تاريخ المسلمين بعد رسالةخاتم النبيين
الصفحة الرئيسية الراشدون, الأمويون,العباسيون, المماليك,العثمانيون, الأندلس ,المغرب , مالي , الهند , القفجاق , فلسطين ,العراق
فلسطين
دعوة لتـصـحـيـح تـاريـخ فلسطين القديم , سقطات الكَتَبَة حول فلسطين , اليهودية والصهيونية , خطاب إلى يهودي عاقل,حقائق عن قضية فلسطين
قضية فلسطين بين الإسلام والممارسة السياسية العلمانية , غارات البدو , صور تاريخية من فلسطين
من شهداء فلسطين ,من سير الشهداء ,مختارات من موسوعة بلادنا فلسطين, تهويد الأرض وأسماء المعالم الفلسطينية ,قرى و عشائر البلقاء
دعوة لتـصـحـيـح تـاريـخ فلسطين القديم
مقدمة:
يعود تاريخ فلسطين إلى آلاف السنين.. وقد قسم المؤرخون التاريخ تقسيماً تقريبياً
إلى عصور, بحسب استخدام الإنسان للأدوات.. ولكن هذه العصور قد تتداخل من جهة التطور
أو من جهة استخدام تلك الأدوات. وهذه العصور هي: أ- العصر الحجري ويقسم إلى: 1-
العصر الحجري القديم, 2- العصر الحجري الوسيط, 3- العصر الحجري الحديث.
1- العصر الحجري القديم: فلسطين من أقدم مواطن الإنسان في العالم, فقد اكتشفت
بقايا هياكل في مغارة الزطية قرب قرية المجدل شمالي مدينة طبريا عام 1925, وقد عاش
صاحبها قبل 200.000 سنة.. كما اكتشفت بقايا هياكل في مواقع أخرى في كهوف الكرمل
والناصرة تعود إلى قبل 100.000 سنة. 2- العصر الحجري الوسيط: وقد استمر ما يقارب
ستة آلاف سنة, وهو يبدأ منذ 12.000 سنة ق.م. وفيه كانت بدايات الاعتماد على الزراعة
إضافة إلى الرعي. وقد استأنس الإنسان الحيوانات واهتم بتربيتها. وكانت أدواته
وسلاحه من الحجر. وسكان فلسطين هم أول من مارس الزراعة في العالم كما يقول د. أحمد
فخري في كتابه (دراسات في تاريخ الشرق القديم).
3- العصر الحجري الحديث: وقد ابتدأ منذ 6000 سنة ق.م تقريباً. وفيه تطورت
الزراعة وتم تدجين الحيوانات وتربيتها, وبناء البيوت. كما ظهرت بعض الصناعات كالغزل
والخزف. وتعد أريحا أقدم مدينة في العالم, وتعود إلى 7000 سنة ق.م. وقد أثبتت
الحفريات والآثار أن نشوء الزراعة وتدجين الحيوانات والاستقرار وبناء البيوت في
أريحا, قد سبق العراق بأكثر من ألف سنة. ب- العصر المعدني: ويقسم إلى: 1- العصر
الحجري النحاسي, 2- العصر البرونزي, 3- العصر الحديدي.
1- العصر الحجري النحاسي: وقد بدأ منذ 4000 آلاف سنة ق.م تقريباً. وفيه تم
التحول إلى استخدام الأدوات المعدنية /النحاسية/ كما ظهرت الأدوات الفخارية
المزخرفة. 2- العصر البرونزي: ويبدأ مابين 3500 – 3000 ق.م وحتى 1200 سنة ق.م. وفيه
اخترعت الكتابة, وتقدمت الصناعة, والعمل الزراعي, وتربية المواشي.. كما تطور الذوق
الفني والذي تجلى في الزخرفة والنقوش.. كما تطور بناء البيوت والمدن, حيث بنيت أكثر
من 600 مدينة وقرية مثل: أسدود وبئر السبع وغزة وبيت لحم وعكا ويافا والكرمل
والمجدل وحلحول... وفي هذا العصر قدمت موجات عربية من الجزيرة العربية أو من الخليج
العربي, نتيجة القحط, فاستوطنت بلاد ما بين النهرين (العراق), وبلاد الشام.
ولقد استقر الكنعانيون في الساحل السوري (2500 تقريباً ق.م), وعرفوا في الشمال
باسم الفينيقيين, وفي الجنوب عرفوا باسم الكنعانيين.. وقد اندمج الوافدون مع السكان
الأصليين بشكل عادي وسلميّ. وكنسبة للكنعانيين سميت فلسطين قديماً بأرض كنعان..
وتتابع التطور والازدهار خلال العصر الحديدي (1200 - 330 ق.م تقريباً)..
تصحيح تاريخ فلسطين القديم:
مع الأسف جعل المؤرخون الغربيون الاستعماريون والمستشرقون الذبن يدورون في فلكهم
وعلماء اللاهوت, تاريخ فلسطين في أواخر العصر البرونزي والعصر الحديدي، تاريخ بني
إسرائيل بناء على أسفار العهد القديم, علماً بأنها أسفار كاذبة, والنص التوراتي نص
مزيف وليس وثيقة تاريخية أو جغرافية، فكل ما ورد فيه مرفوض علمياً (تاريخياً
وآثارياً) ومنطقياً. فتاريخ فلسطين القديم هو جزء من تاريخ سورية القديم، وعلى
الباحثين والمؤرخين أن يدرسوا هذه الفترة الطويلة دراسة علمية، رامين خلف ظهورهم
التوراة وبقية الأسفار, لأنها ليست بمصدر تاريخي. وهنا نشير إلى نقطة مهمة جداً وهي
محاولات المؤرخين الجدد في الغرب, مثل توماس طومسون ( بروفسور علم الآثار في جامعة
ماركويت في ميلووكي بالولايات المتحدة والذي طرد من الجامعة لكشفه الحقائق عام 1992
بعد نشر كتابه: التاريخ القديم للشعب الإسرائيلي من النصوص الكتابية والآثارية),
وكيث وايتلام (اختلاق إسرائيل القديمة – إسكات التاريخ الفلسطيني)، فضح التزوير
التاريخي الذي تم، وكيف غيبت الصهيونية والاستعمار تاريخ فلسطين الزمني والمكاني
لصالح اليهود, والمشروع الصهيوني الاستعماري.. كما جرت محاولات عربية جيدة في هذا
الاتجاه, كمحاولة د. زياد منى (مقدمة لتاريخ فلسطين القديم), ومحاولة د. أحمد داود
في كتابه ( تاريخ سوريا القديم)، إلا أن د. داود نقل جغرافية التوراة من فلسطين إلى
عسير في السعودية، كما فعل د. كمال الصليبي قبله في كتابه (التوراة جاءت من جزيرة
العرب). فنقل الجغرافيا يعني الإيمان بشكل ما بصحة النص التوراتي. والمشكلة هي
مشكلة اختلاف حول مكان الأحداث.
ونحن نرفض النص التوراتي كنص تاريخي وجغرافي فهو مزيف مطلقاً ولا نقبل به.
وما فعله فراس السواح في رده على نظرية كمال الصليبي في كتابه (الحدث التوراتي
والشرق الأدنى القديم), يخالف العقل العلمي والبحث الموضوعي، فهو يريد التأكيد على
جغرافية المكان في فلسطين، في الوقت الذي تعد فيه التوراة زيف وخداع، وهي خارج
الجغرافيا والتاريخ.. فـأحمد داود يلتقي مع كمال الصليبي في المكان. وهو ( أي أحمد
داود) يلتقي مع فراس السواح في التاريخ، ولكن مع ضرورة تمحيص وغربلة الأحداث
والشخصيات. بينما كمال الصليبي يسلم بصحة الأحداث والشخصيات. وهنا ندين كل المؤرخين
العرب الذين أرخوا لفلسطين القديمة من خلال ترجماتهم للمؤرخين الغربيين الذين
ارتبطوا بالاستعمار الغربي أو تأثروا بالفكر الصهيوني. فلم يثبت أي دليل علمي على
وجود بني إسرائيل في فلسطين، ولا بناء المملكة المزعومة في عهد داود وسليمان.. ولم
تستطع كل البعثات الآثارية الغربية والصهيونية رغم تنقيبها المحموم في كل أرجاء
فلسطين ولاسيما في القدس، أن تجد أي أثر - ولو قطعة حجر- يدعم نصوص الأسفار!! وقد
أعلن كثير منهم يأسه, بل وأعلن بعضهم أنه لا دليل مطلقاً على صحة أحداث الأسفار على
أرض فلسطين!!
كما نرفض نظرية السامية لأنها نظرية صهيونية استعمارية، فقد وضعها عالم لاهوت
يهودي نمساوي اسمه شلوتزر في القرن الثامن عشر مع بدايات المشروع الصهيوني
الاستعماري. فالشعوب القديمة كالفينيقيين والآراميين والكنعانيين... ليسوا بساميين
وما هم إلا الأجداد الأولون للعرب والعربية الذين سادوا فيما بعد. ولم يكن لليهود
أي تواجد بينهم. وما قصة سام بن نوح سوى خرافة توراتية لا غير, وكذلك التصنيف
التوراتي لشعوب العالم القديم!!
إذاً نظرية الشعوب السامية ما هي إلا نظرية تافهة تبناها الاستعمار والصهيونية
لإقحام اليهود بين شعوب المنطقة لتثبيت ادعائهم التاريخي.
أما بالنسبة للمؤرخين العرب القدماء كالطبري وغيره, فقد ارتكبوا أخطاء كبيرة,
حيث اعتمدوا على أسفار العهد القديم ولاسيما التوراة (الأسفار الخمسة الأولى)
وأحبار (علماء) اليهود, للتأريخ المفصل لحياة الأنبياء. وكانوا مقتنعين بوجهة نظر
اليهود بأن الأحداث جرت في فلسطين, ولم يدرسوا صحة ادعاء الأسفار وعلماء الدين
اليهودي.. ونحن لا نلوم جهلهم, فهم ليسوا بمؤرخين حقيقيين للتاريخ القديم, إنما
كانوا نقلة أخبار. ومع أن ابن خلدون عاب النقل دون التمحيص إلا أنه هو نفسه لم
يلتزم بذلك, وسار على مناهج الأقدمين كالطبري في الحديث عن تاريخ الأنبياء!!
لذا سنقفز عن التاريخ القديم المصاغ من وجهة نظر التوراة والعهد القديم. وعلى
المؤرخين العرب المعاصرين أن يعودوا لدراسة هذه الفترة بالمعطيات العلمية معتمدين
على الآثار، والنصوص السومرية والبابلية والفينيقية والمصرية والآرامية... ومهملين
رواية العهد القديم الساقطة علمياً وأخلاقياً, ومهملين آراء المؤرخين الغربيين غير
النزيهين. ثم جاء الاستعمار الفارسي واليوناني فالروماني، وكانت فلسطين كغيرها من
بلاد الشام إلا أنه جرى تزوير آخر لهذه الفترة, وصوّر وكأنه صراع بين اليهود
واليونانيين، ثم صراع بين الرومان واليهود.. وهذه الفترة تحتاج أيضاً إلى إعادة
كتابتها بالاستناد إلى الوثائق والمخطوطات والآثار.. فتاريخ فلسطين يجب أن تعاد
كتابته وبدءاً من 2000 ق.م تقريباً وحتى القرن الأول الميلادي.. ومع القرن السابع
الميلادي فتح العرب المسلمون فلسطين بعد انتصارهم على الروم وطردهم منها. ومنذ ذلك
الوقت تأخذ طابعها العربي الواضح, وتنعكس عليها طبيعة الظروف السائدة في الدولة
العربية... ويستمر تاريخها مع تاريخ العرب فيصيبها ما يصيبهم من انتعاش أو انكماش.
إلا أن بعض الأحداث الهامة يجب ذكرها كالحملات الصليبية الاستعمارية المتعددة. وقد
تمكن صلاح الدين الأيوبي من تحطيم حملتهم الثانية في معركة حطين في القرن الثاني
عشر الميلادي. والحدث الآخر متابعة الظاهر بيبرس معاركه مع الصليبيين، بالإضافة إلى
صده الغزو المغولي وإلحاق الهزيمة بهم وإيقاف زحفهم باتجاه الغرب. وذلك في منتصف
القرن الثالث عشر في معركة عين جالوت قرب "الناصرة". وخرج منها الأتراك ليحل
البريطانيون مكانهم. وكلنا يذكر الاستعمار البريطاني ووعد بلفور 1917 حيث بدأت
مرحلة جديدة تمهيدية للاستعمار والصهيونية، لإقامة الدولة الصهيونية على أرضنا
الحبيبة. وهذا التاريخ الحديث مدروس بشكل علمي وهناك المئات من الكتب. * * *
سقطات الكَتَبَة حول فلسطين
ليس الصراع مع الصهاينة مجرد صراع سياسي وعسكري ضد مستعمر فحسب، ولكنه صراع
تاريخي وحضاري وثقافي أيضاً، وهو صراع مع مستعمر، يريد استلاب الماضي والحاضر,
وبالتالي هو صراع وجود وكينونة وهوية! والمتتبع لما يكتب عن القضية الفلسطينية
والصراع العربي الصهيوني، يرى في بعض أدبيات الكتّاب مزالق خطيرة، تصب في النهاية
في صالح الاستعمار الصهيوني! وسنذكر بعض النقاط، وليس من الضروري أن تنطبق النقاط
كلها على عمل ما أو كاتب ما، ولكن قد نجد بعض تلك النقاط عند البعض!
1- الاعتماد على أسفار اليهود عند الحديث عن تاريخ فلسطين القديم ما بين القرن
التاسع عشر ق.م ، وحتى القرن الأول الميلاديّ. والمؤرخون الغربيون اعتمدوا على
رواية الأسفار أيضاً كنقل دون تمحيص أو وجود أدلة علمية، وإنما كرؤية تدور في فلك
الاستعمار! والذي جعل الكتبة العرب ينزلقون هو القول إن فلسطين أرض الأنبياء,
والتسليم بصحة ما قاله المؤرخون العرب القدماء، على أنه حقائق علمية, ناسين أن
المؤرخين القدماء ما كانوا إلا نقلة للمعلومات من اليهود ودونما تمحيص أو تدقيق،
حتى ابن خلدون نفسه وقع في خطأ النقل رغم دعوته في مقدمته إلى التحقيق والتمحيص
والمقارنة...! ولو نظرنا إلى القرآن الكريم لرأينا أنه لا يذكر فلسطين مطلقاً كمكان
لسيرة الأنبياء، فهو يتحدث أحياناً عن الأرض المقدسة، ولا يحدد من هي وأين هي،
ويذكرها كصفة وليس كاسم علم، والمفسرون هم الذين فسروها بالاستناد إلى اليهوديات!
جاء في سورة الأنبياء /71 "ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين".
يقول بعض المفسرين خرج النبي إبراهيم من العراق إلى الشام، فهو يفسر الأرض
بالشام استناداً إلى اليهوديات. وفي إحدى روايات الطبري في تفسيره للآية، عن ابن
عباس: الأرض هي مكة! وهذه الرواية يذكرها القرطبي وابن كثير أيضاً! ويذكر القرطبي
في معرض تفسيره للآية، إحدى الروايات: أن الأرض المقدسة مصر!
والملاحظ أن الآية لا تذكر العطاء والمنح!!
والآية الكريمة في سورة البقرة /58 "وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية..". فسرت الآية
على أنها بيت المقدس أو الشام، ولكن وردت أيضاً روايات على أنها مكة أو مصر!! فابن
كثير يذكر في إحدى رواياته أن الرازي في تفسيره قال هي مصر. ولكن ابن كثير يرجح بيت
المقدس! وفي سورة المائدة /21 "يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم".
يقول الطبري: "اختلف أهل التأويل في الأرض التي عناها بالأرض المقدسة قال بعضهم
عنى بذلك الطور وما حوله... وقال آخرون: الشام... وقال آخرون: هي أرض أريحاء...
وقيل: إن الأرض المقدسة: دمشق وفلسطين وبعض الأردن.. ويروي أن بعضهم لم يحدد
مكانها، وأنه فسر المقدسة بالمطهرة المباركة.
ثم يقول الطبري بعد ذكر الآراء المتعددة: لن تخرج من أن تكون من الأرض التي بين
الفرات وعريش مصر لإجماع أهل التأويل والسير والعلماء بالأخبار على ذلك...".
والقرطبي في تفسيره يتبع خطى الطبري.
ورواية تفسير المقدسة بالمطهرة المباركة يذكرها ابن الأثير, فالمقدسة مجرد صفة
وليست اسم علم! ونرى هنا أيضاً أن القضية قضية المفسرين والمؤرخين، الذين استندوا
إلى اليهوديات لتفسير الآية!! كما أن القرآن يذكر خلافة داود ولكنه لا يحدد مكانها،
جاء في سورة ص /26 :"يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق".
كما وردت حكاية إبراهيم على لسان النبي محمد (ص) /صحيح البخاري/ "فدخل بها قرية
فيها ملك من الملوك أو جبار من الجبابرة...". وشبيه بهذه الرواية جاء في مسند أحمد.
فالآيات الكريمة لم تحدد فلسطين كمكان للأحداث، إنما الذي فعل ذلك هم المفسرون
والمؤرخون استناداً إلى أسفار اليهود!! وتفسيراتهم تعبر عن رأي شخصي، وإن تكرر عند
آخرين فلا قيمة له، طالما الآيات لم تشر إلى ذلك! فالقرآن الكريم لم يذكر فلسطين.
أما الوعد والتفضيل في القرآن الكريم فكانا لجماعة موسى فقط (الإسرائيليين) ولم
يكونا مطلقين، وقد انقرضوا كلهم. ! !والعجيب في المعاصرين أسلوب مناقشتهم للأمر؛
إنهم يعترفون بوجود بني إسرائيل التاريخي في فلسطين وقيام المملكة، ثم يقوم نقدهم
المتهافت على أنه صحيح قامت المملكة ولكنها لم تدم طويلاً (سبعين سنة أو مئة أو
مئتين..)!! والقضية ليست الخلاف حول مدة استمراريتها، طالما اعترف الباحث وأقر لهم
حقيقة ارتباطهم بتلك المملكة المزعومة وأعطاهم السند الذي يبنون عليه أكاذيبهم وهو
استعادة الحق التاريخي الذي فقدوه منذ منتصف القرن الثاني الميلادي بعد طرد الرومان
لهم! فالزيف المركب هو ارتباطهم بأولئك اليهود الذين طردهم الرومان (مع العلم أن
الحكاية كلها كذب)، ثم وجودهم الكاذب في فلسطين، وكذبة قيام المملكة. فالنقاش لا
يكون بالدخول إلى تزييف الصهاينة واليهود!! تكفي الإجابة - حتى لو كان الباحث يؤمن
بتلك الأكاذيب- أن يسألهم: وما علاقتكم أنتم بأولئك، أعطونا دليلاً واحداً علمياً
يثبت ارتباطكم بهم!؟ وهذا الأمر مستحيل، ولكن يمكن الآن المتابعة:
ثم وبغض النظر عن تلك المماحكات، يجب أن نكون واضحين وأن نقول: الأسفار ليست
وثيقة تاريخية ولا جغرافية، ولا يمكن أن تكون الهلوسات علماً، ولسنا ملزمين بمسايرة
من يؤمن بتلك السخافات!! أم ترى ينساق الكاتب وراء الأكاذيب ليعترف لهم بأن
اليهودية إثنية (أولاد العم!!), ثم وأكثر من ذلك الإقرار بنقاء عرقهم المتوارث,
وهذا يعني الإقرار بالنظرية العنصرية المتعلقة بنقاء عرقهم المطلق، وهذا ضد العلم
ولا نجده إلا عند النازية والصهيونية! فاليهودية ديانة عزرا فقط وليست ديانة إلهية
تنسب لله. ولا يمت اليهود بأية صلة لموسى أو داود وسليمان، لأن ديانة موسى انقرضت
ولا أثر لها وكذلك صحف إبراهيم وزبور داود... ولا علاقة للارتباط الديني بالجغرافيا
أو التاريخ أو العرق والجنس, كما هو الحال بالنسية للمسيحي الأوروبي أو الروسي
وكذلك المسلم الباكستاني أو التركي...!! إذاً الديانة اليهودية ديانة وثنية ومؤسسها
الأول عزرا الذي كان يطمع هو وجماعته في أرض فلسطين!!
النقطة الأولى في النقاش يجب أن تكون (إن كان الكاتب مؤمناً بتلك الخرافة): ما
علاقتك أنت أيها اليهودي الآن بذلك الوعد، وهل أنت من سلالة يعقوب أيها المدعي
للعلم!؟ العطاء كان محصوراً بسلالة يعقوب (كما تقول التوراة)، وقد انتهى الأسباط
كلهم (وباعتراف الأسفار)! القرآن الكريم ذكر الأرض المقدسة، ولم يذكر أين هي، ومن
هي كما قلنا!! كما أنه حصر خطابه لموسى وجماعته بني إسرائيل بدخول جزء من الأرض
المقدسة /غير المعروفة وغير المحددة/، ولم يذكر ارتباطهم بيعقوب! والذي ربط وخلط هم
المفسرون واستناداً إلى اليهود!! ثم أنهى الموضوع نهائياً، ولم يأت على ذكر يشوع أو
بناء داود للمملكة فيما بعد!!
إذاً يجب التركيز على أن اليهودية ظهرت مع عزرا ولم يكن قبله شيء اسمه اليهود
واليهودية، وهذا بالاستناد إلى نصوص الأسفار نفسها. وهذا يعني أنه لا علاقة
لليهودية بما قبلها نهائياً، وهي ديانة عزرا والكتبة فيما بعد، أي هي ديانة أو فكر
يعبر عن مصالح الطامعين بأرض كنعان! ولا علاقة لليهود بالإسرائيليين مطلقاً،
فالكتبة استولوا على كتابات الآخرين، وأسقطوا عليها مطامعهم وألصقوها بربهم الوثني
يهوه، وجاءت اليهودية المسيحية فيما بعد، لتلصق ديانة عزرا اليهودية بالديانة
المسيحية، فأساء الضم للديانة المسيحية، لأن العهد الجديد نقيض للعهد القديم! وهذا
نراه اليوم أيضاً فالصهيونية المسيحية في أمريكا تتحدث عن نفسها علناً، وتعد
بالملايين (70 مليوناً) ولها كتبها وإعلامها بل ومواقعها على الإنترنت! إن عزرا
كيهودي وصاحب ديانته اليهودية، ادعى الربط بين جماعته والإسرائيليين الذين انقرضوا,
ليجعل له موطئ قدم في المنطقة! وإضافته هي: الأرض الوعد والشعب المختار والرابطة
بمن لم يعد لهم وجود!
وليعطي صفة القداسة جعل الوعد بدءاً من إبراهيم وعبر إسحاق ويعقوب فنسله. ومن ثم
قفز بالسلالة إلى موسى وتابعها عبر داود وسليمان ونسلهما... وحتى شخصه هو!! لكن
الثغرات التي تركها الكتبة وعلى رأسهم عزرا، تفضح زيفهم كله!!
والمثير للسخرية أن الصهيونية في نقاشها للمسلمين تقول: إن قرآنكم يعترف لنا
بقضية الوعد والتفضيل! فيجيب السذج: نعم، كان هذا قديماً, ولكن بمجيء الإسلام انتهى
ذلك!!
فالأخطاء هنا واضحة:
فأولاً: أقروا لهم بارتباطهم التاريخي باليهود القدماء (أي اعتراف بنقاء سلالتهم
عبر آلاف السنين!!). وثانياً: أقروا لهم بارتباطهم بالإسرائيليين حماعة موسى (ويهود
اليوم لا علاقة لهم بيهود الأمس كما لا علاقة بين يهود العالم سوى الفكر الديني كما
هو الحال بالنسبة لبقية الأديان. كما أن اليهود قديماً لا علاقة لهم
بالإسرائيليين)! وثالثاً: أقروا بأن الموضوع يتعلق بفلسطين (وهذا تزييف من عزرا)!
ورابعاً: أقروا لهم بأن اليهودية إثنية، واليهود شعب (علماً بأن اليهودية ديانة
فقط، واليهود ليسوا شعباً، إنما هم من ينتمي إلى الديانة اليهودية.. كالمسيحية
والمسيحي، والإسلام والمسلم)! خامساً: نسوا أو جهلوا أن الوعد والتفضيل في الأسفار
مطلقان زماناً ومكاناً. (بينما في القرآن مقيدان انتهى أمرهما)! ولن نسترسل أكثر،
فالصهيوني يريد أن يسمع هذه الاعترافات المجانية، أما القول: إن مجيء الإسلام أنهى
ذلك, فهذا لا يهتم به الصهيوني لأنه لا يؤمن بالإسلام، وهو يكتفي بمنتهى السعادة
بالاعترافات المجانية السابقة ليبرزها!!
2- الحديث عن اليهود من منطلق وحدة العقل اليهودي والسلوك والأخلاق، وبوحدة
الروح والنفسية المطلقة. وبغض النظر عن سلبية أو إيجابية الحديث فهي تصف الأمر
بالمطلق وبالكلية!! والمنزلق هنا جد خطير فهو يعترف ليهود اليوم برابطة مع يهود
الأمس (وهذه يمدها الصهاينة إلى ما يقارب الـ 4000 سنة!), وتجعل اليهودية إثنية
مترابطة عبر التاريخ! وتسلم لما يريده اليهودي من الادعاء بالكينونة اليهودية خارج
إطار الزمان والمكان!! وكل ذلك أكاذيب يروجها الصهاينة!! ومثل ذلك الحديث عن
الشخصية اليهودية أو الصهيونية.. فكل هذه المقولات خا|ھ»¬اµ^س8»؛²k·b¼ ?c¼
?bI1?Q9V<`?http://gfx.chat.jubii.dk/general/chan/sovesalen/menubutton.gif
HTTP/1.0 200 OK Age: 1 Date: Mon, 07 Jul 2003 18:30:58 GMT Content-Length: 45
Content-Type: image/gif Expires: Wed, 06 Aug 2003 18:30:58 GMT Cache-Control:
max-age=2592000 Proxy-Connection: keep-alive Server: Microsoft-IIS/5.0
IISExport: This web site was exported using IIS Export v3.1 Last-Modified: Tue,
29 Jan 2002 05:55:29 GMT ETag: "3012808e89a8c11:879" Via: 1.1 mi (NetCache
NetApp/5.3.1R2) GIF89a€ےےے!ù,„ڈ©W;الة من يضخم ويعملق الصهاينة وهم
الأقزام. ولعل هروب الصهاينة السريع جداً من جنوب لبنان، أعطى أيضاً صورة مشرقة عن
مبعث القوة الحقيقية للإنسان العربي الشريف والذي يريد أن يحرر وطنه!!
4- استخدام المصطلحات اليهودية التي تؤكد الإيديولوجيا الصهيونية مثل: إسرائيل،
مستوطنة، مستوطن، الإسرائيلي.. بدلاً من الاستعمار الصهيوني، فلسطين المحتلة،
مستعمرة... وهنا يجب عدم تغييب كلمة مستعمر عن كل مصطلح، لأن كل يهودي على أرض
فلسطين هو مستعمر! وتغييب اللاحقة أو عدم استخدام المصطلح الدقيق والصحيح مقابل
المصطلحات الصهيونية، يعني الاعتراف بمدلول المصطلح الذي يستخدمونه!
5- تبني الفكر الديني اليهودي بما يتعلق بقضية سام والسلالات البشرية، وجعل
العرب جزءاً من تصنيف عزرا اليهودي. وبعض الكتبة ينزلق أكثر من هذا فيدافع عن
السامية ومن منطلق أن العرب ساميون! وكل النظرية ساقطة ومجرد خرافات اخترعها عزرا!
وسواء أنفى العربي عن نفسه اللاسامية من منطلق أنه هو ذاته سامي، أو أن اليهود
ليسوا ساميين، فهذا يعني تبنيه لنظرية عزرا اليهودية الخرافية! والمؤرخون العرب
القدماء تبنوا نظرية عزرا في السلالات البشرية جهلاً بالحقائق العلمية، ولأنهم
فتحوا الباب على مصراعيه لليهوديات لأن تدخل، كما وقعت في المنزلق المسيحية بضم
العهد القديم للعهد الجديد بفعل اليهود المسيحيين!! إن قضية السلالات البشرية عبر
أبناء نوح: سام وحام ويافث، خرافات تافهة، ولا وجود في علم السلالات البشرية
العلمية النزيهة لشيء اسمه تصنيف عزرا!! والعرب ليسوا بساميين، فهم جنس عربي.
واليهود قديماً وحديثاً ليسوا بساميين، فهم من الشرق والغرب، ومعظمهم من الأشكناز
الأوروبيين 85% (وأصولهم من الخزر).. ولا ننسى التضليل فاليهود إنما هم من انتمى
إلى ديانة عزرا اليهودية!!
6- عدم استيعاب آلية الارتباط العضوي بين الإمبريالية الأمريكية والصهيونية،
وبين الصهيونية المسيحية والصهيونية اليهودية! وبعضهم ورغم كل المحن، ما زال يلهث
وراء أمريكا التي يظن بأنه يمكن أن يكسب التفافتها إليه، فتصنع له الحلول والخطط،
معارضة بذلك ما تريده مخططات العصابات الصهيونية!! إن أمريكا هي العدو لنا، ولن
تعمل في يوم ما لصالحنا!
7- التراجع المستمر عن الثوابت، وحتى عن القرارات الجائرة للأمم المتحدة وفي
مقدمتها قرار 181، ورهن القضية برمتها لأمريكا والدول الأوروبية. فقرار التقسيم غير
قرار الانسحاب من الأراضي التي احتلت عام 1967، فالعرب رفضوا قرار التقسيم، ولكنهم
الآن ومعهم السلطة الفلسطينية يرضون بجزء من فلسطين (18% من أرض فلسطين) ويعدونه هو
الشرعية الدولية! والتخلي عن الحقوق العربية والقضية الفلسطينية, يتم تدريجياً تحت
ذريعة الواقعية والظروف والإمكانيات... إن حصر القضية بالأراضي التي احتلها
الصهاينة عام 1967, طمس لجوهر الوجود الصهيوني المستعمر، وهو يغطي استعماره وجرائمه
منذ عام 1948، لا بل قبل ذلك وبعده!! إن انعكاس كل هذا على الأدبيات، ألحق أكبر
الضرر بالقضية الفلسطينية وبالشعب الفلسطيني!!
8- نظر بعضهم للصراع على أنه صراع ديني بين الإسلام واليهودية, وبمعنى أدق بين
المسلمين واليهود, وهذا ما تريده الصهيونية! إن ما جرى ويجري في فلسطين يمس المسلم
والمسيحي، ويمس المقدسات الإسلامية والمسيحية!! واليهودي لا يؤمن بالمسيحية ولا
بالإسلام.. والتلمود مليء بالسموم والكلمات الفاحشة والبذيئة ضد المسيحيين!! !! وقد
قلنا إن اليهودية ديانة عزرا التي جوهرها استعمار فلسطين والعنصرية والوثنية،
9- الانزلاق في تكرير مقولات الإمبريالية والصهيونية حول الإرهاب أو الانتحار أو
العنف المتبادل أو الفعل وردة الفعل أو الاعتداء الفلسطيني!! ووصلت الأمور حداً
يثير الغثيان، عندما صار المسؤول الفلسطيني يكرر تلك المقولات الحقيرة، فيدين
العمليات الاستشهادية والمقاومة, ويسمي نضال الشعب الفلسطيني ودفاعه عن نفسه
بالإرهاب، إرضاء للصهيونية والإمبريالية الأمريكية والأنظمة العربية العميلة
والمتخاذلة والخائنة..!! وفوق كل هذا ما يجري من محاولات تحت عنوان تهدئة المقاومة
الفلسطينية، وكأنما هي المعتدية وهي التي تمتلك الطائرات والصواريخ والدبابات...!
ولو كان الذين يطرحون هذه الأطروحات يمتلكون ذرة من الضمير، لتوجهوا فقط إلى
المعتدي والمجرم والمستعمر الصهيوني. ولكن على ما يبدو يريدون تحقيق ما عجز
الصهاينة عن تحقيقه وهو منع الثورة الفلسطينية من الدفاع عن الشعب الفلسطيني
وحقوقه، وفرض الشروط والرؤية الأمريكية الصهيونية!!
* * *
اليهودية والصهيونية
اليهودية ديانة فقط، بينما الصهيونية حركة يهودية أوروبية استعمارية استهدفت
استعمار فلسطين, وبالتعاون والتنسيق والشراكة مع الإمبريالية البريطانية والأمريكية
اللتين شجعتا الموضوع وتبنتاه قبل الصهاينة لأنه يخدم مصالحهما الاستعمارية في
المنطقة. وهذا يعني بالضبط أن كل يهودي على أرض فلسطين هو مستعمر، تجب محاربته
وطرده.
إن اليهود الذين دعوا للمشروع الاستعماري في فلسطين, هم يهود أوروبيون غربيون،
وأصولهم العرقية/ الجنسية/ الإثنية, من الخزر (حوض قزوين). وهؤلاء هم الأشكناز
اليهود ويمثلون أكثر من 85% من يهود العالم, وبقية اليهود من مناطق أخرى ومن جنسيات
متنوعة. واليهود حميعاً لا علاقة لهم بفلسطين لا من قريب ولا من بعيد, لا قديماً
ولا حديثاً!
إن مشكلة اليهود كانت مع الغرب. وما بين اليهود الغربيين وأوروبا تاريخ طويل لا
يعنينا ولا يهمنا, وحل مشاكلهم ولا سيما بما يتعلق بخرافة الهولوكوست وكذلك
اللاسامية (علماً بأنهم ليسوا بساميين وحكاية سام والسلالات البشرية سخافات توراتية
ساقطة), كان يجب أن تكون في الغرب وعلى حسابه لأنهم جزء منه, ولكن الحل الاستعماري
الغربي/ المسيحي اليهودي/ استغل الظروف لتغطية أطماعه الاستعمارية في فلسطين, فكانت
النتيجة أن يدفع الشعب الفلسطيني ثمن جشع اللصوص والمجرمين. لقد ارتكبت أوروبا
الاستعمارية وأمريكا, جريمة لا تغتفر بحق فلسطين والفلسطينيين!! ونحن لا يعنينا أمر
الديانة اليهودية أو اليهود في العالم, لكننا - وبوضوح تام - ضد اليهود الذين في
فلسطين فقط, لأنهم مستعمرون، والكلام الفارغ الذي يدعيه الصهاينة عن الحق التاريخي
بعد ألفي سنة ما هو إلا أمر تافه لا يستحق المناقشة، وكذلك الوعد والشعب المختار,
ولكن, الغوغائية سمة أساسية في الفكر الصهيوني الاستعماري واللاعقلاني لأنه فكر
براغماتي وميكافيلي.
ولأن الصهاينة عرفوا كيف يخدعون العقل الغربي, وتأثر بهم المؤرخون الغربيون
الذين يدورون في فلك الاستعمار، والمؤرخون العرب الذين ينقلون عن الغرب. نجد أن ذاك
الادعاء الساقط هو الذي يدفعنا لنقد الدين اليهودي, لنبين خرافة التاريخ المزيف
والكاذب الذي تدعيه الصهيونية! وقد وجدنا المؤرخين العرب القدماء كالطبري، يكررون
تاريخ فلسطين القديم بالاستناد إلى اليهود، والأسفار اليهودية! ولو قمنا بجولة على
مواقع الإنترنت التي تتحدث عن تاريخ فلسطين القديم، نجدها تكرر الأسفار والتاريخ
المزيف والكاذب. ومع الأسف هناك مواقع فلسطينية نحترمها وقعت في ذلك المنزلق!! إن
اليهود لم يكونوا جنساً واحداً أو إثنية أو عرقاً واحداً, كما يدعي الصهاينة, ولم
يشكلوا تماسكاً وتجانساً فيما بينهم، فليسوا شعباً واحداً, لذلك لا وجود لشيء اسمه
الشعب اليهودي من الناحية العلمية. فالمتهودون في أرجاء العالم, هم من مجتمعات
مختلفة وعروق شتى، ولكلٍّ منها تاريخها وتقاليدها وعاداتها ومفاهيمها الحضارية،
وهذا ينطبق على انتشار الديانتين المسيحية والإسلامية في العالم, مما يؤكد أن
اليهودية دين محض.
وعندما أعلن الصهاينة اليهود المستعمرون قيام دولتهم على أرض فلسطين عدوها دولة
يهودية "للشعب اليهودي بأسره" داخل فلسطين وخارجها. وقد أصدروا في عام 1950قانون
العودة الذي أعطى اليهودي الحق، في الهجرة إلى ما يسمى الكيان الإسرائيلي (فلسطين
المحتلة). وفي عام 1952 صدر قانون المُواطَنة الإسرائيلية، والذي يمنح "الجنسية
الإسرائيلية" لكل المهاجرين اليهود. ولو تأملنا الهوية "الإسرائيلية" لوجدنا:
الجنسية: إسرائيلية، الديانة: اليهودية أو الإسلام أو المسيحية!! فما هي هوية
الدولة؟ أوليس هذا يعني الفصل بين اليهودية كدين والعرق/ الجنس/ الشعب, عكس
المفاهيم العنصرية الصهيونية!!؟ على كل هذه إشكالية تعاني منها الصهيونية العنصرية
بشقيها الديني واللاديني! ومسألة من هو اليهودي لا تزال غير محسومة في الكيان
الصهيوني, وما يريدونه هو قومية دينية رجعية وعفنة!
فاليهود لا علاقة لهم مطلقاً بفلسطين ولا بالعبرانيين القدماء ولا
بالإسرائيليين. فالإسرائيليون هم بالضبط أبناء يعقوب فقط (بحسب النص التوراتي). أما
جماعة موسى فلا علاقة لها مطلقاً بأولاد يعقوب, وإن كان عزرا يدعي في توراته بعد
انقطاع 400 سنة أنهم من السلالة!! فالتوراة سمت جماعة موسى بالإسرائيليين، ولكن
التسمية شيء وارتباطهم بقرابة النسب مع سلالة يعقوب شيء آخر وهو أمر لا إثبات عليه.
!
واليهود الذين عادوا من الأسر البابلي, لا علاقة لهم مطلقاً بجماعة موسى ولا بمن
سبقهم! وكذلك اليهود الذين جاؤوا فيما بعد لا علاقة لهم بمن سبقهم.
واستناداً لأسفار العهد القديم (وهو تاريخ غير صحيح وخرافي), بعد الأسر البابلي،
عاد قسم من اليهود لم يتجاوز الـ 50.000 إلى أورشليم عام 538 ق.م, وهم ولأول مرة في
الأسفار يحملون تسمية اليهود فجأة!
وكلمة يهودي مشتقة من يهوذا (على رأي بعض الباحثين ومنهم من يقول الكلمة مشتقة
من الآرامية وتعني يحمد، بينما ينكر ذلك آخرون) وهو اسم أحد أبناء يعقوب الاثني
عشر, وإليه تنسب قبيلة يهوذا, ومملكة يهوذا, التي لم يثبت علمياً وجودها! أما بقية
الأسباط فقد اندمجت بشعوب المنطقة وانتهت. ثم بعد قرون (وبحسب الرواية اليهودية
اللاعلمية) وعقب الاضطهاد الروماني والذي بلغ أوجه مع هدم الهيكل في عام 70م, ثم
الضربة القاضية عام 135م، تشتت اليهود في أنحاء العالم.
وحكاية تهويد الآخرين بالقوة معروفة وباعتراف نصوص الأسفار، ثم تهود الخزر وسقوط
مملكتهم وهجرتهم إلى أوروبا معروفة وهذا كاف لينفي أن اليهود شعب واحد/ عرق...
فاليهودي هو الشخص المحسوب تصنيفياً على الديانة اليهودية، سواء أكان يؤمن بها
أم لا. والكلمة عَلَم على كل من ينتسب للديانة اليهودية (التي وضعها عزرا) في أي
زمان ومكـان وبغـض النـظر عن انتمائه العرْقي أو الجغـرافي.. وهذا يعني أن دراسة أي
تجمع يهودي، كدراسة أي تجمع للأقليات التي قد تقرب بينها ديانة واحدة أو فكرة واحدة
أو... كما في كثير من دول العالم, كالمسلمين في أمريكا، مقابل اليهود فيها، أو
المسلمين والمسيحيين في الأرجنتين... وتلك الدراسة لا يمكن أن تكون بمعزل عن
المجتمع الذي يحيا فيه التجمع, وما يفرضه المجتمع من علاقات اقتصادية واجتماعية
وثقافية... فهذه العلاقات ستنعكس على أفراد التجمع, وسينغمسون في قضايا المجتمعات
التي يحيون فيها بل وسيتأثرون بعاداتها وتقاليدها وهمومها ومشاكلها.. ومع أن رجال
الدين اليهود عَرَّفوا اليهودي بأنه من كانت أمه يهودية أو تَهوَّد حسب الأصول
الحاخامية إلا أنهم لم يميزوا بين الديانة والإثنية فقد خلطوا الأمرين جهلاً وغباء،
كما فعل عزرا في أسفاره. فالديانة شيء والجنس أو العرق شيء آخر!! ونلاحظ أنه في
القرون الوسطى ارتبطت كلمة اليهودي في الغرب بمدلولات مهنية كانت عنواناً لأعمال
اليهود مثل تاجر, مراب (المرابي).. كما استخدمت كنعت لصفات ذميمة مثل: بخيل, أناني,
جشع, عابد الذهب..
ومع عصر التنوير والانفتاح في أوروبا وبدءاً من القرن الثامن عشر والقرن التاسع
عشر الميلادي، استخدم اليهود مصطلحات مثل عبراني, وإسرائيلي, وموسوي, للهروب من
تبعات كلمة يهودي, حتى اختلطت تلك المصطلحات ببعضها. ولكن مصطلح يهودي بقي هو
الشائع. وعندما استعمر الصهاينة جزءاً من فلسطين عام 1948 أطلقوا عليه تسمية
إسرائيل مستعيدين الكلمة القديمة التي ادعت الأسفار أنها كانت تسمية للمملكة
الشمالية, والتي - كما تذكر الأسفار - تألفت من عشرة أسباط وقد انقرضوا كلهم فيما
بعد!! إن عزرا مؤلف الأسفار ادعى وجود مملكة في عهد داود وسليمان, ثم ذكر بأنها
انشقت بعد عهد سليمان إلى شمالية وجنوبية، إسرائيل ويهوذا. ولكن لم تكن هناك مملكة
في فلسطين لداود وسليمان بل لا يوجد دليل علمي واحد على وجود داود أو سليمان في
فلسطين!! وأكثر من هذا لا يوجد أي دليل علمي (آثار, وثائق، كتابات معاصرة
للأحداث...) على أن إبراهيم وذريته كانوا في فلسطين. كما لا يوجد أي دليل آثاري على
مجيء موسى إلى فلسطين, ولا إثبات على دخول يشوع إلى أريحا، فكل ذلك أكاذيب من عزرا,
والتوراة والأسفار ليسوا بثقة وهم كاذبون. إذاً لا يوجد أي دليل علمي واحد على صحة
تلك الادعاءات. وعل الرغم من ذلك نقول ما علاقة اليهود بأولئك!؟ فهل إبراهيم
(الآرامي كما تقول التوراة) هو الجد الأكبر لوايزمان وبيغن وكولدا مئير ورابين
وشارون وباراك, وأفنيري وبيلين وو..!!!؟ كما استخدم الكيان الصهيوني: الدولة
العبرية, واللغة العبرية. علماً بأن لفظة عبري (عبيرو, خابيرو) عممها عزرا لتشمل
أبناء يعقوب, ثم سلالة أولاده الأسباط الاثني عشر, بينما هي صفة خاصة بإبراهيم
لعبوره النهر!!
واليهودية فيها التناقضات والاختلافات والطوائف والانقسامات, فهناك الخلافات بين
الغربيين والشرقيين, وبين الأشكنازيم والسفارديم. وأيضاً بين اليهود الأرثوذكس
والإصلاحيين والمحافظين والمجددين. وهناك من اليهود المسيحيين الذين يؤمنون بالمسيح
كنبي إنسان مثل موسى, ولا يؤمنون بألوهيته. ولا ننسى الطوائف اليهودية المسيحية وهي
يهودية في جوهرها كشهود يهوه. الفكر الصهيوني الاستعماري لم يقنع اليهود كلهم
بمقولاته المخادعة والمزيفة، والدليل على ذلك عدد اليهود المستعمرين بالنسبة لليهود
الرافضين لتلبية نداء الصهاينة. فلو نظرنا إلى عدد اليهود في العالم وتوزعهم، لتبين
لنا أن الصهاينة المستعمرين في فلسطين لا يتجاوزون ثلث اليهود في العالم. ولا بد
هنا من الحديث عن كثيرين من اليهود اندمجوا في أوطانهم، وتزاوجوا من المجتمعات التي
يحيون فيها، وقد تجاوز الزواج المُختلَط في أوروبا والولايات المتحدة 50%. وتجاوزت
النسبة في روسيا وأوكرانيا الـ70%. كما أن ملايين من اليهود تخلوا عن يهوديتهم,
ومنهم من تبنى المسيحية! يقسم اليهود إلى غربيين (أشكناز وسفارد) وشرقيين, ومعظم
يهود العالم غربيون (أوروبيون وأمريكان). نلاحظ أن أكثر المنتمين إلى الديانة
اليهودية من الولايات المتحدة وأوروبا. وأن أقل من ثلث اليهود في العالم يستعمر
فلسطين. ويهود الولايات المتحدة يزيدون على اليهود في فلسطين بأكثر من مليون, ولا
يفكرون أبداً بالقدوم إلى فلسطين بحسب التصريحات والإحصاءات.. بينما محاولات
الصهاينة تنصب على جلب يهود روسيا ويهود آسيا وأفريقيا كما فعلوا مع الفلاشا من
أثيوبيا, مسغلين أوضاعهم الاقتصادية السيئة! إن اليهود الذين كانوا في فلسطين عام
1882 لم يتجاوزوا الـ 20.000, وكنتيجة للمشروع الاستعماري تم استيراد اليهود بشتى
الأساليب حتى وصل عددهم عام 1948 إلى 650.000. والزيادات التي نراها الآن إنما هي
نتاج استيراد المستعمرين اليهود, وليس نتيجة الولادات, لأن نسبة المواليد اليهودية
تعد من النسب القليلة في العالم..
وهكذا نجد أن قضية وجود اليهود في فلسطين في حقيقته وجوهره استعماري، ولا علاقة
له بادعاءات الصهاينة التاريخية المزيفة والمضحكة. وهو وليد البنية الغربية
الاستعمارية، وكما تحرك الغرب الاستعماري في العالم في بدايات العصور الحديثة بحثاً
عن أماكن ليستعمرها (استيراد وتصدير ونهب الثروات) كان اليهود الغربيون جزءاً من
ذاك المشروع, لا فرق بينهم وبين المستعمرين المسيحيين!! فلا يمكن أن ننظر لوضع
اليهودي الأوروبي المستعمر بمعزل عن الأوروبي المسيحي المستعمر. وهناك عدة أمثلة
استعمارية غربية لليهود في منتصف القرن السابع عشر في جزر أمريكا اللاتينية. ففي
سورينام امتلك اليهود السفارد العبيد الأفارقة ومزارع السكر, وحملوا الجنسية
البريطانية..
كما شارك اليهود الغربيون في تجارة العبيد والاستيراد والتصدير... ومن هنا لا
يمكن فصل المشروع الصهيوني عن التوجه الاستعماري الغربي والأمريكي في العالم! ومن
الغباء أن يسمى وجودهم بالمستوطنين، بل هم مستعمرون، وتلك الجزر كانت مستعمرات
(colonies), وليست (settlements). وكذلك الأمر بالنسبة لفلسطين, يجب استخدام
المصطلحات: مستعمرة، مستعمرون.. وليس مستوطنة ومستوطنين!!
* * *
إذاً اليهودية غير الصهيونية, فاليهودية ديانة منتشرة في الشرق والغرب كأية
ديانة أخرى ولكن عدد المنتمين إليها قلائل، بينما الصهيونية هي تحويل اليهودية إلى
مشروع استعماري.. ونحن ضد اليهود الموجودين في فلسطين فقط, لأن كل يهودي على أي جزء
من أرض فلسطين, هو مستعمر يجب طرده. أما اليهود خارج فلسطين فلا علاقة لنا بهم إلا
إذا أيدوا الصهاينة ودعموهم، وكذلك إن بقوا يتبنون أفكار أرض الميعاد والحق
التاريخي والشعب المختار، فإننا ننتقدهم ونسفه أفكارهم. وكل يهودي محترم يعي
إنسانيته يتخلى عن تلك الأفكار السخيفة الكاذبة والعنصرية، ويحذفها من دينه ويعدها
متناقضة مع الحق والخير والعدل!! وأخيراً إن الصهيونية كحركة استعمارية, يستطيع
الشعب العربي أن يقهرها وأن يقضي عليها. ونحن لا نؤمن بكل التهويلات الصبيانية التي
يتوهمها المتخاذلون والجبناء, ولا سيما الذين يتمسكون بالخرافات التي تجعل
الصهاينة, قوة فوق البشرية بما تمتلكه من نفوذ وسيطرة ووسائل إعلام ومكر ومؤامرات
ودعم الإمبرياليات وو..
فالشعب الفلسطيني قادر بإيمانه وإرادته وتضحيته, على تحرير فلسطين كلها.. وتجربة
المقاومة في جنوبي لبنان ما زالت حية، وستبقى.. إن ثورة شعبنا زلزلت الكيان وقلبت
المعادلات, فأفقدت الصهاينة الأمن والطمأنينة, وأجبرتهم على مواجهة السؤال الصعب
الذي يهربون من طرحه على أنفسهم!! هل سينتهي المشروع الصهيوني في النهاية؟؟
والإجابة: نعم, وكل تجارب الشعوب مع المستعمرين تشهد بذلك.
* * *
خطاب إلى يهودي عاقل
أياً كان السبب الذي دفعك للمجيء إلى فلسطين، يجب أن تفهم حقيقة وجودك، فأنت
مستعمر بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى. ورغم قناعتنا بأن المستعمر لا يناقش
عقلياً، لأنه لا يمتلك المنطق، وبالتالي ليس أمامه سوى اللف والدوران والكذب
والخداع، ليهرب من مواجهة الحقائق.. نقول بالرغم من تلك القناعة لابد من النقاش،
عسى أن يكون هناك بعض المغرر بهم من اليهود والذين جاؤوا مخدوعين بالفكر الصهيوني.
- وأنت كيهودي أوروبي أو أمريكي من الأشكنازيم وتمثلون من 80 – 85 % من اليهود في
العالم، وأصولكم التاريخية تعود إلى الخزر تلك القبيلة التي تهودت بالكامل بدءاً من
القرن الثامن الميلادي، ثم بدأت هجرتكم إلى أوروبا مع القرن الثاني عشر . ثم في
الدرجة الثانية يأتي السفارديم وهم من أصول إسبانية. وتبقى نسبة ضئيلة جداً من عروق
مختلفة.
- و بما أنك انتميت إلى الديانة اليهودية سواء عن طريق والديك أم أمك، أم عن
طريق تهودك أم دخولك الديانة اليهودية طوعاً أو كرهاً، حتماً ستؤمن بالعهد القديم
ولا سيما التوراة و ستقدس أنبياءه. وكونك تحترمهم وتؤمن بهم، فهذا شأنك. ولكن أن
تزرع الصهيونية في دماغك بأن أولئك الآباء هم أجدادك فذاك هو الدجل والزيف! فكيف
أنت اليهودي ديناً ومن عرق أصوله أوروبية/ خزرية/ إسبانية... / يكون جدك الأكبر
إبراهيم آرامياً وباعتراف النص؟! تصور أن الصهيونية تتحدث عن سلالتك النقية الصافية
وأنها تعود لأكثر من أربعة آلاف سنة، وفي الوقت نفسه يذكر العهد القديم، تهود
الكثيرين من أهل الأرض في بابل، ثم في فلسطين. ثم فيما بعد يذكر التاريخ تهود قبيلة
الخزر!! فهل هؤلاء الذي تهودوا وهم من جنسيات مختلفة – وأنت منهم – لحقهم النسب
العرقي والجنسي؟! إن أولاد يعقوب/ إسرائيل/ انقرضوا بعد ذهابهم إلى مصر. والتوراة
الحريصة جداً على قضية الأنساب تغيب السلالة أربعة قرون، لتقول فجأة: هذا موسى من
سلالة أسباط يعقوب/ إسرائيل/. فكيف تصدق ذلك؟!
وعلى كل، سواء أصدقت ذلك الكلام أم لم تصدقه، ثق تماماً بأنه لا علاقة لك أنت
بأولئك لا من قريب ولا من بعيد! وسنتجاوز العلم والتاريخ والآثار، لنتابع مع العهد
القديم، فداود كما يدعي العهد القديم أقام مملكة استمرت ما يقارب السبعين سنة في
عهده وعهد ابنه سليمان. ثم انشقت المملكة كما تعلم إلى مملكة السامرة ويهوذا، وبدأت
الصراعات بين المملكتين حتى انتهت الأولى على يد الآشوريين والثانية على يد
البابليين. والأولى والتي ينتمي إليها عشرة أسباط، انقرضت نهائياً. والثانية وفيها
سبط يهوذا، قسم منه انقرض في بابل، وقسم اندمج في شعوب بابل بالتزاوج المتبادل. وقد
تهودت جنسيات مختلفة رعباً وخوفاً كما يذكر سفر أستير" وصار كثير من أمم تلك الأرض
يهوداً لأن خوف اليهود حل عليهم" (أستير فصل8/17). والآن فكر بيهوديتك أهي دين، أم
عرق وجنس وشعب؟!
وهذا السبط الخليط المتبقي – استناداً إلى العهد القديم – عاد منه أقل من خمسين
ألفاً إلى أورشليم وما حولها كما تعلم، والبقية انقرضوا أو اندمجوا في شعوب
المناطق.
وهؤلاء الخمسون ألفاً تسموا باليهودية وهي كما ترى ديانة وليست شعباً أو عرقاً!
فما علاقتك أنت أو قرابتك بهؤلاء!!
وهؤلاء ما علاقتهم أو قرابتهم بيعقوب/إسرائيل /؟!
لقد حلت حركة التنوير اليهودية مشكلتك في أوروبا وقالت لك: كن يهودياً في بيتك
أما خارجه فكن كأي مواطن عادي، أي اندمج في المجتمع الذي تعيش فيه تنته مشكلتك،
فالديانة شيء والقومية شيء آخر. ولكن الصهاينة قالوا: لا، لأن لهم أطماعهم
الاستعمارية! ولما تعرضت للهولوكوست وهي مؤامرة ضدك بين الحركة الصهيونية والنازية
لدفعك للهجرة إلى فلسطين، تصرفت ضد الشعب الفلسطيني بأكثر مما فعلته النازية
والفاشستية! فهل من يدعي الهروب من الاضطهاد الأوروبي ثم من النازية، يفعل ذلك!؟
إننا نشك في تلك المسرحية، ونطالبك بفتح ملفات التحقيق التي تطمسها الصهيونية
لإخفاء الحقائق! لأن الذي يعاني حقاً لا يمكن - إذا كان إنساناً حقيقياً - أن يعتدي
على الآخرين ويضطهدهم!!
- اليهودي العاقل إذا فكر، وناقش، سيصل إلى تلك الحقائق، وبالتالي سيسأل نفسه عن
سبب وجوده الحقيقي في فلسطين! ومن البديهي بأنه سيدرك بأنه وجود استعماري محض خططت
له الإمبرياليات مع المستعمر الصهيوني العنصري، وبالتالي سيرجع إلى وطنه الحقيقي
الذي جاء منه، ويندمج فيه كأي مواطن، فدينه لنفسه، والوطن للجميع.
سيعود إذا كان يحترم نفسه، لأنه كان مجرد أداة لحماية مصالح الاستعمار، ولأن
وجوده إنما كان على حساب أهل فلسطين الشرعيين /الكنعانيين/ والذين يعود تاريخهم إلى
أكثر من خمسة آلاف سنة!
- الحقيقة الأخيرة التي يجب أن يستوعبها كل مستعمر صهيوني، هي أن الفلسطينيين لن
يتخلوا عن أرضهم مهما طال الزمن. ولن يكون الاستعمار آمناً مطمئناً طوال الوقت مهما
امتلك من عتاد وقوة. فالفلسطيني صاحب الحق ستجده في كل درب، وزاوية، وفي النهار،
وفي الليل، وفي أحلامك! فلم تعيشون في قلق ورعب، وأنتم تعرفون بأن النهاية لن تكون
لكم. صحيح القوة ومساندة الإمبرياليات لكم وعلى رأسها الولايات المتحدة، تمنحكم
الاستمرار المؤقت في الضلال والاستعمار، ولكن لن تمنح قلوبكم الراحة والهناء..
فالموت سيفاجئكم في أية لحظة. فلم المراهنة بحياتكم من أجل فكر استعماري يسيطر
عليكم من خلاله مهووسون ومجانين عنصريون وإرهابيون، ويقودونكم كالقطعان إلى حتفكم؟!
خذوا من التاريخ العبر، ما مصير الاستعمار في أية بقعة من العالم؟! بريطانيا
الإمبريالية الأولى التي كانت لا تغيب عنها الشمس، أين هي؟ مجرد عجوز شمطاء تلهث
ككلب وراء الإمبريالية الأمريكية!!
أين مستعمرات فرنسا؟! كم بقيت في الجزائر، ومن ثم ماذا حدث؟!
ولا تظنن أن وجودك صار شرعياً، لأن الأمم المتحدة اعترفت بك، فأنت تعلم تماماً
بأن الذي صنع دولتك إنما هو الإمبرياليات وعلى رأسها أمريكا وبريطانيا، وهؤلاء لا
شرعية لهم فهم لصوص ومجرمون وإرهابيون، وليس من حقهم التبرع لك بأرض ليست لك ولا
لهم.. فلم لم يتبرعوا لك بوطن في أرضهم هم، وعلى حساب شعوبهم هم؟! فهم اختلقوا لك
الوطن ليكون قاعدة عسكرية لحماية مصالحهم، وما أنت سوى أداة. أو لم تدرك هذه
الحقيقة بعد؟! انظر إلى المجازر التي ارتكبتموها منذ دير ياسين وكفر قاسم وصبرا
وشاتيلا وقانا وجنين... ومئات كثيرة، داخل فلسطين وخارجها... فإلى متى ستستمر في
وحشيتك، وما النهاية؟! أهكذا حياتك: إرهابي وعنصري ولص ومجرم وقاتل محترف! ألم تسأل
نفسك: ثم ماذا بعد، طالما الشعب الفلسطيني لن يعترف بك ولن يهدأ ولن يكف عن
المطالبة بحقوقه، حتى يحرر أرضه ويطردك منها...
فاكسبوا حياتكم، واحفظوا ما تبقى لكم من حياة ولأطفالكم وأسركم، وعودوا إلى
أوطانكم لتنعموا بالحياة الحقيقية. لسنا ضد أي يهودي في العالم، ولكننا نعد كل
يهودي على أرض فلسطين مستعمراً، فنحن ضدك كمستعمر، ولا نحترمك ولا نقيم لك وزناً،
لأن المستعمر بلا شرف ولا ضمير ولا أخلاق ولا... ومن حقنا محاربتك والقضاء عليك حتى
نحرر وطننا كله. . والغبي والمجنون من يدرك هذه الحقائق ولا يرحل!!
********************************************************************************************************************************************************
حقائق عن قضية فلسطين
للحاج أمين الحسيني رحمه الله
"كذبة بيع الفلسطينيين لأرضهم "
الفلسطينيون لم يفرطوا في وطنهم وقد دافعوا عنه أشرف دفاع الأعداء يذيعون
دعايات كاذبة وأراجيف مضللة ضد الفلسطينيين
السؤال الأول
اتهم بعض الناس أهل فلسطين بالتفريط في حقوق وطنهم . وتتلخص التهم المعزوّة
إليهم في ثلاثة أمور : أ- إن كثيرا منهم باعوا أراضيهم لليهود، وأن بعض البائعين
استصدر عفوا من بعض المنظمات الوطنية لقاء دفع مبلغ من المال؟ ب- إن عرب فلسطين لم
يدافعوا عن وطنهم أثناء حرب فلسطين، وخلال عهد الانتداب البريطاني؟ ج- إن أهل
فلسطين كانوا يشتغلون لحساب اليهود ويبيعون ضباط وجنود الجيوش العربية للصهيونيين .
فماذا تقولون في ذلك ؟
الجواب :
قبل الإجابة على أسئلتكم لابد لي من مقدمة وجيزة تساعد على توضيح الأوضاع
الحقيقية . كانت فلسطين قبل حرب عام 1914جزءاً من الدولة العثمانية .
وهي رقعة صغيرة من الأرض مساحتها نحو ستة وعشرين ألف كيلومتر مربع، فلما انهارت
هذه الدولة في نهاية الحرب العالمية الأولى وقعت فلسطين بين مخالب الاستعمار
البريطاني من ناحية وجشع اليهودية العالمية من ناحية أخرى، وجعلت تتخبط بين هاتين
القوتين العظيمتين وليس لها أي ساعد أو نصير، ولم يكن لدى أهلها من وسائل المقاومة
والدفاع ما يستطيعون به دفع أذى أو رد عادية. وبالرغم من ذلك قامت جماعة من أبناء
فلسطين المخلصين، يبذلون جهودهم الضئيلة، وينظمون صفوفهم القليلة، ويؤلفون جبهة
متواضعة أمام تلك القوى الدولية العاتية، وكان سلاحهم الوحيد الإيمان والإخلاص .
وبالرغم من عدم التكافؤ بين القوتين والجبهتين، فقد نشبت معركة هائلة طويلة المدى
لم تلن فيها لعرب فلسطين قناة ولم تهن لهم عزيمة في كل أدوار الكفاح والنضال، مدة
ثلاثين عاماً حاول خلالها الاستعمار البريطاني – متآمراً مع اليهودية العالمية –
بلوغ أغراضه ومقاصده في فلسطين بالوسائل الآتية :
من الناحية السياسية :
أ- لقد حاولوا بادئ ذي بدء أن يحمّلوا عرب فلسطين على الرضوخ والإذعان لخطتهم
الغاشمة، والموافقة على سياسة إنشاء الوطن القومي اليهودي، فتوسلوا بجميع وسائل
الإغراء السياسية والمالية، وأساليب الدهاء والخداع، والوعد والوعيد، لحملهم على
الموافقة، وليتخذوا من موافقتهم حجة يبررون بها أمام العالم جريمتهم الفظيعة في
تحويل هذه البلاد العربية المقدسة إلى وطن يهودي بعد إجلاء أهلها عنها، ويكسبون
جريمتهم المنكرة صفة شرعية، ولكنهم فشلوا في هذه المحاولة فشلاً تاماً .
من ناحية امتلاك الأراضي :
ب- فلما سقط في أيديهم جعلوا أكبر همهم اشتراء أرض فلسطين بالمال وامتلاك البلاد
عملياً بهذه الوسيلة، فألقوا بمئات الملايين من لجنيهات، فارتفعت أسعار الأرض إلى
عشرات الأضعاف، بل إلى مئاتها في بعض الأحيان . ولكن عرب فلسطين صمدوا أمام هذه
التجربة أيضاً. مستهينين بالمال الذي لم يستطع أعداؤهم إغراءهم به، واحتفظوا
بأراضيهم بوسائل سيأتي ذكر بعضها عند الجواب على سؤالكم الخاص بهذا الموضوع. وقد
انتهى الانتداب البريطاني في 15 مايو 1948 ولم يستطع اليهود بالرغم مما حصلوا عليه
من مساعدات وهبات وتسهيلات من حكومة الانتداب البريطاني أن يمتلكوا إلا نحو سبعة في
المائة من مجموع أراضي فلسطين. وكانت خيبة آمالهم في هذه الناحية لا تقل عن فشلهم
في محاولتهم الأولى السياسية .
من الناحية العسكرية :
ج- ما انفك الإنجليز – منذ احتلالهم لفلسطين – يساعدون اليهود بمختلف الوسائل
على التسلح والتدرب والتنظيم العسكري، في الحين الذي كانوا يحرمون فيه جميع ذلك على
عرب فلسطين، بل يحكمون بالإعدام على من يحوز أي نوع من السلاح أو العتاد، حتى أن
وزير المستعمرات البريطانية مستر كريتش جونز اعترف في تصريح له في مجلس العموم
البريطاني أن الذين حكمت عليهم المحاكم العسكرية البريطانية بالإعدام شنقاً من
العرب لحيازتهم أسلحة أو ذخيرة كانوا (148) شخصاً" . هذا عدا بضعة ألوف فتك فيهم
الإنجليز خلال ثورات 1936– 1939. فلما اشتد ساعد اليهود بالسلاح والتدريب والتعضيد
البريطاني، قاموا بمحاولتهم الثالثة وهي الوصول إلى أهدافهم عن طريق القوة وظهرت
هذه المحاولة بجلاء في اعتداءات اليهود عام 1929 و1936 و1947 وغيرها . ولكن عرب
فلسطين على قلة وسائلهم صدوهم ببسالة وهزموهم شر هزيمة في جميع المعارك رغم مساعدة
الإنجليز لهم وحشدهم القوات العسكرية البريطانية بقيادة مشاهير قوادهم كالجنرال دل
والمارشال ويفل وغيرهما لخضد شوكة عرب فلسطين. ولما سقط في أيدي الإنجليز واليهود
معا ويئسوا من ترويض عرب فلسطين وإخضاعهم بالوسائل آنفة الذكر، عمدوا إلى أساليب
أخرى كان سلاحهم فيها الخداع والدهاء، وقد سخروا فيها أنصارهم وأذنابهم خارج فلسطين
لتنفيذ خططهم الخطيرة بوسائلهم الشيطانية، مما أدى إلى وقوع كارثة فلسطين . وستجدون
إيضاح ذلك في الأجوبة على أسئلتكم .
الفلسطينيون لم يفرطوا في أراضيهم :
1- لا صحة لهذه التهم التي يروجها الأعداء من يهود ومستعمرين فإن العطف الذي بدأ
من مصر وسائر الأقطار العربية على قضية فلسطين والحماسة الشديدة لها، والتنادي
لنصرتها والاستماتة في سبيل الذود عنها، أقلق هؤلاء الأعداء، فشرعوا ينشرون
الأراجيف ويذيعون الإشاعات الباطلة عن أهل فلسطين، ويرونهم بمختلف التهم، تشويها
لسمعتهم وتنفيراً لإخوانهم العرب منهم، وصرفاً لهم عن مناصرتهم. وكانت التهمة
الأولى أن أهل فلسطين باعوا أراضيهم وتمتعوا بأثمانها ثم جاءوا اليوم يدعون ويلا
وثبورا، فهم أحق باللوم لما فرطوا في أوطانهم. والحقيقة تخالف ذلك كل المخالفة، فإن
الفلسطينيين قد حرصوا على أراضيهم كل الحرص، وحافظوا عليها رغم الإغراءات المالية
الخطيرة من قبل اليهود، ورغم الضغط الاقتصادي عليهم بمختلف الوسائل من قبل
الإنجليز. ومنذ تأسس المجلس الإسلامي الأعلى الذي انتخبه الفلسطينيون لإدارة
المحاكم الشرعية والأوقاف والشؤون الإسلامية في فلسطين عام 1922 قام بأعمال عظيمة
لصيانة الأراضي من الغزو اليهودي. فمنع بواسطة المحاكم الشرعية التي كان يشرف عليها
بيع أو قسمة أي أرض كان للقاصرين نصيب فيها، وكذلك اشترى المجلس من أموال الأوقاف
الإسلامية كثيراً من الأراضي التي كانت عرضة للبيع، وأقرض كثيرين من أصحاب الأراضي
المحتاجين قروضاً من صناديق الأيتام ليصرفهم عن البيع. وكان يعقد مؤتمراً سنوياً من
العلماء ورجال الدين لتنظيم وسائل المقاومة لليهود الطامعين في الأراضي، وقد تعرضت
أنا شخصياً لحملات شديدة من الإنجليز واليهود عندما كنت رئيساً لهذا المجلس بسبب ما
كان يقوم به من نشاط في منع بيع الأراضي لليهود. وقد بذل المجلس الإسلامي الأعلى
مبالغ طائلة في سبيل إنقاذ الأراضي، واشترى بعض القرى برمتها، كقرية دير عمرو وقرية
زيتا التي بذل في سبيل إنقاذها وحدها نحو 54000 جنيه، وكالأراضي المشاعة في قرى
الطيبة وعتيل والطيرة، وبذل جهوداً عظيمة وأقام قضايا في المحاكم في هذه السبيل،
ووفق في إقناع كثير من القرى ببيع أراضيها إلى المجلس الإسلامي الأعلى، وجعلها
وقفاً على أهلها . وكذلك قام بعض المؤسسات والمنظمات العربية كصندوق الأمة الذي بذل
جهداً كبيراً في سبيل إنقاذ كثير من أراضي البلاد اشترى بعضها بالمال وأنقذ بعضها
بإجراءات إدارية وقضائية كأراضي البطيحة لعرقلة البيع وحماية حقوق المزارعين، وبعقد
الاجتماعات وتوزيع النشرات . ومما يزيد ذلك أن تقارير حكومة الانتداب البريطاني
التي كانت ترفع سنوياً إلى لجنة الانتداب في عصبة الأمم بجنيف كانت تذكر دائماً أن
السبب في قلة انتقال الأراضي إلى اليهود هو المجلس الإسلامي الأعلى وغيره من
المؤسسات العربية . وتدل الإحصاءات الرسمية على أن مساحة أراضي فلسطين هي نحو سبعة
وعشرين مليون دونم (والدونم ألف متر مربع) . ويبلغ مجموع ما استولى عليه اليهود إلى
يوم انتهاء الانتداب البريطاني في 15 مايو 1948، نحو مليوني دونم أي نحو سبعة في
المائة من مجموع أراضي فلسطين، على أن ما تسرب من أيدي عرب فلسطين من هذين
المليونين لا يزيد عن 250.000 (مائتين وخمسين ألف دونم) أي الثمن، وكان وقوع الكثير
منها في ظروف قاهرة، وبعضها ذهب نتيجة لنزع ملكية الأراضي العربية، وهو ما كانت
تقوم به حكومة الانتداب البريطاني لصالح اليهود وفقاً للمادة الثانية من صك
الانتداب أما باقي المليونين فقد تسرب إلى أيدي اليهود كما يلي :
650.000 دونم استولى عليها اليهود في عهد الحكومة العثمانية خلال حقبة طويلة، من
الأراضي الأميرية بحجة إنعاش الزراعة وإنشاء مدارس زراعية . 300.000 دونم منحتها
حكومة الانتداب البريطانية لليهود دون مقابل (وهي من أملاك الدولة) 200.000 دونم
منحتها حكومة الانتداب البريطانية لليهود لقاء أجرة اسمية (وهي من أملاك الدولة) .
600.000 دونم اشتراها اليهود من بعض اللبنانيين والسوريين الذين كانوا يملكون أراضي
في فلسطين (كمرج ابن عامر ووادي الحوارث، والحولة وغيرها) . 1.750.000
يتبين من ذلك أن نحو سبعة أثمان ما استولى عليه اليهود من الأراضي إنما تسرب
إليهم عن غير طريق الفلسطينيين ، وأن ما تسرب من الفلسطينيين هو مائتان وخمسون ألف
دونم أي نحو "62" ألف فدان مصري . على أن الكثير ممن باعوا أراضيهم أو كانوا سماسرة
للبيع قد فتك فيهم الشعب الفلسطيني، ولم ينج منهم إلا من فر من البلاد ولجأ إلى
أقطار أخرى . أما ما ذكرتم من إصدار العفو عمن كان يدفع مبلغاً من المال، فلا صحة
له البتة، ولم يقع أي حادث من هذا القبيل، بل كان الأمر على العكس، فإن مؤتمرات
العلماء التي كنا نعقدها سنوياً وكذلك الهيئات الدينية ، كانت تصدر الفتاوى بتكفير
من يبيع الأرض أو يسمسر على بيعها، وتعتبره مرتداً لا يدفن في مقابر المسلمين وتجب
مقاطعته وعدم التعامل معه، وقد أصدر مؤتمر كهنة الأرثوذكس العرب في فلسطين قرارات
مماثلة .
دفاع الفلسطينيين عن بلادهم :
2- وكانت التهمة الثانية أن عرب فلسطين لم يدافعوا عن بلادهم وهي فرية لا ظل لها
من الحقيقة، فالناس جميعاً يعلمون كيف كافح أهل فلسطين، اليهود والإنجليز معاً، مدة
ثلاثين عاماً لم يقهروا خلالها أبداً ، رغم كثرة القوات البريطانية وقوات الشرطة
المحتلة وقوى اليهود المنظمة . وليس يخاف على أحد استبسال المجاهدين الفلسطينيين في
الذود عن وطنهم وإقدامهم على التضحية وبيعهم نفوسهم بيع السماح في سبيل الله، حتى
شهد لهم بذلك العدو والصديق، ورفعوا بجهادهم اسم العرب عالياً في العالم . فمن ذلك
ما ذكره المرحوم محمد رستم حيدر وزير مالية العراق الأسبق لبعض زائريه في لبنان
عندما كان راجعاً من أوربا صيف 1939 بقوله : لقد كنا في زياراتنا الماضية لأوربا
نتحاشى التظاهر بأننا عرب . ولكننا هذه المرة، بعد جهاد عرب فلسطين وبطولتهم التي
طبق ذكرها آفاق أوربا، أصبحنا نفخر بعروبتنا وصرنا نلقى من الأوربيين كل إجلال
واحترام .
هتلر يستشهد بجهاد عرب فلسطين :
ومن ذلك ما قاله هتلر للسيد خالد القرقني مستشار المرحوم جلالة الملك عبد العزيز
آل سعود في مقابلة رسمية له عام 1938 من أنه معجب كل الإعجاب بكفاح عرب فلسطين
وبسالتهم . وكذلك جاء في بيان رسمي وجهه هتلر إلى الألمان في السوديت حينما كانوا
يحاولون الخلاص من حكم تشيكوسلوفاكيا عام 1938 والانضمام إلى ألمانيا ما معناه:
"اتخذوا يا ألمان السوديت من عرب فلسطين قدوة لكم إنهم يكافحون إنجلترا أكبر
إمبراطورية في العالم، واليهودية العالمية معاً، ببسالة خارقة، وليس لهم في الدنيا
نصير أو مساعد، أما أنتم فإني أمدكم بالمال والسلاح، وإن ألمانيا كلها من ورائكم" .
ما كتبه الجنرال ولسون عن مجاهدي فلسطين :
وقد جاء في كتاب ألفه الجنرال هنري ميتلاند ولسون الذي اشترك في المعارك ضد عرب
فلسطين قبل أن يتولى قيادة القوات البريطانية في مصر ثم في منطقة البحر الأبيض
المتوسط. ذكر مستفيض لبطولة عرب فلسطين خلال المعارك الدامية التي جاهدوا فيها
القوات البريطانية إذ ذكر ما خلاصته : "إن خمسمائة من ثوار عرب فلسطين يعتصمون في
الجبال ويقومون بحرب العصابات، لا يمكن التغلب عليهم بأقل من فرقة بريطانية كاملة
السلاح (أي خمسة عشر ألف جندي) .
الفلسطينيون في غزة يهزمون الإنجليز :
وفي الحرب العالمية الأولى عندما صمد لواء واحد من الجيش العثماني مؤلف من أقل
من ثلاثة آلاف جندي فلسطيني في وجه فرقتين بريطانيتين أمام غزة وكبدهما خسائر فادحة
وأرغمهما على التقهقر حتى العريش عام 1917م ، أصدر أحمد جمال باشا القائد التركي
الذي اشتهر بخصومته للعرب، بياناً رسمياً أشاد فيه بالشجاعة الفذة التي أبداها
أولئك الجنود الفلسطينيون في غزة أمام أضعاف أضعافهم من جنود الأعداء، وأنها بسالة
خارقة تذكر بالشجاعة التي أبداها آباؤهم من قبل عندما حموا هذه البقاع المقدسة
بقيادة صلاح الدين الأيوبي ... وكذلك اعترف كثيرون من أقطاب العرب وزعمائهم بشجاعة
الفلسطينيين . ومبلغ ما بذلوه من جهود ودماء، ذوداً عن حياتهم أثناء المعارك
الأخيرة التي وقعت عامي 1947 و1948م. وإني لآسف إذا اضطر للاستشهاد بمثل هذه
الأقوال والتصريحات بالثناء على أهل فلسطين في مجال الدفاع عنهم ببيان الحقائق التي
حاولت الدعايات الأجنبية ودوائر المخابرات البريطانية واليهودية أن تطمسها بما سخرت
لذلك من الصحف المأجورة والألسنة الخراصة لتشويه سمعة الفلسطينيين وإظهارهم على غير
حقيقتهم .
براعة الفلسطينيين في حرب العصابات :
ولاشك أن كل منصف يعترف بأن مجاهدي فلسطين لم يغلبوا على أمرهم ولم يقهروا في
ميدان الكفاح حينما كانوا يحاربون اليهود والإنجليز معاً حرب العصابات التي خذقوها،
والتي هي أجدى وأنجع في مكافحة الجيوش النظامية، وأعظم أثراً، وأقل نفقة . وبحرب
العصابات القائمة على أسس التضحية والاستماتة والبسالة استطاع الفلسطينيون أن يفضوا
مضاجع أعدائهم أمداً طويلاً، وأن ينزلوا بهم الخسائر الفادحة، واستطاعت حركة الجهاد
الفلسطيني في أعوام 36،37،38، 1939م أن تسيطر على معظم الأراضي الفلسطينية بل عليها
كلها إذا استثنينا قليلاً من المدن التي انحصر الجنود الإنجليز داخلها وقتاً غير
قليل في انتظار النجدات . الإنجليز يسلحون اليهود ويدربونهم
:
وفي الحوادث الأخيرة ظن الإنجليز الذين جردوا أهل فلسطين خلال الحرب العالمية
الثانية من أسلحتهم ، وشردوا قادتهم وسجنوا الألوف من مجاهديهم وأرهقوهم ظلماً
وعدواناً كما يفعلون اليوم في المكافحين من رجال ماو ماو في الوقت الذي كانوا
يسلحون فيه اليهود ويدربونهم وينظمونهم ويساعدونهم بواسطة هيئة عسكرية إنجليزية كان
يرأسها القائد (وينجت) المعروف – ظن الإنجليز أن كفة اليهود الحربية أصبحت راجحة ،
وأن في استطاعتهم أن يتسلموا فلسطين حسب وعد بريطانيا القديم لهم ، فأعلنت بريطانيا
أنها ستنسحب من فلسطين. ولكن أهل فلسطين رغم ضعف وسائلهم عامي 1947- 1948م قاموا
بكفاح شديد أرغموا به يهود القدس، وعددهم نحو (115) ألفاً، على رفع رايات التسليم،
بعد أن أرهقوهم وحاصروهم وقطعوا عنهم الماء والزاد والعتاد . وقد توسطت الهيئة
الدبلوماسية في القدس حينئذ وجاءت بعثة من بعض أعضائها إلى دمشق في مارس سنة 1948م
لمفاوضة الجامعة العربية والهيئة العربية العليا في هذا الأمر .
تفوق العرب في المعارك على اليهود :
وفي غضون ذلك كانت المعارك الكبيرة ناشبة بين العرب واليهود ففي مكان يعرف
بالدهيشة، بين القدس والخليل، نشبت معركة كبيرة في 17 مارس سنة 1948 قتل فيها بضع
مئات من اليهود ووقع منهم (350) أسيراً ، وغنم المجاهدون أسلحتهم وذخائرهم ونحو
مائة وخمسين سيارة كان قسم كبير منها من المصفحات والمدرعات . ووقعت معارك صور يف
وبيت سوريك وسلة ويافا ومعارك أخرى في المنطقة الشمالية قهرت فيها العصابات
الفلسطينية اليهود وهزمتهم . ولما شرع اليهود في استعمال المتفجرات وعمدوا إلى
النسف، قابلهم المجاهدون بما هو أدهى وأمر، فنسفوا عمارة الستين بوست والوكالة
اليهودية وشارع بن يهودا برمته ومحلة المنتفيوري وغيرها مما قصم ظهر اليهود، وجعلهم
يطالبون بالعدول عن حرب المتفجرات . وقد أبدى المجاهدون الفلسطينيون من البسالة
والتصميم والتضحية ما ضمن لهم التفوق ورجوح الكفة على اليهود، حتى أن الولايات
المتحدة الأمريكية أعلنت بواسطة مندوبها في الأمم المتحدة في 23 مارس 1948م عدولها
عن تأييد قرار تقسيم فلسطين، (وقد وقعت جميع هذه الحوادث قبل أن تدخل الجيوش
العربية فلسطين) .
12 ألف شهيد فلسطيني :
وقد بلغ عدد الذين استشهدوا م أهل فلسطين في ميادين الجهاد نحو 12 ألف شهيد،
وبلغ عدد من أصيب منهم بجراحات وعاهات دائمة ضعف هذا العدد، وهذا بالإضافة إلى ألوف
من السكان المدنيين ولاسيما من الشيوخ والنساء والأطفال الذين قتلهم اليهود
والمستعمرون، كما أن خسائرهم المادية إلى ما قبل نشوب الحرب العالمية الثانية تقدر
بعشرات الملايين من الجنيهات، فإن السلطات البريطانية نسفت أقساماً برمتها من مدن
يافا واللد وجنين وعشرات من القرى العربية وأتلفت من روعات أهلها ومواشيهم
وممتلكاتهم .
المؤامرة الإنجليزية لإبعاد الفلسطينيين عن ميدان القتال :
ولما رأي الإنجليز واليهود هذا الجد والتصميم والاستماتة من عرب فلسطين، وأن حرب
العصابات تزداد توسعاً واندلاعاً، وأن أمدها سيطول، وستكون لها نتائج خطيرة في
إثارة الشرق العربي والعالم الإسلامي، لجأوا إلى الحيلة لوقف حرب العصابات وإبعاد
المجاهدين الفلسطينيين عن ميدان المعركة، لأنهم بطبيعة الحال أشد العناصر العربية
تصميماً على القتال، واستماتة في الذود عن وطنهم وأنفسهم وممتلكاتهم، فعمد الإنجليز
إلى تعديل خطة الدول العربية التي كانت قررت في اجتماع "عالية – لبنان" في السابع
من أكتوبر عام 1948م أن يكون المعول في حرب فلسطين على أبنائها ، وأن تمدهم الدول
العربية بالأسلحة والأموال وما إلى ذلك من وسائل المساعدة، وأن لا تدخل الجيوش
العربية النظامية فلسطين. ولكني عندما شعرت في ذلك الحين برغبة بعض الشخصيات
العربية الرسمية في إدخال الجيوش العربية فلسطين، وباندفاعها في هذه السبيل، أوجست
في نفسي خيفة وأبديت ارتيابي وخشيتي من أن تكون وراء ذلك دسيسة أجنبية وعارضت في
هذا معارضة شديدة ، ولم تكن جميع الدول العربية موافقة على إدخال جيوشها إلى فلسطين
ولكن تيار الضغط الأجنبي على بعض الشخصيات المسئولة في الدول العربية في ذلك الحين
كان بدرجة من الشدة اجتاح معها كل معارضة ، ودخلت الجيوش العربية وكانت مصر من أشد
الدول معارضة لدخول جيشها في الحرب. ثم دخلت بتأثير دوافع متعددة كما ظهر في
المحاكمات الأخيرة أمام محكمة الثورة، فقد قيل في صدد دخول الجيش المصري حرب فلسطين
: "إن المرحوم النقراشي أسر إلى أحد كبار المصريين وقتئذ – أيهدى" من روعه ومعارضته
– أن الإنجليز متحمسون لدخولنا الحرب، وأنهم وعدوه بمد الجيش المصري بالأسلحة
والذخيرة التي يحتاج إليها..."
الجيوش العربية تحت قيادة جنرال إنجليزي :
فلما دخلت الجيوش العربية فلسطين سلمت قيادتها العملية إلى الجنرال جلوب
الإنجليزي، وصدر أمر الملك عبد الله بإلغاء منظمة الجهاد المقدس الفلسطينية وجميع
القوى والعصابات التابعة لها، وإلغاء جيش الإنقاذ المؤلف من المتطوعين وطلب إلغاء
الهيئة العربية العليا لفلسطين، ووضعت خطة محكمة لإبعاد الفلسطينيين عن ميدان
الجهاد والسياسة، وعن كل ما يتعلق ببلادهم ومستقبلهم وحياتهم .
دعايات مضللة وتهم باطلة تذاع عن فلسطين :
3- ولتبرير إبعاد الفلسطينيين عن ميدان المعركة قامت دوائر المخابرات البريطانية
واليهودية، وغيرها من الدوائر الموالية لها، بدعايات واسعة مضللة وإشاعات مبطلة عن
الفلسطينيين تكيل لهم فيها جزافاً أفظع التهم كتجسسهم على الجيوش العربية وبيعهم
جنودها وضباطها لليهود، ونحو ذلك من الأكاذيب التي لا ظل لها من الحقيقة، ولا يعقل
أبداً أن يرتكبها الفلسطينيون الذين هم أعظم الناس مصيبة باليهود والاستعمار،
وأشدهم حتقاً عليهما. واستغل الخصوم بعض حوادث التجسس التي كان يقوم بها أفراد من
اليهود فشأوا في البلاد العربية وحذقوا لغتها وعاداتها، وقد بثتهم دوائر
الاستخبارات اليهودية في كل الجهات وهم يرتدون الثياب العربية حتى ظن أنهم من عرب
فلسطين . وأذكر مثلاً لذلك حادثتين معروفتين في منطقة غزة الأولى أن القوات المصرية
المسلحة قبضت على أثنين من اليهود يرتديان ثياب البدو بينما كانا يقومان بإلقاء
ميكروبات الكوليرا وغيرها من الجراثيم الوبائية في آبار تلك المنطقة بقصد إبادة
سكانها والقوات المصرية الموجودة فيها، والثانية قصة طريفة قصها على كل من الأمير
الاي السيد مصطفى الصواف نائب الحاكم الإداري العام لقطاع غزة سابقاً ، والسيد عبد
الرحمن الفرّا رئيس بلدية خان يونس، وخلاصتها أن دورية مصرية قبضت على رجل يرتدي
ثياب بدو فلسطين بينما كان خارجاً من مستعمرة "كفار داروم، ومتجهاً إلى "خان يونس"
وعند سؤاله زعم أنه ينتمي إلى عشيرة عربية مجاورة فلما سئل شيوخ العشيرة عنه
أنكروه. ولما ضيق المحققون عليه الخناق اعترف أنه جاسوس يهودي، وأنه يتجه إلى خان
يونس ليقابل فيها زميلاً له، فلما رافقوه ليدلهم على زميله كانت دهشتهم بالغة عندما
دلهم على شيخ معمم مقيم بجامع البلد ويلبس الملابس الفلسطينية وكان هذا الشيخ
يتظاهر بالورع ويصلي في الصف الأول، ويقيم في الجامع ، وفي نهاية التحقيق الرسمي
اعترف هذا الشيخ المعمم بأنه يهودي ديناً وجنسية، وأنه يقوم بالتجسس على حركات
الجيش المصري، وأنه تظاهر بأنه مسلم فيما مضى ، وانخرط في الجامع الأزهر في سلك
الطلاب أمداً غير قصير درس خلاله الدين الإسلامي واللغة العربية .. ولقد وقع كثير
من أمثال هذه الحادثة كان يقوم بها يهود يتزينون بزي العرب الفلسطينيين ولا يتسع
المجال لسردها الآن، مما ساعد على ترويج تلك التهم الشنيعة والإشاعات الكاذبة
المضللة عن أهل فلسطين وهم منها براء. على أن أهل فلسطين كغيرهم من الشعوب منهم
الصالحون ومنهم دون ذلك، ولا يبعد أن يكون بينهم أفراد قصروا أو فرطوا أو اقترفوا
الخيانة، ولكن وجود أفراد قلائل من أمثال هؤلاء بين شعب كريم مجاهد كالشعب
الفلسطيني لا يدمغ هذا الشعب، ولا ينقص من كرامته، ولا يمحو صفحة جهاده العظيم .
كارثة فلسطين
وليدة مؤامرة الاستعمار الأجنبي واليهودية العالمية
وليست ناشئة عن خصومات حزبية وخلافات عائلية
الحلول التي عرضتها بريطانيا كانت سلسلة من المخادعات السؤال الثاني:
يتحدث بعض الناس عن خصومات حزبية واختلافات محلية وقعت في فلسطين ، ويقولون :
إنه لو لا معارضتكم وإخوانكم للحلول التي عرضتها بريطانيا لحل قضية فلسطين لما وصلت
الحال إلى ما وصلت إليه .
الجواب :
إن أكثر الناس لم يعرفوا قضية فلسطين على حقيقتها ، ومن كافة نواحيها، لأنهم لم
يتعمقوا في بحثها، ولم يسيروا غورها، ولم يدرسوا ظروفها وملابساتها، شأنهم في ذلك
شأن الطبيب الذي يحاول معالجة المريض دون أن يفحصه فحصاً دقيقاً، ودون أن يعرف
تاريخ مرضه وتطوراته، فتكون معالجته مرتجلة لا تشفي سقماً ولا تضمن برءاً . ومنهم
من يقيس هذه القضية بغيرها من القضايا العربية والشرقية وهذا قياس مع الفارق، لأن
خطة الخصوم في قضية فلسطين ليست قاصرة على الاستعمار فحسب، بل إن هناك عوامل أخرى
خطيرة دينية وقومية واستراتيجية، هدفها استبدال أمة بأمة أخرى وتقويض كيان هذه
الأمة تقويضاً كاملاً، بالقضاء على قوميتها ودينها وتاريخها، والتعقبية على آثارها
لتحل محلها تلك الأمة الأخرى .
مؤامرة مبيتة بين الاستعمار واليهودية العالمية :
وبعبارة أصرح إنها مؤامرة مبيتة – منذ عهد بعيد – بين اليهود والاستعمار (كما
صرح بذلك حاييم وايزمن زعيم الصهيونية في مذكراته) ترمي إلى إجلاء العرب، أهل
البلاد الأصليين، عن وطنهم، وإحلال اليهود المشردين في سائر أنحاء الأرض محلهم،
والقضاء المبرم على عروبة هذه البلاد ودينها ومقدساتها ومعابدها واستئصال شأفة
أهلها، لجعلها مركزاً دينياً وسياسياً وعسكرياً ليهود العالم قاطبة، ولإعادة بناء
الهيكل اليهودي المعروف بهيكل سليمان مكان المسجد الأقصى المبارك، وليكون هذا
المركز اليهودي العالمي رأس جسر، أو محطة، للوثوب على العالم العربي، كما صرح بذلك
دافيد بن غوريون رئيس الوزراء السابق لدولتهم اليهودية . وقد وضعت الخطة الخطيرة
لهذه المؤامرة المبيتة بين إنجلترا واليهود، قبل الحرب العالمية الأولى، ثم انضمت
إليها بعض الدول الاستعمارية الكبرى، وصمم المتآمرون على تنفيذ مؤامرتهم دون أن
يقيموا وزناً لأي اعتبار من الاعتبارات الإنسانية، أو القيم الأخلاقية أو الحقوق
الدولية . وهذه الخطة الغاشمة لم يسجل لها التاريخ نظيراً من قبل، وهي سابقة خطيرة
في الاستعمار، يجري تنفيذها للمرة الأولى على هذه الصورة الفظيعة، فإذا نجحت في
فلسطين فإنهم سينفذونها في غيرها من الأقطار العربية المجاورة الداخلة في خريطة
المطامع اليهودية والاستعمارية .
يريدون فلسطين يهودية كما أن إنجلترا إنجليزية :
فمنذ نحو نصف قرن، زعم إسرائيل زانجويل أحد كبار زعماء اليهود : أن "فلسطين وطن
بلا سكان، فيجب أن يعطي لشعب بلا وطن" (أي اليهود) . وقال : إن واجب اليهود في
المستقبل أن يضيقوا الخناق على عرب فلسطين حتى يضطروهم إلى الخروج منها . وعلى أثر
فرض الانتداب البريطاني على فلسطين، أعلن زعماء الصهيونية من يهود العالم مثل
سوكولوف، ووايزمن، وجابوتنسكي وإيدر، وكيش، وروتنبرغ وغيرهم – أنهم يريدون أن تصبح
فلسطين بأجمعها لليهود و"أن تكون فلسطين يهودية كما أن إنجلترا إنجليزية" . وقد كان
البريطانيون على تفاهم تام مع اليهود على هذا، وقد أرسلوا في ظروف متعددة إلى
فلسطين رسلاً من أنصارهم عرضوا على عرب فلسطين الرحيل عن وطنهم مقابل مبالغ من
الأموال يدفعها إليهم اليهود! . وفي عام 1934 اتصل رسل من البريطانيين بي شخصياً
وبآخرين من الوطنيين الفلسطينيين وعرضوا أن ينقل عرب فلسطين إلى شرق الأردن على أن
يعطوا ضعف مساحة الأراضي التي كانوا يملكونها، وأن يقدم اليهود جميع الأموال
المطلوبة لتنفيذ ذلك الاقتراح، وكان طبيعياً أن يرفض العرب هذا العرض السخيف . وما
انفك زعماء اليهود يعملون متعاونين مع البريطانيين على إيجاد الظروف الملائمة
لإجلاء عرب فلسطين عن بلادهم وتسليمها لليهود، وفي مذكرات الدكتور حايم وايزمن
المطبوعة منذ ثلاث سنوات ما يفيد أنه اتفق مع الحكومة البريطانية على تسليم فلسطين
لليهود خالية من سكانها العرب !
قرار مؤتمر العمال البريطاني يجعل فلسطين دولة يهودية :
وفي شهر مارس 1943م خطب الزعيم اليهودي بن غوريون في تل أبيب قائلاً : "إن
الصهيونية قد انتهت من وضع خطتها النهائية وهي أن تصبح فلسطين دولة يهودية، وإن
اليهود لا يستغنون عن أي قسم من فلسطين، حتى قمم الجبال وأعماق البحار". وفي ديسمبر
1944 عقدت اللجنة التنفيذية العامة لحزب العمال البريطاني مؤتمراً كان من أعظم
المؤتمرات وأخطرها في تاريخ هذا الحزب، وبعد بحث قضية فلسطين اتخذ المؤتمر قراراً
بالإجماع "بتحويل فلسطين إلى دولة يهودية، وإخراج سكانها العرب منها إلى الأقطار
المجاورة، وقد اشترك ممثلو الحزب في الحكومة الائتلافية القائمة بالحكم حينذاك (مثل
إتلي وبيقن ودالتون وموريسوان وبيقان وجونز) في مؤتمر الحزب ووافقوا على قراره بشأن
فلسطين كما اشترك في المؤتمر هارولد لاسكي أحد كبار رجال العمال، وهو يهودي، وكان
له أثر كبير في توجيه المؤتمر . ولم تعترض الحكومة البريطانية على ذلك القرار، وهو
ما يؤكد اتفاق جميع الأحزاب البريطانية على ذلك المبدأ الأثيم . ورحبت الصحافتان
البريطانية والأمريكية بقرار المؤتمر واعتبرتاه خير حل لقضية فلسطين ! .
مطامع اليهود في البلاد العربية :
هذا ولم تعد المطامع اليهودية الخطيرة في البلاد العربية المجاورة لفلسطين
خافية، فإن زعماء اليهود المسؤولين جاهروا ويجاهرون بأن فلسطين لا تكفيهم، وأنها
ليست إلا "مركز وثوب" لتحقيق أهداف الصهيونية كلها، وهي الاستيلاء على بقية فلسطين
والأردن وسورية ولبنان والعراق، وسيناء والدلتا من الأراضي المصرية، ومناطق خيبر
وبني قريظة وبني النضير وغيرها من الأراضي الحجازية المجاورة للمدينة المنورة بما
فيها قسم كبير من المدينة المنورة نفسها! بحجة أنها كانت مواطنهم في القرون
الماضية، وقدموا طلباً باستعمارها إلى الملك عبد العزيز آل سعود مقابل عشرين مليون
جنيه ذهباً، بواسطة الرئيس روزفلت عندما قابله في فندق الفيوم القائم على بحيرة
قارون بمصر عام 1945 وبوسائط أخرى أيضاً، ولكن الملك عبد العزيز – رحمه الله – رفض
ذلك بكل شدة وإباء ولا يحاول اليهود إخفاء مطامعهم بل يتحدون الأمة العربية كلها
بوقاحة واستخفاف، فهم ينقشون على واجهة مجلس نوابهم العبارة الآتية: "من النيل إلى
الفرات" . ولا يتسع المجال الآن لتفصيل المطامع اليهودية الخطيرة في الأراضي
المصرية ولا سيما في سيناء التي يعتبرونها مقدسة كفلسطين، وفي الدلتا والبحر
الأحمر، وسائر البلاد العربية فإن ذلك يحتاج إلى رسالة خاصة. ذكرت لكم مطامع اليهود
في صدد الإجابة على سؤالكم للتدليل على أن قضية الصهيونية ليست قضية عادية، بل هي
قضية من الخطورة بمكان عظيم جداً، ولا ينحصر شرها بفلسطين بل يعم سائر البلاد
العربية، ولا يقتصر ضررها على ناحية الاحتلال والاستيلاء فحسب، بل يتجاوزها إلى
تهديد الكيان العربي في الشرق الأوسط بأجمعه، في استقلاله وسيادته، وفي مقدساته
ومعتقداته وفي سائر مقومات حياته . فهذه المعركة الناشبة بيننا وبين اليهودية
العالمية التي يعضدها الاستعمار بكل قواه، هي معركة فاصلة وخطيرة جداً، وعلينا أن
نوقن بأنها معركة حياة أو موت، معركة بين عقيدتين متناقضتين لا تستطيع إحداهما أن
تعيش إلا على أنقاض الأخرى، وأن خصومنا جادون مصممون على تقويض كياننا وتدمير
بنياننا، وطي صفحة تاريخنا، غير آبهين لحق أو عدل أو رحمة، فكيف نجابههم هازلين
مترددين خائرين ؟ على ضوء هذه الحقيقة الواضحة، الأليمة المريرة يجب علينا أن نعالج
قضية فلسطين . وسنرى بعد قليل هل كان صواباً أن تعالج هذه القضية الخطيرة بالحلول
الواهية الخادعة التي عرضها الإنجليز على عرب فلسطين فرفضوها بعد درس وتمحيص ولم
يكن رفضهم لها اعتباطاً أو تعنتاً! .
الحزبية والخلافات المحلية :
فأما من ناحية الخلافات الحزبية فالواقع أنه لم يكن في فلسطين اختلافات حزبية أو
طبقية أو طائفية، بالمعنى المعروف في مختلف الأقطار: فلم يكن لدى الشعب الفلسطيني
ما يختلف عليه رجاله وجماعاته، فلا حكومة ولا مجلس نواب ولا سلطة من السلطات
الرسمية ولا مراكز حامية ووظائف ممتازة ... فقد كان عرب فلسطين محرومين من كل ذلك .
أما الخلاف الذي وقع في بعض الأحيان فقد كان مصدره المستعمرون الذين دفعوا بعض
أتباعهم إلى مناوأة الحركة الوطنية وفقاً لمصلحة الاستعمار والصهيونية .
الميثاق القومي لفلسطين :
لقد قامت الحركة الوطنية على أساس ميثاق قومي وضعه عرب فلسطين اشتمل على
"استقلال فلسطين ضمن الوحدة العربية، ورفض الانتداب البريطاني والوطن القومي
اليهودي، . وقد سار الوطنيون على هذه المبادئ منذ قيام الحركة الوطنية حتى هذه
الساعة، ولم يكن الوطنيون المخلصون ليختلفوا على تلك الأسس والأهداف الوطنية .
والذي وقع في فلسطين لم يكن اختلافات حزبية أو محلية، بل كان في الحقيقة اختلافا
بين الوطنيين وبين خصوم الحركة الوطنية من المستعمرين والصهيونيين وأتباعهم. وقد
امتحنت الأقطار العربية التي كانت تقاوم الاستعمار والاحتلال بمثل ما امتحن به عرب
فلسطين على أيدي المستعمرين وإن إخواننا المصريين والسوريين والعراقيين واللبنانيين
يعرفون كيف أوجد الاستعمار فيما بينهم فئات وجماعات وأحزاباً لمقاومة الحركات
الوطنية. بل لعل الفلسطينيين ابتلوا بما لم يصب بمثله إخوانهم العرب من دسائس
الاستعمار لتلم الصفوف وصدع الوحدة . فقد بلغ من أمر المستعمرين أن بذلوا جهوداً
جبارة لإثارة روح الطائفية والخلاف الديني بين المسلمين والمسيحيين في فلسطين،
لدرجة أن بعض رجال الاستخبارات من المستعمرين أخرجوا من السجون بعض المجرمين وألفوا
منهم عصابات زودوها بالسلاح، وخصصوا لها المرتبات والنفقات، وأطلقوها للاعتداء على
القرى المسيحية، واغتيال المسيحيين، إثارة لروح الفتنة وللإيقاع بين أبناء الوطن
والواحد . ولكن المجاهدين كانوا للخونة بالمرصاد، فقبضوا عليه وعاقبوهم على جرائمهم
.
الدعاية ضد الوطنيين :
ولم يكتف المستعمرين واليهود وأتباعهم بما تقدم ذكره من الأعمال، بل قاموا أيضاً
ببث دعاية واسعة النطاق ضد رجال الحركة الوطنية، محاولين تشكيك الناس في إخلاصهم
وحملهم على الانفضاض من حولهم، وتحميلهم مسئولية ما كان عرب فلسطين يشكونه من ظلم
السلطات وبطشها وحرمانها لهم من كافة الحقوق السياسية والمدنية وغيرها . ولما اتسع
نطاق الحركة الوطنية الفلسطينية ، وكان لها صدى بعيد في سائر الأقطار العربية، ضاعف
الخصوم دعايتهم وعملوا على تعميمها في سائر الأقطار العربية، للدس على الفلسطينيين
وتشويه سمعة المخلصين العاملين من رجالهم، وركز المستعمرون والصهيونيون وأعوانهم
دعايتهم المضللة على الادعاء الباطل بأن الفلسطينيين وزعماءهم اتبعوا سياسة سلبية
ورفضوا جميع ما تقدم به الإنجليز من عروض وحلول لقضية فلسطين (ومنها التقسيم) خلال
عهد الانتداب، وأمعنوا في التضليل والمخادعة فقالوا : أنه لو قبل المفتي والزعماء
الفلسطينيون بتلك الحلول والعروض، لما وصلت الحال إلى ما وصلت إليه، ولما وقعت نكبة
فلسطين .. ومن المؤسف أن تلك الدعاية الباطلة وجدت صدى لها عند بعض العرب، بل بعض
الفلسطينيين أنفسهم، فجعلوا يرددون تلك الدعاية ويعتقدون صحتها، وكان عدم معرفة
هؤلاء – بتاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية وعدم اطلاعهم على تلك العروض والحلول
البريطانية، من العوامل التي جعلتهم يصدقون تلك الأضاليل بحسن نية .
المؤامرة الإنجليزية اليهودية قديمة :
وقبل أن أتحدث عن موضوع (العروض والحلول)، أود أن أنبه مرة أخرى إلى أن ما تم في
فلسطين منذ احتلال الإنجليز لها في عامي 1917/1918، حتى يومنا هذا كان نتيجة لخطة
إنجليزية صهيونية اتفق عليها المستعمرون والصهيونيون، خلال الحرب العالمية الأولى
(1914- 1918) وقبلها، وعمد الفريقان، ومن ورائهما فيما بعد الأمريكيون، إلى تنفيذها
خطة خطوة، وحلقة حلقة، فكل ما كان يدعيه الإنجليز من تقديم عروض وحلول، وما قاموا
به من إرسال لجان التحقيق التي أتخمت بها فلسطين، إنما هو خداع ونفاق، وتخدير
للأعصاب، وصرف للأنظار عن حقيقة المؤامرة الاستعمارية اليهودية المبيتة ضد فلسطين،
التي كانوا مصممين على تنفيذها عن طريق سياسة الوطن القومي اليهودي والانتداب
البريطاني الذي فرض على عرب فلسطين فرضاً، ذلك الانتداب الذي نصت المادة الثانية من
صكه على أن مهمة الحكومة المنتدبة (أي بريطانيا) في فلسطين هي وضع البلاد في حالات
سياسية وإدارية واقتصادية من شأنها أن تسهل إنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين،
ثم صار هذا الصك وثيقة دولية على بريطانيا واجبة التنفيذ، بعد ما أقرته عصبة الأمم
السابقة، والولايات المتحدة الأمريكية .
الانتداب وصك الانتداب من وضع اليهود :
قررت عصبة الأمم في 24 يوليو 1922 وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، وأقرت له
صكاً، يفرض على الحكومة البريطانية تنفيذ سياسة إنشاء الوطن القومي اليهودي، وقد
أشرنا إليه سابقاً . وفي شهر مايو 1930، اجتمع الوفد الفلسطيني في لندن (وكنت
مشتركاً فيه) بالمستر رامزي ما كدونالد رئيس الوزارة البريطانية حينئذ فناقشته في
موضوع الانتداب وصكه وتحيزه لليهود ولا سيما المادة الثانية منه ، فأجاب ما كدونالد
بأن عصبة الأمم هي التي وضعت صك الانتداب. وفي شهر يونيو 1930 سافرت إلى جنيف
وقابلت في مقر عصبة الأمم سكرتيرها العام (السير أريك دراموند) ، وهو بريطاني،
فبحثت معه الموضوع بحضور المرحوم الأمير شكيب أرسلان والسيد احسان الجابري، وذكرت
له ما تقوله الحكومة البريطانية من أن صك الانتداب الجائر وضعته عصبة الأمم ! فقال
: إن العصبة لم تضع مشروع صك الانتداب، بل أن الحكومة البريطانية هي التي وضعته
بالتفاهم مع اليهود ! وقد تبين أخيراً أن الحكومة البريطانية وضعت صك الانتداب
بالاتفاق مع الجمعية الصهيونية وزعماء اليهود . ويقول الدكتور وايزمان في مذكراته :
إن اليهودي الأمريكي بنجامين كوهين كان يتولى مع سكرتير اللورد كيرزون (وزير
الخارجية البريطانية حينئذ) وضع صك الانتداب والاتفاق على نصوصه !
الثورة الفلسطينية الأولى :
ولما تسلم الإنجليز حكم فلسطين فور احتلالهم لها، كانت باكورة أعمالهم فيها فتح
أبوابها للهجرة اليهودية، والسماح لليهود بتملك الأراضي، ومساعدتهم على ذلك،
وأدركوا أن العرب غير راضين بالانتداب وتصريح بلفور، وأنهم مصممون على مقاومتهما
مهما كلفهم الأمر . وكانت الثورة الأولى الفلسطينية التي وقعت في 4 أبريل 1920 أكبر
نذير للإنجليز بمقاومة عرب فلسطين. ولذلك جعل الإنجليز أكبر همهم حمل الفلسطينيين
على الاعتراف بالانتداب وتصريح بلفور، وإكراههم على العدول عن المطالبة بإنشاء
حكومة وطنية مستقلة . وقد لجأت الحكومة البريطانية – لأجل تخدير العرب، وانتزاع
موافقتهم على الانتداب ولتصريح بلفور – إلى عدة أساليب استعمارية خادعة نبينها فيما
يلي :
العروض والحلول أسطورة وخداع :
أولاً – أصدرت الحكومة البريطانية في 22 يونيو 1932 كتاباً أبيض اشتمل على
(دستور) لفلسطين، وعلى السياسة العامة التي تعتزم الحكومة البريطانية اتباعها، وقد
بنتها على أساس الانتداب وتصريح بلفور . ونص ذلك الكتاب على تشكيل مجلس تشريعي
لفلسطين من 22 عضواً، منهم 10 من الموظفين الإنجليز يعينهم المندوب السامي، و8 من
المسلمين و2 من المسيحيين و2 من اليهود ينتخبهم الأهلون على أن يكون المندوب السامي
رئيس للمجلس، وله حق النقض (الفيتو) وأن لا يكون للمجلس الحق في التعرض لمبدأ
الانتداب أو الوطن القومي اليهودي والهجرة اليهودية إلى فلسطين أو شؤون فلسطين
المالية ! واجتمع المؤتمر الفلسطيني الخامس في أغسطس 1922 في نابلس واشترك فيه
ممثلو الشعب الفلسطيني، وبعد بحث دقيق للأوضاع السياسية ودراسة عميقة للكتاب
الأبيض، قرر المؤتمر بالإجماع عدم التعاون مع الحكومة البريطانية، على أساس الكتاب
الأبيض المذكور والدستور الجديد، ورفض مشروع المجلس التشريعي .
وكان من الأسباب الرئيسية التي حملت المؤتمر على اتخاذ ذلك القرار ما يلي :
أ- أن عرب فلسطين كانوا يطالبون باستقلال بلادهم كسائر الأقطار العربية، لأن
الاستقلال حق لكل شعب، وقد اعترفت بذلك الحق مبادئ الرئيس ولسون والمادة 22 من
ميثاق عصبة الأمم، والعهود المعروفة التي قطعها الإنجليز والحلفاء سنة 1916 للبلاد
العربية، ومنها فلسطين، بالاستقلال الكامل وليس في المشروع المعروض شيء من
الاستقلال . ب- أن الدستور ومشروع المجلس بنيا على أساس الانتداب وتصريح بلفور،
فقبولهما يعني القبول بالانتداب وإنشاء الوطن اليهودي والاعتراف بهما . ج- ليس
للمجلس التشريعي سلطات واسعة، ولا يجوز له بحث مسألة الهجرة اليهودية والانتداب .
د- أن ذلك المجلس لا يمثل البلاد تمثيلاً صحيحاً، حيث يعطي العرب (وكانوا يؤلفون
91% من مجموع السكان) عشرة أعضاء من أثنين وعشرين، بينما يعطي الإنجليز وحدهم 10
عدا الأعضاء اليهود . هـ- أن المشروع أعطى المندوب السامي البريطاني حق (الفيتو)
على جميع مقرراته . وعلى الرغم من قرار العرب الاجماعي دعت حكومة الانتداب إلى
إجراء انتخابات للمجلس في فبراير سنة 1923 فقاطعها العرب مقاطعة تامة . ثانياً : ثم
قدمت الحكومة البريطانية (عرضاً) آخر، في مارس 1923 وهو تعيين مجلس استشاري من 10
أعضاء بريطانيين و8 من المسلمين و2 من المسيحيين و2 من اليهود . ورفض العرب هذا
المشروع الهزيل الجديد، ورفض الأعضاء المسلمون والمسيحيون الذين عينتهم الحكومة
البريطانية قبول ذلك التعيين . ثالثاً : وفي 13 أكتوبر 1923 عرض المندوب السامي
السير هربرت صمويل على العرب تأليف وكالة عربية فرفض العرب هذا العرض أيضاً لأن
قبوله ينطوي على اعترافهم بالانتداب وتصريح بلفور، ولأنها ليس لها من السلطة ما
يحقق مطالب العرب الاستقلالية . هذه هي (العروض) أو الحلول التي عرضها الإنجليز على
عرب فلسطين ورفضوها . أما وقد بينا حقيقة تلك العروض، فهل كان يجوز لأي عربي أن
يقبل بها ويرضى بالتعاون على أساسها؟ وفي دورتين لعصبة الأمم (1924 – 1925) نوقشت
الحكومة البريطانية بشأن عدم تأسيس مجلس تشريعي في فلسطين، فأجاب بمثلها بصراحة
وجلا – بأنه "لا يمكن إنشاء مجلس تشريعي في فلسطين يكون العرب فيه ممثلين حسب
عددهم، لأن ذلك يحول بين الحكومة المنتدبة وتنفيذ الواجبات المتعلقة بإنشاء الوطن
القومي اليهودي . ومما هو جدير بالذكر أن الذي وضع ذلك الكتاب الأبيض لعام 1922
والسياسة التي انطوى عليها ومشاريع المجلس التشريعي والمجلس الاستشاري والوكالة
العربية كان ونستون تشرشل وزير المستعمرات البريطانية حينئذ . وتشرشل هذا يعرفه
العالم العربي حق المعرفة، وقد أعلن مراراً أنه يعتبر نفسه صهيونية أصيلاً ، وأنه
يصلي بحرارة لأجل تحقيق أماني الصهيونية العظيمة . وقد ساعده في خططه المندوب
السامي البريطاني على فلسطين، السير هربرت صمويل ، وهو يهودي . وفي الوقت نفسه كان
يشغل وظيفة السكرتير القضائي في حكومة الانتداب (وفي بدء سلطة التشريع وسن
القوانين) يهودي آخر هو المستر نورمان بنتويش . وهكذا كان ذلك الكتاب الأبيض،
ومشاريع المجلس التشريعي والمجلس الاستشاري، من أخبث ما أنتجه الاستعمار والصهيونية
، فقد أصدره مثلث صهيوني رأسه تشرشل وقاعدته هربرت صمويل ونورمان بنتويش . وقد ذكر
الدكتور وايزمان في مذكراته ما نصه : "إن هربرت صوئيل، المندوب السامي (اليهودي)
البريطاني على فلسطين، هو الذي وضع مشروع الكتاب الأبيض لعام 1922، وأن الحكومة
البريطانية عرضته على اللجنة الصهيونية قبل إصداره للاطلاع عليه وإبداء وجهات النظر
التي يراها اليهود، وقد وافق عليه زعماء اليهود .
تقسيم الوطن لا تقبله أمة حية شريفة الإيجابية السمحة التي
سار عليها بعض الدول العربية
لم ترد الإنجليز إلا عناداً، واليهود إلا صلفاً وعتوا السؤال الثالث:
يقول بعض الناس : إن رفض التقسيم ، والكتاب الأبيض، والتزام السلبية، من
الأسباب التي أوصلت فلسطين إلى حالتها الحاضرة، فما تقولون في ذلك ؟
الجواب :
إن لنا أن نتساءل، ونحن في صدد بحث مشروعات الحلول المعروضة لقضية فلسطين : أن
لو قبل بها العرب، على قلة جدواها ومخالفتها للميثاق القومي والمبادئ الوطنية
السامية، فهل هناك ما يضمن أن الإنجليز سينفذونها ويعملون بها، بعد أن يكونوا قد
انتزعوا من العرب اعترافاً بالانتداب والوطن القومي اليهودي؟ إن لدينا أدلة كثيرة
أيدتها تجارب مريرة على أن السياسة البريطانية تفتقر دائماً إلى حسن النية، وعلى أن
بريطانيا مصممة كل التصميم على تنفيذ مؤامرتها المبيتة مع اليهود في فلسطين .
لجان التحقيق البريطانية :
فقد شكلت الحكومة البريطانية في كثير من المناسبات، نيفاً وعشرين لجنة من "لجان
التحقيق البريطانية" لدرس مشكلة فلسطين وتقديم التواصي لمعالجتها على أساس بحث
شكاوي الأهلين وتجنب قيام اضطرابات جديدة وكان من أهم تلك اللجان لجنة السر ولترشو
البرلمانية، ولجنة السر جون هوب سمبسون، ولجنة لويس فرنش. وقد اعترفت جميع تلك
اللجان بصحة شكاوي العرب وحرمانهم من حقوقهم، وأوصت الحكومة البريطانية باتخاذ بعض
الوسائل لمعالجة شكاياتهم، ولكن هذه الحكومة لم تنفذ أية توصية من التواصي التي
جاءت في صالح العرب. وهكذا استبان العرب أن القصد من تشكيل تلك اللجان إنما كان
المراوغة والتخدير .
الكتاب الأبيض لعام 1930م :
وعلى أثر اندلاع ثورة 1929 ووضوح ظلامة عرب فلسطين للعالم أجمع، وصدور تقرير
(لجنة شو) ، أصدرت الحكومة البريطانية في أكتوبر 1930 كتاباً أبيض عرف باسم "كتاب
اسفيلد، وهو وزير المستعمرات حينئذ، وكان هذا الكتاب قائماً على أساس تقرير لجنة
"شو" الذي نص على وقف الهجرة اليهودية وتقييد بيع الأراضي لليهود. فلما صدر أقبل
عليه العرب ولم يرفضوه وضج اليهود باستنكاره، فقررت الحكومة البريطانية إرسال لجنة
خاصة لدرس شؤون الأراضي برئاسة السر جون هوب سمبسون، وكنت مع الوفد الفلسطيني الذي
كان في لندن حينئذ، فقلت لمستر ما كدونالد رئيس الوزارة : "لقد دلت التجارب على أن
كل تقرير يكون في صالحنا ولا يريده اليهود لا ينفذ، وأن كان التقرير في صالح اليهود
نفذ فوراً، وإنا لنخشى أن يكون مصير هذا التقرير كذلك، والدليل على هذا إزماعكم
إرسال لجنة سمبسون ولما يجف مداد تقرير لجنة شو، ونخشى أن يؤثر اليهود على أعضائها
. فقال ما كدونالد : "إن هذه اللجنة هي لجنة فنية لبحث شؤون الأراضي ومقدار
استيعابها. واد مازحاً: لا يستطيع اليهود أن يؤثروا على السر سمبسون مطلقاً، فهو
اسكتلندي أصيل مثلي .." . وبعد عودة هذه اللجنة الفنية صدر كتاب باسفيلد الأبيض
المذكور آنفاً، فلم يقف العرب حياله سلبيين رغم أنه لم يحقق آمالهم وكانوا إيجابيين
، ولكن اليهود هم الذين كانوا سلبيين، فاستنكروه ورفضوه وأثاروا حوله الضجة، فنقض
الإنجليز غزلهم، وسحبوا الكتاب الأبيض المذكور، وبنتيجة ذلك استقال اللورد باسفيلد
الذي تبنى ذلك المشروع .
1935المجلس التشريعي لعام:
وفي عام 1935 فوضت الحكومة البريطانية المندوب السامي السر أرثروا كهوب فعرض في
21 ديسمبر مشروعاً جديداً لتشكيل مجلس تشريعي مؤلف من 28 عضواً نصفهم من العرب
والنصف الآخر من اليهود والإنجليز، وأعلن المندوب السامي أن الحكومة مصممة على
تشكيل المجلس رغم كل معارضة، ولو اضطرت إلى تعيين الأعضاء عن الفريق الذي يرفض
الاشتراك فيه . ورغم هزال المشروع أبدى العرب استعدادهم لبحثه، ولكن اليهود رفضوه
معلنين أنهم لا يقبلون الاشتراك في أي مجلس تشريعي لا يكون لهم فيه نصف الأعضاء على
الأقل . ولما جرى بحث المشروع في البرلمان البريطاني قرر مجلس اللوردات ومجلس
العموم رفضه، فطوته الحكومة البريطانية ، ولو رغبت فيه لما عجزت عن الحصول على
موافقة البرلمان عليه .
لجنة بيل توصي بتقسيم فلسطين :
ولما وقع إضراب فلسطين العظيم عام 1936 الذي صحبته ثورة فلسطين الكبرى ودام ستة
أشهر كاملة ولم ينته إلا بتدخل ملوك العرب وأمرائهم ، أوفدت الحكومة البريطانية
لجنة التحقيق الملكية (لجنة اللورد بيل) إلى فلسطين ، وأوصت في تقريرها بتقسيم
فلسطين بين العرب واليهود والإنجليز، وكان طبيعياً أن يرفض العرب تقسيم بلادهم .
مؤتمر مائدة مستديرة في لندن :
فاستأنفت الثورة واشتدت ، واتسع نطاقها اتساعاً خطيراً جداً اضطر السلطات
البريطانية للعدول عن التقسيم في عام 1938، ورأت بريطانيا لمعالجة الموقف أن تدعو
كلا من حكومات مصر والمملكة العربية السعودية واليمن والعراق وشرق الأردن واللجنة
العربية العليا بصفتها الممثلة لعرب فلسطين، إلى مؤتمر مائدة مستديرة في لندن، ولكن
المؤتمر فشل في الوصول إلى حل لقضية فلسطين ، لتعنت الاستعمار واليهود ، وتدخل
الولايات المتحدة الأمريكية .
الكتاب الأبيض لسنة 1939 :
وفيما بعد أصدرت الحكومة البريطانية كتاباً أبيض عن سياستها الجديدة في فلسطين
اعترفت فيه بمبدأ تأسيس دولة فلسطينية مستقلة خلال عشر سنين، وتشكيل مجلس تشريعي ،
ولكنها علقت ذلك على ملاءمة الظروف وقبول كل من العرب واليهود به ، وقد حددت الهجرة
اليهودية فيه ، ومنع بيع الأراضي لليهود في بعض مناطق فلسطين . ففي بادئ الأمر
قابلت الدول العربية هذا الكتاب الأبيض بتحفظ وتجهم لما فيه من تناقض، إلا أنها
قبلته في النتيجة كما قبلته الأكثرية الكبرى من أعضاء اللجنة العربية العليا
لفلسطين ، وأخيراً قبلته أيضاً جامعة الدول العربية وطالبت – في اجتماعها عام 1945
– الحكومة البريطانية بتنفيذه ، وبذلك لم يكن العرب سلبيين . ولكن اليهود رفضوه
وأصروا على رفضه، فلم تنفذه بريطانيا ، رغم أنها تعهدت حين أصدرته عام 1939 بشرفها
وشرف الإمبراطورية بأن تنفذه سواء أرضى به العرب واليهود أم لم يرضوا .
السلبية والإيجابية :
هذا وليست السلبية أو الإيجابية مبدأ أو عقيدة . والمرء لا يجنح لإحداهما إلا
لأسباب يتعلق بها صالحه أو يكون فيها ضرره ، فإذا رأى المرء صالحه في أمر أقبل عليه
بلا تردد وكان إيجابياً وإذا أوجس من أمر خيفة أو حمل على ضيم ، ابتعد عنه ونفر
وكان سلبياً ، وكل ذلك بسائق الفطرة . وقديماً قال أحد حكماء العرب : يعجبني من
المرء إذا سيم خطة الضيم أن يقول "لا" بملء فيه . وما يصح في الأفراد في هذا الشأن
يصح في الأمم . ولم يكن أهل فلسطين سلبيين بادئ الأمر ، فقد طالبوا الإنجليز –
بالحسنى – بحقوقهم ، وشكوا إليهم الظلم الذي أوقعوه فيهم ، ثم بعثوا بوفودهم
العديدة إلا لندن ، وأنشأوا فيها مكاتب للدعاية ، والتمسوا من الدول العربية
والإسلامية المتصلة بإنجلترا أن تتوسط لديها لتعاملهم بالحق والعدل ، فلم يجدهم ذلك
نفعاً ، ولم يزد الإنجليز إلا صلفاً وغروراً، واندفاعاً في سياسة البغي والعدوان ،
لتهويد بلادهم ونقض بنيانهم وتقويض كيانهم . فلما أيقن العرب بسوء نية الإنجليز
وتآمرهم واليهود عليهم ، وذلك بعد تجارب كثيرة لم تدع مجالاً للثقة والطمأنينة ،
كان من الطبيعي أن يحذروا دسائسهم ويعملوا على اتقاء مكايدهم . فلما عرض عليهم
مشروع المجلس التشريعي الذي طبخه المثلث الصهيوني المؤلف من تشرشل وصموئيل
وبنتويتش، تلقوه بحذر ، وفحصوه ، فلما وجدوه طعاماً قد دس فيه السم بالدسم عافوه
وكذلك المجلس الاستشاري الذي لا يضمن لهم إلا الاستشارة (كما هو ظاهر من اسمه) التي
قد يطلبها منهم المندوب السامي البريطاني متى رغب فيها، وهو غير ملزم أن يعمل بها .
وكذلك مشروع "الوكالة العربية " . فهل إذا رفض عرب فلسطين مثل هذه العروض الواهية
التافهة يسمون "سلبيين" ؟
تقسيم الوطن لا تقبله أمة حية :
أما التقسيم – وهو التمزيق لجسم الوطن – فأية أمة من أمم الأرض قبلته حتى يقبله
شعب فلسطين ؟ فهذه مصر العزيزة المجاهدة لم تقبل ولن تقبل بقاء جنود الاحتلال
الإنجليز في القناة، ولا بفصل السودان كما يشتهي الإنجليز ، ولا تزال قصيدة شاعر
مصر الأكبر شوقي رحمه الله عن السودان تدوي في الآذان : فلن نرتضي أن تقد القناة
ويبتر من مصر سودانها . وهؤلاء إخواننا السودانيين لم يقبلوا بتقسيم السودان إلى
شمالي وجنوبي، وهذه سورية لم تقبل بفصل لواء الأسكندرونة الذي ضمته تركيا إليها
بالقوة في زمن الانتداب الفرنسي على سورية، وما زالت سورية تطالب باسترجاعه. وهذه
اليمن لم تعترف مطلقاً بفصل الإمارات المحمية عنها وتستنكر في كل مناسبة فرض
بريطانيا سلطانها عليها، رغم قذائف طائراتها التي تنهال حيناً بعد حين على أهل
اليمن إرهاباً لهم وتهديداً . وهذه أيرلندة الحرة لم تعترف أبداً بتقسيم بلادها ،
وما زال الايرلنديون يقضون مضاجع الإنجليز في كل مناسبة لاستعادة هذا القسم الشمالي
المغصوب من جزيرتهم . وهذه أسبانيا تطالب في كل حين باسترداد جبل طارق الذي فصلته
إنجلترا عنها عام 1704 رغم مضي 250 عاماً على ذلك . وهذه إندونيسيا المجاهدة لم
تقبل باغتصاب الهولنديين لقسم من جزيرة غينيا الجديدة، وما زالت تتوسل بكل ما لديها
من وسائل لإرجاعه إلى حظيرة الوطن الإندونيسي . وهذه مشكلة كوريا وتقسيمها إلى
شمالية وجنوبية أثارت هذه الحرب الطاحنة . ولو أردت أن أعدد لكم كثيراً من هذه
الأمثال التي تناضل فيها الأمم عن كيانها ووحدة أوطانها لضاق المجال . وإني لأذكر
برقية أرسلتها باسم اللجنة العربية العليا لفلسطين إلى رؤساء وفود الدول المجتمعة
في عصبة الأمم بجنيف في سبتمبر 1937 – وكان مستر ديفاليرا رئيس وزراء ايرلندا بينهم
– باستنكار قرار الحكومة البريطانية بتقسيم فلسطين وفقاً لتقرير لجنة اللورد بيل،
فتلقيت منه جواباً برقياً يقول فيه : إن التقسيم أفظع الوسائل وأشنع الأسلحة التي
يمزق بها الاستعمار قلوب الشعوب المظلومة .
الدول العربية نرفض التقسيم :
ولقد رفض أهل فلسطين التقسيم الذي قررته الأمم المتحدة في 29 نوفمبر 1947، كما
رفضته الدول العربية جميعها، وأصدرت بياناً إجماعياً باستنكاره في 17 ديسمبر 1947م
جاء فيه : "لقد تنكرت الأمم المتحدة مع الأسف الشديد لذات المبادئ التي تضمنها
ميثاقها ، فأوصت بتقسيم فلسطين ، وهي بذلك قد أهدرت حق كل شعب في تقرير مصيره،
وأخلت بمبادئ الحق والعدل جميعاً .. وقد قررت رؤساء وممثلو الدول العربية في
اجتماعهم بالقاهرة أن التقسيم باطل من أساسه ، وقرروا كذلك – عملاً بإرادة شعوبهم –
أن يتخذوا من التدابير الحاسمة ما يكفل – بعون الله – إحباط مشروع التقسيم الظالم
..." . فلماذا يلام عرب فلسطين لرفضهم التقسيم ، وهذه الدول العربية كلها رفضته
بالنسبة لفلسطين ، ورفضته بالنسبة لبلاده أيضاً ، وكذلك سائر الدول والشعوب التي
كانت عرضة لكارثة التقسيم؟ أردت بسرد هذه الوقائع أن أبرهن لكم على أن عرب فلسطين
لم يكونوا سلبيين، ولم يتخذوا السلبية ديدناً لهم في كل المواقف . ولكن بريطانيا
كانت دائماً ضالعة مع اليهود، ومتآمرة معهم تعمل لصالحهم وصالحها المشترك، دون أن
تبالي بسلبية أو إيجابية ، ولكنها تستغل كل ظرف لبث الدعاية وفق أهوائها ومقاصدها
الاستعمارية عاملة على قلب الحقائق وتضليل الأفهام بقوة جبروتها وبراعة دوائر
إستخباراتها ، وبما تسخر لدعايتها من أتباع وأعوان وأبواق تغدق عليهم المال بغير
حساب . لقد كان المستعمرون يطلبون من الفلسطينيين الرضوخ لخطتهم الاستعمارية
الصهيونية والتعاون معهم على أساسها ، ويسمون ذلك "إيجابية" ، فلما رفض الوطنيون
الإذعان لرغباتهم ورغبات الصهيونيين وأبوا التعاون معهم على ذلك الأساس ، وصفوا
أعمالهم "بالسلبية" . لقد رأينا بعض العناصر العربية الرسمية يجنح للإيجابية مع
الجانب البريطاني، وبعضها يتجاوز ذلك إلى حد التساهل مع الجانب الصهيوني على حساب
الوطن العربي ، على أمل أن يرضى ذلك البريطانيين فيستجيبوا لبعض مطالب العرب، أو
على أمل أن يرضى ذلك الصهيونيين فيخففوا من غلوائهم ويقنعوا بغنيمتهم الباردة وبما
اقتطعوه من فلسطين، بموجب معاهدة رودس، بل بما انتزعوه بعد هذه المعاهدة من السلطات
الأردنية التي منحتهم وسلت إليهم من أراضي فلسطين نحو خمس وعشرين قرية عربية برمتها
تبلغ مساحتها أكثر من نصف مليون دونم (525.000) من أراضي المثلث العربي (نابلس،
جنين، طولكرم) وكلها مغروسة بأشجار الزيتون والبرتقال، وبمليون دونم فوق ذلك في
المنطقة الجنوبية من فلسطين فيما بين الخليل والبحر الميت ، عدا التنازل الذي تم
لهم عن خط سكة الحديد بين حيفا والقدس، وعن طريق السيارات المجاور له أيضاً . ولكن
هذه الإيجابية السمحة ، والكرم الحاتمي، والتساهل الذي بلغ أقصى حد ، لم يفد شيئاً
في إشباع نهم اليهود وجشعهم لابتلاع الوطن العربي، ولم يعقهم بعد أيام قلائل من
تاريخ التسليم لهم بتلك المساحات الشاسعة، عن الوثوب على شرق الأردن نفسها وعبور
النهر إلى ضفته الشرقية ، والاستيلاء على المنطقة المحيطة بمشروع كهرباء روتنبرع
بقوات عسكرية مسلحة ما تزال مرابطة فيها، كما أن هذه الإيجابية لم تردع اليهود عن
نقض الهدنة ومهاجمة البلاد كلها يوم وانتقاصها من أطرافها، والاعتداء عليها اعتداء
منكراً وترويع أهلها، وما حادث مذبحة "قبية" وتدميرها عنا ببعيد . وهناك عبرة أخرى
، وهي أن بعض الفلسطينيين الذي خدعهم دعاية الأعداء وأغرتهم بالإيجابية ونفرتهم من
السلبية ، وكذلك بعض المسؤولين في الدول العربية ، قد طالبوا منذ بضع سنين بتنفيذ
مقررات الأمم المتحدة بشأن فلسطين بما فيها من خير وشر، ومنها التقسيم، وما زالوا
يلحون في الطلب . فهل استجابت لهم الأمم المتحدة في تنفيذ مقرراتها نفسها !؟ أن
منظمة الأمم المتحدة تسيطر عليها الدول الاستعمارية الكبرى الضالعة مع اليهود الذين
كانوا ولا يزالون سلبيين في كل ما لا يوافق أهواءهم ، وإن في ذلك لعبرة لأولي
الأبصار . والحقيقة التي ينبغي لنا أن نوقن بها ، هي أنه لا قيمة للسلبية ولا
للإيجابية، ولا وزن إلا للقوة، فلنكن أقوياء : في أنفسنا ، وتنظيمنا ، ووسائلنا ،
وأقوياء في جميع مقومات حياتنا . وإذا كانت الأمة العربية خسرت هذه المعركة مع
الاستعمار واليهود، فلم يكن سبب الفشل السلبية ولا الخطأ في الخطة والتقدير ولكن
السبب الرئيسي هو الفرق الواسع والبون الشاسع بينها وبين خصومها في الجد والتصميم ،
والاستعداد والتنظيم .
سعي الإنجليز واليهود لتحويل فلسطين العربية إلى دولة يهودية
كيف شكلت بريطانيا الفيلق اليهودي؟
الهيئة العربية العليا عارضت في خروج العرب من فلسطين السؤال الرابع :
أ- يتحدث الناس عن مشكلة اللاجئين ، ولماذا خرجوا من بلادهم . فما هي الأسباب
الأساسية لخروج الفلسطينيين من وطنهم، وهل للإنجليز واليهود ، وخاصة الأعمال
الإرهابية اليهودية علاقة بذلك ؟ ب- ويقول بعض الناس بأن سماحتكم والهيئة العربية
العليا طلبتم من أهل فلسطين الخروج من البلاد على أثر صدور قرار التقسيم في 29
نوفمبر 1947 وقيام الاضطرابات في فلسطين . فماذا تقولون في ذلك ؟
الجواب :
المؤامرة الاستعمارية اليهودية على العرب :
ترجع الأسباب الحقيقية لخروج أهل فلسطين من بلادهم إلى المؤامرة الاستعمارية
اليهودية المبيتة ضدهم ، وقد سبقت الإشارة إلى بعض البراهين القاطعة على هذه
المؤامرة . وقبل أن أسرد هذه الأسباب ، أرى أن أعرض بالذكر لبعض مقدمات هذه المسألة
: لقد كان هدف الإنجليز واليهود منذ البداية العمل على تحويل فلسطين العربية إلى
دولة يهودية ، ولم يكن تصريح بلفور وعبارة "الوطن القومي اليهودي" إلا تمهيداً لهذه
الغاية، وتمويهاً على الرأي العام العربي والإسلامي، حتى يتم للسلبية البريطانية
تحقيق الوسائل المقررة وفق الخطة المرسومة . وكان في مقدمة هذه الوسائل فتح أبواب
فلسطين على مصاريعها لهجرة يهودية واسعة النطاق ، إلى أن يكاثر اليهود العرب، ومن
ثم يأخذون بالضغط عليهم لإخراجهم من البلاد . كما ظهر من أقوال القاضي "برانديز"
الزعيم اليهودي الأمريكي الذي كان مستشاراً للرئيس ولسون في الشؤون اليهودية . فقد
أعلن هذا في عام 1916م "أن القصد من طلب اليهود تسهيل الهجرة إلى فلسطين أن يصبح
اليهود أكثرية السكان فيها، وأن يرحل العرب عنها إلى الصحراء" . وكذلك كتب الكاتب
اليهودي "بن آفي" تعليقاً على الشهادات التي قدمت أمام لجنة التحقيق المؤلفة في عام
1931م برئاسة السر توماس هيكرافت : "إن على اليهود أ يطهروا وطنهم (فلسطين) من
الغاصبين، وأن أمام المسلمين الصحراء والحجاز، وأمام المسيحيين لبنان ، فليرحلوا
إلى تلك الأقطار . وفي أكتوبر 1930م نشرت صحيفة المانشستر غارديان البريطانية
المعروفة بصبغتها الصهيونية، بياناً وقعه عدد من أقطاب الإنجليز ورجال الكومنولث
البريطاني ومن بينهم لويد جورج ، وستانلي بولدوين، وأوستن تشامبرلن ،
وليوبولدايمري، وونستون تشرشل وهيو دالتون، وهارولد لاسكي، والمرشال سمطس، وآرثر
غرينوود، واللورد سنل وغيرهم وقالوا فيه أنه كان واضحاً ومفهوماً لدى الحكومة
البريطانية عند إصدارها لتصريح بلفور عام 1917م أن يصبح اليهود أكثرية ساحقة في
فلسطين .... " . ولما وقعت الحرب العالمية الثانية سنحت الفرصة لليهود لتقوية
أنفسهم وتعزيز أسلحتهم ولمضاعفة قواتهم العسكرية وإنشاء جيش يهودي بمساعدة السلطات
البريطانية التي عينت واستخدمت خلال تلك الحرب عدداً كبيراً من اليهود في ورش الجيش
البريطاني وثكناته ومستودعاته وفي الوظائف الرئيسية والفنية ، وجندت ألوفاً من شبان
اليهود في سلك الجيش فدربتهم وسلحتهم وأشركتهم في العمليات الحربية، واعتمدت بعض
المصانع اليهودية لإنتاج الذخائر والمتفجرات وما إلى ذلك من اللوازم العسكرية .
وبلغ عدد الذين دربهم الإنجليز وجندوهم في الجيش البريطاني حسب ما ورد في التقويم
السنوي اليهودي (هاشانا) (لعام 43-1944) 33 ألفاً وهذا الرقم لا يشمل عدد المجندين
منهم في البوليس والدفاع السلبي والهاجانا وغيرها . واستطاع اليهود بمساعدة
الإنجليز نقل كميات هائلة من السلاح إلى فلسطين وزعوها على مستعمراتهم ومنظماتهم
العسكرية .
تشرشل يؤلف الفيلق اليهودي :
وفي عام 1943 طالب اليهود الحكومة البريطانية بتأليف "فيلق يهودي" وإلحاقه كوحدة
مستقلة بالجيش البريطاني، وساعدهم تشرشل مساعدة فعالة على تحقيق هذا الطلب، ولما
اعترض المرشال ويفل – قائد القوات البريطانية في مصر والشرق الأوسط – على هذا الطلب
خوفاً من إثارة العرب ، تحداه تشرشل وسمح بتأليف الفيلق وجعلته القيادة البريطانية
قسماً من الجيش البريطاني في حملته على إيطاليا عام 1944م ، وبعد انتهاء الحرب عاد
أفراد ذلك الفيلق إلى فلسطين ومع أكثرهم أسلحتهم الخفيفة . وفي ذلك يقول تشرشل في
مذكراته التي نشرها عن الحرب العالمية الثانية ما نصه : ولقد نصحني ويفل بعدم تشكيل
ذلك الفيلق اليهودي خوفاً من إثارة شعور العرب . ولكني تحديت ويفل، وكتبت إلى
الدكتور وايزمن بالسماح بتشكيل الفيلق ، ولم يتحرك كلب عربي واحد بالاحتجاج على ذلك
. وقد تم لليهود تنظيم قواتهم وتسليحها قبل أن تضع الحرب أوزارها، فأرادوا اغتنام
الفرصة وأن لا تنتهي الحرب إلا وقد تحولت فلسطين إلى بلاد يهودية ، مدفوعين إلى ذلك
بالاعتبارات الآتية : 1-خشيتهم من قيام حركة عربية واسعة النطاق بعد الحرب تضطر
بريطانيا وأمريكا إلى عدم تشكيل الدولة اليهودية في فلسطين . 2-رغبتهم في قيام
الدولة اليهودية قبل أن يزول أثر عطف العالم الغربي عليهم، وهو ما استطاعوا الحصول
عليه بدعايتهم الواسعة ضد ألمانيا النازية واضطهادها لليهود. 3-خشيتهم من أن يقوم
من البريطانيين من يعارض في تحويل فلسطين إلى دولة يهودية، لاعتبارات تتعلق بمصلحة
الإمبراطورية . ثم شرع اليهود بحملة إرهابية منظمة لاستعجال السلطات البريطانية
بالتسليم لهم بفلسطين، وشكلوا عصابات إرهابية أشهرها (1) عصابة أرغون زفاي ليومي
(2) عصابة شترن، فقامت بأعمال إرهابية عديدة واستمر الإرهاب اليهودي إلى ما بعد
انتهاء الحرب، وتجاوز الإنجليز إلى العرب لإرهابهم وترويعهم وحملهم على ترك
ممتلكاتهم والنزوح عن فلسطين، ومع أن الإنجليز لم يشكلوا الدولة اليهودية في فلسطين
خلال الحرب، لاعتبارات سياسية وعسكرية، إلا أنهم سارعوا إلى تشكيلها بعد انتهائها
متوسلين إلى ذلك بوسائل سياسية وغيرها ، إلى أن قدموا قضية فلسطين إلى الأمم
المتحدة التي قررت في 29 نوفمبر 1947 تقسيم فلسطين باتفاق بين بريطانيا والولايات
المتحدة الأمريكية . وتبع صدور قرار التقسيم قيام اضطرابات وتطورات خطيرة في فلسطين
، وحدثت المحاولات المعروفة لإبعاد عرب فلسطين عن تولي زمام قضيتهم من الوجهتين
السياسية والعسكرية، وحرمان مجاهديهم من المال والسلاح، وقد وجد اليهود والإنجليز
والأمريكيون أن ظروف عام 1948 مواتية لتنفيذ خطتهم المبيتة لإخراج عرب فلسطين منها،
وتحويلها إلى دولة يهودية ، ولم تعد ثمة ضرورة لانتظار الوقت الذي يصبح فيه اليهود
أكثرية في فلسطين ، وتوسلوا إلى ذلك بوسائل متعددة بنيت على ثلاث قواعد رئيسية هي :
(1) الضغط السياسي (2) الدعاية والإرجاف، (3) الإرهاب .
الضغط السياسي :
عرضت سابقاً، بوجه عام ، الضغط الشديد الذي قام به المستعمرون على بعض المسئولين
العرب لانتزاع زمام قضية فلسطين من أيدي أهلها، مما أدى إلى تبديل الخطة الأساسية
الموضوعة من قبل مجلس جامعة الدول العربية في عاليه (أكتوبر 1947) للدفاع عن
فلسطين، وما تلا ذلك من عدم تقديم المساعدات الضرورية لعرب فلسطين، مما أدى إلى
إضعافهم، وعرقلة جهودهم ، ومنع مجاهديهم من الاستمرار في جهادهم العظيم الذي كاد
يقضي على قرار التقسيم في مارس 1948 .
الدعاية والإرجاف :
ضاعف المستعمرون واليهود دعايتهم المضللة ضد الفلسطينيين ورجال الحركة الوطنية
في داخل فلسطين وخارجها، ولا سيما في الأقطار العربية، فقد أنشأ قلم المخابرات
البريطانية – بالتعاون مع اليهود – عدة مراكز دعاية ضد الفلسطينيين لتشويه سمعتهم
وتشكيك الشعوب العربية في إخلاصهم وجهادهم فتكف عن مد يد المساعدة إليهم ، ولإقناع
العرب بأن إنقاذ فلسطين لن يتم إلا عن طريق إدخال الجيوش النظامية إليها . ومما هو
جدير بالذكر أن الإنجليز أنشأوا ، من جملة ما أنشأوه من مراكز الاستخبارات والدعاية
في الأقطار العربية، مركزاً للدعاية في القاهرة في شارع قصر النيل، ووضعوا على رأسه
رجلاً بريطانياً انتحل الإسلام واتخذ له أسماً إسلامياً، وملأوه بالموظفين والعملاء
والجواسيس الذين بثوهم في مختلف المدن والأوساط المصرية . وكان من مهام هذا المركز
بث الدعاية المعروفة بدعاية الهمس Whispring بالإضافة إلى نواحي الدعاية الأخرى .
أما في داخل فلسطين فقد بذلوا جهوداً واسعة لتثبيت الهمم وإضعاف النفوس وإدخال روح
الوهن والهزيمة بين المجاهدين، والكيد للرجال العاملين، ومحاولة إقناع الفلسطينيين
بقلة جدوى المقاومة وضرورة الإقلاع عن سياسة التطرف، والدعوة إلى التعاون مع
الإنجليز، وقد ركزوا الدعاية وتشويه السمعة على صفوة الوطنيين والمجاهدين الذين
عرفوا بصلابتهم وشدة إخلاصهم ولا سيما على الهيئة العربية العليا ورئيسها حيث
اختلقوا أنواع الأكاذيب والمفتريات والأراجيف . لما شرع أهل المدن الكبرى – كالقدس
ويافا وحيفا وعكا – بالعمل على تحصين مدنهم وتسليح أنفسهم، تدخل الإنجليز للحيلولة
دون ذلك بإقناع الأهلين بأن بريطانيا لن تسمح لليهود باحتلال المدن الكبرى، ولا
سيما المدن والقرى العربية التي خصصت للعرب بموجب قرار التقسيم . وإني لأذكر بهذه
المناسبة أني ألححت بمطالبة المختصين بجامعة الدول العربية في ديسمبر 1947 بضرورة
تحصين المدن الرئيسية، وتسليح المجاهدين للدفاع عنها تسليحاً وافياً . فأجابني أحد
المسئولين بقوله : لا ضرورة لتسليح يافا البتة ، لأن قرار التقسيم جعل يافا في
المنطقة العربية، فلا خوف عليها مطلقاً من اعتداء اليهود . أما حيفا فإن الإنجليز
لن يسمحوا لليهود باحتلالها أبداً . لأنهم يريدون أن يجعلوا منها مرفأ حراً، وإن
لدينا من التأكيدات ما يجعلنا نطمئن إلى ذلك !!
الإرهاب اليهودي :
وارتبطت أعمال الدعاية والإرجاف ارتباطا وثيقاً بأعمال الإرهاب اليهودي الأثيم
الذي قام به اليهود لتوزيع العرب المدنيين وذلك بنسف المنازل وإلقاء المتفجرات في
الأسواق ومراكز تجمع الأهلين، مما أودى بحياة الكثيرين من الشيوخ والنساء والأطفال
وأخذ دعاة الأعداء يزينون للأهلين الهجرة إلى الأقطار العربية محافظة على سلامة
أرواحهم وأطفالهم، وفي الوقت نفسه أخذت تظهر دعوة من بعض البلاد العربية تنادي
بضرورة نقل الأطفال والنساء والشيوخ العاجزين من فلسطين ريثما يبت في مصيرها. كما
ظهرت دعاية أخرى بأن الجيوش العربية ستدخل فلسطين قريباً لتحريرها فلا داعي للقتال
وتحمل الخسائر في الأموال والأرواح .
تحيز الإنجليز لليهود :
فلما نشب القتال بين العرب واليهود في أواخر عام 1947 أثر صدور قرار الأمم
المتحدة بتقسيم فلسطين، كان موقف حكومة الانتداب البريطاني موقف المتحيز إلى
اليهود، التآمر معهم شأنها طول عهد انتدابها مدة ثلاثين عاماً ، فكانت تتدخل – في
كل معركة يفوز بها العرب – لحماية اليهود والحيلولة دون استيلاء العرب على
ممتلكاتهم ومستعمراتهم ، بحجة أنها لا تزال صاحبة السلطة في فلسطين والمسئولة عن
حماية أرواح السكان وممتلكاتهم . غير أنها لا تتذرع بهذه الحجة عندما تكون أرواح
العرب وممتلكاتهم عرضة للهلاك والدمار. والأمثلة على هذا كثيرة لا مجال لتعدادها
الآن . غير أن من الحوادث ماله صلة وثقي بكارثة فلسطين ، وأدى إلى هجرة عدد كبير من
العرب .
الإنجليز يمهدون السبل لخروج العرب :
أضرب لذلك مثلاً حادث هجرة أهل طبرية . فقد تم طبقاً لخطة مرسومة لتسليم هذه
المدينة لليهود ، فإن طبرية تقطنها أكثرية من اليهود وأقلية من العرب. وقد كانت
القوات البريطانية خلال المعارك الناشبة بين العرب واليهود تغض طرفها عما يقترفه
اليهودي في الأحياء العربية العزلى من السلاح ، وتسهل سبيل وصول المدد والنجدات إلى
اليهود ، وتحول دون وصول المدد والنجدات إلى العرب، مما هيأ لها أن تتدخل وتصل على
إجلاء العرب عن المدينة تاركين وراءهم جميع ما يملكون ، بحجة أنهم أقلية يخشى عليها
من الأكثرية اليهودية! والمؤامرة في هذا الحادث مفضوحة ، والتحيز ظاهر. فقد كان في
وسع القوات البريطانية أن لا تحول دون وصول النجدات إلى العرب كما تحل دون وصول
النجدات إلى اليهود ، أو على الأقل أن تحافظ عليهم وعلى ممتلكاتهم كما حافظت على
اليهود في مدينة القدس القديمة وغيرها. فقد كان هؤلاء في وضع أضعف بكثير من وضع
العرب في طبرية ، وظلت القوات البريطانية باسطة حمايتها عليهم، توصل إليهم الطعام
والماء والسلاح والنجدات إلى أن انسحبت من فلسطين . ومثل ذلك حدث في المذابح التي
اقترفها اليهود في القرى العربية الضعيفة بين سمع القوات البريطانية وبصرها .
كمذابح قرى "دير ياسين" و"ناصر الدين" و"حواسه" و"عليوط" و"سكرير" و" الدوايمة
وغيرها . ومن الجدير بالذكر أن معظم الفظائع الوحشية في هذه القرى ارتكبتها عصابتا
أرغون زفاي ليومي وشترن، وأكثر أفرادهما من اليهود المتدينين ورجال الدين الربانيين
والحاخامين، المعروفين بفرط تعصبهم وشدة أحقادهم ، فكانوا يقتلون الأطفال والنساء
والشيوخ دون رحمة . ويبقرون بطون الحوامل ويخرجون الأجنة منها برؤوس حرابهم ،
زاعمين أن هذا أمر إله إسرائيل الذي أمر شعب إسرائيل حين فتح أريحا "أن يقتل بحد
السيف كل ما في المدينة من رجل وامرأة ، من طفل وشيخ ، حتى البقر والغنم والحمير،
وأن يحرقوا المدينة بالنار مع كل ما بها ، كما جاء في الإصحاحين السادس والسابع من
سفر يشوع .
المؤامرة الإنجليزية على تسليم حيفا لليهود :
أما حيفا فقد كانت كارثتها من أبرز مظاهر تحيز الإنجليز لليهود وتآمرهم معهم ،
فقد أعلنت سلطة الانتداب البريطاني أن لبريطانيا مصالح حيوية في حيفا، وأنها لن
تتخلى إلا بعد شهر أغسطس 1948 أي بعد انتهاء الانتداب بثلاثة أشهر ونصف شهر ، وعلى
هذا منعت العرب من إقامة المراكز المحصنة داخل المدينة ، وحظرت عليهم الوصول إلى
أماكن معينة، في الحين الذي كان اليهود فيه يتحصنون ويتركزون ويجوبون كافة المواقع
دون حظر، حتى إذا أتموا تسلحهم واستكملوا استعدادهم أعلنت سلطة الانتداب فجأة
عدولها عن التمسك بحيفا واضطرارها لإخلائها ! وحينئذ ظهر أن اليهود قد تسلموا ما
كان بيد الإنجليز من المعسكرات ذات الشأن، والأماكن المحصنة، والمواقع المشرفة على
أحياء حيفا كلها، مما سبب كارثة استيلاء قوات اليهود المسلحة عليها، واضطرار أهلها
العرب للجلاء عنها بعد وقائع دامية، وبعد ما متع الإنجليز وصول النجدات إليهم،
تاركين وراءهم كل ما يملكون أيضاً . وعندئذ فقط ظهرت رقة شعور القوات البريطانية،
ففتحت أبواب ميناء حيفا وجمعت ما فيها من السفن وجعلت تدعو العرب إلى الرحيل
وتحملهم عليها.. وكذلك أخذ الفيلق العربي – أي جيش الجنرال جلوب – ينقل العرب في
سياراته كما فعل في طيرة حيفا وجبع وغيرها ، وكما نقل قبل ذلك أهالي طبرية وبيسان
بسياراته إلى شرق الأردن . فعل كل ذلك تسهيلاً لهجرة العرب وتمكيناً لاحتلال اليهود
. واشتركت دائرة المخابرات البريطانية واليهودية في هذه المهمة بنصيب وافر وأخذت
على عاتقها إشاعة الحوادث المثيرة والأخبار المضللة، ونشر الذعر بين الأهالي
الآمنين من العرب، وخاصة على أثر المذابح التي اقترفها اليهود . وكان المخابرات
البريطانية وأعوانها من موظفي حكومة الانتداب أكبر الأثر فيما حدث في مدينة (يافا)
من هذا القبيل أيضاً مما أدى إلى خروج أهلها العزل، والتجائهم إلى أماكن أخرى من
فلسطين أو إلى الأقطار العربية المجاورة . أما في القدس الجديدة فقد منعت القوات
البريطانية المجاهدين الفلسطينيين من المرور عبر مناطق السلامة التي كان جنودهم
يحتلونها ثم لم يلبثوا أن سلموا تلك المناطق – مع معسكر العلمين الكبير الواقع جنوب
القدس – إلى قوات الهاجانا اليهودية في 13و14 مايو 1948م وبذلك أصبح اليهود يسيطرون
على القدس الجديدة ، ويتحكمون في القدس القديمة أيضاً .
كارثة اللد والرملة :
وأما كارثة اللد والرملة فقد نشأت من أن الجنرال جلوب سحب فجأة قوات الجيش
الأردني التي كانت مرابطة فيهما، بعد ما جرد قوات الجهاد المقدس التي كانت مرابطة
في مطار اللد ومحطة السكة الحديد وغيرهما، من سلاحها ، بحجة الهدنة الأولى، واعداً
بإرجاعها بمجرد انتهاء الهدنة . ولكنه أخلف وعده عندما استأنف القتال في 9 يوليو
1948، فسقطت اللد والرملة وعشرات القرى المحيطة بهما في أيدي اليهود واضطر نحو مائة
ألف من أهلها للنزوح، يضاف إليهم من لجأ إلى المدينتين المذكورتين من أهل مدينة
يافا وقراها، وهم لا يقلون عن خمسين ألف نسمة أيضاً، وقد روي لي أحد رجال الدين
المسيحي المحترمين أنه سمع من سيادة المونسنيور وكيل بطريرك اللاتين في فلسطين ن
جلوب بعث ببرقية تهنئة لقائد الجيش اليهودي على احتلاله اللد والرملة ، ولما صادفه
المونسنيور المذكور وعاتبه على برقيته، أجابه جلوب بقوله : هذه هي السياسة . ونحن
حين نعرض لذكر الجنرال جلوب باشا الإنجليزي لا نرمي إلى تجريحه شخصياً فهو يعمل
لصالح أمته ويقدم لها الخدمات الجلي، ولكن اللوم يقع على بعض العرب الذين ولوه
القيادة العامة الفعلية أثناء حرب فلسطين . وبعد الهدنة الثانية توالت اعتداءات
اليهود على المناطق العربية ، وانسحبت قوات الدول العربية من مناطق الجليل الغربي
وجنين وبعض مناطق القدس وبيت لحم والخليل والنقب والمجدل، فجلا أهلها منها تبعاً
لذلك بالضرورة، ثم وقعت اتفاقية رودس، وأعقبها تسليم جيش الجنرال جلوب لليهود أراضي
المثلث العربي ومساحات واسعة من مناطق القدس وبيت لحم والخليل والبحر الميت كما
ذكرناه آنفاً ، فنزح عنها أهلها بعد ما عاث فيها المجرمون اليهود قتلاً وتدميراً
ونهباً وسلباً . وهكذا لم يحل ربيع عام 1949 حتى أصبح ما يقرب من مليون عربي
فلسطيني مشردين من بلادهم ولاجئين إلى الأقطار العربية .
الهيئة العربية عارضت في خروج العرب من فلسطين :
أما فيما يتعلق بالجواب على الشق الأخير من سؤالكم، فقد كان رأيي الذي أعلنته
مراراً ، وأبلغت الجهات العربية ذات الشأن، أن يبقى عرب فلسطين في بلادهم، وأن
يدافعوا عنها حتى النفس الأخير، وأن لا يجلوا لأي سبب من الأسباب . وأذكر مثلاً على
ذلك أن سيادة المطران جورج حكيم مطران الروم الكاثوليك في حيفا وعكا وسائر الجليل
رغب في نقل الأطفال من حيفا إلي لبنان عند اشتداد المعارك إشفاقاً عليهم، فلما بلغ
الهيئة العربية العليا ذلك عارضت في نقلهم إلى لبنان، وأبلغته أنه إن كان ولا بد من
النقل فليكن إلى المدن الداخلية في فلسطين . هذا وقد تنبهت الهيئة العربية العليا
إلى ما يقصده الإنجليز من موقفهم، واليهود من عدوانهم، فأذاعت في شهر فبراير
1948بياناً على الشعب الفلسطيني دعته فيه إلى البقاء في بلاده، وأن لا يجلو عنها
بأي حال من الأحوال، وفي الوقت نفسه طلبت الهيئة العربية من اللجان القومية – وهي
الهيئات الوطنية الممثلة للشعب الفلسطيني في كافة المدن والمراكز الكبرى من فلسطين
– ومن قيادة الجهاد الوطني المقدس، وقواد المناطق، العمل على منع الأهلين من مغادرة
البلاد، وفوضتهم في اتخاذ الإجراءات الكفيلة بذلك ، وطاف أعضاء من الهيئة العربية
بمختلف المناطق الفلسطينية ينبهون الناس ويحذرونهم من الخروج وترك البلاد . وفي
اليوم الثامن من شهر مارس عام 1948 قدمت الهيئة العربية العليا مذكرات إلى الحكومات
العربية التمست فيها أن لا تعطي تأشيرات سفر لأي فلسطيني إلا في حالة الضرورة
القصوى كأن يكون الراغب في السفر مريضاً يخرج للاستشفاء أو تلميذاً يسافر للدراسة ،
بعد التثبت من ذلك بواسطة اللجان القومية . وقد حمل مندوبون من الهيئة العربية
العليا تلك المذكرات إلى العواصم العربية وسلموها إلى المسئولين من رجالها ، شارحين
لهم الأسباب الموجبة لذلك . ومن دواعي الأسف أنه لم يؤخذ برأي الهيئة العربية في
هذا الأمر .
*************************************************************************************************************************************
قضية فلسطين بين الإسلام والممارسة السياسية
العلمانية
خالد محمد حامد
لن نتحدث عن نشرة أنبائهم السياسية ؛ فالبث السياسي العلماني بث واسع الطيف
متعدد الموجات ، وأنّى للاقط واحد أو معالج أحادي أن يستقبل كل نضالهم الثوري
وكفاحهم التقدمي ، ثم رؤيتهم الثاقبة وواقعيتهم الحكيمة وحنكتهم الراسخة ، في
السياسة الداخلية والخارجية ؟
ولكننا هنا نتعرض فقط بشيء من الإيجاز لجهودهم المعلنة والخافية في القضية التي
زعموا أنها قضيتهم المركزية ، والتي بالانشغال بها تذرعوا بهدم معظم مقومات الدولة
والقضاء على بنية الإنسان العربي ، ثم أسندوا إخفاقهم في جميع القضايا ( غير
المركزية ) إلى انشغالهم بقضية العرب المقدسة !
ولكن منذ متى كانت فلسطين مقدسة عند العرب ؟
النبأ الأول : فلسطين بين العروبة والإسلام :
لم تكن فلسطين تحتل مكانة مرموقة في حس العربي الجاهلي قبل الإسلام ، وفي معظم
الأحوال كان ينظر هذا العربي إلى الشام وضمنها فلسطين على أنها لا تزيد عن كونها
إحدى مناطق الاستقرار والنشاط الاقتصادي التي كان يرتبط بها في رحلاته التجارية
الموسمية .
ومع بعثة النبي الأمي محمد صلى الله عليه وسلم نشأت مكانة مميزة في عقل وقلب
العربي المسلم للشام عموماً ولفلسطين خصوصاً ولمدينة القدس بوجه أخص ؛ وذلك من خلال
إشارات قولية وعملية عديدة ، تبدأ منذ ولادته صلى الله عليه وسلم عندما رأت أمه
قصور الشام عند ولادته صلى الله عليه وسلم ، ثم بعد بعثه صلى الله عليه وسلم
بالنبوة كانت حادثة الإسراء إلى بيت المقدس والمعراج منه ، وإمامة النبي صلى الله
عليه وسلم الأنبياء في الصلاة فيه إحدى أكبر المعالم الواضحة في أهمية هذه البلاد ،
ثم كان بيت المقدس قبلة المسلمين الأولى إلى الصلاة التي هي عماد دين المسلمين .
ثم تتوالى الإشارات التوجيهية لفضل هذه البقعة ، وأهمية هذا الموطن :
فالمسجد الأقصى أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها ، والصلاة فيه
تعدل 250 صلاة في غيره من المساجد عدا المسجد الحرام و المسجد النبوي ، وقد بشر
الرسول صلى الله عليه وسلم بفتح الشام وبيت المقدس أكثر من مرة ، ودعا صلى الله
عليه وسلم للشام وأهلها ونصح بسكنها ، وفي فضل الشام و المسجد الأقصى ، وما حوله
وردت آيات قرآنية ، وأحاديث نبوية عديدة [1].
ثم كان التحرك العملي لـ ( تحرير ) هذا الموطن الغالي من ربقة الشرك والكفر
بإنفاذ البعوث والسرايا العسكرية على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، حتى فتح بيت
المقدس وفلسطين في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، واستدعى هذا
الفتح دون غيره أن يذهب الخليفة بنفسه ليتسلم مفاتيح المدينة المقدسة ، ويستلم معها
أمانة محافظة المسلمين عليها .
إذن : فقد عرف العرب أهمية هذا الوطن بالإسلام ، وبالإسلام وحده وليس بالعروبة
كانت قضية فلسطين قضية ( مقدسة ) ، عرف هذا المعنى صلاح الدين الأيوبي عندما حررها
مرة أخرى من براثن الصليبيين ، ولم يكن صلاح الدين عربياً ، بل كان كردياً ، وعرف
هذا المعنى العثمانيون الأتراك عندما حافظوا على الأمانة واستماتوا في الدفاع عنها
حتى دفع السلطان عبد الحميد الثاني عرشه ثمناً لتمسكه بها وعدم التفريط فيها .
النبأ الثاني : فلسطين قبل النفق العلماني :
وإليك طرفاً من مقاومة هذا السلطان للضغوط والإغراءات التي مورست عليه من أجل (
بيع ) فلسطين ، ورفضه ذلك رفضاً قاطعاً رغم ضعف دولته والمؤامرات والدسائس التي
كانت تحاك ضده في داخل الدولة وخارجها ؛ حيث اختار اليهود فترة عصيبة من فترات
اضمحلال الدولة العثمانية ، حين لم يعد لهذه الدولة أي ثقل سياسي معتبر أو قوة
عسكرية مهابة .
فمنذ أن بدأ المشروع الصهيوني بالاستيطان في فلسطين يأخذ خطوات عملية :
سعى اليهود إلى إيجاد موطئ قدم لهم هناك بطريقين متوازيين : الأول : العمل على
تهجير اليهود من شتى أصقاع العالم إلى فلسطين مع ما استلزم ذلك فيما بعد من محاولة
تفريغ فلسطين من أهلها ، الثاني : شراء الأراضي في فلسطين ليكون لهم قواعد ثابتة
يتحركون منها لإتمام مشروعهم ، وقد كانت القدس دوماً أحد المراكز المستهدفة بإلحاح
في هذا السعي ، فكانت الدولة العثمانية وخاصة في عهد السلطان عبد الحميد متيقظة
لهذه المساعي [2] .
يقسم الباحثون موجات الهجرة الصهيونية إلى فلسطين فيما بين عامي 1882م و 1944م
إلى خمس موجات ، ويستفاد من إحصاء جرى للسكان عام 1839م أن عددهم في فلسطين كان بين
6000 و 6500 نسمة ، نصفهم في القدس ، في حين بلغ عدد العرب وقتها حوالي ثلاثة
ملايين نسمة ، أي أن نسبة اليهود إلى العرب كانت تدور حول 2% ، وارتفع عدد اليهود
في السنة التي تليها ليصل إلى 10500 نسمة .
وإزاء النشاط الصهيوني أصدرت الدولة العثمانية منذ سنة 1855م قانوناً يمنع
الأجانب من الاحتفاظ بالأرضي في فلسطين أو شرائها ، وطوال أربعين عاماً (
1840-1880م ) وصل عدد المستوطنين اليهود بفلسطين إلى حوالي 25000 نسمة ، يعيش أكثر
من نصفهم في القدس ، ثم بدأت أولى موجات الهجرة اليهودية الواسعة من روسيا وبلدان
أوروبا الشرقية ، وقد تزامنت هذه الموجة التي بدأت عام 1882م مع تحرك دولي للضغط
على السلطان عبد الحميد للسماح بهجرة اليهود إلى فلسطين ؛ فماذا كان موقفه ؟ :
أخفقت مساعي السفير الأمريكي وزملائه تماماً في هذا الخصوص ، ثم أبلغ السلطان
المبعوث اليهودي أوليفانت أن باستطاعة اليهود العيش بسلام في أي بقعة من أراضي
الدولة العثمانية إلا فلسطين ، ثم أرسل في يونيو 1882 م رسالة إلى متصرف القدس يطلب
فيها منع اليهود الروس والبلغار والرومان من الدخول إلى القدس ، كما صدر قرار لمجلس
الوكلاء العثماني يقضي بمنع اليهود الروس بصفة خاصة من استيطان فلسطين .
وبعد ضغوط أوروبية صدرت في العام نفسه قوانين لا تسمح لليهود بدخول فلسطين إلا
في حالة الحج والزيارة المقدسة ، ولمدة ثلاثة شهور ، كما صدرت في العام نفسه قوانين
جديدة نصت على ضرورة حمل اليهود الأجانب جوازات سفر توضح ديانتهم اليهودية كي
تمنحهم سلطات الميناء تصريحاً لهذه الزيارة المحددة المدة والهدف .
ونظراً لتفشي الفساد في الجهاز الإداري التركي الذي كان يمثل ثغرة تنفذ منها
موجات الاستيطان اليهودية ، ونظراً للجهود الصهيونية والدولية المستمرة والمركزة
للضغط في هذا الاتجاه آنذاك .. اتخذ السلطان عبد الحميد إجراءات حماية أكثر تشدداً
للمحافظة على تلك البلاد ، فجعل القدس عام 1887م سَنْجَقاً [3]مستقلاً عن ولاية
دمشق ، ومتصرفية لها اتصال مباشر بالباب العالي ، وعززت الدولة قوة الشرطة في ميناء
يافا ، واستبعدت العناصر الفاسدة من بينها ، كما وسعت مساحة الأراضي التي تسري
عليها أوامر الحظر لتشمل أيضاً منطقة الجليل في شمال فلسطين بالإضافة إلى منطقة
القدس ، ثم أصدرت الدولة العثمانية في العام نفسه أوامر جديدة تقصر مدة المكوث لهذا
الغرض إلى 31 يوماً بدل ثلاثة أشهر ، وقد حدَّت هذه الإجراءات بالفعل من هجرة
اليهود ، وأدت إلى فرض حظر شبه كامل وفعال على هذه الهجرة ، ثم قام سفراء أمريكا و
بريطانيا و فرنسا بالضغط على الحكومة التركية ، فتم لهم عام 1889م إلغاء القرارات
الأخيرة والعودة إلى السماح بأشهر ثلاثة .
وفي سنة 1892م صدر قانون يحرم بيع أراضي الحكومة في فلسطين إلى جميع اليهود ،
بما فيهم رعايا الدولة العثمانية اليهود ، ويمنع أيضاً رعايا الدولة من بيع الأراضي
لليهود ، ولكن بريطانيا تدخلت أيضاً فاستطاعت التقليل من فاعلية هذه القرارات بطرق
مختلفة تحت مظلة اتفاقيات الامتيازات والمعاهدات الدولية ، أما عدد اليهود في هذه
السنة فقد أصبح 40 ألفاً .
وحتى عام 1897م ( عام انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول ) لم تفلح الجهود الصهيونية
والضغوط الدولية في رفع عدد اليهود في فلسطين إلا إلى عدد يتراوح بين 50000 و 60000
يهودي ، ولم يكن هذا العدد كفيلاً بتغيير التركيبة السكانية في فلسطين بما يحقق
أهداف المشروع الصهيوني ، كما أن مساحة الأراضي التي استطاعوا الاستيلاء عليها كانت
ضئيلة للغاية .
وإزاء ذلك ، ولمعرفة اليهود بأن السلطان عبد الحميد هو أكبر عقبة في سبيل هذا
المشروع بدأ الصهاينة يتوجهون بجهودهم لمحاولة التأثير عليه ، عسى أن يُليِّن
مواقفه ، ومن ثم عاود هرتزل سعيه الذي كان بدأه عام 1896م ، فقرر السفر مرة أخرى
إلى إستانبول للاجتماع بالسلطان عام 1901م فقابله ثلاث مرات ، عرض فيها مشروعاً
صهيونياً بتوطين اليهود في فلسطين ومنحهم حكماً ذاتياً مقابل مساعدات مالية للدولة
العثمانية تقضي بسداد ديونها وإصلاح اقتصادها ، وتمخضت الاجتماعات عن رفض السلطان
إعطاء فلسطين لليهود ، إلا أنه وافق على هجرة اليهود إلى آسيا الصغرى و العراق لقاء
دفع الديون المترتبة على الدولة ، وهو عرض يدل على مدى حاجة الدولة العثمانية إلى
الأموال لتحسين أوضاعها ، ويدل في الوقت نفسه على أن رفض السلطان توطين اليهود في
فلسطين كان لمكانتها الإسلامية والتاريخية والسياسية عنده .
وبعدما حاول هرتزل عن طريق وسيط ( رشوة ) السلطان ، أراد السلطان حسم الموقف
بشكل نهائي وقطعي في موقف آخر يدل على ما ذكرناه من دوافع في محافظته على فلسطين ،
فقال للصدر الأعظم [رئيس الوزراء] : « انصحوا الدكتور هرتزل بألا يتخذ خطوات جدية
في هذا الموضوع ، إني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من الأرض ؛ فهي ليست ملك
يميني ، بل ملك الأمة الإسلامية التي جاهدت في سبيلها وروتها بدمائها ، فليحتفظ
اليهود بملايينهم ، وإذا مزقت دولة الخلافة يوماً فإنهم يستطيعون أن يأخذوا فلسطين
بلا ثمن . أما وأنا حي فإن عمل المبضع في بدني لأهون عليَّ من أن أرى أرض فلسطين قد
بترت من الدولة الإسلامية ، وهذا أمر لا يكون . إني لا أستطيع الموافقة على تشريح
أجسادنا ونحن على قيد الحياة » ، وهذا الرد يدل أيضاً على الدوافع الإسلامية
للسلطان عبد الحميد والدولة العثمانية في الحفاظ على فلسطين .
وبعد كل تلك الجهود الصهيونية والضغوط الدولية لم يزد مجموع من هاجر خلال سنوات
الموجة الأولى الكبرى لهجرة اليهود ( 1882م 1903م ) على عدد يتراوح بين 20 30 ألف
مهاجر لا أكثر ، وذلك بعد جهود مضنية وضغوط وإغراءات عرضنا بعضها ، وعندئذ انقطع
أمل اليهود في الالتفاف حول هذه الصخرة ، فعزموا على تنفيذ أمر قد قرروه وأسروه من
قبل : تحطيم هذه الصخرة .
وبالفعل رَكِبَ اليهود جمعية الاتحاد والترقي العلمانية ذات العلاقات الماسونية
واليهودية ، واستطاعت هذه الجمعية في النهاية خلع السطان عبد الحميد ، والإمساك
بزمام الأمور في الدولة خاصة بعد إلغاء الخلافة على يد أتاتورك عام 1924م .
لقد ناهض السلطان ما بوسعه الاستيطان اليهودي في فلسطين وقاومه باستمرار في حدود
قدرات دولة آخذة في الاضمحلال تواجهها قوى أوروبية كبرى توافقت مصالحها مع مصالح
الصهيونية ، وهو وإن لم يستطع إيقاف هذا الاستيطان تماماً ، إلا أنه لم يتنازل عن
مبادئه قط ، ولم يعط شرعية أو إذناً لهذا الاستيطان .
وبوصول جمعية الاتحاد والترقي المنبثقة عن ( تركيا الفتاة ) إلى سدة الحكم إثر
انقلاب عام 1908م ، وخلع السلطان عبد الحميد الثاني عام 1909م خلعت قضية فلسطين
الرداء السياسي الإسلامي ، وفقدت آخر سند إسلامي رسمي وقتها ، ودخلت بذلك هذه
القضية النفق العلماني ، لتكون في عهدة نظم ومنظمات جديدة لا تصطبغ بالصبغة (
القديمة ) ، بل تدعي لنفسها ( التقدمية ) .
النبأ الثالث : فلسطين في عهدة العلمانية :
بخروج فلسطين من المظلة السياسية الإسلامية عادت مرة أخرى كما كانت في سالف
عهدها في الجاهلية : طريقاً إلى منافع مادية ، أي إنها خرجت من إطار المبادئ إلى
إطار المصالح ، وهذه الأخيرة يمكن التفاوض والمساومة عليها ، ولا مانع من إعادة
تقييمها ومقايضتها إن لزم الأمر ، بل لا مانع من التنازل عن بعضها أو استبدال غيرها
بها .
لم يخف اليهود غبطتهم لانقلاب الاتحاديين على السلطان عبد الحميد ( مضطهد
إسرائيل ) على حد تعبير بعض الصحف اليهودية التركية ، وقد جنوا سريعاً ثمرات خروج
فلسطين من المظلة الإسلامية ودخولها نفق العلمانية ، فكان من الثمرات البادية
للجميع : ارتفاع وتيرة الهجرة اليهودية إلى فلسطين وارتفاع نسبة الأراضي التي
استولوا عليها ، فعقب الانقلاب المشار إليه نقل الاتحاديون الموظفين الأتراك
المعارضين للهجرة اليهودية من فلسطين إلى أماكن أخرى ، ونظرت جمعية الاتحاد والترقي
بعطف أكثر إلى الصهيونيين كمصدر للحصول على العون المالي للخزانة التركية المفلسة ،
وعليه وعلى الرغم من الاعتراضات العربية الشديدة : خففت القيود المفروضة على الهجرة
وشراء الأراضي في وجه اليهود في العام 1913م ، فأصدر الاتحاديون بعد نجاح انقلابهم
تشريعاً يقضي ببيع جميع الأراضي السلطانية في الدولة بما فيها فلسطين بالمزاد
العلني ، ولولا يقظة عرب فلسطين ، واندلاع الحرب العالمية الأولى ، لضاعت فلسطين
كلها منذ ذلك التاريخ [4] .
وهكذا ارتفعت نسبة اليهود إلى العرب في فلسطين إلى 9.7 % في سنة 1914م ، لتستمر
في الارتفاع في ظل النظم والمنظمات العلمانية لتصل مقارنة بعرب فلسطين إلى 35.1 %
قبيل سنة 1948م ، وفي حين أن مجموع ما كان يحوزه اليهود من أراضي فلسطين قبل سنة
1914م لا يتجاوز 1.5 % ، ارتفعت هذه النسبة لتصبح 7% قبيل سنة 1948م ، وبينما كان
مجموع عدد المستوطنات على عهد السلطان عبد الحميد عام 1907م لا يتجاوز 27 مستوطنة
في فلسطين كلها ، ارتفع هذا العدد ليبلغ 47 مستوطنة عام 1914م ، ثم 71 مستوطنة عام
1922م ، وفي عام 1944م قفز العدد إلى 259 مستوطنة ، ليصل إلى 277 مستوطنة قبيل
إعلان دولة إسرائيل عام 1948م [5] .
ولا شك أن هناك عوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية محلية ودولية متعددة ساهمت في
ارتفاع وتيرة الهجرة والاستيطان اليهوديين في فلسطين ، ولكننا في الوقت نفسه لا
نستطيع إغفال ( أخطاء ) النظم والمنظمات العلمانية العربية التي ساهمت في هذه
النتيجة ، وعندما نقول ( أخطاء ) فإننا نصف محصلة الأفعال ، أما أسباب هذه المحصلة
فإنها تبدأ من الجهل والسذاجة وعدم الوعي ، ولا تستثنى منها الخيانة والتآمر
والعمالة .
ومن هذه الأخطاء : ما ظهر مبكراً من ضعف الوعي السياسي لأهمية قضية فلسطين لدى
النخبة العربية على المستوى الرسمي رغم ظهور كل هذه المؤشرات على الخطر الصهيوني ،
ومن أمثلة ذلك الضعف : أنه « عندما عقد المؤتمر العربي الأول في باريس عام 1913م ،
وردت إلى المؤتمرين عشرات رسائل التأييد للمؤتمر والتنديد بالخطر الصهيوني ، وقد
دعا مرسلوها إلى اتخاذ موقف حازم من الهجرة اليهودية ، ومن مجموع 387 رسالة وردت
إلى المؤتمر كان من بينها 139 رسالة وردت من فلسطين ، ومع ذلك : تجاهل المؤتمر
الخطر الصهيوني ؛ مما أثار حفيظة عرب فلسطين .. » [6] .
ومن أمثلة ذلك أيضاً : ما ادعته بريطانيا عقب إعلان بلفور سنة 1917م من أن
مراسلات حسين / مكماهون سنة 1915م 1916م قبل الثورة العربية ضد الدولة العثمانية ..
تضمنت موافقة الشريف حسين بن علي الضمنية على استثناء فلسطين من المنطقة المتفق على
إقامة دولة عربية عليها [7] .
لم يكن هذا هو الخطأ الوحيد لتلك النخب ، ولكن قبل أن نضع أيدينا على بقية
الأخطاء التي استمرت حتى اليوم يحسن بنا أن نعرض لمعالم السياسة الصهيونية في
الصراع على فلسطين :
يمكن القول : إن أهم معالم السياسة الصهيونية في الصراع على فلسطين تتلخص في
الآتي :
1 - إخراج الإسلام من دائرة الصراع .
2 - إيجاد قواعد أرضية للانطلاق منها في إيجاد واقع الكيان على أرض الواقع ، ثم
الانطلاق من هذه القواعد نحو التوسع والتغلغل .
3 - هجرة أكبر عدد ممكن من اليهود إلى فلسطين ( ملء المجال الحيوي ) .
4 - تهجير عرب فلسطين خارجها ( تفريغ المجال الحيوي ) ، عن طريق :
أ - طردهم من أراضيهم بالقوة المسلحة .
ب - إرهابهم بالمذابح والحرب النفسية والدعائية .
ج - تضييق منافذ العمل في وجوه العرب داخل فلسطين ، مع تهيئة مواطن بديلة
لاستقبالهم ، والعمل على فتح مجالات العمل والاستقرار أمامهم في هذه المواطن .
5- تفتيت التكتل المعادي ( الإسلامي/ العربي ) بتعدد محاور تجمعه ، وإثارة
نزاعات داخلية بينه ، وإقامة دويلات طائفية مسالمة حول الكيان الصهيوني .
وفي المدى البعيد :
6 - العمل على ربط المصالح الغربية الاستراتيجية في المنطقة بالمصالح الصهيونية
.
7 - إقامة دولة عصرية يمكنها الاعتماد على نفسها فيما بعد .
8 - الاستقرار والأمن ، بالانتقال إلى السلام والشراكة مع الدول المحيطة عن طريق
المعاهدات والأحلاف خاصة مع دول الجوار .
9 - غزو دول المنطقة بالتغلغل السلمي ، وقيادتها نحو منظومة إقليمية جديدة [8] .
النبأ الرابع : آثار دخول فلسطين النفق العلماني :
نعود إلى السؤال : ما الذي طرأ على قضية فلسطين بدخول العلمانية إلى حلبة الصراع
بديلاً عن الإسلام في الفكر والممارسة الواقعية ؟ .
إن المتأمل في المخطط الصهيوني السابق ذكره يدرك أن العلمانية كانت مفتاح تحقيق
هذا المخطط ، وإذا كان سقوط الدولة العثمانية باعتبارها دولة خلافة إسلامية أدى
بشكل شبه تلقائي إلى تحقيق النقطة الأولى والخامسة من المخطط ..
فإن التجربة العلمانية السياسية التي عملوا على إغراق بلادنا فيها عملت على
ترسيخ هذه المكاسب الصهيونية مع تحقيق النقاط الأخرى من المخطط الصهيوني ، ليس فقط
في الواقع السياسي ، ولكن أيضاً في أفكار الشعوب وسلوكياتهم ، وذلك من خلال :
فالصراع في قضية فلسطين صراع حضاري تصادمي في أساسه ، والإسلام في هذا الإطار هو
القادر على المواجهة وهو المستهدف فيها .. هذا ما يدركه الصهاينة ويتجاهله
العلمانيون ، في الوقت الذي يضعون أنفسهم في الخندق المعادي للرؤية الإسلامية .
ف ( إسرائيل ) لم تكن فقط مجموعة من البشر سكنت مساحة من الأرض ، ولكنها قامت في
الأساس على رؤية ( حضارية ) ، فحاييم وايزمان أول رئيس للدولة الصهيونية يعلن في
المؤتمر الصهيوني السابع قبل أكثر من أربعين سنة من إعلان دولتهم أن « ... اجتذاب
أنظار العالم إلى قضيتنا يستمد مفعوله وتأثيره من الهجرة والاستعمار والثقافة ... »
[9] ، أما إعلان الدولة العبرية فقد تصدَّر بما يلي :
« أرض إسرائيل هي مهد الشعب اليهودي ، هنا تكونت شخصيته الروحية والدينية
والسياسية ، وهنا أقام دولة للمرة الأولى ، وخلق قيماً حضارية ذات مغزى قومي
وإنساني جامع ، وفيها أعطى للعالم كتاب الكتب الخالد » ! ويقول أول رئيس وزراء في
الدولة الصهيونية ديفيد بن جوريون : « علينا أن نشكل شخصية دولة إسرائيل وإعدادها
للاضطلاع برسالتها التاريخية المثلثة : جمع الجوالي ، بناء الإنسان ، حياة الحرية
والمساواة والعدالة » [10] .
ولذلك عرف الصهاينة أن عدوهم الحقيقي الذي يتصادم مع ( رسالتهم التاريخية ) هذه
في المنطقة هو الإسلام ، والإسلام الحقيقي وحده ، يقول بن جوريون : « نحن لا نخشى
الثوريات ولا الديمقراطيات ولا الاشتراكيات في هذه المنطقة ! ، نحن نخشى الإسلام
فقط ، هذا العملاق الذي طال نومه ، ثم بدأ يتململ من جديد » [11] ، فالعلمانية
بأطيافها المتعددة لا تخيف قادة الصهاينة ، ولكنه الإسلام فقط ، لذا : عملوا جاهدين
على محاربته وإخراجه من دائرة الصراع ، وهو ما قامت به العلمانية .
فإذا كان هذا هو موقف العدو ( الرسالي ) تجاه نفسه وتجاه خصمه ( الحضاري ) ، فما
هو موقف العلمانيين من أبناء جلدتنا ؟ ! :
من المعروف أن العلمانية اتجاه فكري حياتي نشأ في الغرب ، ثم انتقل بألوانه
المتغايرة وتطبيقاته المتعددة إلى بلادنا عن طريق نخب متغربة صريحة أو مستترة ، لذا
: فإن هذه النخب عندما تخلت عن المذهبية الإسلامية لم تجد نفسها في وضع تناقضي مع (
الحضارة الغربية ) التي تعد ( إسرائيل ) ممثلتها في الشرق ، وعليه :
يصعب على هذه النخب الدخول في صراع تصادمي حقيقي ( أساسه المبادئ وليس المصالح )
مع هذه الدولة ، وتبقى بعد ذلك مسألة ( أرض ) فلسطين وبعض الخلافات والنزاعات
الثانوية الأخرى التي يمكن النظر فيها والتفاوض عليها برعاية آباء هذه الحضارة التي
تظلهم وتظل ( خصومهم ) الصهاينة ، لذلك : فمن الممكن عند العلمانيين الوقوف على
أرضية مشتركة بينهم وبين دولة ( إسرائيل ) التي ولدت بشرعية دولية يحترمها جميع
العلمانيين ، ومن الممكن أيضاً : إيجاد أنصاف ( أو أخماس ) حلول والالتقاء في منتصف
الطريق مع هذه الدولة .
والسبب الرئيسي في ذلك : أن العلمانية السياسية قامت في بلادنا على نفي مفهوم
الولاء والبراء الإسلامي واستبعاد توجيهات الشريعة الإسلامية من دائرة صنع القرار ،
واستبدلت بهما إطار القومية العربية أو الوطنية الإقليمية ، مع الدخول في لعبة
الشرعية الدولية ومنظومتها ، وليس بجديد أن نقول إن القومية العربية والقومية
التركية والقومية اليهودية ( الصهيونية ) خرجت جميعها ( فكرياً وعملياً ) من معين
واحد ، أساسه فكرة الدولة القومية التي نشأت في الغرب .
فحلول العلمانية السياسية محل الإسلام في الصراع على قضية فلسطين كان أكبر عامل
خدم الصهيونية ، عندما لم تجد أمامها طرفاً آخر مبايناً ومواجهاً لها .
ولكن ما هو البعد العملي الذي ترتب على دخول العلمانية السياسية ممثلة في
القومية العربية أو الوطنية الإقليمية حلبة الصراع في فلسطين بديلاً عن الإسلام ؟
طرأ بانتقال قضية فلسطين إلى الريادة العلمانية : إزالة الحاجز العقدي المتمثل في
الولاء والبراء ، ذلك الحاجز الذي كان قائماً بين المسلمين والصهاينة عندما كان
الإسلام هو موجه المشاعر ، وعليه : لم يصبح اليهود الصهاينة أعداء من منطلق عقدي
ديني ، ولم يصبحوا مغتصبين لبقعة تمثل جزءاً مهماً ومميزاً في البناء المعنوي
للمسلمين ، بل أصبحوا خصوماً ( أو أعداءً ) مغتصبين مثلهم مثل أي دولة إقليمية حتى
ولو إسلامية أو عربية يمكن أن يكونوا اليوم معهم في حالة عداء ( على المرعى والماء
) كما يمكن أن تزول غداً هذه العداوة .
وهذا البعد المستجد يتضح جليّاً في تلون العلمانيين وتبدل مواقفهم وسقوط ثوابتهم
، بل لقد صرح بعضهم بسقوط هذه العداوة بلا مواربة ، فلقد صرح أحد القادة العرب
المشاركين في القضية بسقوط هذا الحاجز أثناء محادثات بينه وبين اليهود في شهر
1/1949م استهلها قائلاً : « يقال إننا أعداء ، يشهد الله أننا لسنا أعداء ! » [12]
.
وكلما ازدادت العلمانية بعداً عن الإسلام وتطرفت مشرقة أو مغربة كلما ازدادت
فرصة تفاهمها والتقائها وتعايشها مع ( إسرائيل ) المجتمع والدولة ؛ فلقد كانت تركيا
( الأتاتوركية ) و إيران ( الشاهانية ) أكبر مثال على ذلك ، فهما أول دولتين في
العالم الإسلامي تعترفان بدولة ( إسرائيل ) ، كان ذلك في 17/3/1950م ، ومعلوم مدى
التطرف العلماني ( ذي التوجه الغربي الليبرالي ) الذي كانت تعيشه هاتان الدولتان ،
وغير خافٍ تعاون شاه إيران السابق مع ( إسرائيل ) ومدها بالبترول أثناء حرب 1973م ،
وغير خافٍ أيضاً التعاون المستمر حتى الآن عسكرياً واقتصادياًّ وسياسياًّ بين تركيا
وإسرائيل .
وعلى جانب آخر : وقفت قوى العلمانية المرتبطة بشرق أوروبا ( أيام الشيوعية
والاشتراكية ) موقفاً مخزياً من قضية فلسطين في وقت مبكر ، « فقد انتقدوا ( التدخل
) العربي في حرب عام 1948م ، وطالبوا بسحب الجيوش العربية ( الغازية ) ، واعتبروا
الحرب مؤامرة استعمارية رجعية تهدف إلى منع قيام دولة يهودية ، وطالبوا بإتاحة
الفرصة للشعب اليهودي ليقيم دولته القومية في فلسطين ، ولم يقتصروا على هذا ، بل
سيروا التظاهرات في العواصم العربية مطالبين بإقامة دولة يهودية ! » [13] .
وبواكير دعاوي الصلح مع الدولة الصهيونية ظهرت وما زالت على أيدي ( الرفاق )
الشيوعيين واليساريين الذين تجمعهم مع ( رفاقهم ) الشيوعيين اليهود وحدة الفكر
والانتساب إلى الأممية الشيوعية « حيث بدأ مسلسل مساعي الحوار ( العربي الإسرائيلي
) منذ عام 1965م حينما وجه المحامي المصري اليساري يوسف حلمي بالاشتراك مع الزعيم
الشيوعي اليهودي المصري هنري كوريال رسالتين لكل من جمال عبد الناصر وبن جوريون
يدعونهما فيهما باسم ( الحركة الديمقراطية ) و (حركة السلام المصرية ) لعقد مؤتمر
للسلام بمشاركة الدول العربية و ( إسرائيل ) ودول عدم الانحياز والدول الكبرى ،
ولكن العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م أجهض تلك المحاولة ...
وبعد عدوان 1967م التقى النقيب السابق بالجيش المصري ( أحمد حمروش) رفيق كوريال
في الحزب الشيوعي المصري وعضو ( الحركة الديمقراطية ) و (حركة الضباط الأحرار ) مع
كوريال و أريك رولو في باريس ، حيث رتبوا اللقاء بين جمال عبد الناصر و ناحوم
جولدمان رئيس ( المؤتمر اليهودي العالمي ) [14] ، وقد أجهضت المحاولة بوفاة عبد
الناصر عام 1970م » [15] .
ولا يستغرب أي عارف بحقيقة الشيوعية هذه المواقف من معتنقيها ؛ فالأممية
الشيوعية تتناقض مع غيرها من الأمميات وعلى رأسها الأممية الإسلامية ، بينما تتساوى
عندها القوميات المختلفة عربية ، أو يهودية ( الصهيونية ) ، ويمكن أن تتعايش معها
بحظوظ مختلفة بحسب اقتراب هذه القوميات من مبادئها وتحقيقها لمصالحها ، كما أن
الشيوعيين العرب يعدون إخوانهم الشيوعيين اليهود في ( إسرائيل ) ( رفاقهم ) في
الشيوعية .
ولم يقف التلاقي والتعايش مع الصهاينة عند حد اليساريين العرب ، بل تعداه أيضاً
إلى اليساريين الفلسطينيين أنفسهم ، فنايف حواتمة أمين عام الجبهة الديمقراطية
لتحرير فلسطين يطالب في حديث صحفي بتأسيس برنامج جديد لتصحيح الحالة الفلسطينية «
باستراتيجية نضالية ( ! ) بكل ما هو ممكن ، واستراتيجية تفاوضية في إطار قرارات
الشرعية الدولية » [16] ، وهي القرارات التي سنعرض لها لاحقاً إن شاء الله تعالى ،
وهذا الموقف نفسه تقريباً هو موقف جورج حبش والجبهة الشعبية .
وغير خاف مدى ضلوع اليساريين والشيوعيين السابقين في جهود التطبيع والدعوة إلى
التعايش مع الدولة الصهيونية ، ومن ذلك : إعلان تحالف كوبنهاجن عام 1997م وتأسيس (
جمعية القاهرة للسلام ) في العام الذي يليه ، بدعم أوروبي وأمريكي .
وهذه الجهود والمساعي إلى التعايش والسلام من قبل هؤلاء تجاه الدولة الصهيونية
نراها منطقية في ضوء ما ذكرناه سابقاً عن منطلق العلمانيين وتوجهاتهم ؛ فبعد سقوط
العداء المبدئي بين العلمانيين والكيان الصهيوني نتيجة تنحية الإسلام عن ساحة
الصراع : افتقد العلمانيون إرادة المواجهة والقتال تبعاً لذلك ، وتوجهوا إلى
شرعيتهم الدولية يسألونها ( حقوقهم المشروعة ) ويرضون بالفتات الذي يلقى إليهم في
ظل الاستعداد للتعايش مع كيان لا يرونه مناقضاً لهم حتى ولو اختلفوا معه ، أو رأوه
ظالماً وغاشماً .
وافتقدت الأنظمة العلمانية إرادة القتال حتى في أوج مدها الثوري المزعوم ، فـ «
... منذ أن جاؤوا وهم يعدون العدة لحرب فلسطين ! ويعلنون أنهم سيختارون مكان وزمان
المعركة ، ولن يسمحوا لإسرائيل بأن تجرهم إلى معركة لا يحددون هم مكانها وزمانها
وسلاحها .. وكل الأمم التي فنيت ، بل كل الكائنات التي اندثرت ، كانت تحلم بمعركة
تدور وفقاً لشروطها ، تحدد هي مكانها وزمانها وأسلحتها ، وراعها وهي تباد تحت ضربات
خصمها أنه لم يلتزم بأمانيِّها وضربها قبل أن تنتهي من تحديد الزمان واختيار المكان
وإتمام شحذ السلاح ! وأنه نجح دائماً في جرها إلى المعركة الخاسرة .
إن إرادة القتال هي التي يجب أن تتوفر أولاً ، ويأتي بعد ذلك تخير أفضل الظروف
للقتال .. » . « وفي كل مرة كان انفعالهم [بعد ضربات إسرائيل] ينعكس في شكل دهشة
ومرارة العاتبين .. وليس أدق في الدلالة عن حالتهم هذه من التعبير المفضل عندهم وهو
( العدوان الغادر ) ! ..
ونقبوا في جميع القواميس ، إن وجدتم أحداً قبلهم وصف ضربات عدوه المصيري بأنها (
غدر ) ! .. الغدر يأتي من الأصدقاء ، أو ممن لا نحمل لهم أية نوايا عدوانية ، ولا
نتوقع منهم عدواناً .. » [17] .
وليس أدل على عدم إرادتهم القتال من عدم استعدادهم الجدي له على مدى أكثر من
تسعين عاماً ، ] وَلَوْ أَرَادُوا الخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً [ ( التوبة :
46 ) .
1 - وفي المقابل : وقف كثير من النخب السياسية العلمانية حائلاً دون منازلة
القوى الشعبية مع الصهاينة عسكرياً وسلمياً ، بل إن هذه النخب اصطدمت دوماً بالحركة
الإسلامية التي كانت رأس الحربة في هذه المنازلة بدل التعاون المفترض معها ، وما
ذلك إلا لأنها وجدت في هذه الحركة خطراً عليها ، فناصبتها العداء ؛ لتضع العلمانية
بذلك نفسها في خندق واحد مع الصهيونية في مواجهة التيار المعبر عن رسالة هذه الأمة
وأصالتها .
وهكذا بات الإسلام الحقيقي ( الذي يسمونه أصولياً ) عدواً مشتركاً للعلمانية
والصهيونية ، فأصبح تحالفهما للقضاء على هذا الخطر الذي يهدد بقاءهما هدفاً مشتركاً
تلتقي عليه جهودهما ، ومن ثم : كانت النظم العلمانية حاجزاً تلقائياً بين المقاومة
الإسلامية ( العسكرية والسلمية ) والعدو الصهيوني ، بل أصبح ضرب الحركات الإسلامية
وتصفيتها مؤشراً على مكاسب صهيونية قادمة مرتبطة بتنازلات أو إخفاقات علمانية
تستلزم ( تأمين الجبهة الداخلية ) بإخلائها من المعارضين النشطين المتوقعين لهذه
المكاسب وتلك التنازلات ، أي : إخلائها من الحركات الإسلامية ورموزها الفعالة ، بل
أصبح الضغط أو تخفيفه على هذه الحركات ( ورقة ) تفاوضية ابتزازية تلوح بها هذه
النظم العلمانية في وجه الغرب أو في المفاوضات مع الدولة الصهيونية كلما أحست
بالإفلاس السياسي .
ومسيرة الأحداث تؤكد ذلك التعاون بين العلمانية والصهيونية ، أو على الأقل :
تؤكد أن العلمانية كانت حاجزاً تلقائياً بين المقاومة الإسلامية والعدو :
- فأولى التحركات العسكرية الشعبية الواسعة ، وهي ثورة 1936م ( 1935م 1939م )
والتي استمرت توابعها بعد ذلك ، كان يحمل لواءها مجاهدون من جمعية الشبان المسلمين
، وكان يقودها الشيخ عز الدين القسام ، ثم نشط بعد ذلك جيش الجهاد المقدس بقيادة
عبد القادر الحسيني ، وتمكن المتطوعون في هذه الثورة المسلحة من تحقيق انتصارات
متلاحقة خلال عامي 1938و 1939م ، ولكن بجانب تحرك القوى البريطانية والعصابات
الصهيونية كان خذلان الأنظمة العربية العلمانية لهذه الانتفاضة ، فشحُّوا بالدعم
المادي لقادة الثورة وهم في أمس الحاجة إليه ليستمروا في جهادهم ، بل سارعت هذه
الأنظمة بإيعاز من بريطانيا إلى احتواء هذه الظاهرة تحت شعار الوساطة وحقن الدماء »
معتمدين على حسن نوايا صديقتنا الحكومة البريطانية ورغبتها المعلنة لتحقيق العدل »
، ولا شك أن هذه الثورة كانت خروجاً عن حسابات وسياسات الاستعمار والأنظمة العربية
العلمانية « خصوصاً أن الثورة أبرزت قيادات ثورية لا تعرف المهادنة أو أنصاف الحلول
! » [18] .
- وقبل حرب 1948م وأثناءها تحرك الإخوان المسلمون على الصعيدين الشعبي والعسكري
، فاستطاعوا تحريك الرأي العام المصري تجاه القضية الفلسطينية من الزاوية الإسلامية
، وقد برز دور الإخوان المسلمون أثناء ثورة فلسطين الكبرى عام 1936م ، عندما سارعوا
إلى تنظيم المظاهرات ، وألفوا اللجان لتلقي التبرعات وإرسالها إلى اللجنة العربية
العليا ، وقاموا بإرسال برقيات احتجاج إلى المندوب السامي بفلسطين ووزارة الخارجية
البريطانية وعصبة الأمم ، وأخرج الإخوان في مصر أكثر من نصف مليون متظاهر إلى شوارع
القاهرة في اليوم الثاني لصدور قرار تقسيم فلسطين في 29/11/1947م ، وأعلنوا رفضهم
للقرار ، مؤكدين عروبة فلسطين وإسلاميتها ، مما مثل التجسيد المادي لحضور القضية
الفلسطينية في الشارع المصري .
وقد سطر متطوعو الإخوان في حرب 1948م ملاحم تغنى بها الفلسطينيون وأكسبت الجماعة
الاحترام والتأييد ، خصوصاً في ظل الموقف الداعم لقرار التقسيم من قِبَل الحزب
الشيوعي الفلسطيني ! النقيض الأيديولوجي لجماعة الإخوان المسلمين ومنافسهم الشعبي
آنذاك وفي ظل الضعف والعجز العربي الرسمي . [19]
فماذا كان الموقف العلماني الرسمي إزاء ذلك ؟ :
عرقلت الحكومة برئاسة النقراشي باشا جهاد الإخوان المسلمون بطرق عديدة ؛ لأن «
الحكومة تنظر بعين الريبة إلى حركات الإخوان وتخشى أن يؤلفوا جيشاً في فلسطين يكون
بعد ذلك خطراً كبيراً على سلامة الدولة » [20] ، وفي الوقت الذي كانت المعارك
مستعرة بين هؤلاء المتطوعين وعصابات الصهيونية نصبت الحكومة ما عرف باسم ( قضايا
الإرهاب ) و ( قضايا الأوكار ) ، وتم حل الإخوان المسلمين رسمياً ، وسيق زعماؤهم
إلى المنافي والمعتقلات ، واغتيل مؤسسها ومرشدها العام الشيخ حسن البنا ، في وقت
كان يعد العدة فيه لإعلان الجهاد العام والتعبئة الشعبية لتكوين قوات كبيرة يدخل
بها فلسطين ، وهكذا تم منع الإخوان من مواصلة جهادهم ضد اليهود [21] .
ولا يخفى الرابط بين هذه الإجراءات ودور هذه الحركة في قضية فلسطين :
ففي إشارة ذات مغزى يعلق محررا مذكرات ديفيد بن جوريون على ما ذكره في يوم 6 /12
/ 1948م بأن حكومة النقراشي راغبة في الخروج من الحرب ، ولكن النقراشي باشا يخشى (
الوضع الداخلي ) إذا بدأ محادثات سلام ! .. يعلقا بقولهما :
« ازداد غليان ( الإخوان المسلمين ) في مصر ، وفي كانون الأول / ديسمبر فرض حظر
على التنظيم ، واعتقل قادته ( في حين كان أعضاؤه يقاتلون في أرض إسرائيل ) » [22] .
- والآن من المعروف أنه بعد انتكاس حركات تحرير فلسطين ( الفندقية ) لم يبق في
ساحة الصراع الحقيقي ، والعملي مع العدو الصهيوني سوى الحركات الإسلامية ، وعلى
رأسها حركتا حماس والجهاد الإسلامي الفلسطينيتان ، وهذا يعرفه الجميع .
هذا في الوقت الذي تحولت فيه منظمات التحرير الفندقية إلى ( جنين ) نظام علماني
يرتبط صراحة مع دولة العدو ومع أمريكا بتعهدات واتفاقات سياسية وأمنية واستخباراتية
للتعاون في مواجهة ( الإرهاب ) الذي هو حركات مقاومة العدو الصهيوني ، ووفقاً لهذه
التعهدات والاتفاقيات تقوم أجهزة الأمن ( الفلسطينية ) بحملات اعتقال ودهم لعناصر
هذه الحركات ، كما يتم تبادل المعلومات مع أجهزة الأمن ( الإسرائيلية ) حول هذه
الحركات ، ويتم تأميم مساجدها ومؤسساتها وطرق اتصالها بالجماهير ، بل يتبجح مسؤولو
السلطة بهذا التعاون ، باعتباره وفاءً بالتزامات لاتفاقيات دولية ! ، وهكذا كان «
التعاون اللصيق بين أجهزة الاستخبارات والأمن في إسرائيل ، والسلطة الفلسطينية ، و
الأردن ، ووكالة الاستخبارات الأمريكية ، هو الذي أجهض جزءاً كبيراً من عمل حماس
العسكري ، وكذلك الجهاد الإسلامي ؛ فقواعد المعلومات الأمنية بين هذه الأطراف أصبحت
مشتركة ( ! ) وواحدة ، ولم يعد أحدها يبخل على الآخر بما لديه ، وتبادل المعلومات
والمراقبة اللصيقة يتمان بتنسيق وتناغم » [23] .
- ولم يقتصر الأمر على جهود النظم العلمانية لمحاصرة المقاومة العسكرية للعدو
الصهيوني والوقوف حائلاً دونها ، بل تعدتها إلى العمل على محاصرة المقاومة الشعبية
غير العسكرية وإجهاضها ، ففور اندلاع انتفاضة الأقصى الأخيرة تسارعت جهود النظم
العلمانية لعقد المؤتمرات باشتراك إسرائيل وأمريكا من أجل احتواء ( العنف ) وإيقافه
والعودة إلى مسار المفاوضات ، وتعالت صيحات بعض المثقفين والسياسيين العلمانيين (
الحكماء ) من فوق مقاعدهم الوثيرة بأن تحرير فلسطين لن يتم بإلقاء الحجارة ونزف
الدم الفلسطيني .
وعندما تعاطفت جماهير العالم الإسلامي مع إخوانهم في فلسطين خرج من يلقي عليهم
المواعظ السياسية التي تدعوهم إلى الواقعية الحكيمة ؛ لأن مظاهر هذا التعاطف لا
تفيد شيئاً في تحرير فلسطين ، بل إن الدعوات إلى مقاطعة البضائع والشركات الأمريكية
والإسرائيلية التي نشطت مؤخراً ولقيت تجاوباً شعبياً واسعاً لم تسلم من انتقادات
حكومات ورموز علمانية ، فتعالت مرة أخرى صيحات الحكماء العلمانيين بعدم جدوى هذه
المقاطعة وعدم القدرة عليها ، ولا شك أن هذه المواقف متوقعه ممن ربطوا بلادهم
سياسياً واقتصادياً بالغرب ، بحيث أصبح قطع حبل العلاقات بالغرب قطعاً لشريان
حياتهم هم .
لم يقتصر التأثير السياسي للعلمانية في قضية فلسطين على إخراج الإسلام من دائرة
الصراع وما تبع ذلك من افتقار إلى البعد الرسالي في الصراع ، وإلغاء العداوة ( من
أجل المبدأ ) ، والافتقار إلى إرادة القتال ، وهدر الطاقات الإسلامية والشعبية في
هذا الصراع .. ولكن هذا التأثير حقق أيضاً هدفاً آخر من المخططالصهيوني ، وهو تفتيت
التكتل الإسلامي ، وإدخال الأمة في دائرة تمزقات متشعبة ، وإدخال الأفراد في متاهة
اغتراب قيمي عندما ضاعت بوصلة هويته على يد العلمانية .
فاختلاف مذاهب العلمانية وتطبيقاتها ، وتباين كل قطر في توجهاته ومصالحه ( التي
لم تعد موحدة ) .. مزق جهود هذه الأقطار في مجالات عديدة فكرية وجغرافية وسياسية
وعسكرية واقتصادية واجتماعية ، فبين الليبرالية ودرجاتها ، والاشتراكية ونظرياتها ،
والقومية وتطبيقاتها ، وبين الارتباط بالغرب أو بالشرق أو محاولة التوسط والتوفيق
بينهما ضاعت جهود الأمة ، أو تحولت إلى تصريحات جوفاء ومشاهد مسرحية دعائية يقوم
بها الزعماء العلمانيون ؛ لإلهاء الشعوب وحفظ ماء الوجه أمامها .
فالعلمانية عندما اعتمدت القومية العربية إطاراً للصراع تكون قضية فلسطين قد
خسرت تلقائياً إمكانات وجهود الأقطار الإسلامية غير العربية من المشاركة في هذا
الصراع ، وليس أدل على ذلك من اعتراف إيران وتركيا مبكراً كما ذكرنا سابقاً بالدولة
الصهيونية ومد يد التعاون معها .
زد على ذلك : أن العلمانية لم تكتف بتحييد الشعوب الإسلامية غير العربية في
الصراع ، بل عملت أيضاً على تحييد الشعوب العربية نفسها ، عندما كرست التوجه القائل
بأن قضية فلسطين قضية فلسطينية تخص شعب فلسطين وحده ، ولا يبقى للشعوب العربية
الأخرى إلا أن ( تتعاطف ) مع هذا الشعب في محنته ومأساته .
وقد كان إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية وانحرافها العلماني إحدى الخطوات في (
فلسطنة ) الصراع ، وجدير بالذكر في هذا المجال ( التمزق والفلسطنة ) أن ( زعيم
القومية العربية ) جمال عبد الناصر ، وقبيل بدء مغامراته الاستنزافية والتمزيقية في
اليمن ، كان قد أعلن في فبراير عام 1958م قيام دولة وحدة عربية بين مصر و سورية ، ف
« استبشر بها الفلسطينيون خيراً ، وبنوا الآمال الكبار عليها متوقعين من دولة
الوحدة اتخاذ خطوات إيجابية لعودة الفلسطينيين إلى بلادهم وتحرير أرضهم المحتلة ،
إلا أن خيبة أملهم كانت كبيرة عندما رفض عبد الناصر طلباً تقدم به الحاج أمين
الحسيني رئيس اللجنة العربية العليا بقبول فلسطين في الاتحاد السوري المصري . ويبدو
أن عبد الناصر كان متخوفاً من أن يؤدي قبوله بهذه الوحدة إلى تحمله مسؤولية تحرير
فلسطين وممارسة الضغوط عليه لإعطاء المسألة الفلسطينية دوراً أكبر ، بينما لم يكن
عبد الناصر يعطي الأولوية للقضية الفلسطينية . ويقول باتريك سل : إن دولة الوحدة لم
يكن القضاء على إسرائيل هدفاً من أهدافها » [24] .
وذلك يؤكد أن القومية العربية العلمانية في ممارستها العملية كانت أداة لتمزيق
القوى المواجهة للعدو الصهيوني ، ولم تكن أداة للتوحد العربي كما يزعمون أو
يُنَظِّرون .
وإذا أخذنا لدراسة هذا الأثر العلماني مجالاً يتأثر بغيره من المجالات ويؤثر في
غيره أيضاً ، وهو المجال العسكري ، نموذجاً لهذا التمزق ، نجد أن من أهم أسباب
الهزيمة في فلسطين باعتراف جميع الأطراف هو ذلك التمزق الذي اعتراه .
فإضافة إلى أخطاء النظم العلمانية العسكرية الأخرى ، كالتهوين من قوة العدو
والاستخفاف بها ، والأسلحة الفاسدة ، وضعف التدريب والتسليح ، والافتقار إلى
التخطيط الجيد ... كان لتشرذم القوات العربية تحت قيادات مختلفة متخالفة أثر كبير
في الهزيمة العسكرية ، ففي حرب 1948 م يعرض ديفيد بن جوريون وجهة نظره في أسباب
هزيمة العرب التي ساهمت في انتصار اليهود عسكرياً عليهم بأنها :
1- خطتهم الاستراتيجية كانت سيئة ، ولا سيما خطة المصريين .
2- لم تكن لديهم قيادة موحدة [أثر العامل السياسي] .
3 - تسليحهم لم يكن كافياً لم يكن هناك قوة جوية ، ومصر كانت ضعيفة في البحر .
4- الطاقة البشرية المجندة لم تكن كافية أيضاً . استطعنا تعبئة قوة أكبر من
قوتهم .
5 - معنوياتهم منخفضة [لافتقاد الهدف وضياع الهوية والتخبط العسكري] .
6 - قدرة تعلم منخفضة .
7 - لم تكن عندهم صناعة عسكرية [أثر العامل الاقتصادي والعلمي] [25] .
وهذا ما يقر به علمانيو العرب أنفسهم ، ولكن بالطبع بعد انتهاء المعارك .
بل وصل هذا التشرذم والتمزق إلى حد بعيد قد لا يتصوره أي ( متعاطف ) مع القضية
الفلسطينية : فيذكر بن جوريون في يومية 16/1/1949م أن موشيه دايان عاد بعد حديث مع
أحد القادة العرب ليخبره أن « العجوز يشكو من الإنجليز الذين هو عبدهم ( ! ) ، يطلب
عدم ترك المصريين ، لا سمح الله ! ، في غزة ، من المفضل أن نسلمها إلى الشيطان ، أن
نأخذها نحن ، شرط ألا يأخذها المصريون ( ! ) » [26] ، أما النظرة الاستراتيجية عند
هذا ( العجوز ) فيوضحها هو نفسه لليهود قائلاً : « إذا غادرت الدول العربية البلد
فإننا سنقيم معاً » ، وفي صراحة لا لبس فيها يوضح أنه « لا يريد محادثات مشتركة مع
الدول العربية ، وهذه عليها المغادرة » ، بل إنه لا يعترف بحق أي دولة في أن تكون
موجودة في البلد [فلسطين] باستثناء اثنتين : إسرائيل ودولته » [27] .
ولا شك أن هذا التمزق والتشرذم العسكري والسياسي كان عاملاً مهماً في الهزيمة
العسكرية وما صاحبها ولحقها من تراجع سياسي ، تمثل في اكتساب الصهاينة أرضاً جديدة
وقبول العرب الهدنة التي مكنت العدو من إعادة تنظيم صفوفه وتعويض وتجديد تسليحه ،
والتفرغ لبناء دولته في ظل اعتراف عربي ضمني بحدودها ، بينما تحطمت القوة العربية
وتدنت الروح المعنوية في صفوف جنودها ، أما عرب فلسطين : فكان لهم الشتات ! .
كان هذا أيام النكبة العلمانية ، ولا يختلف الأمر كثيراً في نكستهم الثورية
التقدمية الوحدوية ... سنة 1967م :
فقد وقعت هذه النكسة ( هكذا يطلق إعلامهم على هذه الهزيمة وكأنهم كانوا منتصرين
قبلها ) وقعت بعد استنزاف طويل وصراع بين عدة أطراف عربية ، ورطها فيها زعيم
القومية العربية آنذاك جمال عبد الناصر ، كان منها : حرب اليمن والوحدة الفاشلة بين
مصر وسورية .
ويؤكد مراسل حربي لجريدة الأوبزرفر على حقيقة تسبب التفرق والتشرذم في هذه
الهزيمة ، فيقول : « إن الإسرائيليين اعتمدوا في ذلك على أن القوات العربية ليست
تحت قيادة موحدة ، وإن الأحداث أكدت صحة هذا الاعتقاد » .
وقال : « ... وعلى الجبهة الشمالية سورية ، تحققت نبوءة المخططين الإسرائيليين ،
وكانت عمليات القوات السورية محدودة جداً ، فلم يقم السوريون بأية عمليات جدية
لمساعدة المصريين في الخروج من المأزق الذي وقعوا فيه، وانحصرت مساعيهم في هجومات
محلية على مستعمرتي حدود إسرائيليتين » [28] .
وتعجب بعد ذلك لجريدة ( الثورة ) تخرج بعد اكتمال الهزيمة لتلقننا درسًا وحدوياً
قائلة « ... كان يمكن أن تكون نتائج المعركة أعظم بكثير لو توافر تنسيق أوسع
للاستراتيجية العربية ، ورافق ذلك توزيع أدق للقوات » [29] .
ولا شك أن العلمانية بتمزيقها للأمة وإدخالها في صراعات تستهلك قدراتها وتلهي
شعوبها قد أسدت إلى الدولة الصهيونية خدمة كبرى وحققت لها هدفاً بعيداً ، « وأي شيء
هو أسعد لإسرائيل من أن تلقى دولاً مفككة ، ممزقة ، هزيلة ، يمعن بعضه في تحطيم
وتجريح البعض الآخر ، ويضمر له من العداوة والضراوة والكره عشرة أمثال ما يضمر
لإسرائيل ؟ ! » [30] .
وقد كان هذا الهدف لدولة العدو يخطط له من قديم بأسلوب ثانٍ تحقق في الواقع
أيضاً ، هو : إقامة دويلات طائفية حول الدولة الصهيونية ، ولا يمنع إذا استدعى
الأمر محاولة تقسيم بعض الدول الكبرى على هذا الأساس [31] ؛ لتكوّن هذه الدويلات
حزاماً أمنياً يمثل خط دفاع متقدم عن اليهود ، وهو أحد عناصر ما يعرف بتأمين المجال
الحيوي [32] ، وهنا يبرز المثال الواضح لذلك التخطيط ، وهو دويلة الرائد سعد حداد
التي انفصل بها في جنوب لبنان عام 1979م ، ثم غزو لبنان الكامل ومحاولة فرض اتفاقية
( سلام ) مع قادة القوات اللبنانية الكتائبية المارون عام 1982م .
ولكن ما لا يعرفه كثيرون أن هذا المخطط مخطط قديم ، دأب قادة العدو على تحين
الفرصة المناسبة لتنفيذه ، فيذكر بن جوريون في يومياته ( 19- 20/12/ 1948م )
اقتراحات بعض القادة بهذا الخصوص في إحدى جلسات الحكومة ، من ذلك اقتراح مردخاي
بنطوف : « يجب تحطيم الحلقة الأضعف ، كان هذا في لبنان الماضي ، كان يمكن الذهاب
إلى بيروت وتأليف حكومة مارونية ( بقيادة المسيحيين الموارنة ) وإبرام سلام معها »
، و « يقترح جوش [ بلمون ] ، بموافقة يغئيل [ يادين ] جيشاً عربياً غير نظامي ( غير
إسلامي ) كي يشكل حزاماً » [33] .
وهي الفكرة التي نوقشت مرة أخرى سنة 1954م وقت أن كان موشي شاريت رئيساً للوزراء
، وقد وافق شاريت على مبدئها وإن اختلف مع بن جوريون في ظروف وتوقيت تنفيذها ،
ويذكر شاريت أن الفكرة نفسها نوقشت أيضاً في 16/5/ 1955م أثناء اجتماع مشترك لكبار
موظفي وزارتي الدفاع والخارجية ، فبعد أن أثارها بن جوريون عبّر دايان فوراً عن
مساندته بحماس : « حسب رأيه ( دايان ) الشيء الوحيد الضروري هو العثور على ضابط ،
ولو برتبة رائد ( ! ) فقط ، وعلينا إما أن نكسب قلبه أو نشتريه بالمال ، ليوافق على
إعلان نفسه مخلِّصاً للسكان الموارنة ، وعندئذ يدخل الجيش الإسرائيلي إلى لبنان ،
ويحتل المنطقة الضرورية ، ويخلق نظام حكم مسيحي يكون حليفاً لإسرائيل ... وافق رئيس
الأركان أن نستأجر ضابطاً ( لبنانياً ) يوافق أن يقوم بدور دمية بحيث يتمكن الجيش
الإسرائيلي من الظهور وكأنه يتجاوب مع طلب ( لتحرير لبنان من المعارضين المسلمين )
» [34] ، وهو ما تم بالفعل بعد حوالي خمسة وعشرين عاماً .
ولسنا هنا في معرض مقارنة وضوح الهدف في ذهن قادة العدو ، وتخطيطهم بعيد المدى
لتحقيقه ، وإصرارهم على التنفيذ ، ونجاحهم فيه ، مقابل ارتجالية القادة العلمانيين
وإخفاقهم المستمر ، ولكنا نشير إلى أنه كان من حجج دعاة القومية العربية العلمانية
التي يروجونها دائماً : أن الالتفاف حول الإسلام كآصرة تجمُّع وولاء سيقصي تلقائياً
العرب النصارى ويخسرهم ويفتح المجال لثغرات في جسد الأمة ، بخلاف قوميتهم العربية
العلمانية التي ستضم هؤلاء النصارى إلى النسيج السياسي العربي ، وهذه الحجة رغم
تهافتها ، ورغم أن القومية العربية لم تحل نظرياً ولا عملياً مشكلة أخرى ، هي وجود
قوميات عرقية أخرى في الجسد العربي يمكن اللعب عليها كالأكراد والبربر والزنوج ؛
رغم كل ذلك فقد سقطت هذه الحجة في أول اختبار عملي لها ، ذلك إن التكتل النصراني
اللبناني تحالف مع أعداء الأمة ( العربية ! ) في أول فرصة أتيحت له ، ومزق بطائفيته
النسيج القومي العربي المزعوم .
وهكذا أصبحت القومية العربية العلمانية مجرد محطة في طريق تجزئة الأمة يتم
تجاوزها بعد استنفاذ أغراضها واستثمارها من قبل العدو .
______________________
(1) انظر : الأراضي المقدسة بين الماضي والحاضر والمستقبل (دراسة حديثية
تحليلية) ، لإبراهيم العلي ، ص 31- 63 .
(2) انظر فيما يلي : السلطان عبد الحميد وفلسطين ، لرفيق شاكر النتشة ، ص 163
190 ، وصحوة الرجل المريض ، للدكتور موفق بني المرجة ، ص 213-227 ، 412 ،
والعثمانيون من قيام الدولة إلى الانقلاب على الخلافة ، للدكتور محمد سهيل طقوش ، ص
482 494 ، وموسوعة اليهود واليهودية والصهيونية ، للدكتور عبد الوهاب المسيري ، ج 7
، ص90 .
(3) السنجق : بمعنى لواء ، أي : إقليم أو محافظة .
(4) رفيق شاكر النتشة ، مصدر سابق ، ص 128 ، 125 ، وصحوة الرجل المريض ، ص 220 .
(5) انظر : مجلة الدراسات الفلسطينية ، مقال غازي فلاح (إسرائيل والأرض
الفلسطينية) ، ص 67 ، وموسوعة اليهود واليهودية والصهيونية ، ج7 ، ص 64 ، 94 ، ج2 ،
ص 110 ، والمدخل إلى القضية الفلسطينية ، تحرير جواد الحمد ، مقال (قيام دولة
إسرائيل) للدكتور نظام بركات ، ص 202 .
(6) البعد القومي للقضية الفلسطينية ، د إبراهيم ابراش ، ص 23 .
(7) انظر وجهات نظر مختلفة حول هذا الموضوع في : يقظة العرب ، لجورج انطونيوس ،
ترجمة : د ناصر الدين الأسد و د إحسان عباس ، ص 267-270 ، والبعد القومي للقضية
الفلسطينية ، د إبراهيم ابراش ، ص 30 -32 .
(8) للوقوف على هذه الملامح ، انظر على سبيل المثال : يوميات الحرب ، ديفيد بن
جوريون ، ص 702 ، 703 ، 747 ، 748 .
(9) نقلاً عن : نقاط على حروف في الصراع العربي الصهيوني ، د إبراهيم يحيى
الشهابي ص 73 .
(10) ديفيد بن جوريون ، يوميات الحرب ، تحرير : غيرشون ريفلين وإلحانان أورون ،
ترجمة : سمير جبور ، ص 702 .
(11) نقلاً عن : نقاط على الحروف في الصراع العربي الصهيوني ، ص 68 .
(12) ديفيد بن جوريون ، يوميات الحرب ، ص 720 .
(13) د إبراهيم ابراش ، البعد القومي للقضية الفلسطينية ، ص 114 .
(14) يذكر أحمد حمروش نفسه أن هذه الاتصالات مع جولدمان كانت تتم بمعرفة جمال
عبد الناصر (زعيم القومية العربية) ! ، انظر : جريدة الشرق الأوسط ، ع / 8085 ،
16/1/2001 .
(15) صحوة الرجل المريض ، ص 221-224 .
(16) جريدة الشرق الأوسط ، ع/ 7879 ، 24/6/2000 .
(17) محمد جلال كشك ، النكسة والغزو الفكري ، ص 203-204 ، 213 .
(18) انظر : البعد القومي للقضية الفلسطينية ، ص 68-69 ، ومقال شكري نصر الله
(انتفاضة الأقصى الخامسة منذ إعلان بلفور) جريدة الشرق الأوسط ، ع / 8019 ، 11 / 11
/ 2000 .
(19) انظر : بين تحرير فلسطين والدولة الإسلامية ، د بسام العموش ، بحث ضمن كتاب
: المدخل إلى القضية الفلسطينية ، ص 251 252 ، ومصر وفلسطين ، د عواطف عبد الرحمن ،
ص 137- 139 ، 274- 279 .
(20) كامل الشريف ، الإخوان المسلمون في حرب فلسطين ، ص 65 66 .
(21) انظر : المصدر السابق ، ص 213 219 .
(22) يوميات الحرب ، ص 652 ، والأقواس من وضع المحررين .
(23) خالد الحروب ، مقال (خيارات حركة حماس في ظل التسوية المقبلة) ، مجلة
الدراسات الفلسطينية ، ع/ 42 ، ربيع / 2000 ، ص 34 .
(24) البعد القومي للقضية الفلسطينية ، ص 143 ، وانظر : بحث (بين تحرير فلسطين
والوحدة العربية) للدكتور أحمد سعيد نوفل ، ضمن كتاب (المدخل إلى القضية
الفلسطينية) ، ص 237-239 .
(25) يوميات الحرب ، ص 747 .
(26) يوميات الحرب ، ص 717 ، وانظر ص 721 ، وقارن ذلك بموقف السلطان عبد الحميد
من مساومات اليهود على فلسطين .
(27) انظر : السابق ، ص 720 721 .
(28) انظر : السابق ، ص 720 721 .
(29) سقوط الجولان ، لضابط استخبارات الجولان قبل الحرب خليل مصطفى ، ص 161 .
(30) سعد جمعة ، المؤامرة ومعركة المصير ، ص 102 .
(31) ولك أن تنظر إلى ما يجري الآن في السودان والعراق ، وإثارة مشكلة البربر في
الجزائر ، : كما أن مصر لم تسلم أيضاً من هذا التخطيط الصهيوني ؛ إذ تكشف الوثائق
عن مخطط بعيد المرامي يهدف إلى تقسيم مصر إلى أربع دويلات طائفية ، انظر : فلسطين
أرض الرسالات الإلهية ، روجيه جارودي ، ومقال (احتواء العقل المصري) للدكتور حامد
ربيع ، ضمن كتاب (الاستعمار والصهيونية وجمع المعلومات عن مصر) ، إعداد : د جمال
عبد الهادي و عبد الراضي أمين ، ص 22 ، والطريق إلى بيت المقدس ، د جمال عبد الهادي
، ج3 ، ص 164 .
(32) انظر : نقاط على حروف في الصراع العربي الصهيوني ، ص 68 ، 74 - 75 ، ومقدمة
نذير عاروري لكتاب (إرهاب إسرائيل المقدس) ، ص 18 .
(33) يوميات الحرب ، ص 668 .
(34) إرهاب إسرائيل المقدس ، تأليف : ليفيا روكاخ ، ترجمة : مصطفى درويش ، ص 67
.
--------------------------------------------------------------------------------
موجز الأنباء العلمانية
قضية فلسطين بين الإسلام والممارسة السياسية العلمانية
( 2 - 2 ) خالد محمد حامد
تحدث الكاتب في الحلقة الأولى من مقالته عن فلسطين بين العروبة والإسلام ؛ فجعل
من هذا العنوان نبأه الأول ؛ إذ لم يكن لفلسطين مكانة مرموقة في حس العربي الجاهلي
، ولكنها ظفرت بها بعد الإسلام ، ثم توالت عناوين الأنباء فمرت بفلسطين قبل النفق
العلماني ، ثم كيف صارت في عهدة العلمانية ، وانتقل بنا إلى آثار دخول فلسطين النفق
العلماني ، وما جر على الأمة من ويلات عدَّد منها نقاطاً أربعاً . ويمضي بنا الكاتب
في رحلة مع بقية أنبائه .
- البيان -
مر بنا سابقاً التحول الذي تم لصالح اليهود في مجالي الأرض والمهاجرين بدخول
فلسطين النفق العلماني ؛ حيث لم تتعد نسبة اليهود إلى العرب في فلسطين سنة 1914م 9
. 7% لا يحوزون أكثر من 1 . 5% من مساحة فلسطين ، تقام عليها 47 مستوطنة ، وبين سنة
1914م - 1917م حاز اليهود 245 . 58 دونم أخرى ( الدونم = 1000م2 ) ، وفي سنة 1918م
كان اليهود يحوزون نحو مليون و333 ألف دونم من مجموع 7 ملايين دونم زراعية ، لترتفع
نسبة ما يحوزونه إلى 2 . 8 % من مجموع أراضي فلسطين ، ومنذ هذا الوقت إلى قبيل سنة
1948م ( صدور قرار التقسيم ثم إقامة الدولة الصهيونية ) أضاف اليهود إلى حيازتهم
نحو أقل من 4% من مساحة فلسطين ، ليصل مجموع الأراضي التي يحوزونها نحو مليون و807
ألف دونم ، تمثل نسبة 6 . 6% من مساحة أراضي فلسطين ، مقام عليها نحو 277 مستوطنة ،
ووصلت نسبة السكان اليهود في هذا الوقت إلى 35 . 1% من مجموع السكان .
ولم تكن هذه المساحة من الأراضي - رغم تميزها نوعاً وموقعاً - بهذه النسبة من
السكان .. لم تكن كافية لإقامة الدولة الصهيونية ، يعبر عن هذا حاييم وايزمان بقوله
: « لا يمكن أن يكون في فلسطين وطن قومي بدون أرض ... » [1] ، وهذا يبين أهمية
الاستيلاء على الأراضي لتحقيق المخطط الصهيوني .
وبعد صدور القرار رقم 181 الخاص بتقسيم فلسطين ، والذي يعطي اليهود نحو 56% من
أراضي فلسطين ، لجأ اليهود إلى تنفيذ القرار بالقوة المسلحة ، وعن طريق حروب عصابات
قامت بأعمال عسكرية وإرهابية ، صاحبتها حرب نفسية مدبرة ، ساهمت فيها أجهزة دعائية
متنوعة ، أعلن اليهود دولتهم على نحو 77 . 5 % من مساحة فلسطين ، متجاوزين ما خصصه
لهم قرار ( الشرعية الدولية !) ، ونتج عن ذلك : تشريد أهالي نحو 530 مدينة وقرية
وقبيلة فلسطينية .
والذي نود الإشارة إليه هنا : أن النظم العلمانية في معرض تنصلها من مسؤوليتها
عن ضياع فلسطين ، وسترها على عارها العسكري المتمثل في هزيمة جيش غير نظامي يبلغ
تعداده ( 127 ) ألف جندي [2] لجيوش ست دول عربية يفوق تعدادها عدد اليهود أربعين
ضعفاً ، ومع ذلك لم تستطع هذه الدول حشد إلا أقل من ( 22 ) ألف جندي [3] غير مؤهلين
تسليحياًّ ولا تدريبياً ولا معنوياًّ .. إزاء ذلك راحت النظم العلمانية تروِّج فرية
مفادها أن سبب ضياع فلسطين هو بيع أهلها لها .
والحقيقة : أن الأراضي التي اشتراها اليهود كانت 261 . 400 دونم تمثل نسبة 9 .
7% من الأرضي التي استولوا عليها قبل الحرب ، أي أقل من 1% من مجموع مساحة فلسطين ،
وقد اشترى اليهود معظم هذه الأراضي من عائلات كبرى يقيم معظمها في سورية ولبنان ،
ولم يبلغ ما اشتراه اليهود من فلاحي فلسطين سوى 64 . 201 دونم ، أي : ما يعادل 0 .
25% من مساحة فلسطين [4] .
فالعامل السياسي والعامل العسكري - اللذان صادرتهما النظم العلمانية لحسابها
باعتبارهما من خصائص الدولة التي أصبحت هذه النظم قيِّمة عليها - كانا من أهم
العوامل التي ساهمت في ضياع أرض فلسطين آنذاك ، والتي مثلت نسبة 77 . 5 % من مجموع
مساحة فلسطين .
ثم جاءت هزيمة سنة 1967م - وفيها ما فيها من مخاز وعلامات استفهام - ليضيف
اليهود إلى سيطرتهم بقية أراضي فلسطين ، بالإضافة إلى مساحات متفاوتة من أراضي دول
الجوار .
لم يقف السقوط العلماني عند هذا الحد ، بل استمر بشكل أخطر عندما توشحت
العلمانية برداء الواقعية الانهزامية ، وفرضت على الأمة تسويات سياسية مع دولة
العدو من خلال ما سمته بعملية السلام ، فحولت - باعترافها بشرعية دولة إسرائيل أرض
فلسطين من كونها أرضاً محتلة - أو حتى مفقودة - إلى أرض متنازل عنها أو ضائعة إلى
الأبد ، وبعد أن تحول الصراع بهذا الاعتراف من صراع وجود إلى نزاع حدود ، دخلت
النظم العلمانية - وهي الطرف الضعيف والمهزوم - في مفاوضات مريبة حول فتات من (
المرعى والماء ) .
وكما ضاعت الأرض ضاع الشعب ، فبعد ( النكبة ) شرد أكثر من 940 ألف مواطن فلسطيني
، فكانت بداية ما عرف بمشكلة اللاجئين ، وعقب احتلال ( إسرائيل ) للضفة الغربية
وقطاع غزة في حرب 1967م شرد نحو 200 ألف مواطن فلسطيني آخر من ديارهم ، نصفهم من
لاجئي 1948م ، ثم تضخمت هذه المشكلة ليصل عدد اللاجئين الآن إلى 5 . 498 . 186
يمثلون 66 . 5 % من مجموع الشعب الفلسطيني .
ومثلما حاولت النظم العلمانية التنصل من مسؤولية ضياع الأرض حاولوا التنصل من
مسؤولية تشريد الشعب ملمحين إلى هروب هذا الشعب وعدم ثباته ، مثلما ألمحوا إلى
تفريطه في أرضه ، وأحياناً إلى خيانة قطاعات منه .
والحقيقة - التي بينتها الملفات الإسرائيلية نفسها ( د . سلمان أبو ستة 200 ) -
أن هجرة أهالي 89% من القرى التي احتلها الصهاينة كانت بسبب عمل عسكري صهيوني ،
و10% بسبب الحرب النفسية ( نظرية التخويف وإثارة الرعب ) ، و1% فقط بسبب قرار أهالي
القرى بتركها .
فكما كان عاملا الإخفاق السياسي والعسكري سبباً رئيساً في ضياع أرض فلسطين ،
كانا كذلك سبباً في ضياع أهلها .
والحقيقة أيضاً : أن النظم العلمانية ساهمت ، بشكل أو بآخر ، بقصد أو بغير قصد ،
في تنفيذ المخطط الصهيوني الاستيطاني في فلسطين من وجهة أخرى ، فلم يكن الإخفاق
العسكري والسياسي للنظم العلمانية وحده الذي ساعد المخطط الصهيوني على تحقيق مآربه
، بل كانت هناك ( أخطاء ) أخرى ساهمت في تحقيق هذا المخطط ، ومن ذلك :
مشاركة أجهزة الإعلام العربية - وخاصة الإذاعات - بغباء في حملة التخويف
والترهيب التي قصد بها العدو تحطيم نفسية العرب في فلسطين وإشاعة الذعر في صفوفهم ؛
لحملهم على الهروب خارج قراهم ومدنهم ، وقد يكون إبراز أجهزة الإعلام لأنباء
المجازر الصهيونية وتضخيمها وترويجها كان بقصد إظهار وحشية اليهود وخطرهم والتحذير
منهم ، ولكن المعالجة غير الحكيمة لهذه الأحداث صبت في النهاية لصالح اليهود على
النحو الذي أسلفنا .
أما من جهة مخطط الاستيطان الصهيوني فمنذ أبي الصهيونية السياسية ( هرتزل )
ترسخت سياسة الاستيطان الصهيونية - حسبما يقول في ( يومياته ) عام 1895م - : «
يتوجب علينا أن ننزع الملكية الخاصة لأراضي فلسطين من أيدي ملاكها ، وينبغي أن يكون
ذلك في لطف ، وفي منتهى السرية والتكتم والحذر الشديد ، وعلينا أن نقوم بتهجير
السكان المعدمين ( الفلسطينيين ) عبر الحدود ، بعد أن نسد أمامهم كل مجال للعمل في
بلادنا ( فلسطين ) ، بينما نحاول تأمين استخدامهم وتشغيلهم ( ! ) في بلدان العبور »
[5] .
وكان هذا التوجه مضمون اقتراح أمريكي ( لطيف ) للرئيس روزفلت قبل إقامة دولة
إسرائيل ، وقضى بأن « على اليهود إذا رغبوا ( ! ) في الحصول على أراضٍ أكثر في
فلسطين أن يقوموا بالتفكير بشراء أراض زراعية خارج فلسطين ( ! ) ، وبتقديم المساعدة
المادية للعرب للخروج من فلسطين إلى تلك المناطق » [6] .
ثم جاء آباء الدولة الصهيونية ليزيدوا هذه السياسة رسوخاً وتعميقاً ، فجاء في
يوميات موشيه شاريت السياسية أنه « على الرغم من محاولات الصهيونيين الزعم أن فكرة
الترانسفير ، أي ترحيل الفلسطينيين من بلدهم أو من أجزاء منه لإخلاء مكان لليهود ،
وردت أساساً في تقرير لجنة بيل البريطانية لسنة 1937م ، أي إنهم ليسوا أول من طرحها
، ومن ثم فإنهم ( براء ) منها ؛ فقد كانوا عملياً هم الذين أوحوا بها للَّجنة التي
قبلتها بناءً على رغبتهم » [7] .
وكانت هذه السياسة هاجساً لدى القادة الصهاينة ، حتى إن حاييم وايزمان رئيس
المنظمة الصهيونية العالمية عرضها على السفير السوفييتي في لندن أثناء اجتماع مكتب
لندن لمجلس إدارة الوكالة اليهودية في فلسطين يوم 30/1/1941م .
يقول هذا السفير : « يطرح وايزمان بقلق السؤال التالي : ماذا يمكن أن يجلب
انتصار بريطانيا [في الحرب العالمية الثانية] لليهود ؟ إنه يطرح هذا السؤال ويستخلص
الاستنتاجات التي لا تبعث على الاطمئنان ؛ لأن ( الخطة ) الوحيدة التي يمكن أن
يضعها وايزمان من أجل إنقاذ يهود وسط أوروبا ( لا سيما يهود بولندا ) تتلخص بما يلي
: نقل مليون عربي يعيشون في فلسطين الآن إلى العراق ، وتوطين 4 - 5 ملايين يهودي من
بولندا والبلدان الأخرى في أراضيهم بعد إخلائها لكن هيهات أن يوافق البريطانيون على
ذلك ، وإن وافقوا فماذا سيحدث بعد ذلك ؟ وقد أعربت عن دهشتي بصدد كيف يعتزم وايزمان
نقل 5 ملايين يهودي إلى الأراضي التي يقطن فيها مليون عربي ؟
فضحك وايزمان وقال : لا تقلق بهذا الصدد ، غالباً ما يوصف العربي بأنه ( ابن
الصحراء ) فهو بكسله وبسذاجته يحول البستان المزدهر إلى صحراء مقفرة ، فأعطني
الأراضي التي يسكنها مليون عربي وسأوطن فيها خمسة أمثال هذا العدد من اليهود بأفضل
حال » [8] .
والجديد هنا هو بروز معالم ( خطة ) ومواطن بديلة « إن المسافات ستكون أقصر
كثيراً بالنسبة لفلسطين ؛ فمن الممكن إجلاء العرب إلى العراق أو شرق الأردن » - كما
جاء في محضر الاجتماع المشار إليه - .
وهكذا قامت دولة ( إسرائيل ) على سياسة ملء ( المجال الحيوي ) باليهود بعد
تفريغه من الفلسطينيين ، وقد مر بنا حديث بن جوريون عن أمن ( إسرائيل ) الذي تعرض
فيه للهجرة والاستيطان . وكانت هذه السياسة دائماً أحد اهتمامات قادة العدو ، ففي
اجتماع للجنة شؤون العرب عقد أثناء الحرب الأولى في 18/8/1948م تم طرح هذه
الموضوعات للمناقشة : « إعادة العرب أم لا ؟ هناك حاجة إلى تجميع مادة تتعلق بوجود
اللاجئين ، وتسجيل ممتلكاتهم ، من هم الذين قد يعودون ؟ هل يجب إعادتهم إلى أماكنهم
السابقة أم إلى أماكن أخرى ؟ استجلاء إمكانات التوطين في دول عربية ( ! ) أين ؟
تعويضات للاجئين ، المساعدة ( ! ) في توطينهم في بلاد أخرى ، هل يمكن استبدال عرب
بيهود [ بترانسفير ( نقل ) متبادل بين الدول] ؟ ! » [9] ، وفي هذا الاجتماع اقترح
يوسف فايتس أنه « يجب إعداد خطة لتوطين العرب في البلاد المجاورة ، يجب أن تعين منذ
الآن هيئة تتولى معالجة استجلاء هذه المشكلة ، ولا تكون الهيئة حكومية » ، كما
اقترح بيخور شطريت أنه « يجب التجرؤ على مبادلة يهود عرب ( من دول عربية ) بعرب (
إسرائيليين ) » [10] .
وكان من ( الأخطاء ) الأخرى للأنظمة العلمانية أيضاً : مساهمة تلك الأنظمة
المباشرة - أو غير المباشرة - في هذه الخطة الاستيطانية منذ وقت مبكر ، فبخلاف ما
ذكرناه عن موقف حكومة الاتحاد والترقي العلمانية في تركيا عقب خلع السلطان عبد
الحميد ثم إلغاء الخلافة ، جاء في اتفاقية فيصل / وايزمان المعقودة سنة 1919 م ما
يلي : « يجب أن تتخذ جميع الإجراءات لتشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين على مدى
واسع ، والحث عليها ! وبأقصى ما يمكن من السرعة لاستقرار المهاجرين في الأرض عن
طريق الإسكان الواسع والزراعة المكثفة .. » [11] .
ثم ساهمت هذه الأنظمة بعد ذلك ، وأثناء مدها الثوري ! في تهجير يهود يعيشون في
كنفها إلى الكيان الصهيوني ؛ فلقد كان كثير من اليهود الذين يعيشون في البلاد
العربية لا يؤيدون الصهيونية ويفضلون الإقامة في مواطنهم التي نشؤوا فيها ، فتضافرت
جهود الصهيونية مع ( أخطاء ) النظم العلمانية لدفع هؤلاء اليهود المترددين إلى حسم
خيارهم والهجرة خارج البلاد ، إما إلى ( إسرائيل ) أو إلى البلاد الغربية خادمين
لدولة اليهود أيضاً ، هكذا يذكر رئيس الطائفة اليهودية في العراق ، فيقول : « استمر
اليهود العراقيون في أعمالهم حتى سنة 1948م حين أُعلنت دولة إسرائيل ، وأخذت
الحكومة بسياسة اضطهاد اليهود العراقيين المواطنين المخلصين ، فقلصت تجارتهم ،
وطردت موظفيهم ، وسجنت شبابهم ، تمهيداً لإصدار قانون إسقاط الجنسية العراقية ،
فاضطر المواطنون اليهود سنة 1950م 1951م إلى ترك بلادهم والنزوح إلى إسرائيل ، وشرد
الآلاف منهم في مختلف أقطار المعمورة ، واستطاع عدد قليل منهم البقاء في العراق
أمثالنا ، لكننا اضطررنا نحن أيضاً إلى الهجرة بعد نحو من ربع قرن ، وفي العراق
الآن نحو 40/45 يهودياً ، جلهم من العجزة والعجائز » [12] ، بالطبع لا حاجة لقوة (
إسرائيل ) بهم .
فعندما « شارفت الصهيونية على الفشل الأيديولوجي في أن تكون الحل النهائي ، بل
وتأسيس دولة فقيرة السكان تدخلت الفاشية العربية وأمدتها بما ينقصها » [13] ، وقد «
تم التنكيل باليهود أولاً تحت شعار ( تأمين الجبهة الداخلية) وفي انتظار تحقيق حلم
اليقظة المعنون ( المعركة الفاصلة ) مع إسرائيل . وتم ذلك عبر الكثير من السياسات ،
منها المعلن ومنها غير المعلن ، ومن النوع الثاني :
مداهمة زوار الفجر لمنازل العائلات اليهودية وتخييرهم بين الذهاب إلى السجن أو
الذهاب إلى المطار أو الميناء ، وبعد ذلك يتم نهب ممتلكاتهم . أما السياسات المعلنة
: فيندرج تحتها الاعتقال التحفظي في أماكن لا إنسانية ، ثم جاء دور قانون وزير
الداخلية المصري رقم 183 لسنة 1964م ، وطبقاً للمادة 7 فقرة ثامنة :
تم وضع كل اليهود المصريين في القائمة السوداء ، ونص القانون على أن اليهودي لا
يستطيع أن يغادر البلاد إلا نهائياً ( ! ) ، وبعد التنازل عن الجنسية والإقامة ،
والحرمان من حق العمل في المؤسسات العامة ، ومعاملة الزوجة أو الزوج غير اليهودي
معاملة اليهودي .
وهكذا تم اقتطاع قطعة من الجسد المصري تحتوي على 85 ألف نسمة ، وضع أكثر من
نصفهم في فم الصهيونية من دون أن تبذل مجهوداً يذكر .
ومثل ذلك وأكثر اتبع مع يهود العراق : منذ أحداث الفرهود في أول وثاني أيام
حزيران ( يونيو ) سنة 1941م خلال انقلاب رشيد علي الكيلاني ، حيث قتل حوالي 300
يهودي على أيدي المعدان ، ونهبت ممتلكات اليهود وأحرقت وبتواطؤ رسمي ، ثم قانون
إسقاط الجنسية في ظل حكومة توفيق السويدي الذي لم يهاجر بمقتضاه سوى ألف يهودي ،
فبدأت عمليات الترهيب على أيدي قوات الأمن العراقية وعملاء الموساد في وقت واحد ،
ثم سلسلة تفجيرات القنابل في أماكن تجمع اليهود ، وحيث زال الفاصل ما بين أفعال
الحكم العراقي وأفعال الموساد والمنظمات الصهيونية تحت قيادة الإسرائيلي من أصل
عراقي موردخاي بن بورات ، وتم تأسيس شركة طيران في جنوب إفريقيا لحمل اليهود إلى
قبرص في البداية ، وعندما كانت نسبة منهم تهرب إلى دول أخرى بدأت تلك الشركة التي
هي في الأصل شركة ( العال ) تنزل رأساً من بغداد إلى مطار اللُّد .
ويحدد الكتاب السنوي لإسرائيل للعام 1952م عدد المهاجرين العراقيين بمليون و50
ألفاً و 96 مهاجراً من 1948م إلى 1952م ، ونسبة 15 في المئة منهم من كردستان ،
ويلاحظ أن ذلك ليس العدد الكلي ؛ فهناك من هاجر قبل وبعد ذلك » [14] .
وبنظرة سريعة إلى تطور عدد السكان اليهود في العالم العربي على مدى أربعين عاماً
[15] يتوضح جليّاً مدى ( الجهود ) التي بذلتها العلمانية في ( صراعها ) مع
الصهيونية ! :
البلد/السنة عدد سكان اليهود 1958م 1969م 1986م 1992م عام 1950م
مصر 75.000 40.000 1.000 250 200
العراق 120.000 6.000 2.500 200 200 (110ألاف حسب باتاي)[*]
لبنان 6.700 6.000 2.500 250 200 ( 6 آلاف حسب باتاي)
سوريا 6.000 5.000 4.000 4.000 1.200 (13 ألف حسب باتاي)
اليمن(وحضرموت)11.200 3.500 - 1.200 1.600 (50ألف حسب باتاي)
ليبيا 4.00 3.750 100 - - ( 38 ألفا حسب باتاي)
تونس 100.00 85.000 10.000 3.700 2.000
الجزائر 120.000 140.000 1.500 300 300 (130 ألفا حسب باتاي)
المغرب 246.700 200.000 50.000 17.000 7.500 (280 ألفًا حسب باتاي)
البحرين 400 ـ ـ ـ ـ
المجموع 700.000 489.250 72.100 26.900 13.200 ( 802.400 حسب باتاي)
أما في في تركيا - حيث كان نفوذ اليهود قوياً ، وبقاء بعضهم فيها أكثر خدمة
للصهيونية - فقد تطور عددهم على النحو التالي [16] :
العام --- العدد
1935--- م 78.720
1945--- م 26.960
1960--- م 43.920
1973--- م 36.000
1992--- م 26.000
بل ساعدت أطراف عربية علمانية بلا حياء في عمليات تهجير يهود من بلاد غير عربية
إلى ( إسرائيل ) ، وعملية تهجير يهود الفلاشا المسماة بـ ( عملية موسى ) ما زالت
ماثلة في الذاكرة السياسية العلمانية - لمن له ذاكرة ! - .
ولا تخجل بعض النظم العلمانية عندما تدعي بعد ذلك أنها اكتشفت - فجأة ! - خطأها
السابق ، فتدعي أن لمواطنيها عرقاً ممتداً في دولة ( إسرائيل ) ، هم اليهود العرب
الذين هاجروا من بلادهم من قبل ، فيستخدمونهم ذريعة للتطبيع مع دولة العدو ،
ويستخدمونهم جسراً معاكساً نحو بلاد المسلمين ، يحاولون من خلاله فتح باب للصهيونية
بدعوى أن هؤلاء اليهود هم من جذورنا وأبناء بلادنا !
والآن تطالب ( إسرائيل ) بتعويضات لهؤلاء اليهود ؛ لأنهم هُجِّروا من مواطنهم ،
أي أنها تريد أن ندفع لها ثمن دعم النظم العلمانية لإقامة كيانها ! هكذا ضاع الشعب
وضاعت الأرض على يد النظم والمنظمات العلمانية ، أما مستقبل هذه الأرض وهذا الشعب
وما يدور بصددهما الآن في ظل تلك النظم والمنظمات ، فذلك حديث آخر .
النبأ الخامس : من افتقاد الهدف إلى افتقاد الانتماء :
كما أوضحنا سابقاً : فإن العلمانية لم تكن تملك رؤية ( حضارية ) مخالفة ( أو
مناقضة ) للرؤية الغربية التي تساند الصهيونية ، لذا : كانت إمكانية الالتقاء مع
الخصم ( الذي يسمونه عدواً ) متحققة ، وعندما حاولت النظم العلمانية استبعاد رسالة
الإسلام عن الصراع مع العدو فإنها بذلك كانت تعمل على دفع الأمة إلى هاوية السقوط (
الحضاري ) ؛ فإن « الأمم التي تتخلى عن رسالتها والتي تنبع من مقومات وجودها
ويرشحها لها التاريخ : تسقط وتنتهي بالتحلل ، وهذا ما تعيه جيداً الدول الكبرى في
الوقت الراهن » [17] ، ولأن العلمانية أضحت لا تقود الأمة برسالة خالدة - وإن ادعت
ذلك في شعاراتها - فلم يبق أمام النظم العلمانية إلا إعلان سعيها لتحقيق أهداف
جزئية محددة في صراعها مع الدولة الصهيونية .
والآن لننظر نظرة مجملة إلى هذه الأهداف : كيف كانت ؟ وكيف أصبحت ؟ :
الموضوع الهدف (كان) النتيجة الآن
1- قرار تقسيم فلسطين رفض قرار التقسيم قبول جميع قرارات الشريعة الدولية
2- الاعتراف دولة إسرائيل رفض الاعتراف بها اعتراف بها وقبول العيش معها في سلام
3- تحرير فلسطين وجوب تحريرها من تنازل رسمي عن 77.5 البحر إلى النهر % والتفاوض
على الباقي
4- التفاوض مع إسرائيل الكفاح المسلح هو الطريق حرب أكتوبر آخر الوحيد لتحرير
فلسطين الحروب ، ولا طريق إلا المفاوضات
5- العلاقات مع إسرائيل مقاطعات تصل حتى تسابق إلى علاقاتالدرجة الثالثة من
المتعاملين معلنة وخفية معإسرائيل
6- اللاجئون الفلسطينيون عودة جميع اللاجئين إلى اقتراحات بالتوطين ديارهم
وأرضهم خارج فلسطين والتعويض أو عودة بعضهم
7- القدس القدس الموحدة عاصمة تنازل عن القدس الغربية فلسطين وتفاوض على القدس
الشرقية.
وعندما أخفقت النظم العلمانية حتى في الحفاظ على ( الماء والمرعى ) تراجعت
أهدافها المعلنة عقب كل هزيمة ، حتى انجلى الهدف الحقيقي في النهاية ، وهو : الحفاظ
على بقاء النظام ( العلماني ) حتى وإن فنيت البلاد ، ثم اختزل هذا الهدف بعد ذلك في
الحفاظ على شخص ( الزعيم الأوحد ) و ( القائد الملهم ) .
فكما زعم النظام الناصري عقب هزيمة 1967م أن إسرائيل لم تنتصر في الحرب ؛ لأن
النظام الحاكم في مصر لم يسقط .. ردد ذلك أيضاً النظام البعثي في سورية ، فادعى هذا
النظام أنه خرج من الحرب منتصراً ، فأعلنت جريدة الثورة السورية الناطقة بلسان
الحكومة البعثية يوم 13/6/1967م أن « ... أهم نصر حصل عليه العرب في حربهم مع
إسرائيل هو تلك الاندفاعية الثورية التي امتدت من المحيط إلى الخليج » [18] ، ويدعي
ذلك أيضاً مسؤولون رسميون ، فيقول أحمد سويداني قائد الجيش السوري قبل الحرب
وخلالها وبعدها : « إن المعركة لا تقاس نتائجها بعدد الكيلومترات التي خسرناها ...
بل بأهدافها وما استطاعت أن تحقق .
فقد كان هدف إسرائيل ، ليس احتلال بضعة كيلومترات من سورية ، بل إسقاط الحكم
التقدمي فيها ، وهذا ما لم يتم لها ، ولذا يجب أن نعتبر أنفسنا الرابحين في هذه
المعركة ! » [19] .
ومن الرجل العسكري إلى الرجل السياسي ؛ يقول إبراهيم ماخوس وزير خارجية سورية
قبل الحرب وخلالها وبعدها : « ليس مهماً أن يحتل العدو دمشق ، أو حتى حمص و حلب !
.. فهذه جميعاً أراض يمكن تعويضها وأبنية يمكن إعادتها ، أما إذا قضي على حزب البعث
، فكيف يمكن تعويضه وهو أمل الأمة العربية ؟ » .
« ... لا تنسوا أن الهدف الأول من الهجوم الإسرائيلي ، هو إسقاط الحكم التقدمي
في سورية ، وكل من يطالب بتبديل حزب البعث ، عميل لإسرائيل ... »[20] .
فهكذا أصبح من السهولة بمكان التضحية بالبلاد وإفنائها من أجل الإبقاء على
النظام ، وهذا النظام ليس إلا شخصيات رجاله ، هكذا يلقنون شعوبهم : فمساء يوم
الهزيمة قال معلق راديو دمشق : « الحمد لله ، لقد استطاعت قواتنا الباسلة حماية
مكاسب الثورة أمام الزحف الإسرئيلي ، الحمد لله الذي أفسد خطة العدو وقضى على
أهدافه الجهنمية ، إن إسرائيل لن تحقق نصراً يذكر طالما أن حكام دمشق بخير ! ! »
[21] ... وأبشر بطول سلامة يا مربع ! ! .
وفي هذا ( الصراع ) مع العدو ! ليس فقط يمكن التضحية بالأرض من أجل الإبقاء على
النظام - أو على رجالات النظام - ، بل يمكن التضحية أيضاً بالشعب نفسه ، فيذكر نصر
الدين البحرة ( وهو عضو سابق في مجلس الشعب السوري ) أن أحد ضباط التعذيب أيام
الوحدة ( ! ) مع مصر قال له حرفياًّ : « كم عدد سكان سورية ؟ أربعة ملايين ؟
بالناقص مليون ! يكفينا ثلاثة ملايين يؤمنون بالرئيس عبد الناصر » [22] .
وهكذا كان من السهل جداً إلغاء الآخر ( غير المنتمي إلى النظام ) وتهميشه ، بل
وتخوينه والطعن فيه بشتى الطرق ، على العكس من سلوك قادة العدو : « فعلى الرغم من
العداوة المستعرة بين ليفي أشكول رئيس وزراء إسرائيل تلك الأيام ، وبين موشي دايان
... فلقد كُلِّف هذا الأخير مهام وزارة الدفاع ، وأعطي الصلاحيات الكاملة لقيادة
الحرب ضد العرب ، أي : وضع موشي دايان - وقت الحاجة إليه - في موضعه الذي منه
يستطيع أن يقدم أفضل خدمة لدولته وشعبه .
أما الحزب .. فقد أبعد - حتى أيام الحرب - أهل الاختصاص والخبرة ، وأصحاب
المصلحة الحقيقية في الحفاظ على تراب البلاد وصون أمنها والفئة الأكثر استعداداً
للبذل والفداء لحمايتها .. استبعدوا ، وشردوا ، ولوحقوا ، وسجنوا ، وحوكموا ، وصدرت
بحقهم أحكام شتى .. كل ذلك لصون أمن الحزب وسلامة الحكام ، على حساب أمن البلاد
وسلامة أرضها وأهلها » [23] .
ويصبح من السهل أيضاً أن يشعر الفرد العادي بالهزيمة النفسية قبل العسكرية ،
الهزيمة التي تولدها التفرقة الطبقية ، فتؤدي إلى الشعور بالدونية وعدم الانتماء ،
على العكس من مجتمع العدو ! وليس أدل على ذلك مما تذكره يانيل ديان ( ابنة موشي
ديان ) في كتابها ( يوميات جندي ) ، حيث تقول : « الآن ، وبعد ستة عشر عاماً من
قيام الثورة [في مصر] ، وبعد أن تدرب الضباط في روسيا ، وبعد قدوم الخبراء الروس
إلى مصر ، أين هي روح اشتراكيتهم ؟ .. كان الضباط على درجة من النظافة والأناقة ،
بينما ملابسهم مصنوعة من نوع من أنواع الحرير ، لقد أعطونا مناديل نظيفة عندما
هممنا بتعصيب عيونهم ( ! ) أما الجنود :
فكانوا طوال الذقون وعلى درجة من القذارة ، وكانت ملابسهم عبارة عن خرق ممزقة .
وكان جنودنا يعرفون أن الجنرال أريك [ إريل شارون ] وسائقه يورام يرتديان نفس
بذلة الميدان ( الباتل دريس ) ، ونفس الأحذية ، إنهم يعرفون أيضاً أن قائد فرقة
المشاة والمدفعجي يأكلان نفس الطعام في الميدان ، وأن الجنود يخاطبون ضباطهم
وينادونهم بأسمائهم الأولى .. » [24] .
وعندما يتحرك الانتماء ليتحول في النهاية إلى ولاء لنظام - وليس لدين ولا حتى
لوطن - ثم لأشخاص - وليس لمبادئ ولا أفكار - يصبح استمراء النفاق السياسي هو قاعدة
السلوك الشخصي لدى المواطن العادي ، يحكي الطاهر إبراهيم أنه « عندما أذيعت
البلاغات العسكرية صبيحة يوم الانقلاب [على الوحدة مع مصر ] قامت مجموعة من
المواطنين السوريين بمظاهرة في مدينة دمشق تأييداً للانفصال ، وكانوا يحملون صور
عبد الناصر وهي منكسة ، ويهتفون بشعارات معادية لعبد الناصر ، وعندما أذيع البلاغ
رقم ( 9 ) معلناً انتهاء التمرد ، قامت المجموعة نفسها من المتظاهرين برفع صور عبد
الناصر التي كانت منكسة ، ورددوا هتافات التأييد لدولة الوحدة ! » [25] .
وهكذا أدخلت العلمانية أيضاً المواطن الذي يُعِدُّونه لدخول معركة ( التحرير )
مع العدو الصهيوني .. أدخلته في دائرة من الاغتراب السياسي ، فبات هذا المواطن يشعر
أنه لاجئ في وطنه ، لا يعيش لهدف سام ، ولا يحس باهتمام أو مساواة ، مهمش مهمل ،
ومع امتدادات التمزقات الداخلية والدخول في ( سلام ) مع عدوه ، وضياع ( الثوابت )
التي كان يعيش للدفاع عنها .. افتقد ( كيانه ) وحار في انتمائه :
أإلى دينه وأمته ، أم إلى وطنه وعشيرته ، أم إلى قادته وحكامه ، فعاش في فصام
قيمي ونفسي أدخلته فيه النظم العلمانية ، فانكفأ على ذاته ومعيشته ، غير مبالٍ بما
يدور حوله ، ودخل كهف العزلة والسلبية .
إن أكبر مثالب العلمانية لم تكن فقط تضييع البلاد ، بل كانت أيضاً القضاء على (
إنسانية ) الإنسان الذي يقع تحت سيطرتها .
وفي معركة تحرير فلسطين : كيف ندخل المعركة بلا إنسان ؟ لا بد أولاً من تحرير
هذا الإنسان ..
* جاءنا الآن ما يلي : حرصاً على أنوف مستمعينا الكرام نأسف للتوقف عن بث أنباء
العلمانية السياسية .. أفٍ لهم ولعلمانيتهم ! .
________________________
(1) الموسوعة الفلسطينية ، المجلد الأول ، ص 179 ، نقلاً عن : البعد الإسلامي في
الحركة الوطنية الفلسطينية ، ص 113 .
(2) حسب الوثائق التي عثرت عليها الحكومة البريطانية عندما داهمت دار الوكالة
الصهيونية في أواخر عهد الانتداب .
(3) حسب تقدير جلوب باشا لمجموع القوات العربية النظامية عند إعلان قرار التقسيم
نهاية عهد الانتداب ، انظر : بحث (بين فلسطين والدولة الإسلامية) للدكتور بسام
العموش ، ضمن كتاب (المدخل إلى القضية الفلسطينية) ، ص 261 .
(4) انظر : غازي فلاح ، مصدر سابق ، ص 66 ، إبراهيم فؤاد عباس ، البعد الإسلامي
في الحركة الوطنية الفلسطينية ، ص 111 120 ، واصف عبوشي ، فلسطين قبل الضياع ، ص
134 ، د هند أمين البديري ، فلسطين وأكذوبة بيع الأراضي ، جريدة الأهرام ، ع /41437
، 19/5/2000 م .
(5) نقلاً عن : صحوة الرجل المريض ، ص 218 .
(6) فلسطين قبل الضياع ، ص 317 .
(7) هامش ص 506 من إضافات المحررين على (يوميات الحرب) لديفيد بن جوريون .
(8) العلاقات الروسية الإسرائيلية من واقع الوثائق التاريخية (1941م 1953م) ،
إعداد وتقديم سامي عمارة ، جريدة الشرق الأوسط ، ع/8118 ، 18/2/2001 .
(9) يوميات الحرب ، ص 503 .
(10) السابق ، ص 505 .
(11) يقظة العرب ، لجورج أنطونيوس ، ص 594 .
(12) جريد الشرق الأوسط ، ع/8086 ، 17/1/2001 .
(13) أمين المهدي ، كيف ساعدت الفاشية العربية الصهيونية ؟ ، جريدة الحياة ، ع/
13412 ، 17/11/1999م .
(14) السابق .
(15) انظر : موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية ، ج 4 ، ص 262 263 .
(26) لم أقف تحديداً على مقصود المشرف على الموسوعة من الإحالة على (باتاي) ،
ولعله يقصد الكاتب رافائيل باتاي في كتابه : (إسرائيل بين الشرق والغرب) .
(16) عزة جلال هاشم ، مصدر سابق ، ص192 .
(17) د حامد ربيع ، تأملات في الصراع العربي الإسرائيلي ، ص 106 .
(18) سقوط الجولان ، ص 162 .
(19) السابق ، ص 190 .
(20) نفسه ، ولم يكن هناك ما يمنع إسرائيل عسكريّاً من إسقاط هذا النظام ،
ولكنها كانت في الحقيقة حريصة على دعمه ، حتى إن مجلة (تايم) الأمريكية قالت : «
أنقذ الهجوم الإسرائيلي على سورية خلال حرب حزيران / يونية ، النظام البعثي المتطرف
فيها » (عن سقوط الجولان ، ص 265) ، والحقيقة أن (إسرائيل) انتصرت في الحرب عسكرياً
وخسرتها سياسياً بالفعل ، ليس لأنها لم تستطع إسقاط هذه الأنظمة العلمانية ، بل
لأنها لم تستطع تحقيق هدفها السياسي آنذاك ، وهو فرض نفسها على شعوب المنطقة كياناً
يمكن قبوله والتعايش معه ، أي : تحقيق الأمن والسلام بما يعنيه من اعتراف بالشرعية
، وهي الخسارة التي لم يكن للأنظمة العلمانية يد في إلحاقها بها ، والصحيح : أن
المنطقة لم تكن قد اكتمل تهيؤها لتحقيق ذلك الهدف ، وهو ما تحقق بعد حرب 1973م
واكتمل بعد حرب الخليج الثانية ، وساهمت فيه تلك الأنظمة العلمانية (انظر : تأملات
في الصراع العربي الإسرائيلي ، د حامد ربيع ، ص 57) .
(21) المؤامرة ومعركة المصير ، ص 110 111 .
(22) قراءة في مذكرات عبد المحسن أبو النور ، جريدة الحياة ، ع/13712 ،
26/9/2000م .
(23) خليل مصطفى ، مصدر سابق ، ص 168 .
(24) نقلاً عن : النكسة والغزو الفكري ، محمد جلال كشك ، ص 112 .
(25) انفصال قبل 39 سنة وانقلابات وجرائم ، جريدة الحياة ، ع/13721 ، 5/10/2000
.
****************************************************************************
غارات البدو
الفساد, النزاعات المحلية,تسجيل موقف شعبي,مراجع
--------------------------------------------------------------------------------
غارات البدو
في ظل هذا الوضع الضعيف المتراخي من الدولة العثمانية وكل رموزها الفرعية
والمحلية وفي ظل وضع اتجه كل فرد فيه إلى البحث عن المنفعة الذاتية واستغلال غيره
أو على الأقل التقوقع حول نفسه نشطت القبائل البدوية في شن هجماتها وغاراتها على
الفلاحين في كل سوريا فنشطت الدولة في الشمال وبني صخر في الوسط والجنوب في غاراتهم
على الفلاحين والقرى ونجد أخبارا واشارات لذلك في المراجع الوصفية التي كتبها
الرحال والزوار في القرن التاسع عشر، ففي عام 1835 هاجم البدو السهول في الجليل
وغور الأردن والساحل ينهبون المحاصيل الزراعية ويحصلون على الخاوة في أوقات الحصاد
ويسرقون المواشي وبذلك كانوا يجردون الفلاح من محاصيله ومواشيه ويتركونه نهبا
للمجاعة وعرضه للعجز عن مواصلة الإنتاج بعد سرقة البذار والقطعان وهناك وصف مؤثر
لتلك الغزوات على الرعاة والفلاحين فيما كتبه زوار الأراضي المقدسة الذين ابرزوا
المظالم البشعة التي كانت تقع على الرعاة والفلاحين من بينها وصف تومسون لذلك
الراعي الذي يقاتل البدو حتى خر صريعا بين الغنم التي ناضل من اجلها باعتبارها مصدر
قوته ولم يسترح الفلاحون الفلسطينيون من غارات البدو الا في فترات قصيرة وهي
استتباب الامن خلال الحقبة الأولى من حكم إبراهيم باشا في هذه الفترة تمكن الفلاحون
من تحسين أوضاع قراهم ومزارعهم في السهول وبعد خروج إبراهيم باشا اشتعلت الحروب
القيسية اليمنية وعاد الخراب إلى القرى هناك شواهد كثيرة على خراب القرى بسبب غارات
البدو والحروب القيسية واليمنية ففي عام 1835 شاهد تومسون قريتي العفولة والغولة في
مرج بن عامر مزدهرتين وفي عام 1859 كانتا خربتين كما شاهد تومسون في حالة خراب كامل
قرية المقيبلة وكما في منطقة جنين بسبب الحروب القيسية اليمنية كانت تحصل هجرات إلى
البرية في الأردن أو داخل البلاد، وبسبب غارات البدو لجأ أهالي السهول الفلسطينية
إلى الجبال، على اعتبار أنه من الممكن التحصن في المرتفعات ضد غارات البدو وقد تجمع
الفلاحون في قرى محيطة بالمدن من مثل القدس ونابلس والخليل وكانت الاتصالات صعبة
بسبب عدم وجود الطرق السهلة ووعورتها ومن الأمثلة على خراب السهل هو ضآلة عدد القرى
بين يافا وغزة وبين يافا وحيفا وهناك شهادات حول هذه الندرة في وجود القرى وتضاؤل
العدد السكاني في كتابات زوار الأراضي المقدسة.
إن الفلاحين الذين بقوا في السهول توجب عليهم دفع الخاوة للبدو وتحمل غطرستهم
وعدم القدرة على مجرد تحذيرهم للعبث بالمزروعات حتى عام 1879 كانت طبرية تدفع خاوة
لاحد شيوخ بني صخر كما كانت الجاعونة تدفع الخاوة لشيخ عرب الزنغرية [i].
وكان الرولة يغزون فلاحي قرية جب يوسف في الجليل الأعلى كما كانت مدينة الناصرة
معرضة لغزوات البدو وقد خسرت هذه المدينة في غزوة بدوية واحدة عليها وعلى قراها 200
ألف قرش[ii].
لقد كانت لتأثير غارات البدو نتائج اكثر عمقا فقد أدت هجرة الفلاحين من الساحل
وتحصنهم بالحبال إغراء للبدو لاستيطان الساحل فقد دخلت القبائل البدوية عبر الغزو
وأخذت في البدء تستغل سهول الجليل والساحل كمراع لقطعانها ومواشيها ومع الزمن بدأت
تتوجه توجهاً خفيفا نحو الزراعة وهكذا جاء عرب أبو كشك فقطنوا الأراضي المحيطة نهر
العوجة.
واستولى عرب الحوارث[iii] والنفيعات[iv] على المنطقة من قيسارية لنهر الفالق كما
استوطنت عشائر أخرى في مرج بن عامر وسهل الجليل الأسفل.هذه القبائل كانت تقوم بدور
سلبي في إعاقة العمل والإنتاج والاتصال من خلال قيامها بقطع الطرق بين الكرمل
والساحل وبين يافا والجنوب فبالإضافة لعملها في الرعي وجزئيا في الزارعة كان الكثير
من أفرادها يعيقون أعمال الفلاحين من خلال السطو على ممتلكاتهم ونهب مزارعهم
ومواشيهم وكذلك القيام بقطع الطرق على المارة وسلبهم ونهبهم وأحيانا قتلهم.
لقد فرضت الأجواء العامة للغارات البدوية على الفلاحين تحولا في أوضاع أولئك
الساكنين في المناطق المتاخمة للصحراء فقد اضطر هؤلاء إلى ترك الزراعة والتحول إلى
الرعي فذلك يعطيهم الفرصة في حركة أ فضل للهرب من وجه الغزوات والتعايش مع البدو.
وفي الحالتين، حالة سكن البدو للسهول وتحول بعض الفلاحين إلى البداوة تقهقرت
الزراعة لصالح الرعي وهذا بدوره عمل على تقليص عدد القرى وانخفض عدد السكان بسبب
سوء الظروف الصحية والمعاشية.
النزعات المحلية :
لقد تركت النزعات المحلية أثارا شديدة السوء عل الوجود السكاني وزراعة الأراضي
وكانت تضطر الناس إلي الجلاء عن قراهم ومزارعهم مما جعل التجمعات السكانية في حالة
حركة دائمة وبعد وقت ما كان السكان أو أحفادهم يعودون من جديد إلى بيوتهم[v] ومثل
ذلك ما حصل لقرية أرطاس التي تعرضت لمأساتين دمرت فيهما القرية وهجرها
سكانها،وتفيدنا المأثورات الشفوية[vi] إن المأساتين نتجتا عن شجار وحرابات ويقال أن
رجالا من ارطاس اغتصبوا نساء من أماكن أخرى وقام أقارب تلك النساء بالانتقام وفي
المأساة الأولى قتل تسعون زوجاً من الأخوة، وبعد هذه المأساة زار ينبور المكان في
آب من عام 1766 وفي المأساة الثانية جلا دار عودة (من عشيرة سعد ) إلى وادي فوكين،
وجلا الربايعة إلى قرية خنزيرة بالقرب من الكرك وجلا آخرون إلى الخليل كما جلا بعض
من المشاني إلى بيت أمر وجلا دار ابو حلاوة إلى عجور أما عشيرة شاهين وابو شحادة
فقد جلوا إلى سعير وقد حصلت هذه الحركة في حدود الربع الأول من القرن التاسع عشر
وفي عام 1838 زار روبنسون أر طاس وقال أن القرية كانت خربة ولكنها مأهولة بالسكان
الذين يزرعون الأرض في النهار ويبيتون الليل في قلعة تعود للعصور الوسطى تقع مقابل
برك سليمان على الطريق بين القدس والخليل وظلت العشائر الرئيسية الأربعة في القرية
تشغل كل واحدة منها برج من أبراج القلعة الأربعة.
كان الناس يحترمون السلطان كخليفة للمسلمين لكنهم لم يكونوا ليهتموا
للإمبراطورية التركية ولا يحسون بالولاة لها انهم يسمونها" دولة العسملي" أو بلاد
الترك وعندما استولى إبراهيم باشا على البلاد قاوموه بضراوة ليس عند مجرد احتلال
عساكره للبلاد، بل أيضا كلما سنحت الفرصة.[vii]
في جبل القدس تعيش عشائر بني حسن وبني زيد وبني كرة وبني سالم وبني مالك وبني
حارث وقد عش الناس في ظل هذه التقسيمات المشيخية في القرن التاسع عشر كما لو كانوا
يعيشون في ظل دول مستقلة متنافرة ومتعادية لقد اثر هذا الوضع على التكوين العام
للشعب الواحد الذي يتكلم لغات مشتركة وتجمعه تقاليد مشتركة أيضا و أصبحت العزلة
شعارا للجميع بعد رحيل الجنود الفرنسيين عن فلسطين عام 1798 عاد الحكم المشيخي
العشائري إلى البلاد وبدأت معه النزعات المحلية وعلى الأخص ذلك النزاع المستمر بين
القيس واليمن وكانت الحرابات تتم بناء على رغبة لأشياخ المقاطعات المختلفة والذين
جعلوا البلاد تسير إلى هاوية المجاعة والفقر والخراب تحت ظل هذه الحروب او الحرابات
كانت تظل الأرض بدون زراعة وعندما كانت قرية من القرى تسقط في يد فريق منتصر كان
يتم نهبها تماما ويصبح غنى اليوم فقيرا في اليوم التالي ولذلك كنت ترى الناس حفاة
عراة في مناسبة ما وعندما رغب شيخ بني حارث بمهاجمة بني حمار كان واحد فقط من رجال
الأربعمائة يلبس صندل بينما البقية حفاة [viii].
انعكس الفقر العام في البلاد بسبب الحرابات التي اججها الأشياخ في ندرة
النقد[ix] وتدني القوة الثرائية فالأرض التي كانت تباع بالف قرش صارت من الممكن
شراؤها بعشرين قرشا فقط ورطل الرز كان يكلف ثلاثين بارة ورطلان ونصف من القمح
بثلاثين بارة أيضا ورطل اللحم بست بارات وجرة الزيت بخمسة وعشرين قرشا.
وتعج كتب الرحالة بالحديث عن الحرابات التي كانت تقع بين القبائل والعشائر في
القرن التاسع عشر وهذه "مسز فن" تحدثنا عن "حرابة" شهدتها بعينها والتي وقعت بين
القرى الواقعة إلى الشمال الغربي من القدس وتلك الواقعة إلى الجنوب الغربي من
المدينة المقدسة تقول:
اشترك مئات الرجال في القتال عند كل طرف ومع ذلك كان هناك القليل من سفك الدماء
وخلال القتال تحدى أحد الرجال الشيخ على شيخة لمبارزة فردية وكانت الطريقة ذات ميزة
فريدة من نوعها قال المتحدي:
تعال يا خيال القديش [x]
بهذه الطريقة جاء التحدي يحمل إهانة الخيال وإهانة الفرس وكان على شيخة يعرف انه
يركب فرسا أصيلا وهكذا أوقف هذا الفارس فرسه سلسلة ورد على الرجل الذي تحداه:
ولك على الأقل أنا مش ابن نوري.
وانطلق الخيالان، أسرع على شيخه بفرسه يخترق الهواء بسرعة خيالية وحملته فرسه
سالما إلى الجهة المقابلة في حين اخترقت طلقات بندقيته جسد متحديه.
كانت الحرابة تجري في الصباح الباكر وقبل الظهر، وبعد ذلك يذهب الرجال إلى
مزارعهم وفي المساء كان لهب النيران يرى في القري لتكون تلك النيران بمثابة مشاعل
تهدي الرجال إلى الغزاة القادمين وكنا نسمع زغاريد النساء ومواواة [xi]الرجال في
هدأة الليل.
وكانت النساء في القتال الصباحي تشجع الرجال بالأغاني والزغاريد وتعدد مناقبهم
وفي الحالات التي يتراجع فيها الرجال اويجبنون تنهال عليهم الناس بالشتائم اللاذعة
فيسارعون إلى لهيب المعركة وكانت النساء تحمل على روؤسها الذخيرة والطعام وتقترب من
المعركة لدرجة كبيرة وفي كل الحالات تقوم المرأة بمراقبة كل ما يجري بعين القائمة
بمهمة الاستخبارات ترصد التحركات وهذه واحدة من أغاني التشجيع:
[xii] راحت مرت البطل توصيه
خليك مع الفايتات
ان متت يوم ظرب النبل
صيتك بنومس بناتي
****
راحت مرت النذل توصيه
خليك مع العاقبات
ان متت يوم ظرب النبل
بخاف تيتم بناتي
****
و أثناء القتال لا يجوز الاعتداء على المرأة أو إطلاق النار عليها وللمرأة الحق
في حماية الرجل وإنقاذ حياتهم ويعتبر المقاتل الذي يقتل خصمه بحضور المرأة جبانا
[xiii].
إن المبارزة الفردية بين فارس و آخر شائعة وكثيرا ما كان يعتمد عليها مصير
النزاع وهذا طبيعي تماما في مجتمع قبلي يحتل فيه مركز الشيخ مكانا مرموقا في تحديد
أمور كثيرة، ويستمد ذلك وجوده من الحضارة العربية نفسها التي تعتمد فيها مصائر
الجماعات على الزعامات المشيخية وكانت الثقافة السائدة تؤكد هذه المسالة ففي السير
الشعبية تدور الأحداث حول زعيم ويتحدد مصير الجماعة كثيرا بنتيجة مصير هذا الزعيم.
وكان الجمع المنتصر يعود إلى القرية مع زحوف النساء في موكب يغنى للأبطال
العائدين ويزغرد لهم وكانت النسوة تصفق وترفرف بأردانها فوق رؤوس العائدين الذين
يأخذون في إطلاق النار في الهواء.
وكانت التقاليد لا تسمح بأخذ الأسري بل كان يتم ذبح هؤلاء في نهاية المعركة وكان
الرجل الشهم يأبى على نفسه ان يطلب الرحمة وفي الحالات التي تهيج فيها العواطف كان
الناس يجتمعون في نهاية المعركة ويعقد مجلس يتوسط الأشياخ وكان يعقد هذا المجلس
لتحديد غرامة حربية وكان يتم احتجاز الأسرى إلى حين جمع الغرامة.
وكانت تحسب الغرامة على أساس القتلى والجرحى[xiv] وكان من المتفق عليه ألا تصوب
البنادق على المشايخ وبنتيجة القتال نفسه كان يسقط عدد من القتلى اقل بكثير مما
يمكن أن يتوقع ويدفن القتلى في أرض المعركة.
وهذا الحادث تم فيه التمثيل بالقتلى مثل تقطيع الجسد ومنع الدفن وترك القتلى
تتناوشها جوارح الجو والبرية.
وبصورة عامة كان القتلى ينقلون الى قراهم ليتم دفنهم باحتفالات مناسبة.
الفساد:
يقصد بمصطلح الفساد ذلك الخلاف التقليدي الذي ينشأ بين العشائر أو مجموعات القرى
بسبب حادثة قتل أو اعتداء على عرض أو مجرد وشاية تتطور لتصبح فتنة كبيرة ويتطور
الخلاف هذا ليصبح دافعا للاحتكاك بين أفراد العشيرتين " المفسودتين " وتتجدد أحداث
الصدامات يوما بعد يوم وسنة بعد سنة ويقول الرواة ان سبب الفساد أثناء الانتداب
البريطاني هو أن البريطانيين كانوا يعينون مختارين في كل قرية لبث الشقاق بين الناس
ولتغذية الأحقاد القبلية القديمة.
ويستفاد من أقوال الرواة ممن لا ينتمون للحمائل الكبيرة أن الأفراد الثانويين
وابناء الأسرة الصغيرة ( الخطف المشلح ) كانوا يغذون الفساد بانتمائهم إلي احدى
العشائر الكبيرة المفسودة وتغذيتهم بهدف القيام بدور إثبات الوجود ويعبر الواحد من
أولئك الأفراد الثانويين عن انتمائه لعشيرة من العشائر عن طريق السهر في مضافتها
وحضور الاجتماعات الحاشدة في المناسبات المختلفة التي تقيمها تلك العشيرة كما يقوم
مثل أولئك الأفراد ببث الأخبار ونقل الشائعات فيستمر أوار الشر وتتطور الأحداث التي
تعبر عن نفسها بالطوشات.
ولنأخذ مثالا على الفساد الذي يطيح برؤساء زعماء العشائر في ما حدث لزعيمي
البواقنة والنزازلة في قرية السنديانة –حيفا في الثلاثينات من هذا القرن إذ قتل
الزعيم الأول وابنه أولا وعندما جاء الزعيم الثاني ليبشروه بمقتل خصمه ضحك بألم
وقال:
اذا ما قتلتوش الرجال قتلتوني أنا ويقصد أن رجال خصمه سيثأرون لزعيمهم باغتياله
هو.
تسجيل موقف شعبي :
انه موقف شعبي جماعي رافض ومندد عندما قتل ابراهيم ابو قالوش بتحريض من الجزار
وكان إبراهيم أبو قالوش ملتجئا في قلعة الحصن وفي حمى بني موسى مشايخ وحكام بلاد
الحصن ولما تولى احمد باشا الجزار ايالة الورام أوعز إلى بني موسى بالقبض على
إبراهيم أو قتله واخذ هؤلاء يراقبون إبراهيم إلى ان ساروا معه إلى الصيد في وادي
روايل فغدروا به وقتلوه أرسلوا رأسه إلى الجزار مع انه كان في حماهم وذمتهم جالبين
العار على أنفسهم وبعد ذلك تغنى الشعب بهذه الكلمات مسجلا موقفه من خيانة بني
الموسى:
دوسي يا بنت دوسي
ع لحية حنا الموسي
يحرق حنا وجدوده
اللي سلم قالوشي [xv]
--------------------------------------------------------------------------------
[i] Ashkenazi,Les tribus-semi Nomade de la palestine-Finn ,stirring Times
,lodon ,
[ii] du nord paris ,1938 ,p.23-24 1868 ,p22
[iii] بالقرب من يافا .
[iv] في مرج بن عامر
[v]
[vi]
[vii] Robinson , 11 , p. 146 , 168 .
[viii] Macalister and masterman , occassional papers ,
[ix] انظر فيما بعد تفصيلات وحدات النقد والوزن والكيل التي كانت سائدة .
[x] Finn .p. 78
[xi] Finn ,p . 80
[xii] الحاجة عايشة حسين
[xiii] Finn , p .76
[xiv] Finn , p . 79 .
[xv] ولاية سليمان باشا العادل ، تاليف المرحوم المعلم ابراهيم العورة ص 13
*********************************************************************************************************