وعبادة الله في الأرض:
[[وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ
وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ]] [النحل: 36].
والوسـيـلــة هي الوحي الذي هو التعليم السري الصادر عن الله [تعالى] الوارد إلى
الأنبياء والرسل [عليهم الصلاة والسلام: [[اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ
رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ]] [الحج: 75]، [[وَمَا كَانَ
لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ
يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ مَا يَشَاءُ إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ]]
[الشورى: 51]. والدعاة إلـى الله هم وسائل تحمل رسالة الله للناس، وهم أهل العلم
والاختصاص: [[فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُــــلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ
لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ
لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ]] [التوبة: 122].
والمتلقي للرســالــــة هي البشرية جميعها، بل والجن أيضاً، حيث إن الرسالة
الإسلامية تخاطب الإنسان لأن مادتها الإنسان ذاته: [[الّـر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ
إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ
إلَى صِرَاطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ]] [إبراهيم: 1]، [[يَا أَيُّهَا النَّاسُ
اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَذِي خـَـلَـقَـكُـــم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ
مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً]] [النساء: 1].
ثانياً: قدرة الدعوة الإسلامية على استيعاب الوسائل المتاحة:
نظراً لأن هذه الدعوة هي قَدَر هذه الأمة وغايتها: فقد أصبح لزاماً عليها أن
تبحث عن كل الوسائل المتاحة والممكنة للقيام بوظيفة البلاغ المبين وتقديم رسالة
الإسلام.
وإذا كان الغرب قد حقق تقدماً في وسائل الإعلام وتقنياته فإن الإسلام لا يقف
حائلاً دون الاستفادة من هذه التقنيات لتكون في خدمة الدعوة الإسلامية إذا ما توفر
شرطان أساسان:
أ - أن يكــون اسـتـخــدام الوسائل لا يعني بالضروة نقل الأفكار والاتجاهات..
فالوسائل أجهزة محايدة تنقل ما يطلب منها.
ب - أن يكون استخدام الــوســـائــل الحديثة لا يعني فساد الوسائل الرئيسة في
الدعـوة الإسلاميـة، التي جـاءت في الهـدي الـقـــرآنـي والسنة المطهرة، وبالتالي:
لا يعني تركها وإبعادها عن الاستخدام في الساحة الإعلامية.
وبذلك فإن الأمة الإسلامية تستطيع تقديم رصيدها الثقافي والحضاري مستفيدة من
التطور التقني في مجال وسائل الإعلام الحديثة بجانب ما تتمتع به الوسائل الإسلامية
المتميزة في مجال الدعوة الإسلامية من فاعلية وقدرة على المعايشة والاستمرار، بل إن
الوسائل التقنية الحديثة يمكن استيعابها ضمــن الوسائل الإسلامية المتميزة، مثل:
استخدام التسجيلات ومـكـبـرات الـصــــــوت في المساجد التي تعتبر منابر حية للدعوة
الإسلامية، وكذلك في مجتمعات المسلمين التـعـبـديــة مثل صلاة الجمعة ومواسم الحج،
فإن الأقمار الصناعية الحديثة وما تقدمه من خدمات إعلامية عالية تقوم بدور كبير إذا
ما أحسن استخدامها للإعلام بالرسالة الإسلامية، لـيـس فـقــط على المستوى المحلي بل
على المستوى الدولي والعالمي.
وتظل العبرة قائمة بمدى الاستفادة التي تفيد منها الدعوة الإسلامية من كافة
المخترعات الحديثة في كافة المجالات والنظم، حيث إن الأصل هو نشدان رضا الله بخدمة
الإسلام في مجالات العلوم الضرورية لرقي الأمة المسلمة وعزتها، وهذا الشرط ليس
ضروريّاً لكل جهد يـسـهــم بقصد أو عن غير قصد في مسيرة التطبيق الإسلامي؛ فكم من
كافر أسهم في إثراء العلوم الإسلامية، وكم من مسلم أسهم في تشويـه التراث المعرفـي
للإسلام، فالعبرة إذن بنتيجـة المساهمة، فإن كانت موافقـة للإسلام فلا مانع من
الاستفادة منها، وعلى ذلك يتأكد أن استخدام ما أنتجـه الغرب ـ غير المسلم ـ ليس كله
مرفــوضاً لمجـرد أنـه غربي غير مسلم، بل إن الرفض والقبول يتوقفان على ما يحقق
لهذا الدين من نفع وانتشار، مع التفريق بين نية المسلم في الاستخدام والاستفادة
ونيـة الكفار في الاختراع والإنتاج.
ثالثاً: تمايز المسيرة الإسلامية و متعلقاتها
إذا كان الغرب قد رفض الدين نتيجة لمواقف معادية وتناقضات بين تطلعات الناس وما
فرضه رجال الدين عندهم من قيود.. فإن العالم الإسلامي لم يصطدم يوماً بأصول عقيدته،
وإذا كانت بعض السلبيات قد ظهرت في مجال الأسلوب الدعوي، فإن مَرَدّ ذلك يعود
غالباً إلى التطبيق الخاطئ الصادر عن فهم بعيد عن الأصول الثابتة، وليس خطأ في أصل
الشريعة ومنهاجها... ذلك لأن الإسلام يتمتع بمصدريه الأساسين الثابتين [القرآن
الكريم، والسنة الصحيحة، التي وصلت بحمد الله إلى درجة عالية من التوثيق والثبات،
فضلاً عن حفظ الله [سبحانه] للقرآن الكريم [[إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ
وَإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ]] [الحجر: 9]،] وظل هذان المصدران ـ وسيظلان بإذن الله ـ
مرجعاً موثوقاً لكل من يريد البحث والاستقصاء، وفيصلاً لكل خلاف يخرج بالمسلمين عن
الأصول الشرعية الكبيرة.
ومن جانب آخر: فإن الدين الإسلامي لم يكن بمعزل عن الحياة البشرية والنشاط
اليومي بما يحمله من توجيهات للمسلم بضرورة الذكر المتصل، والعبادة بأوقاتها
المحددة، وضوابط التعامل اليومي في الأسرة والجماعة والمجتمع، بجانب أخلاقيات
العلاقات الدولية في السلم والحرب.
وبذلك: فإن الإسلام يحمل إعلاماً لا يحتمل ما حدث من انفصام بين الخطاب الديني
والخطاب الدنيوي [كما حدث في الغرب]، حيث ظلت له القدرة على تحقيق المصالح الدنيوية
وإرضاء أذواق الناس وحاجاتهم من المتعة والتسلية ضمن إطاره الذي لا يخرجه عن الشرع
الذي أباح كل هذه الأنشطة وفق شروطها بعكس الرسالة الإعلامية التنصيرية من محطات
نصرانية.
وبذلك: فإن الـرســالـة الإعلامية الإسلامية تتعدى إلى مجالات متنوعة دون التقيد
بحيز ضيق، حيث إن الدعوة الإسلامية هي دعوة للإيمان، مقترنة بالدعوة إلى العلم،
والعبادة، والـعـمــل، والـفـكر، وتنمية الروح والوجدان... ويظل الفصل بين ما هو
ديني وما هو غير ديني أمراً ترفضه طـبـيـعة الإسلام ويؤثر كثيراً على الرسالة
الإعلامية المسلمة؛ إذ يحصر العقيدة والدين في مكان ضيق ويبعده عن مفهومه الواسع،
والأمر إذن يتطلب رفض الاتجاه الغربي الذي يقدم الـقــضـــايا الدنيوية والحياتية
بعيداً عن قيم التوجه الأخلاقي، حيث تتحلل هذه القضايا من الالـتــزام بـهـــذه
القيم.. مما أوجد حشداً من الصحف والمجلات والـوســـائـــــل الإعلامية المسموعة
والمرئية [في الغرب] تمارس ألواناً من الفساد والتضليل والانحلال، تـســرب
مــعـظـمـهــا إلى بلاد المسلمين في غيبة الالتزام الإسلامي الصحيح، فأصبحت تهدد
أبناء الأمة في أعز ما تملكه من قيم ومبادئ.
المنطلقات الأساس للإعلام الإسلامي:
إن الإعـــلام بـاعـتباره نتاجاً لنشاط بشري إنما يأتي معبراً عن قيم ومبادئ
وأفكار المصدر الذي تصدر عنه الـرسـالة الإعلامية... فقد جاء الإعلام الغربي
متأثراً بالمادية، باحثاً عن الـلــذة والــرفــاهــيـة، بينما كان الإعلام الشيوعي
مدعّماً بمفاهيم الإلحاد وسيطرة الطبقة العاملة، في حين أن الإعلام النازي كان يركز
على سيادة الدم الأزرق والعنصرية القومـية، معلناً شعار [ألمانيا فوق الجميع].
وتتفق كل هذه الاتـجـاهــــات على تأصيل السيطرة وبسط النفوذ الفكري والاقتصادي
على كافة الشعوب النامية لضمان التبعية والخضوع لها.
ويأتي الإعلام الإسلامي مختلفاً في منطلقاته؛ حيث يعبر عن الإسلام دين القيم
والمبادئ، التي تتمثل فيما يلي:
1- منطلق العقيدة التي تقوم على فــطــرة البشر، وتستقيم مع متطلبات الحياة
الإنسانية، وتعطي للفرد معنى الحرية من قــيــــود الـدنيا وشهواتها، فلا يخضع إلا
لله رب العالمين وبذلك تتحقق حرية التعبير والسـلـوك والفكر في إطار تحكمه قيم
السماء؛ لأن الهدف هو إرضاء الله [تعالى] وليس المكسب الدنيوي فقط.
2- منطلق العلم، الذي هــو طريق المعرفة، فقد جاءت آيات الله [سبحانه] واضحة،
تفرق بـيـن الـعـالـم والجـاهل، والرسالة الإعلامية تؤتي ثمارها بقدر ما يتوفر لها
من زاد علمي صحيح. 3- الأخلاق، وهي سمة الإنسانية الفاضلة ودستور التعامل بين
البشر، فيصدر الإعلام عن نفْس تعرف الصدق والأمانة والطهارة عن إيمان وامتثال، وليس
عن تقليد ومحاكاة.
4- منطلق الإنسانية، بما تحـمـلـــه من معاني الرحمة والتكافل والتعاطف، وما
تعنيه من أخوة بين البشر ورغبة في التعايش والتعاون المثمر.
والإعلام الذي يحمل سمات الإنسانية هو أقدر من غيره على التأثير والتجاوب.
5- الجمال وحسن العرض، وهي أمور تحقق الارتياح النفسي، لذا: فقد دعا الإسلام إلى
الجمال في الملبس والتعامل والحديث والسكن.
6- منطلق المصلحة العامة للأمة والحرص على أمن المجتمع واستقراره بعيداً عن
الإشاعة المغرضة والتحريض الهدام ضد فئات المجتمع وقادته، بل دعوة صادقة لمسؤولية
مشتركة تحفظ كيان الأمة وتنشر الخير للناس جميعاً.
هذه هي بعض المنطلقات الأساس للإعلام الإسلامي، التي يمكن أن تكون أسـاسـاً
يـحـقــق تـمـايـــــز الرسالة الإعلامية في المجتمع المسلم عن غيرها في المجتمعات
الأخرى، وحتى يـتـحـقــق هذا التمايز في التطبيق العملي، فإننا نوصي بالتوجيهات
الآتية التي في مجملها خلاصة للعرض السابق في هذا البحث:
توصيات ومقترحات:
1- رفــع الـعـزلة عما أطلق عليه [إعلام ديني] والذي جعل المفاهيم الإسلامية
محصورة في بعض البرامج والـمـقالات المنفصلة عن بقية الموضوعات المطروحة في الوسائل
الأخرى، مما أدى إلى عزل الدين عن الحياة المعاشَة وحصره في مفاهيم العبادة
والتشريع، بخلاف طبيعة الدين الإسلامي الذي يعايش الناس في كل أمور حياتهم الدينية
والدنيوية وينظم أنشطتهم سواء في المسجد أو ملعب الرياضة أو أماكن العمل من مكاتب
ومزارع ومتاجر ومصانع، كما يعالج قضايا الأمة السياسية والاقتصادية والعلمية
والفنية... والإعلام بطبيعته يتفاعل مع كـل هــذه الأمــــور إبـــلاغاً وتوجيهاً
ونقداً، وفي تقسيمه إلى إعلام ديني وآخر دنيوي ما يـتـعـارض مـــع وحـــدة التوجيه
واستقامة التربية ويؤدي إلى ازدواجية الرأي والمعالجة، فيصبح إعلاماً متناقضاً في
رسالته ومضمونه.
2- أن يكون الخطاب الإعلامي الصادر عن الأمة المسلمة خطاباً شاملاً لكل البشر
على طول الزمان وسعة المكان، حيث إن الإسلام جاء للناس جميعاً: [[يَا أَيُّهَا
النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً
وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ]]
[الحجرات: 13]، وكانت الرسالة السماوية التي قام عليها رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- مؤكدة لهذا المعنى الذي اختص بها سيدنا محمد [عليه الصلاة والسلام]: [[وَمَا
أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ]] [سبأ: 28]، وصدع بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
استجابة لأمر الحق [سبحانه]: [[قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ
إلَيْكُمْ جَمِيعاً الَذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إلَهَ إلاَّ هُو
يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَذِي
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ]]
[الأعراف: 158].
فالخطاب الإسلامي ليس وقفاً على أمة دون غيرها، بل هو خطاب عالمي أزلي، والرسالة
الإعلامية الدعوية هي ترجمة لهذا المفهوم القائم على هدي الوحي المنزل.
3- التأهيل الأمثل والإعداد السليم للقائمين على الإعلام الذي يحمل رسالة
الإسلام، أو بمعنى آخر: إعداد القائم بالاتصال في مجال الإعلام إعداداً إسلاميّاً
متكاملاً... فقد عني الإعلام الغربي كثيراً بكل من له صلة بالرسالة الإعلامية،
ونشأت نظرية [حارس البوابة] والذي يقوم على صناعة المعلومة قبل بثها... وقد عني
الإسلام كثيراً بحملة الرسالات وأصحاب البلاغ المبين، فاصطفى رسله من حملة رسالته
من أحسن الخلق، وأصدقهم قولاً، وأفضلهم أخلاقاً: [[وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ
إبْرَاهِيمَ إنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِياً]] [مريم: 41]، [[وَاذْكُرْ فِي
الكِتَابِ مُوسَى إنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَّبِياً]] [مريم: 51]،
[[وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ إسْمَاعِيلَ إنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوَعْدِ وَكَانَ
رَسُولاً نَّبِياً]] [مريم: 54]، [[وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ إدْرِيسَ إنَّهُ كَانَ
صِدِّيقاً نَّبِياً]] [مريم: 56]، [[أُوْلَئِكَ الَذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم
مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن
ذُرِّيَّةِ إبْرَاهِيمَ وَإسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إذَا
تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِياً]] [مريم: 58].
وكان خاتم الرسل [عليهم الصلاة والسلام] هو نبي هذه الأمة ورسولها المصطفى [عليه
الصلاة والسلام] [[وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى [3] إنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوحَى
[4] عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى]] [النجم: 3-5].
فقد أعده الله [سبحانه] لهذه الرسالة ليكون القدوة والأسوة والنموذج الأعلى
للداعية الصادق: [[يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ [1] قُمِ اللَّيْلَ إلاَّ قَلِيلاً
[2] نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً [3] أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ
القُرْآنَ تَرْتِيلاً [4] إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً [5] إنَّ
نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً [6] إنَّ لَـــكَ فِي
النَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً [7] وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إلَيْهِ
تَبْتِيلاً [8] رَّبُّ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ
وَكِيلاً]] [المزمل: 1-9].
ثم أعطاه الله من الخـيــر في حياته الدنيا والآخرة، [[وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ
سَبْعاً مِّنَ المَثَانِي وَالْقُرْآنَ العَظِيمَ [87] لا تَمُدَّنَّ
عَيـْـنَـيْـــكَ إلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجــاً مِّنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ
عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِـينَ]] [ الحجر: 87-88]، فـاسـتـحق
بذلك أن يكون صاحب الخلق القويم والسلوك الأمثل: [[ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ
[1] مَا أَنتَ بِنِعْـمَـــــةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [2] وَإنَّ لَكَ لأَجْراً
غَيْرَ مَمْنُونٍ [3] وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ]] [القلم: 1-4].
والإعــــــلام الإسلامي هو الامتداد الأمثل لرسالة هؤلاء الرسل، وعليه حمل
أمانة التبليغ لإقامة أمــــة الرسالة: [[وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ
إلَى الخَيْرِ وَيَاًمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ
وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ]] [آل عمران: 104]، وذلك على شرط الحق والثبات:
[[وَالْعَصْرِ إنَّ الإنسَـــانَ لَفِي خُسْرٍ إلاَّ الَذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ]] [العصر: 13].
ولمـا كان الإعلام في عصرنا الحاضر قد تعددت وسائله وأساليبه: فقد أصبحت
الـضـــرورة قائمة لإعداد إعلاميين، أو بمعنى أدق: حملة رسالة لكل وسيلة من هذه
الوسائل بما يتيح استخدامها الاستخدام الأمثل، ويعطي للمسلم القدر الكافي على
الـتـعـامـــل الـسـلـيـم مع الجمهور المتلقي، ويشمل ذلك ـ بجانب الصفات الأخلاقية
والعقدية الأســاس ـ:
الإعداد المهني السليم لحامل الرسالة في كافة المجالات، مثل:
ـ مجال الخطابة في المساجد والمحافل والتجمعات.
ـ مجال المناظرة والحوار والندوة.
ـ مجال الكتابة الصحفية والأدبية.
ـ مجال الإلقاء الإذاعي والتلفازي.
ـ مجال الإعداد البرامجي في الإذاعة والتلفاز.
ـ الإخراج، التمثيل، الثقافة، الإنشاد.
ـ مجال المعارض.
ـ مجال المؤتمرات.
على أن يقوم هذا الإعداد وفق برامج تدريبية مدروسة ذات أهداف واضحة على أيدٍ
مخلصة واعية وخبيرة.
وبذلك يتحقق للإعلام أصالته الإسلامية وتمايزه عن الصبغة الغربية.
____________________________________________________
الإعلام الامبريالي وأثره على اعلام الدول
النامية
محمد حسين عليوي
المقدمة:
إنّ انتشار الأفكار الثورية وانعتاق العديد من الشعوب المناضلة ونزوع حركات
التحرر للنضال من أجل التطور الاقتصادي والتقدم الاجتماعي كل ذلك مع انتشار وسائل
الاعلام الجماهيري قد ادى إلى احداث تحويلات عميقة في حياة الناس والمجتمع في عدد
من القارات.
ولوسائل الاعلام اهمية خاصة في عصرنا فهي بمثابة مضاعفات عظيمة كما يصفها «ويلبر
شرام» فالآلات في الثورة الصناعية كانت قادرة على مضاعفة الطاقة البشرية بأشكال
اخرى من الطاقة فانّ وسائل الاعلام في الثورة الاعلامية المعاصرة، قادرة على مضاعفة
الوسائل البشرية إلى درجة لم تصل بها من قبل يمكن استجلاء ذلك حين تحاول العديد من
الاقطار النامية ايصال المعلومات الكثيرة وبسرعة إلى جمهور كبير من الناس بقدر ما
يتعلّق الامر بالتنمية.
فهناك صراع درامي عنيف بين الإعلام الامبريالي المتمكّن من اداته حيث التطور
التكنولوجي والإمكانيات التقنية العالية بالاضافة إلى الخبرة الثقافية، وبين اعلام
الدول النامية صاحبة الامكانيات الضئيلة أو المعدومة والتخلف التكنولوجي والتقني.
هذا بالاضافة إلى ان إعلام الدول النامية يعتمد على تقديم قضيته بشكل صادق كقضية
عادلة مخاطباً بها الرأي العام العالمي والإنساني هذا يشكّل صراعاً مراً بين
الاعلامين، ويجعلهما يستخدمان اسحلتهما كل ضد الآخر، رغم الفوارق غير المتكافئة.
فوارق استملاك وسائل الإعلام بين الدول النامية:
من الضروري ان نعرف هناك فروقا كبيرة بين الاقطار النامية في هذا المجال. ففي
بعض الاقطار الافريقية لا يجد المرء اية صحافة يومية، باستثناء مجلات منسوخة على
الآلات الناسخة بينما تجد من جهة اخرى في اميركا اللاتينية ان الصحافة كلها متطورة
بشكل جيد في المدن الكبيرة والصغيرة على حد سواء وقد اقترحت اليونسكو مقياساً لقياس
كفاية أو عدم كفاية وسائل الاعلام في الاقطار النامية بأن يسعى كل قطر كهدف مباشر
إلى تزويد كل 100 شخص من السكان بـ 10 نسخ من الصحافة اليومية وبـ 5 اجهزة راديو
لاقطة، وبمقعدين في السينما وبجهازين لاقطين للتلفزيون، وقالت اليونسكو في تقرير
رفعته إلى الامم المتحدة عام 1960.
ان حوالي 100 دولة أو اقليم تابع في افريقيا واسيا واميركا اللاتينية لا تمتلك
الحد الادنى من وسائل الاعلام الاربع وهذه الاقطار يبلغ عدد سكانها مجتمع 1910
ملايين أي 66% من مجموع سكان الارض وهناك أيضاً 19 قطرا تضم 2% من سكان العالم لا
تمتلك ثلاث وسائل اعلامية كحد ادنى وضعته اليونسكو وخلاصة القول ان 70% من شعوب
العالم تنقصه الوسائل التي تستقي منها الاخبار عن التطورات التي تجري في بلادها وفي
البلدان الاخرى ويشير التقرير إلى حقيقة اخرى تلفت الانتباه وهي ان حوالي 40 دولة
ذات سيادة في المناطق المختلفة ليست لديها وكالات انباء وطنية، ولابد لها من
الاعتماد في انبائها المحلية على الوكالات العالمية الخمس... الاسيوشيتد برس
واليونايتد بريس انترناشنال «الولايات المتحدة» ورويتر «بريطانيا» وأجانس فرانس برس
«فرنسا» وتاس «روسيا».
اضف إلى ذلك ان أنباء هذه الاقطار ترسل إلى الشكبات الاعلامية عن طريق الوكالات
العالمية بالدرجة الاولى اي عن طريق مؤسسات لا تمتّ لها بصلة، هذا هو حال الاعلام
في البلدان النامية فما هي الصورة في الدول المتقدمة وعلى وجه الخصوص الدول
الرأسمالية، باعتبارها العائق الذي يقف امام تطور هذه البلدان.
الإعلام والاحتكارات في الدول الامبريالية:
في دراسة اعدّها قسم الصحافة في جامعة موسكو، عن وسائل الاعلام البرجوازية
وسيطرة الاحتكارات الامبريالية عليها بينت ان نصف وسائل الاعلام في الدول
الرأسمالية، يسيطر على 50 احتكاراً في الصحافة والاذاعة والتلفزيون.
مثلاً بلغت ارباح التلفزيون الاميركي من بين الاعلان التجاري فقط في عام 1950
مائة وسبعين مليون دولار وفي عام 1970 بلغت ارباحه 600/3 مليون دولار، علماً بأنّ
هذا التلفزيون خاضع خضوعاً تاماً إلى المؤسسات الاحتكارية.
ان التنافس المستمر والصراع العنيف بين وسائل الاعلام الامبريالية احرز تقلصا
مستمرا في عدد الصحف اليومية ومؤسسات نشرها في البلدان الرأسمالية. لصالح
الاحتكارات الاقوى ففي بريطانيا انخفض عدد الصحف في الفترة ما بين 1920 - 1970
بنسبة 35% وتخضع عموم الصحف البريطانية الكبرى إلى سيطرة احتكارات بينها مؤسسة
تومسن وانترناشنال بابلشنك كوربويشن ما عدا صحيفة مورنبج ستار للحزب الشيوعي
البريطاني وفي ايطاليا انخفض عدد الصحف من 140 صحيفة يومياً عام 1946 إلى 87 صحيفة
عام 1972 وفي المانيا الاتحادية يشغل اكسل شبرنكر المكانة الاولى في السيطرة على
وسائل الاعلام ودور النشر وتطبع مجلاته الدورية 15 مليون نسخة.
لقد رافق ظهور الاحتكارات الامبريالية في الصناعة والتجارة والبنوك في البلدان
الرأسمالية، ظهور احتكارات مماثلة في النشاط الاعلامي عن طريق تملك وسائل الاعلام.
وامبراطورية روى تومسون المليونير الكندي خير دليل على ذلك، فهي تسيطر على 200
صحيفة يومية، وعلى عشرات من محطات الاذاعة والتلفزيون ودور النشر ومؤسسات الطباعة
في أكثر من عشرين بلداً.
أمّا الاحتكارات الأمريكية في وسائل الاعلام، فلها نصيب كبير في المجلات
الدورية، مثل مجلات الجنس والموضة والقصص البوليسية، وكذلك استديوهات انتاج الأفلام
السينمائية، وأمتلات محطات الاذاعة والتلفزيون، وتطبع صحفهابـ29 لغة عالمية وأشهر
هذه الاحتكارات هي وكالة المعلومات في الولايات المتحدة، ففي مجال نشاط التلفزيون
فقط تنتج هذه الوكالة ما يقارب من 1700 برنامج في العام الواحد ناطقة بـ162 لغة
عالمية تبثها 5000 محطة وتلتقطها 2082 محطة استلام للبث منتشرة في 97 بلداً، وهناك
مثال آخر على نفوذ وسائل الاعلام الرأسمالية، على البلدان الأخرى النامية بصورة
خاصة، فمثلاً محطة صوت أمريكا الاذاعية لها أجهزة تقوية للارسال، في أكثر من 60
بلداً، موزعة على الكوكب الأرضي منها ليبيريا - المغرب - فيتنام الجنوبية -
بريطانيا - ألمانيا الغربية - وتبث برامجها الاذاعية بـ50 لغة عالمية.
وسائل الاعلام الامبريالية والدول النامية
يقول ويلبر شرام: (أنّ انتقال المعلومات يمكن ان يشبه بأنتقال مياه الري، وهناك
حاجة إلى تأمين كميات ملائمة في نهاية القناة بالرغم من الكميات التي تتسرب في
الطريق عبر الصحراء)، ويضيف موضحاً: (أننا نجد ان الاشاعة التي تخرج من نهاية
القناة لا تشبه أحياناً أي شبه تلك الاشاعة التي دخلت القناة من أوّلها) نفهم مما
سبق ذكره أثر القنوات التي من خلالها تصل الأنباء والمعلومات والرسائل الاعلامية
إلى الناس في تكييف المعلومات. فحيثما تكون قنوات الاعلام طبيعية ومنسجمة مع هدف
ومحتوى الرسائل الاعلامية يصبح من الممكن ان يصير الاعلام بنّاءاً، وفي عالمنا
المعاصر تحشّد دول عدم الانحياز قواها لطرح مبادئها التي تدو إلى الحاجة أو الضرورة
لتغيير العلائق الاقتصادية في العالم، وقد أخذت هذه الدول المناضلة مهمة الكفاح ضد
وجه أخر من وجوه الاستعمار، هو أحتكارات الاعلام الغربي وخاصة وكالات الأنباء التي
تعمل في تلك الدول كاداة للقوى الامبريالية.
إحتكارات مصادر الأنباء
تحدّثنا فيما مضي عن واقع الاعلام في الدول النامية، وطالما أن لوكالات الأنباء
في الدول النامية أمكانات محدودة، فقد أشاعت وكالات الانباء الغربية بنجاح لسنوات
عديدة الاسطورة القائلة بأنها وحدها القادرة على تزويد الوكالات المحلية بالاخبار
العالمية، وبهذه الواسطة استطاعت ان تفرض ديمومة الاعلام (الكولونيالي) باسم حرية
الصحافة، غير أنّ وكالات الأنباء الغربية قد كشفت عن معدنها الحقيقي حين ساندت
بأسلوبها دعاية الولايات المتحدة ضدّ الحكومات الوطنية في الدول النامية، ونتيجة
لتقاريره الصحفية المشوهة عن هذه الدول، تم إعادة النظر في بقائها في العديد من هذه
الدول، التي قرّرت إيجاد طرق ووسائل تنهي إعتمادها التام على هذا الوكالات، إنّ هذه
الوكالات لا تعمل في فراغ فهي من وسائل الاعلام الامبريالية تمتلكها وتديرها شركات
إمبريالية، لهذا تقوم هذه الوكالات بتزويد الدول النامية بالانباء التي تزعم إنّها
موضوعية، والمتعلقة بسياسات وأفكار الأنظمة الرأسمالية، كما أنها تلعب دوراً فاسداً
في تشويه مساعي الدول النامية لمقاومة الهجمات الاستعمارية الجديدة، اما أقسامها
الاقتصادية فتعتبر شكلاً من أشكال التجسس المعادي لهذه الدول.
شبكات الإعلام الأميركي
إن شبكات الاذاعة والتلفزيون هي أكثر أجهزة الاعلام تأثيراً في نشر الأيديولوجية
الامبريالية، وبخاصة في تلك الدول التي تكون نسبة الاُميّة فيها عالية جداً، وتلعب
الشبكات الأميركية دوراً بارزاً في الدول النامية خاصة أميركا اللاتينية، فشركة
أذاعة كولومبيا على سبيل المثال بثت برامجها إلى(100 بلد)، وبثت أخبارها
التلفزيونية في(95) من بلدان العالم الحر.
في عام 1970 ـ 1971 حصلت شركتا إذاعة كولومبيا والاذاعة الوطنية على أكثر من نصف
بليون دولار كقيمة بيع برامج ثقافية لدول ما وراء البحار، وفي سنة 1968 أدارت شركة
الاذاعة الاميركية العالمية 16 شركة أجنبية تدير 97 محطة تلفزيونية في 27 بلداً.
وأستطاعت هذه الشركات أن تتغلغل في محطات التلفزيون والاذاعة في الدول النامية،
إضافة إلى أن هذه الشركات مارست تأثيرها على صحافة الدول النامية، عن طريق
الاعلانات التي تصرف عليها مبالغ طائلة، وكما هو معروف فأن الاعلانات تشكل دعامة
رئيسية للصحف، بذلك خلقت إعتماداً سايكولوجيا على هذه الشركات.
والى جانب تأثيرها على الاذاعة والتلفزيون مارست هذه الشركات تأثيراً كبيراً في
بعض الدول النامية عن طريق سيطرتها على أجهزة إعلامها، في سنة 1970 باعت إذاعة
كولومبيا(100) مليون إسطوانة خارج أميركا، أما وكالة اليونايتدبريس (وهي جزء من
أمبراطورية هيرست العالمية للنشر). والاسوشيتدبريس فقط قطعتا سنة 1970 إلى 72% من
الأنباء في 14 صحيفة كبرى في أميركا اللاتينية، وتصدر مجلة ريدرز دايجست وتسمّى
طبعتها العربية المختار 101 بلداً(9) طبعات مختلفة، تصدر باللغة الاسبانية وحدها.
وبلغ توزيعها خارج الولايات المتحدة (نصف مليون نسخة) وفي سنة 1971 حصلت وكالة
الاعلانات الأميركية العملاقة، على أكثر من 50% من مجموعة الاعلانات ماوراء البحار،
وزادت اعلانات الشركات بعد هذا التاريخ 14 مرة، ودخل اليها 5ر2 بليون دولار كمجموعة
لقيمة الاعلانات خارج الولايات المتحدة) أما في مجال الأنباء القادمة من آسيا
وأفريقيا فإن وكالة الأنباء البريطانية رويتر، تتمتع وحدها بسطوة في آسيا وأفريقيا،
وبخاصة في المستعمرات البريطانية السابقة، إن رويتر وهيئة الاذاعة البريطانية (بي
بي سي) تؤلفان ماسورة الدعاية الامبريالية البريطانية التي تستخدمها لنسف إرادة
الدول النامية في التحرر من الصحف الاقتصادية والثقافية، لا غرابة إذن ان الاعلام
الغربي الاذاعة والتلفزيون والصحافة ووكالات الأنباء تشن حملة منظّمة ضد أي بلد نام
يسعى لتعزيز استقلاله، والسيطرة على موارده الطبيعية.
اليونسكو واحتكار الإعلام
شرعت منظمة اليونسكو والدول غير المنحازة في السنين الأخيرة بمناقشة مسالة إنهاء
إحتكار الاعلام الغربي، وبخاصة في ميدان وكالات الأنباء، فقد اجتمع مجموعة من
الخبراء في الاكوادور في سنة 1975 بإشراف اليونسكو ليتدارسوا تخلخل الاعلام في
أميركا اللاتينية، فوجد الخبراء أن 80% من الأنباء الأجنبية التي تنشرها صحف أميركا
اللاتينية كانت تقوم بتزويدها وكالات انباء أجنبية، وعلى وجه الخصوص وكالتي
يونايتدبريس وأسوشيتدبريس الأميركيتين، مما أدى بهؤلاء الخبراء أن يوصوا حكومات
أميركا اللاتينية أن تفرض مسؤوليتها في هذا الميدان.
هاجم الاعلام الامبريالي تقرير الخبراء هذا وأدان اليونسكو بأنها هدّدت (حرية
الصحافة) وتحت هذا الضغط تراجعت حكومة الاكوادور عن إلتزامها، وكانت قد وافقت على
إستضافة مؤتمر الاعلام، أضطرت اليونسكو أن تنتقل من مكان الاجتماع إلى كوستاريكا..
ومرة ثانية هاجم الاعلام الامبريالي المؤتمر المزمع عقده، دون معرفة مسبقة بالقضايا
التي ستطرح والتوصيات التي ستقرر.
وأعلن انّه ليس لليونسكو الحق بأستخدام حرية الصحافة للتعبير عن أرائها، ولهذه
الاعتبارات توجب على اليونسكو أن تكف عن الحديث عن «حرية الصحافة» على نحو مجرد،
لقد صرح مديرها العام في مؤتمر وكالات الأنباء الغربية قائلاً:
«إن بعض الوكالات العالمية الكبيرة أذ تنتقي أخباراً تؤكد على ظواهر التأزم
والعنف في بلدان العالم الثالث، كما أنّها تلتزم الصمت إزاء ما يجري من أحداث
إيجابية تحدث بوتائر متزايدة في هذه بلدان ذتها».
إحتكار الاعلام ودول عدم الانحياز
في نهاية الخمسينات طرح نهرو مفهوم عدم الانحياز في العالم «ووقف الاعلام الغربي
ضد هذا المفهوم وقد وصفه فوستر والس بأنه (مفهوم لا أخلاقي قصير النظر) ووصف أبان
الحرب الباردة، بأنه طالع الاعلام الغربي بنظرية مفادها أن عدم الانحياز أصبح لا
لزوم له وينبغي الكف عنه.
لقد أكّد رؤساء دول عدم الانحياز في مؤتمر القمة المنعقد في الجزائر سنة 1973،
على الحاجة لاعادة تنظيم قنوات الاعلام الموجودة ورثة الماضي الكولونيالي.
وفي مارس سنة 1976 دعت الندوة العالمية المنعقدة في تونس إلى إنهاء إحتكار
الاعلام الغربي وطرحت مقترحاً لانشاء إتحاد لوكالات الصحافة في إجتماع وزراء
الاعلام لدول عدم الانحياز في دلهي سنة 1976، وصادق مؤتمر كولومبو في آب 1976 على
إنشاء إتحاد وكالات الأنباء، فأعلن هذا المؤتمر عن بدء حركة لتأسيس نظام إعلامي
جديد.
وبالطبع لم يتوان الاعلام الغربي عن الهجوم على فكرة إنشاء إتحاد وكالات الأنباء
ووصفه بأنه تعسفي يهدد حرية الصحافة، إن حركة عدم الانحياز تجاه معاد للاستعمار
والامبريالية وهذا ما يؤدي إلى التعجيل في عملية إنهاء الاحتكار الامبريالي في
ميدان الاعلام «التلفزيون، الاذاعة، الأفلام الاخبارية، النشريات، وما شابه ذلك»،
أمّا التباكي على الحرية من قبل أجهزة الاعلام البرجوازية، فهو لا يعدو أن يكون
دفاعاً عن مصالحها الوضاحة في العالم البرجوازي، التي عبر عنها ذات مرة المليونير
الكندي روي تومسون حين قال: «إن إدارة محطة التلفزيون تشبه إمتلاك ترخيص لطبع
النقود»، والمؤسسات الاعلامية في الدول الرأسمالية تتعامل بالخبر والمعلومات
الاخبارية بطريقة مشابهة لصاحب مصنع أو متجر برجوازي يروم تصريف بضاعته، فالخبر في
الاعلام الامبريالي بضاعة إستهلاكية تتحكم فيها قونين الاقتصاد الرأسمالي «العرض
والطلب، والرحب والخسارة، المستهلكون هم القرّاء، المستمعون والمشاهدون» كما تحكم
وسائل الاعلام البرجوازية قوانين الاقتصاد الرأسمالية الأخرى، فالمؤسسة الاعلامية
القوية تطرد من السوق المؤسسة الاعلامية الضعيفة، تماماً مثلما يجري في ميادين
الصناعة والتجارة الرأسماليتين.
إلاّ أنّ فلاسفة ومنظري الفكر البرجوازي يزعمون بإنّ إعلامهم حر، ويدافع عن
الحريات ومضمون الحرية طبقاً للمفهوم البرجوازي هو حق الأقوى اقتصادياً في ابتلاع
الأضعف منه، وما ينتج عن هذه العملية الدرامية من نشوء الاحتكارات ومن فتح الطريق
للسيطرة على مقدرات الناس وتوجيههم سياسياً وفكرياً وإجتماعياً وأخلاقياً، مما يخدم
مصالح البرجوازية وطريقة تفكيرها وتفسيرها للعالم.
فلاغرابه أن تسعى وسائل الاعلام الرأسمالية في ميدان السوق الداخلي إلى تحقيق
إستهلاك لبضاعتها، وتصريف الأخبار والمعلومات وجني أكثر الأرباح، وفي ميدان السوق
الخارجي تسعى للاستحواذ على الدعاية الخارجية دولياً.
كيفية التأثير الاعلامي الامبريالي على إعلام الدول النامية:
وممّا تقدّم نستطيع أن نجمل بالتحديد عوامل التأثير الاعلامي الامبريالي على
إعلام الدول النايمة بما يأتي:
1 ـ كسب عقول في الدول النامية أو التأثير عليها كحد أدنى.
2 ـ منع نشوء إعلام وطني أو التأثير عليه وإحتوائه إن وجد.
3 ـ توفير الوسائل والمبتكرات التكنولوجية كالبث الاذاعي والتلفزيوني العالمي أو
القارىء.
4 ـ توير وسائل الطباعة السريعة والحديثة وأجهزة الكومبيوتر، التي جعلت الاتصال
ذا تأثير عالمي والذي مكّن الامبريالية من خلق شبه إحتكار عالمي في أغلب الدول
النامية.
5 - الاعتماد على الثقافة والاعلام الامبريالي الجاهز نتيجة، لنقص الوعي والامية
والجهل والفقر والتخلف التقني والعلمي.
6 ـ إرتباط بعض الدول النامية بالعجلة الامبريالية والتبويق لأعلامها وترويجه.
أوجه الاختلاف بين الاعلام الامبريالي وإعلام الدول
النامية:
عرفنا مما سبق حركة الاعلام الامبريالي ومظاهر إحتكاره، وأوضحنا أيضاً إمكانيات
الدول النامية للأعلام، وسنحدد بالضبط وجوه الاختلاف بين الاعلامين نبتدىء أوّلاً
بالإعلام الامبريالي.
1 ـ الإعلام الإمبريالي:
أ ـ حركة الاعلام الامبريالي الواسعة عن طريق مندوبيه أو مراسليه، لتغطية
الأحداث العالمية أينما وجدت.
ب ـ القفزات الثقافية التي من شأنها تطوير الاعلام الامبريالي، ومصاحبة التطور
التكنولوجي، بالاضافة إلى وجود الكثير من المؤسسات التي تعني بتطوير كفاءات
الصحفيين من معاهد وكليات.
ج ـ إشاعة بعض المصطلحت المخزونة التي تطلقها الدول الامبريالية، لتحقيق بعض
الأهداف والغايات التي من شأنها تكريس تخلف الدول النامية، مثل مصطلح الدول
المتخلفة، لتبرير إستغلالها وأدامة وصايتها عليها.
د ـ طرح بعض الحزازات في المنطقة المراد التأثير عليها، وأثارتها بغرض إبعادها
عن قضاياها الأساسية، وإشغالها بأمور تافهة لسلب إرادتها، كزرع الفتن والنعرات
الطائفية وإثارة مشاكلها.
هـ ـ إغراق أسواق الدول النامية بكثير من الكتب والمجلات والكراسات، وتصوير
الدول الامبريالية بما يحسن صورتها أمام شباب الدول النامية، وبما يقنع الشعوب
النامية بضرورة إرتباط الدول النايمة بالدول الامبريالية، وضرب الوصاية عليها.
2 ـ الإعلام في الدول النامية:
أ ـ عجز أجهزة إعلام الدول النامية عن تغطية الأحداث العالمية، نتيجة لافتقارها
للمندوبين والمراسلين العالميين.
ب ـ التخلف الثقافي العاجز عن التواصل الصحفي وتطويره، مما يؤدي إلى عدم القدرة
على إستحداث وسائل صحفية وتقنية تخدم هذا المجال.
ج ـ النقص الكبير أو عدم إهتمام الدول النامية بقضية الاعلام مما يجعل هذا
الجانب منسياً من حيث فتح المعاهد أو الكليات لغرض إعداد كوادره.
د ـ التبويق لصحافة وأجهزة إعلام الدول الامبريالية ولمصطلحاتها، بدون وعي أو
بوعي مغرض.
هـ ـ إعتياد التناول الاعلامي الامبريالي، وتعامل إعلام الدول النامية مع قضايا
الجنس والشذوذ والغيبيّات والأفكار كالوجودية مثلاً «ممّا يؤثر تأثيراً» تخديرياً
على شعوب الدول النامية.
المصادر
1 ـ دراسات في الصحافة الأوروبية، د. ابراهيم عبده.
2 ـ الاعلام في الدول النامية، د. ابراهيم الداقوني.
3 ـ تقنيت الصحافة، ترجمة محمد حسنين هيكل.
4 ـ الاعلام والتنمية، د. محمد جوهر.
5 ـ الاعلام الامبريالي، ترجمة محمد حسنين هيكل.
6 ـ تقنية الصحافة، فيليب عايار.
7 ـ فلسفة الدعاية الاسرائيلية، د. حامد عبد الله ربيع.
8 ـ مجلة السياسة الدولية.
9 ـ أضواء على الاعلام الاسرائيلي، د. منذر عنتباوي.
10 ـ ويلبر شرام، أجهزة الاعلام والتنمية الوطنية.
11 ـ منشورات معهد التدريب الاذاعي والتلفزيوني.
12 ـ منشورات إتحاد الاذاعة العربية/المركز العربي للبحوث والمستمعين
والمشاهدين.
___________________________________________________
الهجوم على الإسلام مِنْ مَنْ؟ ولماذا؟
بقلم: عبدالرحمن بن عبدالخالق
تقديم:
الحمد لله مالك الملك، يعز من يشاء، ويذل من يشاء، إنه على كل شيء قدير.
والصلاة والسلام على البشير النذير، نبي المرحمة والملحمة، المبعوث رحمة
للعالمين، ونذيراً للبشر أجمعين، والمقيم لخير أمة أخرجت للناس في الأولين
والآخرين.
وعلى آله وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد..
مدخل :
ففي الوقت الذي بدأ المسلمون فيه طريق العودة إلى دينهم، والتمسك بعقيدتهم،
والعمل للعيش في ظل كتاب ربهم، وسنة نبيهم، في هذا الوقت اشتدت الحملة ضد الإسلام
والمسلمين من داخل العالم الإسلامي، ومن خارجه للحيلولة بين المسلمين وما يريدون،
ولقطع الطريق على أبناء الأمة، أن يعيشوا كما يحبون مسلمين مؤمنين أعزة في أوطانهم
وديارهم.
وحتى يكون شباب الأمة الإسلامية على علم بأبعاد المؤامرة على دينهم وعقيدتهم،
عليهم أن يعرفوا طريق الخلاص من هذه المؤامرة وكيف يواجهونها وكيف ستكون العاقبة إن
شاء الله تعالى ومن أجل ذلك أحببنا أن نكتب هذا التعريف.
لماذا الهجوم على الإسلام الآن؟
وما كادت تسقط آخر خلافة إسلامية، وتقسم أراضي الإسلام بين الدول الصليبية
الكافرة، حتى انطلقت الألسن من كل اتجاه قائلة إن سبب ضعف المسلمين يكمن في الإسلام
الذي أقعدهم عن طلب العلم والنهضة، وكبلهم في التخلف والجهل، وتحت هذه المقالات
الفاجرة نشأت الحكومات التي استبدلت شريعة الله بشرائع الكفار، ونظام التعليم
الإسلامي بنظام التعليم الغربي، وبدأت أجهزة الإعلام تغرس عقائد القومية،
واللادينية (الإلحاد) (انظر كتابنا (الإلحاد))، والوطنية الإقليمية مكان العقيدة
الإسلامية.. ولكن لم يمض وقت طويل حتى اكتشف المسلمون أنفسهم زيف هذه الدعاوى. فقد
تحطمت دعوة القومية وصارت هباءً منثورا بعد أول مواجهة مع اليهود، وخلفت أحقاداً
يتعذر تجاوزها، وتحولت دعوة الوطنية الإقليمية إلى مسخ مشوه بعد التحقق أن أية دولة
من الدول العربية الإسلامية لا يمكن لها أن تعيش وتبقى وحدها. وانتهى الإلحاد
بنهاية بائسة حيث بدأ أهله يبحثون في الفلسفات القديمة والأديان الخرافية عن ملجأ
لهم من اللهيب والظلمة الكفر والضياع الذي خلفته المادية الإلحادية، واكتشف
المسلمون أخيراً أنهم دون عقيدتهم وإسلامهم قطيع تائه، بل قطعان تائهة، وأنه لا
حياة لهم ولا عز ولا نصر إلا بالدين الذي أعزهم الله به، وانتصروا في ظلاله وتحب
لوائه على مدى ثلاثة عشر قرناً من الزمان.
وابتدأت طلائع الشباب المثقفين والمتعلمين منهم خاصة تعود إلى الدين، وتشق
طريقها في الحياة وفق تعاليمه وتحت ظلاله، وهنا جن جنون أعداء الله الذين بذلوا
النفس والنفيس في سبيل سلخ هذه الأمة عن دينها، فكيف تكون النهاية هكذا؟ كيف ينقلب
الناس إلى الإسلام من جديد وقد ظنوا أن المسلمين قد فارقوا الإسلام إلى الأبد، وأنه
لا عودة لهذا الدين من جديد وأن قضيته لن يكون لها وجود، وأن دولته لن تعقد لها
راية، ولن يرفع لها لواء.. وهنا تنادى أعداء الله في شرق الأرض وغربها أن اغدوا لشن
الغارة من جديد على الإسلام وأهله وحُولُوا بين أبنائه والعودة إليه.
من الذي يحارب الإسلام الآن؟
والذين يحملون اليوم لواء الحرب على للإسلام أصناف عديدة جداً، رغم تباينهم
واختلافهم في أنفسهم إلا أنهم اجتمعوا حول هذا الهدف المشترك والغاية الواحدة وأهم
هذه الأصناف اليوم ما يلي:
1- الشيوعيون وأشياعهم وفروخهم:
وذلك أن العقيدة الشيوعية تقوم أساساً على جحد الأديان والكفر برسالات السماء.
بل الكفر بكل الغيب، وجعل الحياة الدنيا هي الغاية ونهاية المطاف، وتسليم الحكم
لسلطة الحزب، وجعل إله الآلهة، ومُشرع القوانين، ومرجع كل خلاف هو كارل ماركس
ولينين، اللذان قالا في زعم الشيوعيين الكلمة الأخيرة في كل شيء، في الاقتصاد
والحياة، والأخلاق والفن والأديان والحكم والسياسة والتاريخ والماضي والمستقبل
والطبيعة، وما وراء الطبيعة.. الخ. فجعلوا إلههم المطاع وسيدهم غير المنازع الذي
أحاط علماً بكل شيء وعرف كل ما في الكون هو اليهودي الحاقد كارل ماركس والشيوعي
الحاقد لينين.. والبشر بعد ذلك ما هم إلا أتباع مقلدون لا يجوز لهم نقد هذين
الإلهين ولا تجاوز شيء مما قالوه.
ولما كانت النصرانية هي دين الغالبية العظمى في أوروبا وأمريك قد أفلست وباعت
كنائسها، أو أبقتها للذكرى والتاريخ، وكانت اليهودية، ديناً منغلقاً وقفاً على
أولاد إسرائيل فقط وليست ديناً للتبشير والدعوة.. وكانت الأديان الوثنية الأخرى
أدياناً للاستهلاك المحلي، وللتسلية واللعب، ومن أجل ذلك لم يبق أمام الشيوعية من
عقيدة تستطيع أن تنافحها بل أن تهزمها وفي عقر دارها في روسيا غير الإسلام العقيدة
العلمية النقية الخالصة، التي جاءت بثورة على كل ظلم وفساد وجهل، وخرافة، وشرك
وجحود ونكران.. من اجل ذلك صب الشيوعيون في كل مكان جام غضبهم على هذه العقيدة
وأهلها وابتدأوا حربها بكل سبيل، فها هي عساكرهم تغزو أفغانستان لتحطيم عقيدة أهله،
والحيلولة دون قيام حكم إسلامي ينشر الإسلام في آسيا ويخلص مسلمي روسيا من بطش وظلم
الشيوعيين الكفرة وهؤلاء الشيوعيون الذين غرروا بالشعوب الإسلامية هناك عندما قاموا
بثورتهم الشيوعية وقام المسلمون معهم تخلصاً من ظلم القياصرة فكان جزاؤهم بعد ذلك
القتل والإبادة، وتحريم الإسلام عليهم وقطع الصلة بينهم وبين الإسلام، فلا مسجد
يرفع فيه آذان، ولا مصحف يسمح بتداوله وطبعه. وهاهي روسيا تنقلب ضد الشعب الأريتري
المسلم وتحارب ثورته وتمد أعداءه، وهاهي تسرق ثورة الشعب المسلم في جنوب الفلبين
وتصنع العملاء لها في الوطن الإسلامي، هؤلاء العملاء الذين ما أن يتسلموا حكم دولة
من الدول إلا ويعيثوا في الأرض الفساد من أول يوم بل من أول ساعة، ففي السودان ما
إن تسلم عميل لهم الحكم حتى بدأ يقتل من يعرف الصلاة من الضباط، وحتى خرجت
مظاهراتهم لتقول: لا إسلام بعد اليوم.. وفي مصر ما إن تحول عميل من الأمريكان
إليهم، حتى زرعوا أرض مصر بالفساد فاستعار نحواً من خمسين ألف داعية روسي للإلحاد
تحت مسمى الخبراء، وابتدأ قتل المسلمين وتعذيبهم وتشريدهم وتشتيت شملهم، وابتدأ
تطبيق اشتراكيتهم الفاسدة، التي أفسدت البلاد والعباد، وفي أندونيسيا ما إن تسلم
بعض العملاء دفة الحكم حتى قتلوا كل ضابط يصلي والقوهم جميعاً في بئر واحد وفتحوا
المجاري عليهم وذلك بعد ساعات فقط من قيام انقلابهم المشئوم.. وشرح هذا يطول،
وهؤلاء هم عملاؤهم الذين لم يتسلموا سلطة والذين يسمون أنفسهم بالشيوعيين تارة
واليساريين أخرى، والديمقراطيين ثالثة، لا عمل لهم إلا حرب الإسلام، ولا هدف لهم
إلا محاولة القضاء عليه، وهاهي أيديهم لا تكون إلا مع أعداء الإسلام، يزعمون محاربة
أمريكا وهم وأياها جبهة واحدة ضد الدين، ويرفعون شعار الديمقراطية وهم أعدى أعداء
حرية الرأي والكلمة، وينادون بالوطنية وهم دائماً مع روسيا ضد مصالح أوطانهم،
ويرفعون شعار القومية وهم دائماً مع أعداء قوميتهم وخاصة العرب منهم، هؤلاء هم
العدو الأول للمسلمين في بلاد الإسلام.
2- اليهود وأذنابهم:
زرع اليهود أنفسهم في أرض فلسطين بعد غياب عن هذه الأرض لنحو من ثلاثة آلاف، وقد
علموا علم اليقين أنه لا بقاء لهم إلا مع فرقة العالم الإسلامي، وضياعه وشتاته، فهم
لم يستطيعوا أبدا إنشاء وطن لهم في فلسطين عندما كان المسلمون أمة واحدة أو شبه
واحدة، ولكن لما تفرق المسلمون شيعاً وأحزاباً وأوطاناً وزالت خلافتهم الإسلامية،
ووقعوا تحت حكم الكفار من الإنجليز والفرنسيين استطاع اليهود إنشاء وطنهم في
فلسطين.
واليهود اليوم يعلمون علماً لا يتطرق إليه شك أنه في الوقت الذي تقوم بأرض
الإسلام دولة قوية، ووحدة بين أوطانه فإنه لا بقاء لهم، ولذلك فهم يعملون بكل ما
أوتوا من قوة لتشتيت هذه الأمة وضياعها، وإبقاء دولها فقيرة عاجزة مكبلة بالديون
والفقر والتخلف، مرتبطة مرهونة بالاستعمار الشرقي والغربي، ويعلم اليهود بل كل عدو
للمسلمين أن سر قوة المسلمين إنما هو عقيدتهم وإسلامهم فهو الذي يستطيع أن يجمع
شتاتهم، ويوحد دولهم، ويبعث العزة والحمية في نفوسهم، ويؤجج العداوة الدائمة لهم،
وذلك لما في القرآن والسنة من لعنهم وسبهم وعداوتهم، وبما في التاريخ الإسلامي من
التعريف بغدرهم ومكرهم ودهائهم.. ومن أجل ذلك كله يعادي اليهود الإسلام والمسلمين،
ولما كان إظهارهم لهذه العداوة، قد ينقلب عليهم بنتائج عكسية حين يتحمس المسلمون
لدينهم، فإن اليهود قد فضلوا أن يحاربوا الإسلام عن طريق عملاء لهم من أبناء
المسلمين أنفسهم.
ولذلك عملوا في كل التاريخ على تكوين ما اصطلح على تسميته بالفرق الباطنية التي
ترجع معظمها إلى مؤسسين من اليهود نشروا الفكرة وتركوها تنمو في أوساط المسلمين،
وهم أيضاً الذين نشروا العقيدة الشيوعية أول ما جاءت إلى البلاد العربية ثم تركوها
تنموا في أوسط المسلمين، وهم اليوم وراء تشجيع كل نحلة وطائفة وفرقة يمكن أن تمزق
الجسد الإسلامي، ولهذا فهم اليوم وراء الباطنيين والدروز والأحزاب الشيوعية،
والطوائف على اختلاف أنواعها، وهم اليوم خلف كل دعوات التحلل من الإسلام والميوعة
عن طريق منظماتهم العالمية السرية والعلنية كالماسونية والأندية المختلفة، وهم
اليوم وراء ترويج الفواحش والمخدرات، والتعري، وكل ما يمكن أن يسلخ المسلم عن دينه
وهم اليوم وراء تشجيع المنظمات النسائية اللادينية، وثورات العمال والشباب، وقد
استطاع اليهود الدخول إلى كل ذلك عن طريق المنظمات الرهيبة التابعة لهم والتي
أسسوها على مدى ثلاثة آلاف سنة، وعن طريق أجهزة الإعلام التي امتلكوا أكثرها وعن
طريق أماكن الثقافة والفكر المتخصصة وخاصة في البيوت الاستشارية وعن طريق أساتذة
الجامعات في أمريكا وأوروبا.
إن نصيحة واحدة من بيت من هذه البيوت لحاكم واحد من حكام المسلمين تقول له: احذر
الجماعات الإسلامية الفلانية لأن فيها خطراً على حكمك وسلطانك، وهذه النصيحة التي
قد لا تتعدى بضع ورقات من بيت من البيوت الاستشارية التابعة لليهود كافية لأن ينظم
هذا الحاكم حملة شعواء لحرب الإسلام في بلده، خاصة إذا اقترنت هذه النصيحة بكيفية
حرب هذه الجماعات وأنها يجب أن تكون بكذا وكذا وكذا.. الخ. وإن مقالاً واحداً يكتب
في صحيفة سيارة كالتايم، والنيوزويك والتايمز.. يطبع منه ملايين بشتى اللغات يحذر
فيه كاتب المقال حكومة ما من خطر إسلامي، كاف جداً لتجنيد كل إمكانيات هذا البد
لحرب الإسلام بل إن الحملة الشعواء الآن التي يشترك فيها العالم أجمع تقريباً ضد
الإسلام على امتداد الكرة الأرضية قد كانت بفعل بعض المقالات المتناثرة في عدد من
هذه الصحف السيارة التي باتت تحذر من الخطر الإسلامي المرتقب وهكذا استطاع اليهود
رغم قلتهم العددية أن يكون لهم ابلغ الأثر في حرب الإسلام، وذلك بالرغم من عدم
ظهورهم العلني السافر.
3- أمريكا وعملاؤها وأذنابها:
أمريكا مارد عملاق وأخطبوط بألف ذراع قد تمكن اليهود من عقله وتغلغلوا في احشائه
ومصوا دماءه لصالحهم، وركبوا هذا الثور المجنون وجعلوه ينطح من أجل مصالحهم وإن حطم
أنفه وجبهته، ما دام أنه ينطح أعداء اليهود، ويقتل أعداء اليهود، وقد استخدم اليهود
مقدرات أمريكا في صالحهم دائماً، فالأموال الأمريكية هي التي تحمي الاقتصاد
اليهودي، وتمده، والسلاح الأمريكي هو الذي يحمي الصهاينة، والسياسة الأمريكية هي
التي تفرض حمايتها لليهود، وفي مقابل ذلك يبيع اليهود للأمريكيين الوهم بأنهم حراس
مصالحهم في العالم الإسلامي وأنهم السد الذي يمنع عنهم الشيوعية التي يخافونها،
وتبيعهم أسرار الدول العربية المستباحة، ويسهلون لهم الوصول إلى ثروات العالم
الإسلامي المنهوبة بما لليهود من خبرة في السمسرة والتضليل وإفساد الدول العربية
المستباحة، ويسهلون لهم الوصول إلى ثروات العالم الإسلامي المنهوبة بما لليهود من
خبرة في السمسرة والتضليل وإفساد الذمم والرشاوي. هذا ما يبيعه اليهود لأمريكا في
مقابل مص دمائهم، والركوب فوق ظهورهم وتسخيرهم في مصالحهم، ومن أعظم ما يستخدم فيه
اليهود أمريكا هو ضري الإسلام ومحاربته والتضييق عليه.
فأمريكا هي التي توعز إلى عملائها في العالم الإسلامي بضرب الإسلام، والخروج منه
إلى حريتهم الزائفة، وأمريكا هي التي لا تفتأ تحذر عملاءها ممن تسميهم المتطرفين
المسلمين، وهي التي تقدم نصائحها لأذنابها. بل إن أمريكا هذه القوة العمياء هي التي
تمول كثيراً من الأحزاب الشيوعية في العالم الإسلامي وذلك بهدف ضرب الإسلام، وذلك
أنها تعتقد أن ديمقراطية الغرب لا تستطيع أن تقف أمام المد الإسلامي ولذلك تستعين
بالعقيدة الشيوعية والعملاء الشيوعيين لضرب الإسلام والمسلمين. وهكذا تظل أمريكا
حصاناً مزدوجاً يركبه اليهود ويركبون عليه أيضاً عملاؤهم وأفراخهم، فبالأموال
الأمريكية يحارب اليهود الإسلام وينشرون الشيوعية ويمكنون اليهود في بلاد المسلمين.
وهكذا يعمل لأمريكا في بلاد المسلمين خليط عجيب متناقض شكلاً ولكنه يتفق هدفاً
ومضموناً. فمن يساري متشدق بالشيوعية، إلى منحل لا ديني، إلى امرأة حاقدة على كل
استقامة وعفة، إلى حاكم جبان رعديد عدو لأمته ودينه، كل هؤلاء يجتمعون لحرب الإسلام
والنيل منه. وهم أشتات وأخلاط ومذاهب.
4- أهل المصالح التافهة والرغبات الصغيرة:
الصنف الرابع من الأصناف التي تحارب الإسلام من أبناء الإسلام هو كل جاهل غبي
يجهل تاريخ أمته ودينه، ممن يقدم مصالحه الصغيرة التافهة على مصلحة أمته.. فقد يرى
في الإسلام مانعا لكسبه للمال عن طريق الربا والحرام، ولاستمتاعه بالزنا والفجور،
ولرياسته وتسلطه، ولشهواته، وأهوائه، من أجل ذلك يرى في الإسلام عدواً وحاجزاً أمام
شهواته.
ومن هذا الصنف أيضاً أناس عميت أبصارهم، ونقل لهم الإسلام مشوهاً ممسوخاً فظنوه
فقط سيفاً يقطع الأيدي والرقاب، وسوطاً يجلد الظهور، أو ظنوه ركونا إلى الجهل
والتخلف، قعوداً عن العلم والعمل، أو حسبوا الإسلام طريقاً إلى الفرقة والشتات،
وسبيلاً إلى الخراب وسفك الدماء.
ومما ساعد على وجود هذا الصنف الجاهل وجود بعض النماذج الإسلامية الجاهلة،
والحاقدة التي ضربت للإسلام أبشع الأمثلة وصورته بأقبح الصور، ولما كان هذا الصنف
الجاهل يجهل حقيقة الإسلام، وتاريخه فإنه ظن أن الإسلام هو هذا الذي يراه من هذه
النماذج الهشة، والحاقدة، والجاهلة.
وهذا الصنف الرابع هو أكثر الأصناف اليوم وجوداً، وهم ليسوا بالضرورة عملاء
مباشرين للشيوعيين، أو اليهود أو الأمريكيين في حربهم للإسلام، بل كثيراً ما تكون
منطلقاتهم في حرب الدين منطلقات خاصة، وتحركات فردية وقناعات ذاتية، ولكنهم
بالضرورة أيضا دُمى يحركها أعداء الإسلام، وقنابل موقوتة يفجرونها وقتما يشاؤون،
وثيران تنطح بمجرد التحدي أو التحريض.
ولا شك أن من هذا الصنف أيضاً منافقون حاقدون يحاربون الإسلام كراهية وبغضاً،
وعن علم أكيد بأنه دين الحق وسبيل العز والنصر، ولكنهم كما قال الله في أسلافهم:
{صم بكم عمي فهم لا يرجعون} (البقرة:18).
المستقبل للإسلام:
بالرغم من كل ما قدمناه عن أعداء الدين المحدثين وحملتهم الجديدة عليه، إلا أن
سعيهم إلى ضلال وتدبيرهم إلى تباب، والعاقبة للمتقين، والنصر للموحدين. والدليل على
ذلك قوله تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم
الأشهاد}.
وقوله تعالى: {وهو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى
بالله شهيداً} (غافر:51).
وقوله تعالى: {ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون} (الأنفال:59)
وإذا كانت هذه آيات عامة تبشر دائماً بنصر الدين، وعساكر الموحدين فإن السُنة
الشريفة جاءت بالأخبار التفصيلية بأن الإسلام باق إلى آخر الدنيا، وأنه لا تزال
طائفة من أمة رسول الله محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم قائمة بأمر الله إلى أن
يقاتل آخرهم الدجال. وانه لو اجتمع كل من في الأرض جميعاً على أهل الإسلام ما كان
لهم أن يستأصلوا شأفة المسلمين ويستبيحوا بيضتهم، وأن كسرى وقيصر ستنفق كنوزهما في
سبيل الله، وأنه إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وأن
مدينة هرقل "القسطنطينة" تفتح قبل "روما" وأن اليهود يقتلون آخر الزمان بأيدي
المسلمين حتى إن الشجر والحجر لينادي المسلم قائلاً: "يا مسلم يا عبدالله هذا يهودي
ورائي فاقتله"!!
وأن عيسى بن مريم ينزل في دمشق على عساكر المسلمين وقد صفت للصلاة، وإمام
المسلمين منهم، ويصلي عيسى بن مريم وراءه تكرمة لهذه الأمة، وأن الدجال الذي يدعي
الألوهية والربوبية في آخر الزمان لا يتصدى له في الأرض إلا أهل الإسلام، وأنه
يُقتل بحربة عيسى بن مريم، وأن عيسى بن مريم ينزل ليحكم بشريعة القرآن فيكسر
الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، وينادي بصلاة أهل الإسلام، ويعبد الله على
منهج محمد بن عبدالله، ولا شك أن خبر الرسول صلى الله عليه وسلم كله صدق فما أخبر
عن شيء مما مضى وكان كذباً، وما أخبر عن شيء مما يجيء إلا وجاء كما أخبر به، ألم
يخبر بهلاك كسرى وقيصر وإنفاق كنوزهما في سبيل الله وقد كان.. مما كان يُعد حُلماً
بعيد المنال.
ألم يخبرنا بفتح القسطنطينية؟ وقد كان هذا عند المكذبين ضرباً من خيال وقد كان
الأمر كما أخبر؟ والله ليقعن الأمر كما أخبر به الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه
عليه، وقد بدأت بحمد الله تباشير ذلك.
أ- فهذه الصحوة الدينية في كل مكان، وهذا التوجه نحو الإسلام في كل صوب بداية
الغيث وأول العودة، ولعل أبرز ما في هذه العودة إلى الإسلام من العبر والعظات، أن
المتعلمين والمثقفين هم أول الناس مُسارعة إلى الرجوع للدين، مما يدلك على أن
العودة عودة علمية سليمة، وأنها ليست عودة للجاهلين، ولا تقليداً للآباء والسابقين.
ب- وهذه حضارة الغرب والشرق يظهر إفلاسها وخرابها، وضنك أهلها، وشقاءهم بها، لقد
عزلوا أنفسهم عن إلههم ومولاهم وخالقهم –ظنوا- فكانت النتيجة الحتمية جرياً وراء
السراب وضياعاً للهدف والغاية، وظلمة النفوس والقلوب، وفراغاً يملأ الحياة،
وتفريغاً للحياة من كل معنى شريف، وبل من كل معنى أصلاً.
ج- وهذه إرهاصات بزوغ شمس الإسلام نراها كل يوم رأي العين، ويعلمها البصير
بتاريخ الأمم والشعوب، فقد يسر الله من الأحداث ما تخلصت به الأمة من أعظم
طواغيتها، وأشد عُتاتها، بل هاهي الطواغيت تسقط طاغوتاً إثر طاغوت، وهذه البقية
تعيش ما بقي لها من عُمر خائفة مذعورة يحيط بها الحراس من كل جانب، ولا ترى نور
الشمس إلا تحت الحراب والمدافع والدبابات، بل تعيش ملعونة مرجومة، بل مفضوحة
مكشوفة.. وهاهي دعوات الباطل التي جرى الناس وراءها يوماً ما تنكشف للجميع على أنها
سراب خادع، وبريق زائل.. هاهي دعوات القومية، والإشتراكية، والانفتاحية، والحرية،
وادعاء الرقي الكاذب، والإقليمية، يظهر للجميع خواؤها وتفاهتها.. وهذا هو نور
الإسلام يشع من جديد تراه كل يوم هذه الوجوه المضيئة من شبابنا المؤمن وفتياتنا
المؤمنات.
د- وهاهي أحداث العالم، ومجريات الأمور يوجهها خالق السموات والأرض، ومن بيده
الملك كله، ومن يقلب الليل والنهار، لتخرج من جديد خير أمة أخرجت للناس بلباس جديد،
وتاريخ جديد.
{قُل اللهم مالك الملك تؤتي المُلك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء وتُعز من تشاء
وتُذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير. تولج الليل في النهار، وتولج النهار
في الليل، وتخرج الحي من الميت، وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب} (آل
عمران:26-27).
أليست كل هذه إرهاصات لقيام أمة الإسلام من جديد؟
بلى والله إنها لكذلك!! واسألوا السيرة والتاريخ؟
_________________________________________________
إرهاب الإعلام الصهيوني وطمس الحقائق
دراسات كثيرة تناولت آلية الإعلام الصهيوني وهي على تنوعها أجمعت على أن الدعاية
الصهيونية ارتكزت إلى الغرب، ما قبل احتلال فلسطين، بالعزف على نغمة المحرقة
اليهودية و"العذابات اليهودية" وتضخيم عقدة الشعور بالذنب تجاه اليهود واضطهادهم في
الضمير الرسمي والشعبي الغربي، وتوازى ذلك مع قيام دعاة الصهاينة بالترويج لأسطورة
أن "فلسطين أرض بلا شعب، واليهود شعب بلا أرض"، إلى جانب "التبشير" بواحة للحضارة
والديمقراطية فيما لو وُجِدت "إسرائيل" في الأرض العربية.
عملت الدعاية الصهيونية على خطين متوازيين موجهة إعلامها للداخل والخارج، فواصلت
التعبئة من جهة لمحاولة "توحيد البنيان اليهودي" على أرض فلسطين وتوطيد دعائمه في
إطار الكيان الصهيوني وأطلقت حملة لمحاربة "الاندماج" اليهودي في الخارج والعمل على
استمرار الهجرة اليهودية إلى فلسطين والمحافظة على ارتباط اليهود بمؤسساتهم في
العالم بشبكة اتصال متينة مع "إسرائيل".
رفع الإعلام الصهيوني وتيرة خطابه في أوساط الغرب، ونجح إلى حد كبير في تشويه
الحقائق التاريخية والوقائع السياسية، بل إنه استطاع إخفاء مشاهد المذابح التي
ارتكبتها العصابات الصهيونية في كفر قاسم ودير ياسين وقبية ونحالين وأبو شوشة
وغيرها مستفيداً في ذلك من ضعف الإعلام العربي وهشاشته. وذكرت دراسات كثيرة أن
الغرب كان يرى ما يحدث على أرض فلسطين من خلال المنظور الصهيوني، فترسخت اعتقادات
في الرأي العام الشعبي الغربي مفادها أن "إسرائيل" بلد صغير يحاول العرب
"المتوحشون" التهامه، في وقت كانت الماكينة الإعلامية الصهيونية تقدم العربي
والشخصية العربية على هيئة قطاع الطرق وسافكي الدماء، وانتشرت في وسائل الإعلام
الغربية المختلفة وبظل صهيوني صورة البداوة المتخلفة للعربي الواقف بين الجمل
والخيمة والذي لا يرى أفقاً أمامه أبعد من كثبان الصحراء، واعتمدت الدعاية
الصهيونية في ذلك على التذكير بحكايات ألف ليلة وليلة والتركيز على جوانبها التي
تظهر العربي كسولاً يرتع بين المحظيات والجواري، مستسلماً للبلادة والجهل.
ويذكر الدارسون أن مساحة التدفق الإعلامي الصهيوني المتعدد الأشكال اتسعت في
معظم أنحاء العالم، وفي فترة قياسية، وعلى سبيل المثال بلغ عدد الصحف والمجلات
اليهودية التي صدرت خارج الكيان الصهيوني وبلغات مختلفة بعد عام 1967، 760 جريدة
ومجلة موزعة على النحو التالي: 224 صحيفة في الولايات المتحدة الأميركية، 30 في
كندا، 18 في أميركا اللاتينية، 348 في أوروبا، 3 في الهند، 5 في تركيا، واحدة في
إيران، 42 في أفريقيا، إلى جانب عدد كبير من دور النشر والتوزيع ومحطات الإذاعة
والتلفزيون والمسارح وشركات الإنتاج السينمائي، وأعداد أكبر من الوسائل الإعلامية
الغربية التي خضعت للنفوذ الصهيوني عن طريق عمل المحررين والمؤلفين والكتاب فيها أو
بالاتفاق المالي المباشر.
كان التخطيط لهذه الوسائل يجري في الكيان الصهيوني على يد علماء بالسياسة وعلم
النفس السياسي. ويعتمد هذا الإعلام حتى الآن على مختلف المداخل مهما بدت متواضعة
وبسيطة بهدف الترويج للموقف الصهيوني، وتوسيع نطاقه لخدمة الأغراض السياسية
الصهيونية في مراحل مختلفة وطمس الصوت الآخر.
وشهدت أعوام الثمانينيات والتسعينيات تغيرات مهمة في الإعلام الصهيوني تتوازى مع
المتغير السياسي ويعني ذلك انتقال الكيان الصهيوني إلى إدخال مفردات "السلام العربي
الإسرائيلي" ليس فقط في خطابه الموجه إلى الغرب والعالم وإنما أيضاً إلى شعوب
المنطقة العربية بمجتمعاتها العربية الإسلامية. وبشكل عام قدم الإعلام الصهيوني
"إسرائيل" كدولة مسالمة تحاول إدراك "التغيرات" الحاصلة على صراعها مع العرب
والتحولات الحاصلة في الموقف الدولي، ولذلك فقد دفعت إلى "تطبيع العلاقات" مع
جيرانها العرب، إلا أن هؤلاء مازال بينهم مَن لا يدرك "قيمة السلام"، واستمرت ذريعة
الخطر على وجود "إسرائيل" ماثلة في الإعلام الصهيوني كأحد العناصر الرئيسية في
خطابه، وإن كان قد طرأ تغير على الأسلوب بالانتقال من التلويح بـ "الخطر العسكري
العربي" على "إسرائيل"، إلى استخدام تعبير "الإرهاب" والتحذير من "خطره" على السلم
الإقليمي، والعالمي والتجييش ضده بالتالي.
إرهاب الإعلام الصهيوني
كشفت الشهور التسعة الأخيرة قضية خطيرة تأخر الرأي العام والإعلام الأملريكي في
إدراكها وهي قضية الإرهاب الإعلامي الإسرائيلي وقد دفع ذلك الكتاب السياسيين
الأمريكيين إلى التصريح علنا بأن ذلك كان السبب الرئيسي لما حدث في 11 سبتمبر نتيجة
حتمية للدعم الأعمى، ونجد كاتباً مثل ديفيد ديوك يقول: "اسمحوا لي أن أقول لكم وبكل
صراحة، إن السبب الرئيسي الكامن وراء تنفيذ هذه العمليات الإرهابية ضدنا هو دعمنا
المباشر للممارسات الإجرامية الإسرائيلية".
ويشير الدارسون والسياسيون إلى أن الولايات المتحدة طالها الإرهاب الصهيوني ضمن
الدول التي تعرضت له، وفي واقع الأمر فإن "إسرائيل" كانت سبباً لإثارة عدة حروب ضد
الولايات المتحدة الأمريكية. ويعود تاريخ الإرهاب الإسرائيلي ضد أميركا إلى عام
1954، ففي ذلك العام قررت دولة "إسرائيل" تفجير منشآت أمريكية في القاهرة
والإسكندرية وتحميل القوميين المصريين مسؤولية ذلك، إلا أن الصدفة لعبت دوراً في
كشف هذه المؤامرة واحباطها، هذه الحادثة عرفت باسم قضية لافان-الشخص الذي خطط لهذه
المؤامرة. وقد استقال هاس لافان وزير الدفاع الإسرائيلي من منصبه في عام 1955 في
أعقاب فشل هذه المؤامرة وفي عام 1967 هاجمت الطائرات الحربية الإسرائيلية وعن عمد
السفينة الحربية الأمريكية ليبرتي وهي راسية في البحر المتوسط على بعد 15 ميلاً من
الساحل الشمالي لشبه جزيرة سيناء،كما فتحت نيران أسلحتها الرشاشة على قوارب الإنقاذ
الصغيرة الموجودة على سطح هذه السفينة، وقد أدى الهجوم إلى مقتل 31 بحاراً أمريكياً
وإصابة 170 آخرين بجروح.
لقد كان الإسرائيليون بصدد إغراق السفينة الحربية الأمريكية وقتل معظم أفراد
طاقمها، ثم تحميل المصريين مسئولية ذلك الحادث، وذلك من أجل كسب دعم أمريكي أكبر
يساعدهم في احتلال مساحات أوسع ومناطق عربية أكثر، مهاجمة السفينة الحربية
الأمريكية لم يكن سوى إجراء حربي إسرائيلي ضد أمريكا ورغم أن وزير الخارجية (دين
راسك) وقائد القوة البحرية الأمريكية الأدميرال (مورر) أعلنا أن الهجوم الإسرائيلي
على السفينة الحربية ليبرتي كان عن عمد، إلا أن اللوبي الصهيوني المتنفذ في أمريكا
حال دون أن يتخذ الكونغرس الأمريكي قراراً رسمياً يدعو للتحقيق في الحادث بعد
العدوان الإسرائيلي على السفينة الحربية الأمريكية ليبرتي.
ولم تكتف الإدارة الأمريكية بمواصلة تقديم الدعم العسكري والمالي "لإسرائيل"
فحسب بل عمدت بعد عدة أيام من وقوع الحادث إلى حذف الأخبار المتعلقة بالحادث من
كافة وسائلها الإعلامية، وفي عام 1986 تسببت "إسرائيل" في أن تهاجم أمريكا خطأ
شعباً آخر، فالموساد نصب مرسلة في طرابلس عاصمة ليبيا، وأخذت تبث من تلك المرسلة
رسائل إرهابية بشفرات ليبية، وهذه الرسائل حملت عناصر المخابرات الليبية مسؤولية
تفجير مرقص في ألمانيا والذي أدى إلى مقتل أمريكيين "فيما بعد ثبت أنه لم يكن
لليبيا أي دور في حادث تفجير المرقص المذكور" وفق مصادر إعلامية أمريكية كثيرة. أدى
استخدام مثل هذه الأساليب من قبل "إسرائيل" إلى أن تتعرض ليبيا لقصف أمريكي خلف
وراءه المزيد من الخراب والدمار.
مما لاشك فيه أن تشجيع أو دفع شعب لمهاجمة شعب آخر، يعد إجراء حربياً، ويدرك كل
فلسطيني وكل عربي جيداً بأن الإرهاب الإسرائيلي على مدى نصف قرن لم يكون ليستمر
لولا الدعم المالي والعسكري والسياسي الأمريكي، وأن اللوبي اليهودي هو الذي يوجه
السياسة الأمريكية حيال منطقة الشرق الأوسط، وأن الصهاينة باستطاعتهم أن يحصلوا كل
ما يحتاجونه من الكونغرس الأمريكي الذي يقدم الدعم الشامل "لإسرائيل" ولا يمكن
نسيان أن الدعم الأمريكي في الثمانينيات شجع الإسرائيليين على مهاجمة الأراضي
اللبنانية واحتلال مساحات واسعة منها، الآمر الذي أدى فيما بعد إلى تفجير مقر مشاة
البحرية الأمريكية وقتل "300" جندي أمريكي، كما إنه لا يمكن تجاهل أن العراق لم يقم
بأي عمل ضد الولايات المتحدة، ألا أنه بعد أن تحول إلى عدو "صوري" لـ "إسرائيل"،
وهو بذلك ارتكب خطأ كبيراً وخطيراً. يقول "ديوك" في ذلك: وعلى هذا الأساس جعل
اليهود ووسائل الإعلام والبيروقراطيون من "غير اليهود" الخاضعون لهيمنة اليهود،
صديقنا وحليفنا السابق صدام حسين عدواً لدوداً لنا، وخلال عدة أسابيع، ألقينا على
العراق كميات كبيرة من القنابل تفوق ما استخدم خلال أحداث الحرب العالمية الثانية،
وقتلنا مئات الآلاف من العراقيين بينهم عشرات الآلاف من المدنيين، ثم فرضنا حظراً
اقتصادياً على العراق صادقت عليه المنظمة الدولية أيضاً، وأدى حتى الآن إلى وفاة
مليون و"500" ألف طفل والآلاف من المسنين".
ويضيف ديوك: "دعوا أولئك الأمريكيين الذين لم يفهموا بعد هذا السؤال وهو لماذا
الإرهاب، أن يفكروا بعمق بهذه الحقيقة المروعة، مليون و 500 ألف طفل يموتون من جراء
سياساتنا ضد العراق، بعض الأمريكيين الذين يقرأون مقالاتي لا يصدقون ذلك، لا يصدقون
أن أمريكا تعمدت في قتل مئات آلاف من الأطفال، وهنا ننقل مقطعاً مما قالته وزيرة
الخارجية الأمريكية المنحدرة من أصل يهودي "مادلين اولبرايت" لمراسلة "سي-بي-اس"
(لزلي استال) في الحادي عشر من أيار (مايو) عام 1996، التي وجهت السؤال التالي
لأولبرايت، سمعنا أن نصف مليون طفل عراقي توفوا حتى الآن، وهذا العدد يفوق بكثير
عدد الأطفال الذين ماتوا في هيروشيما، وأنتِ تعلمين بذلك، فهل يستحقون ذلك؟! فماذا
أجابت مادلين اولبرايت لقد قالت: "أنا اعتقد أن الخيار صعب للغاية، ولكن هل يستحقون
ذلك أم لا، نعم أنا اعتقد إنهم يستحقون ذلك". وبعد فإن بعض الأمريكيين يتعجبون
لماذا نحن مكروهون لهذا الحد، اللوبي اليهودي ووسائل الإعلام العاملة تحت إشراف
اليهود، تبذل قصارى جهدها لتحول دون أن يدرك الشعب الأمريكي وبشكل كامل السبب
الحقيقي لحربنا ضد العراق، والقضايا الواقعية بخصوص الفلسطينيين، إنهم حقاً لا
يرغبون بأن يعرف الشعب ذلك".
لعبت "إيباك" دوراً مهماً رغم أنه لا يتجاوز في أهميته بأي حال دور منظمة مثل
"بناي بري" أو مجلس رؤساء المنظمات اليهودية ويشير الدارسون إلى أن الفارق هو أن
هذه المنظمات طبقت تقسيماً دقيقاً للعمل فيما بينها. "بناي بريث" مثلاً ومجلس رؤساء
المنظمات أيضاً يهتم بالاتصالات الشخصية بالمسئولين الحكوميين، وإيباك تهتم بأعضاء
الكونغرس، "كاميرا" تهتم بالإعلام، إلا أن ذلك لا يعني أن هذه المنظمات وضعت سوراً
صينياً عظيماً فيما بينها بحيث أصبحت مكونات مستقلة إحداها عن الأخرى، إن منظمات
العمل السياسي مثلاً تعمل بتوجيه من "إيباك" وذلك بجمع التبرعات لهذا المرشح
"للكونغرس" بدلاً من ذاك ومنظمة بناي بريث تدعم حملات مرشحين.. وهكذا.
وواقع الحال أن "إيباك" التي تأسست عام 1954 تعرضت لمطبات كثيرة في مسارها
السياسي في واشنطن. ولعل أصعب هذه المطبات هو الأزمة التي اكتنفتها عند مواجهة
جناحين بداخلها، أحدهما عمالي والآخر ليكودي في مطلع الثمانينيات.. إلا أنها حافظت
على تماسكها وتأثيرها الخارجي في كل الأحوال.
أدى اعتراف الولايات المتحدة المبكر هذا بـ "إسرائيل" إلى 50 عاماً من العنف
القاتل والتخبط الدموي وتحطيم ما قال الصهاينة" إنه حلم التعايش المشترك بين
المسلمين والمسيحيين واليهود. وقد اعترف سياسيون كثر من بينهم (جون كينيدي) بأن
تاريخ الحروب المريرة التي شهدها الشرق الأوسط منذ إنشاء "إسرائيل" مرير، وأكد على
"أن الاختراع المتعجل لهذه الدولة أدى إلى تسميم أفكار الولايات المتحدة في مجالات
كثيرة".
وتابع يقول: "إن التاريخ لا يقدم سابقة مماثلة لما حدث، أي أن تختطف أقلية لا
تتجاوز 2% من سكان الولايات المتحدة كل هذه الأموال لتخترع وطناً. ولو قال
الكاثوليك لدينا مثلاً، وهم عشرات الملايين، إنهم يريدون جمع أموال لدعم البابا في
إقامة دولة كاثوليكية في أوروبا الغربية لثار الكونغرس ضدهم. ولكن الكونغرس لا يثور
ضد 2% من السكان أقاموا دولة يهودية، لقد اشترى اللوبي مجلسنا التشريعي أيضاً.
الاعتراف الصريح بالتأثير اليهودي على الإعلام والسياسة الأمريكية ليس جديداً،
وتذكر المصادر على سبيل المثال أنه في تشرين الثاني (نوفمبر) 1976م قام (ناحوم
غولدمان) رئيس المجلس اليهودي العالمي بزيارة إلى واشنطن حيث التقى بالرئيس جيمي
كارتر وبوزير الخارجية (سايروس فانس) وبمستشار الأمن القومي (زبيجنو بريزنسكي).
وقدم غولدمان للمسؤولين الثلاثة طلباً مذهلاً: "ابدأوا فوراً في تفكيك اللوبي"
الإسرائيلي "في الولايات المتحدة. إنه سيئ لنا" أي لإسرائيل "وسيئ للولايات
المتحدة" وفق ما ذكرت مجلة "شتيرن" النيويوركية ـ 24 إبريل 1978 ولكن الرئيس ومن
معه قالوا له: "ليس بوسعنا أن نفعل ذلك لأنه ليس لدينا صلاحيات تمكننا من هذا، إن
مثل هذه الخطوة قد تؤدي إلى إطلاق موجة من معاداة السامية". يذكر ذلك "حوار مع
سايروس فانس أجراه إدوارد تيفنان ونشر في كتاب "اللوبي" عام 1987".
لم يخف القادة اليهود قضية الولاء أبداً. لقد قال بن غوريون "حين يقول يهودي في
أميركا أو في جنوب أفريقيا: حكومتنا، فإنه يعني حكومة "إسرائيل" وفق المصير:
إسرائيل. لجاك شتاين.... وتمضي الفقرات أيضاً بلا نهاية تقريباً كدليل على ما أشار
اليهشارون من أن "إسرائيل" تملك أمريكا.
ويذكر أن لدى اللوبي نحو 70 من كتاب الأعمدة المشهورين على المستوى القومي، وهو
يسيطر على عشرات من أجهزة الإعلام التي تخاطب المستويات السياسية والشعبية وبعبارة
أخرى فإن اللوبي اليهودي استطاع أن يجعل معركة "إسرائيل" هي معركة الولايات المتحدة
التي تقوم بذلك نيابة عن "إسرائيل" ومع أعداء "إسرائيل" وهو يعد بمثابة خلق أعداء
للولايات المتحدة هم أصلاً أعداء الصهيونية.
سلبية المواجهة العربية بالتأكيد مع كل ذلك العرض المبسط للتأثير الإسرائيلي على
القرار السياسي الأمريكي عبر إعلام مستلب كلياً ومملوك للآلة الصهيونية، كان
الإعلام العربي سلبياً فأدواته معدومة وهو بالتالي أسير للآلة الإعلامية الغربية
ووسائلها، إضافة لانعدام الفعل السياسي المستقل عن الأرضية الأمريكية وبالتالي عن
الهيمنة الصهيونية.
وقد أشار خبراء عرب كثر إلى أن الإعلام العربي :
- لا يملك رؤيا سياسية أو برنامجاً أو خطة عامة لمواجهة التغلغل الصهيوني، حيث
تصبح مقاومة التطبيع مجرد جزء من هذه الخطة.
- إن خطاب العولمة والنيوليبرالية والخصخصة تغلغلت في الخطاب السياسي العربي وفي
البنية العربية وهي إحدى أدوات الهجمة الإعلامية الصهيونية على الوطن العربي لأنها
تؤدي إلى التفكيك، وتدمير الانتماء إلى الوطن والأمة والتراث، محولة الولاء للسوق
العالمية، ولأنها تساهم في خلق هوية تاريخية وهمية على أنقاض هوية تاريخية فعلية.
- سيطر عليه الخطاب الإعلامي والثقافي والترفيهي من جهة، والتغلغل الصهيوني من
جهة أخرى، ابتداء من خلق حالة من اللا انتماء إلى التحييد والتجهيل والإلهاء وصولاً
إلى كسر الحواجز النفسية مع العدو الصهيوني.
- شيوع المصطلحات التضليلية على نمط "الشرق الأوسط" بدلاً من "الأمة العربية"،
أو "عرب إسرائيل"، أو "شعوب المنطقة"، ومثل طرح قضايا جانبية كحوار الأديان أو
تشويه الرموز الوطنية والتي تعد جزءاً من الاختراق الإعلامي.
إن عملية كسر الحواجز مع الكيان الصهيوني وضرب الهوية القومية ضمن ما يسعى
الإعلام غير المباشر إلى خلقه دون أن يدرك العرب تمهيداً لقطف الثمار ولتحقيق ذلك
عمدت الآلة الصهيونية إلى إيجاد مؤسسات وتقنيات التبرير الإعلامي في الصراع العربي
الصهيوني وهي بالطبع تعتني بها مؤسسات غربية حكومية تستخدم بدورها كافة الوسائل
مثل، إذاعة لندن، إذاعة صوت أميركا. ونجد أننا نركن إلى الاستماع إلى إذاعة لندن
لأنها أفضل من العربيات، وتدّعي الموضوعية وتقدم معلومات دقيقة نتابعها حتى توجه
باللحظة المناسبة لنا السم في الدسم ويكون ثمنه باهظاً جداً..
وهناك مؤسسات غربية خاصة مثل CNN ومؤسسات صهيونية مباشرة ومؤسسات عربية حكومية
ومؤسسات إعلامية متخصصة ومؤسسات عربية، وهناك أخيراً إنتاج إعلامي من دوائر مختصة
مثل بيانات جهات رسمية، بيانات ودوائر أمنية وغيرها، جميعها خاضعة بشكل أو آخر
للتأثير الصهيوني أو ما يسمى بالتطبيع.
فماذا تستعمل هذه الإذاعات والمؤسسات؟ وفق دراسات كثيرة لخصت عمل هذه المؤسسات
نجد:
1 - إنها تخلق أولاً جواً مقبولاً عند المتلقي… فالذين يعملون في مجال الإعلام
يعرفون أن هناك: المرسل والمتلقي ووسيلة الإرسال ومادة الإرسال… وأول شيء تتبعه هذه
المؤسسات للإيقاع بالمتلقي هو إقناعه بقبول المادة المرسلة إليه.
2 - أنهم يدّعون الموضوعية: يُحضرون الخبر من مكان الحدث مع ادعاء التخصص، مثلاً
الـ CNN متخصصة في الأخبار إلى آخر ذلك.
3 - الإقناع بمعرفة المجتمع ودراسته ويلجأون إلى الدراسات التي تقوم بها منظمات
التمويل الأجنبي.. عن طريق بعض المأجورين وغيرها وهذه الدراسة في ظاهرها بريئة مع
أنها في الحقيقة مساهمة واضحة للتجسس لصالح الخطة الإعلامية الأجنبية.
4 - محاولة تبرير كل شيء حيث يكون لكل شيء غطاء وتبريراً جاهزاً للمتلقي.
أما أسس العمل الإعلامي التي تقوم عليه هذه الجهات فهي وفق نفس الدراسات:
أ - دراسة المجتمع الذي سيحاولون اختراقه اجتماعياً واقتصادياً وعاداته
ومفاهيمه.
ب - دراسة مشاكل المجتمع بكل أنواعها.
ووسائل الهجوم يمكن تلخيصها في ما توصل إليه الباحثون:
ـ الحرب النفسية والإشاعة.
ـ تعظيم قدرات العدو.
ـ تعظيم قوة أصدقاء العدو، حيث لابد من إرهابنا وتخويفنا.
ـ تهويل الخسائر وتخفيف قيمة الانتصارات.
ـ تشويه قيمة الرموز الوطنية والقومية.
ـ الخوض في التفاصيل غير المهمة من أجل تفريغ الخبر المهم.
ـ تشتيت الاهتمام عن طريق طرح قضايا جانبية مثل حوار الأديان ومشاكل المرأة.
ـ تحويل التفاصيل إلى قضايا مهمة للابتعاد عن قضايا مهمة أخرى مثل تفاصيل
المفاوضات "يقولون مثلاً توصلنا إلى نتائج مهمة"، كانت "مباحثات مفيدة"، "كانت
مباحثات ناجحة" ولكن ما الذي يحدث في الداخل؟ لا أحد يعرف ولا يريدون لأحد أن يعرف.
ـ ترويج الفن غير الهادف كالغناء السخيف والمسلسلات غير الهادفة، وإشاعة وتسويغ
الانحلال الاجتماعي وهو ما يحتل اليوم 98% من التلفزيونات العربية.
ـ الهجوم الشرس على المفاهيم والقيم.
ـ الأخبار الكاذبة وتشويه الحقائق وتشويه الأخبار وتفريغها من محتواها.
ـ الترويج للحكام الإقليميين "السلطة من الله"، "السياسة ورجالها" وإصدار
القوانين القمعية وتشويه مفاهيم حقوق الإنسان وتعظيم الحكام وحماية الفساد في
السلطات المحلية.
أما وسائل التأثير المستخدمة فهي:
ـ التكرار.
ـ النخر المستمر.
ـ الإرهاق الجسدي باستمرار العرض والتشويق والإغراءات الجسدية.
المصطلحات وتثبيت جزء منها في استخدامنا حتى تؤثر فينا ومنها:
ـ الإرهاب حيث النضال يسمى إرهاباً.
ـ السلام العادل والشامل اللذان ليس لهما وجود.
ـ الرفض "كل من يتعلم كلمة هذا رفض" و"هذا عمل للرفض فقط".
ـ إسرائيل، الشرق الأوسط، حدود 67، عرب إسرائيل، دول الجوار، شعوب المنطقة،
الأرض مقابل السلام، جيش الدفاع الإسرائيلي، الحمائم والصقور، بلد الأديان الثلاث،
أبناء العم، أبناء إبراهيم، سقوط العداء...
هذه كلها مصطلحات يحاولون التأثير بها على الشعب العربي وعلى أدمغته بجعلها
أمراً واقعاً وهي أخطر أساليب الإعلام الصهيونية.
نرى بعد ذلك أن هناك أهدافاً تسمى بما قبل النهائية تعمل على تشبيه الأمر الراهن
على أنه حالة سلم مستمرة، ثم تعمد للتجهيل والتحييد لإضعاف المخزون المعرفي، لتصل
في نهاية الأمر إلى الهدف النهائي وهو هيمنة الإمبريالية والاستسلام وقبول الكيان
الصهيوني كجزء من المنطقة والتطبيع معه.
نصل في النهاية إلى أن الإعلام الصهيوني يلعب دوراً موازياً للدور العسكري الذي
يضطلع به الكيان إن لم يكن أكثر فاعلية، وأشد خطورة، ويجري تسويق حجج رئيسة خاصة
على الصعيد العربي، لمبررات قيام الكيان الصهيوني، فدينياً يجري التركيز على الوعد
الإلهي أي على الأرض الموعودة، وتاريخياً يجري التركيز على التواجد اليهودي القديم
في البلاد أي بعث "إسرائيل"، وقانونياً تتمحور هذه الدعاية حول تصريح بلفور وصك
الانتداب وقرار التقسيم، وإنسانياً تتمحور حول الملجأ الآمن لليهود ووضع حد
لشتاتهم، وإنشائياً يجري التركيز على الحضارة المتفوقة للكيان ومكاسب العرب من
الاستعمار اليهودي، وتقريرياً يجري تسويق سياسة الأمر الواقع والإشادة بحالاتٍ من
الرضا العربي، أو لنقل التسليم العربي بالأمر الواقع تحت يافطة العقلانية. تعتبر
هذه الحجج الست هي المناهل الرئيسة للإعلام الصهيوني.
وفي مقابل تلك الاستراتيجية الإعلامية الصهيونية نجد أننا كعرب لا نملك ولو
جزءاً يسيراً من استراتيجية مقابلة قادرة على مواجهة التغلغل الصهيوني في كل
مفاصلنا بدءاً من السياسة مروراً بالاقتصاد، فالحياة الاجتماعية ثم التاريخ إلى آخر
قائمة لا تنتهي، وهكذا ترانا نتشبث بتصريح كالذي أدلى به تيرنر أو حديث مقتضب
لسياسي أو اعتراف أدبي أو خطابي بحقوقنا دون النظر أو التوقع بالحصول على أكثر من
ذلك، إنه عالم فقد ميزاته كحضارة كان يمكن بها أن يغزو كل العقول لكنه وجد نفسه
أسيراً لآلة غسل الدماغ الصهيونية والممثلة بالإعلام.
المصدر صحيفة البيان الإماراتية 10 تموز (يوليو) 2002
______________________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الحرب الإعلامية الصليبية على العراق
لقد أصبح الإعلام في زماننا هذا الخط الأول للجيوش وقلبها ومؤخرتها ، فهو يشارك
في الحرب قبل تحرك الجيوش ، ومع تحركها ، وبعد انتهاء المعركة ، ولا شك أن أكثر ما
نسمعه هذه الأيام في الوسائل الإعلامية هو من قبيل الحرب الدعائية بين الحكومة
الأمريكية ومن والها وبين العراق والمسلمين ، فليس كل ما تعلنه الحكومة الأمريكية
والإعلام الغربي أو الشرقي يكون صادقاً أو دقيقاً ..
إن التصريحات التي يُطلقا ساسة البيت الأبيض والحكومة البريطانية ليست ارتجالية
على الإطلاق ، وإنما هي نتاج لقاءات بين متخصصين في علم النفس وسياسيين وإعلاميين
يتفقون على صيَغ موحدة للتأثير على الرأي العام العالمي وفق دراسات ميدانية علمية
تاريخية نفسية .. هذه التصريحات التي تنقلها وسائل الإعلام لها مدلولات وأهداف خاصة
تصب في مصلحة القوات المعتدية في فترة معينة ثم تستخدم بعدها مصطلحات ومفاهيم أخرى
للفترة المقبلة وفق مجريات الأحداث يحددها أهل الخبرة والدراية ..
ولحسن الحظ أن الإدارة الأمريكية لم تصل بعد إلى المستوى المطلوب إعلامياً بحيث
تستطيع التأثير على الرأي العام العالمي في الحروب (وإن كانت تملك أضخم القنوات
الإعلامية في العالم) ، فقد رأينا في حرب الصومال كيف أنها حضّرت له إعلامياً لأكثر
من سنتين ينقل إعلامها المجاعات والصور لأطفال الصومال ، ثم بدأت عملية احتلال
الصومال تحت غطاء المساعدات الإنسانية ولكن سرعان ما انكشف زيف إدعاءاتها للعالم
بعد أن اصطدمت قواتها بالمجاهدين الصوماليين الذين برهنوا للدنيا بأن الأمريكان غير
مرغوب بهم من قبل سكان الصومال ، فقد زعمت أنها أتت لمساعدة الصوماليين وإذا بها
تقتلهم .. ويجب أن ننبه بأن الحكومة الأمريكية قد تُسلم الحرب الإعلامية
للبريطانيين الذين هم من أخبث الناس في هذا المجال لخبرتهم الطويلة ومعرفتهم
الكبيرة بالنفسية العربية والإسلامية ..
وسوف نذْكر هنا بعض الأساليب الدعائية الأمريكية في الحرب الراهنة للتحذير منها
أولاً ، ثم لمعرفة أسلوب العدو في حربه الدعائية وكيفية التعامل معها :
بعض الأساليب الدعائية الأمريكية في الحرب العراقية: 1- إستخدام مصطلح "صدام" أو
"حزب البعث" : فالإعلام الأمريكي والغربي عامة لا يقول بأنه يحارب "دولة العراق" بل
يردد بأنه يحارب "صدّام" أو حكومة "صدام" أو "حزب البعث" وهذا يهدف إلى تقليل تفاعل
الجموع الإسلامية مع العراق لكون المُحارَب لم يزل عدو للإسلام والمسلمين في نظر
أكثر الناس .. والرد على هذا يكون بتركيز الحكومة العراقية على المعاني الإسلامية
في خطاباتها وتصريحاتها لتكسب الرأي العام الإسلامي ، وتبتعد كل البعد عن التركيز
على "البعث" أو على شخص صدام ..
2- التركيز على إستخدام ألفاظ كـ "الأكراد" أو "كردستان العراقية" للإيحاء
بإقرار الحكومة الأمريكية بحق الأكراد في وطن قومي لإستجلاب الأكراد في صفهم
وللتفريق بينهم وبين باقي الشعب العراقي ، وقد رأينا مثل هذا في الحرب الأمريكية
على أفغانستان حيث أعلن بوش عن موافقته لقيام "دولة فلسطينية" لكسب الرأي العام
الإسلامي (فهل يتعظ بعض الأكراد) .. والرد على هذا يكون بالتركيز على أسلمة القضية
ومخاطبة أحفاذ صلاح الدين من منطلق إسلامي شرعي تاريخي ، مع بيان الأسباب الحقيقية
للحملة الصليبية على بلاد الإسلام ..
3- الضرب على وتر "الشيعة المضطهدين" في العراق ، أو الأقليات المضطهدة فيها
للتفريق بين العراقيين وربما التحريش بينهم ليكونوا كأفغان الشمال الذين وقعوا في
الفخ الأمريكي بكل سهولة فأصبحوا كبش فداء القوات الأمريكية الغازية لبلادهم ،
وللتقليل من تدخل شيعة إيران في الحرب : حيث أنها أتت لتخليص إخوانهم من الطاغية
"صدام" .. وللرد على هذا ينبغي الإستعانة بعلماء الرافضة في إيران والعراق لإقناع
الرافضة في العراق بأن القنابل الأمريكية والجيش الأمريكي لا يُفرق بين سُنّي
ورافضي ..
4- التذكير بماضي "صدام" الدموي في الوسائل الإعلامية لكسب الرأي العام الإسلامي
خاصة والعالمي عامة ، وهذا يصرف النظر (بعض الشيء) عن تاريخ أمريكا الدموي في جميع
أنحاء العالم .. فينبغي على الإعلام العراقي تذكير الناس بما جنته الحومة الأمريكية
على شعوب العالم وفضح تاريخها الأسود ..
5- تكرار أسماء الدول العربية التي تنطلق منها القوات الأمريكية (كالكويت وقطر
وغيرهما) لخلق نوع من السخط في الشارع الإسلامي على هاتين الدولتين ومن ثم عزلهما
عن باقي جسد الأمة ، وبهذا يسهل إبقائهما كقاعدتين دائمتين للقوات الأمريكية في
المنطقة ، ولصرف نظر البعض عن الغزو الصليبي واشغالهم بنقد هذه الدول ، وللإيحاء
بأن العالم العربي في صف القضية الأمريكية العادلة (لسماح الدول العربية بانطلاق
الطائرات والصواريخ الأمريكية منها) .. ينبغي على الحكومة العراقية مخاطبة الشعوب
العربية والإسلامية وعدم استعداء أي شعب (وخاصة شعوب دول الجزيرة والشام) ،
والتفريق بين الشعوب وحكوماتها والتصريح بأن أمريكا أرغمت حكومات هذه الدول على
التعاون معها بغير إرادتها ..
6- التركيز على تكرار الأسباب المُعلنة للحرب : كنزع الأسلحة ، وتخليص العالم من
"صدام" وغيرها من الأسباب التي قد تصبح في يوم من الأيام من المسلّمات بسبب التكرار
. والتركيز على "أسلحة الدمار الشامل العراقية" يصرف النظر عن استخدام أمريكا
وبريطانيا لهذه الأسلحة ضد العراقيين (وقد استخدم الجيش الأمريكي القنابل العنقودية
في اليوم الثاني من الحرب على العراق) .. فينبغي على الحكومة العراقية تذكير الناس
بتاريخ أمريكا في استخدام أسلحة الدمار الشامل ضد بعض الدول وكشف استخدام أمريكا
وبريطانيا للقنابل "المحرمة دولياً" في حربها الحالية برغم إعلانها أنها بدأت الحرب
لتخليص العالم من هذه الأسلحة ، وبهذا يكون للعراق الحق في الدفاع عن نفسه بأسلحة
مشابهة !!
7- يركز الإعلام الغربي على إظهار صافرات الإنذار الكويتية وتصوير مشاهد من
الكويت وهي تتعرض للقصف العراقي ، وذلك لكسب الرأي العام العربي .. فينبغي على
الحكومة العراقية إعلان أن الجيش الأمريكي هو المتسبب في هذا القصف بتواجده في
الكويت وبناء قواعده فيها ، وأن الشعب الكويتي ليس هو المستهدف في هذا القصف ، وأن
الأمريكان يقصفون المدنيين العراقيين من الكويت فيجب الرد عليهم وعلى مواقعهم
العسكرية ، وإذا كانت القنابل الأمريكية الذكية تُخطئ أهدافها بين الحين والآخر ،
فالقنابل العراقية من باب أولى ..
8- يستخدم الإعلام الغربي بعض المرتدين العرب (الذين يُطلق عليهم لقب
العَلمانيين) من الكويت وغيرها للدفاع عن هذه الحرب الصليبية ضد العراق في وسائل
الإعلام العربية ، فإذا دافع العرب عن الأمريكان فليس لأحد الإعتراض على أمريكا !!
وهؤلاء أشبه ما يكونون بـ "كلاب القافلة" التي تنبح حولها ولكن لا ناقة لها في
القافلة ولا جمل .. وينبغي فضح هؤلاء ووصفهم بما يليق بهم من الألقاب : كالعملاء
المنافقين ، وأذناب الإحتلال المرتدين ، وغيرها من المصطلحات التي برع فيها
العراقيون ، ولكن ينبغي أن تكون هذه الألقاب ذات صبغة إسلامية ..
9- عمدت القوات الأمريكية بمساندة قوات "طالباني" و "بارزاني" المرتديْن على منع
الصحفيين من التواجد في مناطق الأحزاب الإسلامية الكردية في شمال العراق وذلك
لمنعهم من نقل ما يدور هناك من قصف أمريكي عنيف وقتل للأكراد المدنيين العُزّل من
قبل الأمريكان ، ولو أن الإعلام نقل ذلك لتفككت أواصر الصلة بين بعض الأكراد
والأمريكان ولأدرك الأكراد بأن الأمريكان لم يأتوا لتحريرهم من "صدام" .. فينبغي
على الحكومة العراقية أن تعمل جاهدة على توصيل صور ضحايا الأكراد جراء القصف
الأمريكي للإعلام المحلي العراقي وللإعلام والعربي والدولي ..
10- يبث الإعلام الغربي صور لأسرى عراقيين ، وتُضخّم التصريحات الأمريكية
والبريطانية أعداد الأسرى وتُعلن بين ساعة وأخرى عن استسلام الجنود العراقيين لتبث
حالة من اليأس في صفوف الجيش العراقي ، وكذلك تُعلن عن إضطرابات داخلية في الحكومة
العراقية أو إشاعات بمقتل "صدام" تهدف من ورائها إلى نشر حالة من الفوضى في صفوف
القادة الميدانيين وأفراد الجيش العراقي .. وقد أحسن العراقيون بإظهار الأسرى
الأمريكان على شاشات التلفاز ، ولا ينبغي لهم الإستماع إلى الأمريكان بضرورة معاملة
الأسرى وفق معاهدة جنيف ، وإن استخدم الأمريكان سلاح القوانين الدولية فعلى
العراقيين تذكير العالم بأسرى جوانتنامو ..
11- تُعلن الحكومة الأمريكية عن سقوط المدن تباعاً في يدها لقتل روح المقاومة في
الجيش العراقي ولخلق حالة من الذعر والهلع في صفوف المدنيين العراقيين .. وينبغي صد
هذه الهجمة النفسية بالإعلان عن سقوط أعداد كبيرة من القتلى والأسرى في صفوف
الأمريكان والبريطانيين لإرباك هذه القوات ولتهييج الرأي العام في هاتين الدولتين
..
12- المراقب للإعلام الأمريكي يرى بأنه لا ينقل الجانب المعماري أو الحضاري
للمدن العراقية ، وكل ما ينقله هو ليل العراق المظلم مع المناظر الصحراوية ليُعطي
انطباعاً للشعب الأمريكي (الجاهل) بأن حكومته إنما تحارب بلد صحراوي متخلّف ليس فيه
جانب حضاري (وهكذا في نقلها من جميع البلاد العربية) ، واستخدمت أمريكا هذه الطريقة
في حربها الباردة مع السوفييت التي ما كانت تنقل على شاشاتها إلا صور المسنيين
الذين تنتقيهم إنتقاءً ليكونوا أقبح الموجودين ، وتنقل معها أيام موسكو الباردة
المظلمة .. ينبغي على الحكومة العراقية إبراز الجانب المدني والجمالي من الآثار
والعمران في المدن العراقية على شاشات التلفاز ليفهم الشعب الأمريكي بأن هذه المدن
وهذه البلاد عامرة زاخرة لها تاريخ عريق ..
13- سوف تحاول الحكومات العربية الضرب على وتر العقيدة البعثية عن طريق بعض
العلماء المرتزقة لتفريق الصف الإسلامي وصرف الناس عن مساندة العراق بحجة أن حاكمه
وحزبه من الكفار (مع أن هؤلاء الحكام ارتكبوا أكثر من ناقض من نواقض الإسلام ، منها
موالاة النصارى ضد بلاد الإسلام) .. يينبغي أن يكون واضحاً لك مسلم بأن الجهاد في
العراق "ضد جيوش نصرانية غازية لدولة إسلامية" لا شأن للبعثيين بهذه الحرب ،
فالعراق ملك للمسلمين وليس للبعثيين أو حتى أهل العراق (كما هو الشأن في فلسطين
وسائر بلاد المسلمين) ، ولقد أخطأ التلفزيون العراقي خطأ كبيراً جداً بتصوير بعض
الأفراد وهم يهللون ويفدّون صدام ، فهذا من شأنه أن يقلل الدعم العربي والإسلامي
للقضية ، فينبغي للإعلام العراقي أن ينتبه لهذا وأن يعمل على أسلمة القضية بدلاً من
تحزيبها ..
ليس المقصود هنا استقصاء جميع الإشاعات أو احتواء كل الوسائل والتكتيكات
الإعلامية في هذه الحرب الصليبية ولكننا ذكرنا هنا بعض النماذج حتى نبين أسلوب
العدو في هذه الحرب وكيفية تسخيره لهذا السلاح (الإعلامي) الخطير في سبيل تحقيق
مصالحه ، ولكي نبين للقارئ المسلم أساليب الحرب الإعلامية والنفسية حتى لا يقع
فريسة سهلة للأمواج الإعلامية النصرانية اليهودية العاتية ..
للأسف فإن الإعلام العراقي والتصريحات العراقية لم تكن بالمستوى المطلوب ، فقد
أتى الكثير منها ارتجالياً لا يخدم المصلحة العراقية على المدى البعيد (ولقد رأينا
ذلك جلياً في مقابلة الأسرى الأمريكان) ، فلا بد للحكومة العراقية من الإنتباه لهذا
الجانب الخطير من الحرب وعدم تمكين غير المؤهلين للظهور في وسائل الإعلام العالمية
فإن هذا قد يؤدي إلى نتائج عكسية قد تضر بالمصالح العراقية على المدى القريب
والبعيد ..