
تاريخ المسلمين بعد رسالةخاتم النبيين
الصفحة الرئيسية الراشدون, الأمويون,العباسيون, المماليك,العثمانيون, الأندلس ,المغرب , مالي , الهند , القفجاق , فلسطين ,العراق
الأندلس
قرى و مدن الأندلس, أهم منجزات العلماء الأندلسيين , طرد المسلمين من إسبانيا, محنة الأندلس ,دعم الدولةالعثمانية لجهاد خير الدين بربروسا وإخوته
بلاس إنفانتي وبعث الهوية الأندلسية, العودةإلى أرض الأندلس , المسجد الكبير بغرناطة , مقالات , صور من الاندلس
مسلمو أسبانيا يطالبون بإعادة كتابة تاريخ الأندلس
السبت ا شوال 1425هـ - 13 نوفمبر 2004 م آخر تحديث 2:34 م بتوقيت مكة
مفكرة الإسلام:
طالب المسلمون الأسبان بمدينة غرناطة مجددًا المسؤولين الأسبان بالنظر في إعادة كتابة تاريخ الأندلس فيما يخص [مملكة غرناطة] آخر حصون المسلمين سقوطًا في الأندلس.
ويرى المسلمون الأسبان أن النصارى الكاثوليك قاموا بتشويه تاريخ [مملكة غرناطة] على نحو كبير بما يصنع الأمجاد لملوكهم، ويغفل حقبة محاكم التفتيش التي أقامها ملوك النصارى للمسلمين عقب سقوط الأندلس؛ ما يخل بالموضوعية في كتابة التاريخ.
وحسب شبكة 'ريليجن ريفيو' قرر المسؤولون الأسبان البدء في تدريس مادة التربية الدينية الإسلامية بدايةً من الخميس القادم الموافق للثامن عشر من نوفمبر.
ويذكر التاريخ أن أسبانيا النصرانية تكونت باتحاد مملكتي أراجون وقشتالة، بعد زواج الملكة 'إيزابيلا' ملكة قشتالة من 'فرديناند الخامس' ملك أراجون سنة [884 هـ - 1479م] ووضع النصارى الأسبان كيفية التعامل مع من بقي من المسلمين بعد قتل عشرات الآلاف منهم في النقاط التالية:
أولاً:
استمرار التنصير الإجباري للمسلمين الباقين في الأندلس.
ثانيًا:
الاستمرار في حرق الكتب الإسلامية في ساحة باب الرملة بغرناطة باستثناء كتب الفيزياء والكيمياء والعلوم الطبيعية لإيداعها في الكنيسة والاستفادة منها.
ثالثًا:
ملاحقة كل من تلبس الحجاب وكل من يعمل في صناعة السلاح والصرافة.
رابعًا:
إعطاء الصلاحيات المطلقة لمحاكم التفتيش.
خامسًا: حصر الطرد الإجباري للمسلمين إلى أوربا دون غيرها، وعلى خفر السواحل والمتعاونين مع الكنيسة منع وصولهم إلى البلاد الإسلامية. سادسًا: تجميع أطفال المسلمين لتوزيعهم شمالي أسبانيا أو العمل في أمريكا المكتشفة حديثًا وقتئذ.
إستمع إلى مثال من الطرب الأندلسي
مقطوعات للحاج محمد باجدوب المغربي
عمَّرت بلاداً و بلاداً---- و أنا منساح
في أرض الله و أحلامي------ جد ما راح
إلاّ و بعودته نصر------ يملي أفراح
و أنا يا جدي لا زلت ------ أمضي بجراح
و القدس تإن بلا غوث ------ و بها سفاح
و الروم طغت في بغداد----- زُهِقت أرواح
لكن مفتاحك يا جدي ----- كنزي و سلاح
و وصيتك الكنز الأكبر-------- و أنا فلاّح
أغرس في أرض الله------ أبناء صلاح
و أواصل خطوي مفعوماً------ أملاً برواح
و رجائي أن ألقى يوما ---- باب المفتاح
محنة الأندلس عبرة للأمة الإسلامية , ودرس لا ينسى
الوجود الذي وقع فريسة سهلة , حيث تمت تصفية وجود الشعوب الإسلامية هناك جسدياً
ودينياً وفكرياً , وذلك بتسليم غرناطه آخر معاقل المسلمين سنة 1492 م , حيث كانت
أفظع مأساة عاشتها مجموعة بشرية على الإطلاق , حيث عزى بعض المؤرخين سقوط غرناطة
بيد الأسبان على أثر توحيد تاجي قشتالة وأراغون , زواج الملكة إيزابيلا وفرناندو
عام 1469م , ولكني أرى أن هذه المصيبة كانت إثر التقصير والبعد عن الواحد القاهر
الذي نصر المسلمين بقيادة طارق بن زياد وفتح المسلمين برضاه تعالى تلك البلاد ,ة
حين كان التمسك بالعروة الوثقى تمسكاً شديداً والتنفيذ الدقيق لشرع الله تعالى وحب
ماعند الله تعالى من جنة نعيم ورضاء وحب الشهادة عن الدنيا الدنية , فوقع لهم النصر
المؤزر , حين كانت قلوب المسلمين حاكمين ومحكومين على بعضهم ألين من الحرير
متراحمين فيما بينهم متحابين , التقوى سبيلهم وعلى عدوهم بأسهم شديد , مهابون
منصورون , في دنياهم زاهدون , لعلمهم أنها العبور لدار الآخرة التي بها إما جنات
عدن للفائزين برضى الله تعالى أو الخزي والعذاب المقيم للخاسرين , الذي اختاروا
نعيم الدنيا الزائل عن الآخرة و دائم نعيمها , حين طغى حب القصور الحمراء وازدانت
الدنيا وفضلت بعيني ساكنيها , انعكست النتيجة , تنافسوا الدنيا وكانت سبباً في تفكك
وحدتهم وعدائهم واجتياز العدو الذي كان فريسة سهلة لأسلافهم , كان اجتيازاً سهلاً
بلا حرب حقيقية , حيث كان مجرد توقيع معاهدة استسلام مع من لا عهد لهم , حيث أن أمة
الكفر واحدة لا تتغير , فلا احترام لعهد أو دم مسلم شيخاً كان أو طفل أو امرأة , أو
ميثاق , قلوبهم مليئة بالغل والحقد المتوارث على أمة الإسلام ,
وكانت وثيقة الاستسلام الموقعة ما بين الملكيين ومملكة غرناطة تتكون من سبعة
وستين شرطاً , نذكر منها : تأمين الصغير والكبير في النفس والأهل والمال , وإبقاء
الناس في أماكنهم ودورهم ورياعهم وعقارهم , وإقامة شعائرهم الإسلامية , ولا يحكم
على أحد منهم إلا بشريعتهم , وأن تبقى المساجد كما كانت , والأوقاف كذلك , وألا
يدخل النصارى دار مسلم ولا يغصبوا أحداً , وألا يولى على المسلمين نصراني أو يهودي
, وألا يقهر من أسلم على الرجوع للنصارى ودينه , وأن من تنصرَّ من المسلمين يوقف
أياماً حتى يظهر حاله , ويحضر له حاكم من المسلمين وآخر من النصارى , فإن أبى
الرجوع إلى الإسلام تمادى على ما أراد , ولا يعاقب من قتل نصرانياً أيام الحرب ولا
يؤخذ منه ما سلب من النصارى أيام العداوة , وألا يزيدوا على المسلمين ما وجب من
تسديده عن مغارم معتادة , وترفع عنهم جميع المظالم والمغارم المحدثة , ولا يدخل
النصارى مسجداً من مساجد المسلمين , ويصير المسلم في بلاد النصارى آمناً في نفسه
وماله ولا يجعل علامة كما يفعل أهل اليهود المدجنين , ولا يمنع مؤذن ولا مصل ولا
صائم من أمور دينه , وأن يوافق صاحب روما ( الفاتيكان ) على الالتزام والوفاء
بالشروط , إلى غير ذلك من الشروط التي اتفق عليها بموافقة ملك الأعداء والبابا ,
زعيم أهل الملة النصرانية , هذه الشروط التي حددت المستقبل السياسي والديني
والاقتصادي والاجتماعي لكافة العرب الأندلسيين , بعد سقوط غرناطه , وإثر ذلك سلم
الملك أبو عبد الله مفاتيح المدينة المنكوبة التي أصيب أهلها بالوهن , سلم المفاتيح
للملكين الأسبانيين , ليقع الاستيلاء على حصونها ومعاقلها وقصورها الحمراء ,
وليتحول بعد ذلك ملك المسلمين أبو عبد الله إلى مقره الجديد بالبشرات , وقد خاطبته
أمه بكلمة أصبحت مثلاً ( إبك مثل النساء , ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجال )
ولكن كما اعتاد اليهود وأحلافهم , تلاميذهم , على نقض العهد والمواثيق , فلا عهد
لهم ولا ميثاق , فالوثائق والمستندات تؤكد أنه لم تحترم البته روح المعاهدة التي
أبرمت وأمضيت مع الطرف العربي , بل سرعان ما تنكروا لها , وبدأ المسؤولون السياسيون
والدينيون الأسبان , وهم المنغلقون دينياً وحضارياً عن غيرهم , والمؤمنون عامة
بوجوب محاربة كل ما هو غير كاثوليكي , في عملية جديدة , تقضي ليس باحتلال المملكة
فقط , بل استرداد روحي وحضاري لجميع سكان المملكة والتغيير إلى الصبغة الكاثوليكية
التي كانت الجهل بعينه ,
فبعد ثلاثة أيام فقط من سقوط مدينة غرناطة , أعطيت الأوامر لتحويل جامع الطيبين
, وهو أحد المساجد الأساسية في غرناطة إلى كنيسة , كما بدأت عملية الاستيلاء على
أملاك الأحباس باسم الجوامع والمدارس وضمها لإملاك الدولة والكنيسة الكاثوليكية ,
بل إن أراضي المسلمين ودورهم قد افتكت وسلبت منهم غصباً لتسلم إلى العسكريين
والنبلاء الذين ساهموا في عملية الاسترداد الديني والحضاري , وكما أكدت المستندات
والوثائق أن الملكة {إيزابيلا ) كانت وراء التنكر لروح المعاهدة , حيث أعمى بصيرتها
الكره العنصري والديني الذي تكنه للمسلمين بدينهم , وأنها في سبيل إرواء وإشفاء
حقدها , لم تحترم كلمتها ولا العدالة 00000 ولا عرشها ولا المبادئ التي تنص عليها
أبسط القواعد القانونية والأخلاقية وحتى السياسية , وهذا ليس غريباً على أطباع
اليهود وأخلاقهم ومن اتبع تلمودهم المؤلف والذي كان سبباً في حروب صليبية طويلة
ودمار لحضارات بأسرها ,
وبدءا ً من عام 1500م سن الملكان الكاثوليكيان أوامر عديدة تقضي بتغيير هوية أهل
المدينة المسلمة إلى نصرانية قسراً وعنوة ليبدلوا لباسهم وأسماؤهم ودينهم وحتى
التكلم بالعربية أو الختان لأبنائهم ,
لقد أعطوا ولقبوا أسماءً غير العربية ومسخت هويتهم واتخذت قرارات للقضاء عل كل
حماماتهم وتعيين العشرات من المتتبعين , لحصر كل الممارسات الدينية الإسلامية التي
يمارسونها في الخفاء حتى والتضييق عليهم كإجبارهم على التردد على الكنائس يوم الأحد
ودعوتهم إلى تناول الطعام وتقديم الخمر ولحم الخنزير , في محاولة من دواوين محاكم
التفتيش لامتحانهم ومعرفة خلفية عقائدهم ومدى احترامهم أولاً للديانة الجديدة التي
فرضت عليهم فرضاً , حيث أطلق عليهم المسيحيين الجدد , كما أن السلطة السياسية سعت
إلى تفكيك عرى العلاقات الاجتماعية والعائلية , ومنع الزواج فيما بينهم وإدخال
العناصر الأجنبية لضرب العصبية العرقية والدينية , كما سعت إلى تهجير المواطنين من
أماكن تجمعهم , والعمل على تذويبهم في المجتمع الأسباني ,
هذا وقد وزعت محاكم دواوين التفتيش قائمة مفصلة لكل المظاهر التي تنبئ عن اتباع
الدين المحمدي الإسلامي من طرف المسلمين , وطلبت من كل المواطنين الأسبان الإخبار
عنها لمحاكمة أصحابها ومن هذه المظاهر :-
- إذا تم الاحتفال بيوم الجمعة .
- إذا احترموا تعاليم الإسلام الخمسة .
- إ\ا قاموا بالصلاة وحولوا وجهتهم إلى الشرق وتم ذلك فوق حصير أو قطعة قماش .
- إذا احتفلوا بعيد الأضحى .
- إذا ختنوا أبنائهم ولقبوهم بأسماء عربية أو أظهروا الفرح بتلقبهم بتلك الأسماء
ونادوهم بها .
- إذا رفضوا أكل لحم الحيوانات الغير مذبوحة أو التي تم ذبحها عن طريق النساء .
- إذا قالوا أنه وجب الإيمان بالله وبمحمد نبيه .
- إذا حلفوا بكل الأيمان القرآنية .
- إذا قاموا بصيام رمضان وراعوا ذلك أثناء عيد الفصح وسلموا بعض الصدقات , وأنهم
لم يأكلوا ولم يشربوا حتى يلاحظوا النجمة الأولى . - إذا قاموا بالوضوء وغسلوا
السواعد والأيدي حتى المناكب والوجه والفم والأنف والأذنين والساقين .
- إذا تزوجوا على المنهج المحمدي .
- إذا غنوا الأغاني العربية ونظموا حفلات أو رقصات واستعملوا الآت موسيقية
ممنوعة .
- إذا غسلوا موتاهم و لفوهم في كفن من قماش أبيض ودفنوهم .
- إذا قالوا أن الدين الإسلامي هو الأحسن , وأنه لا يوجد غيره للوصول إلى الجنة
.
- إذا قالوا أن المسيح كان نبياً ولم يكن إلها .
- إذا فعلوا أو قالوا أي شيء مرتبط بالدين الإسلامي .
من هذا ترى أن الباب كان مفتوحاً للوشاية والحقد والانتقام , على أن وثائق محاكم
التفتيش تضم مئات الآلاف من القضايا التي رفعت إليها وقضت فيها بأحكام السجن
والغرامة أو التهجير أو الاستيلاء على الأملاك وسلب الحقوق المدنية , غير التعذيب
بأبشع أنواعه والسجن بلا طعام ولا شراب حتى تبقى الهياكل العظمية وراء القضبان ,
ولعل العقوبة الأكثر شناعة , التي مارستها محاكم ودواوين التفتيش هو الحرق حياً ,
وكم من المسلمين الذين أحرقوا أحياء في الساحات العمومية بمدن الأندلس , فقد لاقى
مسلمون الأندلس أشد أنواع التنكيل والتعذيب للحفاظ على هويتهم ودينهم الإسلامي ,
فقد كانوا طوال القرن السادس عشر حتى يومنا هذا هدفاً لكراهية شاملة من طرف العرش
الملكي الأسباني , ورجال الدين المؤلف والسياسة , فهم على دين واحد مؤلفه شخص يهودي
واحد , فقد اشتد الاضطهاد الديني والنفسي والجسدي والاقتصادي , فقد كانت النبلاء
ومحاكم دواوين التفتيش تعمل ليلاً نهاراً للسلب والنهب والإيذاء والتعذيب والقتل
حرقاً دون رادع أو وازع ديني أو خلقي أو إنساني , بل يكافأ الأكثر دموية من القادة
, إن من بقي في الأندلس من المسلمين العرب أصبحوا بلا لغة ولا هوية عربية إسلامية ,
بل قشتالية أسبانية , فقد استمات الأندلسيون للمحافظة على هويتهم ودينهم وحضارتهم
وثقافتهم وتحملوا أشد البلاء في سبيل ذلك , حيث أن علمهم وحضارتهم التي أنتجوها
كانت أساس الحضارة الغربية المعاصرة , من الجانب العلمي وليس الخلقي والثقافي , فقد
كانوا يتربعون على عرش علم الدنيا فما شفع لهم أمام همجية الغزاة , وبينما كان
المسلمين يحرقون ويعذبون في أسبانيا المسيحية , كان المسيحيين في ديار الإسلام
يحيون سعداء في أمان ورخاء وعدالة الإسلام الحنيف الذي بعضهم احترمه بشدة لأنه
العدالة الكاملة , فلم تحصل من المسلمين ردود فعل تجاه الأقليات اليهودية والمسيحية
داخل دولة الإسلام المترامية الأطراف , لأن خيانة العهد ليس من مبادئ الشرع
الإسلامي الحنيف بل الوفاء بالعهد ولو طال الزمان أو قصر . من جهة أخرى كان أهل
غرناطة المسلمون صناع مهرة وفنيين في العديد من المهن مثل صناعة الحرير والذهب
والفضة والنقش على اللوح والبناء والفلاحة وأساليب السقي الفنية , وعلماء في كل
مجال , كما كانوا وراء تعميم زراعة البرتقال والحوامض وقصب السكر ومختلف الأشجار
المثمرة كالتوت والشعير والقمح والعديد من المنتجات النباتية , عن المكانة التي
احتلوها على المستوى المهني تؤكد على أن الحياة الاقتصادية تضررت من جراء تخليهم عن
هذه المهن , وأن كساداً عم العديد من القطاعات التي كانوا يسيطروا عليها , خاصة في
منطقة مرسيه , أما مملكة ناصري فقد اشتهرت بصناعة الحرير وبقيت متداولة خلال
القرنين السادس عشر والسابع عشر .
أما اشييلية فقد غادرها حوالي سبعة آلاف مهني مسلم من مجموع السكان وهذا ما يبرر
نقصان حركة التصدير الصناعية إلى الهند في هذه الفترة الزمنية بالذات , أما طليطلة
وقرطبة فقد تضررتا ضرراً بالغاً من جراء طرد المهنيين الأندلسيين , كذلك تأثرت
مناطق غرناطة وبلنسيه وكاتالانيا , وخصوصاً منطقة أرغوان على امتداد مسافة أربعين
كيلو متراً حتى جنوب منطقة الألب , حيث أصبحت خراباً , حتى أنها أصبحت صحراوية ,
بعد أن كانت منطقة حضارية صناعية , وقد كانت صناعة العربي مضرب مثل في الإتقان
والجودة حيث كانت أتقن وأجود وأحذق صناعة , كيف لا وقد علم سيد المرسلين محمد صلى
الله عليه وسلم أمته الإتقان لقوله ( إذا عمل أحدكم عملاً فليتقنه ) ولكثرة توالي
الظلم الذي تعرض له الأندلسيين المسلمين , كان رد فعلهم بالقيام بعدة ثورات ضد
سياسة التنكيل والإحراق والتعذيب والسحق للهوية العربية الإسلامية ومن هذه الثورات
: - ثورة البشرات وضواحيها سنة 1500م .
- = منطقة المرية في نفس العام .
- = عام 1501 م .
- = سكان جبال ( بني طوميز ) سنة 1501 م .
- = مملكة ( بلنسية ) سنة 1525م .
- = في جبال ( سترادوسبادان ) في نفس السنة ز
- = الأندلسيين الكبرى في البشرات قرب غرناطة سنة 1596م .
- = منطقة ( مالقة ) .
وهنالك الكثير من الثورات التي أعلنها الأندلسيين ضد سياسات التنكيل بهم وخرق
روح الإتفاقية الممضاة مع الأسبان , وإجبارهم على مغادرة الأراضي الأندلسية بالقوة
والقهر , وهذه مأساة كبرى لم تعشها مجموعة بشرية على الإطلاق , حيث تم إجبارهم
بالقو مطلع القرن السابع عشر على مغادرة الأراضي الأندلسية عندما أصدر فيليب الثالث
قرار الطرد النهائي سنة 1609م , حيث كان عدد الذين تم طردهم يعد بالألوف من
المسلمين وكان نصارى ومسيحيي المشرق العربي بألف خير ينعمون بالأمان في ضل شرع
الإسلام الحنيف العادل , وقد استأجر المهجرين العرب المطرودين سفن كثيرة لتنقلهم
إلى عمق بلاد المسلمين مصر والمغرب وغيرها , ولكن معظمهم تعرض للسلب والنهب من طرف
كوادر السفن وقوادها , أما القسم الآخر فقد اتخذ البر وسيلة لمغادرة الأندلس عن
طريق أكد ودوردنيا ومرسيليا ومنها إلى البندقية ثم أراضي الإمبراطورية الإسلامية
العثمانية أو المغرب الغربي وخصوصاً تونس وقد احتفل بمقدمهم عثمان داي وخصص لهم
الدور والأراضي وسعى إلى توضيف خبراتهم ومهاراتهم المهنية والصناعية والفنية
والعلمية ومعرفتهم للغة القشتالية , ولأساليب الحروب البحرية التي تفننوا بها , وقد
أنشأوا مدناً عربية تختص بمنهج فن العمارة الأندلسي الراقي الدقيق ولقد بقي عدة
آلاف من الأندلسيين في الأندلس لاستحالة اجتثاث حضارة كاملة بأهلها , حيث اتقى من
بقى شر الطغاة بادعاء دينهم واتباعه ولكن قلوبهم عامرة بالإيمان ويطبقون الشعائر
الإسلامية بالخفاء سراً , وقد منع آلاف الأطفال من المغادرة مع ذويهم وتم تذويبهم
في المجتمع الأسباني الكاثوليكي , وعدة آلاف ممن خشوا الوقوع ضحية للنهب والسلب في
البحر بقوا مع العلم أنهم منعوا من بيع بيوتهم للأسبان ولو بأزهد الأثمان وحتى من
كانوا يخفون ثرواتهم منعوا من نقلها وأخذها , وكان الآلاف لا يستطيعون دفع أجرة
النقل والهجرة الإجبارية .
والذي يؤكد بقاء عدد كبير من المسلمين في الأندلس , أنه وصلت في منتصف القرن
الثامن عشر إخبارية إلى محاكم دواوين التفتيش مفادها أن عدد كبير من القساوسة
والإداريين والعسكريين الأسبان يمارسون شعائر الدين الإسلامي سراً بمدينة غرناطة ,
فصدرت الأوامر العليا بالقبض عليهم جميعاً وقد تم القبض عليهم يوم الأربعاء الأول
من أكتوبر عام 1727 ما بين الواحدة صباحاً حتى السادسة وقدموا للمحاكمة حيث قضت
بسجنهم والاستيلاء على أملاكهم وحرقهم في وسط الكنائس , وقد تم إحراق هؤلاء الشهداء
ما بين تاريخ 9/5/1728 و 15/6/1730م والذي لفت الانتباه أن محاكمة 250 شخصاً كان
عدد 154 منهم نساء والباقي رجال ومعنى هذا أن المرأة الأندلسية بقيت الوعاء الحضاري
الأمثل للحفاظ على التقاليد والعادات والدين , وقد حرمت الشرائع السماوية قتل
الأطفال والنساء والشيوخ , فأي دين هم يدّعون ؟ فذرفت بالدمع عينا أبا عبد المجيد
حسرة على ما فرط ولاة الأمر في ذاك الزمان وما تذكروا أن أمة الكفر أمة واحدة وأن ل
اعهد لهم وعلى ما أصاب أخوته في دين الله تعالى في الأرض الإسلام الحنيف في ذلك
الجزء الغالي من العالم الإسلامي ولم يتمكن خليفة المسلمين من جبر ما كسر وإعادة ما
سلبه الأسبان , لابد أن نعتبر ونستخلص أهم العبر مما حدث في الأندلس وأهلها فالخوف
على القدس الآن وفلسطين التي يحاول اليهود وضع موطئ قدم لهم فيها , حيث طلبوا من
السلطان السماح لهم بالعودة إلى أرض فلسطين للسكن والعيش فيها كأي سكان لآخرين دون
أي صفة سياسية أو حزبية أو غيره وقدموا الإغرائات الماد يه الكبيرة السخية من أجل
نيل قبول وموافقة السلطان رعاه الله ولكن لعلم السلطان بخبث يهود ومكرهم وإفسادهم
في كل أرض يحلون بها , وما تخفي يهود وبروتوكولات هم السرية , رفض وبكل حزم وشدة
وحكمة , .........
*************************************************************
طرد المسلمين من إسبانيا
بقلم: روجر بواس[1]
Roger Boase
يلقي روجر بوس في مقاله هذا نظرة على النموذج الإسباني للتطهير العرقي والديني.
--------------------------------------------------------------------------------
لكل شيء إذا ما تم نقصان * فلا يغر بطيب العيش إنسان
وهذه الدار لا تبقي على أحد * ولا يدوم على حال لها شانُ
تبكي الحنيفيةَ البيضاءَ من أسفٍ * كما بكى لفراق الإلف هيمانُ
حتى المحاريبُ تبكي وهي جامدةٌ * حتى المنابرُ ترثي وهي عيدانُ
حتى المساجدُ قد اضحتْ كنائسَ ما * فيهنَّ إلا نواقيسٌ وصلبانُ
يا من لذلةِ قومٍ بعدَ عزِّهُمُ * أحال حالهمْ جورُ وطغيانُ
بالأمس كانوا ملوكًا في منازلهم *واليومَ هم في بلاد الضدِّ عبدانُ
ولو رأيتَ بكاهُم عندَ بيعهمُ * لهالكَ الأمرُ واستهوتكَ أحزانُ
يا ربَّ أمٍّ وطفلٍ حيلَ بينهما * كما تفرقَ أرواحٌ وأبدانُ
وطفلةٍ مثل حسنِ الشمسِ * إذ طلعت كأنما ياقوتٌ ومرجانُ
يقودُها العلجُ للمكروه مكرهةً * والعينُ باكيةُ والقلبُ حيرانُ
لمثل هذا يذوبُ القلبُ من كمدٍ * إن كان في القلب إسلامٌ وإيمانُ
--------------------------------------------------------------------------------
هذه كانت الكلمات التي كتبها الشاعر " أبو البقاء الرندي" بعد وقوع إشبيلية في
يد ملك كاستيل "فردناند الثالث"، وذلك في ديسمبر عام 1248. فقد تم في ذلك الوقت
الاستيلاء على العديد من المدن الأخرى ومن ضمنها بلنسية، مرسية،جيان، وقرطبة.وقد
بدا أن نهاية إسبانيا المسلمة على وشك الحدوث. ومع ذلك، فلم تقع مملكة غرناطة التي
كان يحكمها المغاربة في يد "فردناند" و "إيزابيلا" إلا في عام 1492، ولم يتم طرد
المسلمين الأخير إلا في القرن التالي ما بين عامي 1609 و 1610 .وهذا يعني أنه كان
هناك عدد كبير من المغاربة المسلمين يقطنون في إسبانيا بعد بلوغ الثقافة الأندلسية
أوجها والتي استمرت خمسمائة عام وذلك في القرن الحادي عشر.
وقد يكون الشاعر أبو البقاء قد تأثر كثيراً لمعاناة إخوانه في الدين، وذلك بعد
سقوط غرناطة ، أو خلال فترة طرد المسلمين حيث ارتكب بحقهم كثير من الأعمال الوحشية:
دمرت المنازل وهُجرت، وتحولت المساجد إلى كنائس، وأبعدت الأمهات عن أطفالهن، وسلبت
ثروات الناس وتم إذلالهم، وتحول الثائرون المسلحون إلى عبيد.
وبحلول القرن السادس عشر أصبح المغاربة مواطنين إسبانيين، وكان بعضهم مسيحيين
بالأصل، وكان العديد منهم مثل شخصية "ريكوت" وهو جار "سانشو بازا" في رواية
"الدونكيشوت" (1605-1615) وطنيون لدرجة كبيرة، وكانوا يعتبرون أنفسهم مثل ذلك
المغربي في تلك الرواية. إلا أنهم كانوا جميعاً ضحايا سياسة الدولة التي كانت مبنية
على النزاعات العنصرية الدينية، والتي كانت يدعمها المجلس الملكي، والكنيسة، حيث
كان طرد اليهود عام 1492 يمثل حادثة مماثلة شرعية في ذلك الوقت.
وحسب بنود المعاهدة التي أبرمت عام 1492، والتي نصت على السماح لرعايا الملك على
الاحتفاظ بمساجدهم ومعاهدهم الدينية، ولهم حق استخدام لغتهم والاستمرار بالالتزام
بقوانينهم وعاداتهم، إلا أن بنود تلك المعاهدة قد نقضت خلال السنوات السبع التالية.
وقد حدث ذلك عندما جرى استبدال النهج التبشيري المعتدل لرئيس أساقفة غرناطة
"هيرناندو دو تالفيرا" (1428-1507)، بالنهج التعصبي للكاردينال "سيزيزوس"
(1518-1436) الذي قام بتنظيم اعتناقات جماعية للدين المسيحي، وقام بحرق جميع الكتب
الدينية باللغة العربية، وجرى ذلك أثناء التمرد الأول للبوجراسيين[2] (1500-1499)
وعقب اغتيال أحد نواب الكاردينال.
وهذا بالتالي منح العذر للملوك الكاثوليك لأن ينكثوا بوعودهم. وفي عام 1499 أجبر
قادة الدين الإسلاميين في غرناطة على تسليم أكثر من 5000 كتاب تتميز بتجليدات
زخرفية لا تقدر بثمن، فقد تمّ حرقها وبقي منها بعض الكتب الطبية فقط.
وبعد عام 1502 تم تخيير المغاربة في جنوب الأندلس، وبلنسية، وكاتالونيا، وأراغون
بعد عام 1526 بين التعميد أو النفي. فكان التعميد بالنسبة للأغلبية هو الخيار
الشكلي. وأصبح المسلمون الإسبان فيما بعد المسيحيين الجدد (نظريا) وهم بذلك أضحوا
خاضعين للسلطة القضائية للمحكمة الكاثوليكية التي يترأسها البابا "سكستوس" السادس
في عام 1478.
إلا أن معظم هذا الاعتناق الديني كان بالاسم فقط: إذ كان المسلمون يمارسون
الطقوس الدينية المسيحية التي لا وزن لها، إلا أنهم استمروا في تطبيق الدين
الإسلامي سراً. فمثلاً، بعد أن يتم تعميد الطفل، كان يؤخذ إلى البيت ويتم تغسيله
بالماء الحار لإبطال قدسية التعميد.
كان المسلمون الأوائل قادرين على أن يحيوا حياة مزدوجة بضمير حي، نظرا لوجود بعض
الأحكام الدينية الإسلامية التي تجيز للمسلمين الرازخين تحت وطأة الإكراه أو من
كانت حياتهم في خطر، التظاهر بالتقية حفاظاً على حياتهم.
واستجابة لطلب من المسلمين الإسبان، أصدر المفتي الأكبر لمدينة وهران[3] أحمد بن
أبو جمعة حكما بجواز احتساء المسلمين الخمر، وتناول لحم الخنزير، أو القيام بأي فعل
محرم إذا أجبروا على القيام بذلك ولم يكن في نيتهم فعل هذا العمل الآثم. كما أفتى
أيضا بجواز إنكار الرسول محمد بألسنتهم شريطة أن يكنوا له في الوقت نفسه المحبة في
قلوبهم، إلا أنه لم يوافق جميع العلماء المسلمين على هذا الإفتاء.
وبذلك، فإن سقوط غرناطة كان بمثابة المرحلة الجديدة في العلاقات بين المسلمين
والمسيحيين .
لقد كان حال المسلمين تحت الحكم المسيحي وخلال فترة القرون الوسطى، يشابه حال
المسيحيين الذين كانوا تحت حكم المسلمين[4]: حيث كانوا ينتمون إلى أغلبية محمية
تحافظ على قوانينها، وعاداتها مقابل دفع الجزية. وبالنسبة للوضع القانوني لليهود
والمسلمين تحت الحكم المسيحي، فلم يكن على أساس كتبهم المقدسة بل كانوا يخضعون إلى
نزوات الحكام، وإلى تحيزات عامة الناس ومعارضة الرهبان.
وقبل اكتمال فترة إعادة الاستيلاء، كان من مصلحة ملكي "أراغون" و "كاستيل"
احترام تلك القوانين والاتفاقيات.
ومع ذلك ، نرى الآن أن إسبانيا لم تصبح نظريا على الأقل أمة مسيحية بصورة كاملة،
وإنما هناك تماثل أيضا من حيث نقاء الإيمان مع صفاء الدماء ، بحيث صنف جميع
المسيحيين الجدد أو المتحولين عن دينهم ، سواء أكانوا من أصل إسلامي أم يهودي، صنف
هؤلاء بالمارقين المتسترين.
وبما أن المغربي عضو في الأقلية المقهورة ذات البيئة الثقافية الأجنبية، فقد
أصبح هذا المغربي "مغربيا ضعيفا"، وأضحى كل مظهر من مظاهر حياته : لغته، ملبسه،
وعاداته الاجتماعية يحكم عليها بأنها غير حضارية و وثنية. فالفرد الذي يرفض احتساء
الخمر ، أو تناول لحم الخنزير قد تتهمه المحكمة الكاثوليكية بأنه مسلم، وتعتبر
المحكمة الكاثوليكية والرأي العام أن تصرفات مثل تناول "الكوسكس"، واستخدام الحناء
، و رمي الحلوى خلال حفلات الزفاف، والرقص على إبقاع الموسيقى البربرية، كل ذلك
يعتبر حسب نظرهم عادات غير مسيحية، وعلى الفرد أن يعاقب نفسه تكفيراً عن خطيئته.
وبالنسبة للمغاربة الذين كانوا مسيحيين أصليين، فقد كانوا يعتبرون كمواطنين من
الدرجة الثانية، وكانوا يتعرضون للنقد من قبل المسلمين والمسيحيين على حد سواء.
وعلى الرغم من أن إطلاق اسم Morisco على المغربي يعتبر لفظا ينتقص من قدره، إلا أن
المؤرخين يرون أن هذا الاسم مناسباً لتمييز العرب أو المغاربة الذين بقوا في
إسبانيا بعد سقوط غرناطة.
قام "فيليب الثاني" في عام 1567 بتجديد مرسوم لم يتم تنفيذه بإحكام من قبل. وهو
ينص على عدم شرعية استخدام اللغة العربية، وحظر الدين الإسلامي واللباس والعادات
الإسلامية. وقد صدر هذا المرسوم في فترة التمرد الثانية للبوجراسيين (1568-1570)
والذي بدا أنه قام بمؤامرة سرية مع الأتراك. وتم القضاء على الانتفاضة بوحشية من
قبل نبيل النمسا "الدون جوان".
وكان من أكثر الأعمال الوحشية التي ارتكبها هو تدمير مدينة "غاليرا" وحتى شرق
غرناطة ومحوها تماماً، حيث قام بمذبحة راح ضحيتها 2500 امرأة وطفل، وإلى تشتيت شمل
حوالي 80000 مغربي متواجدين في غرناطة والذين ذهبوا فيما بعد إلى المناطق الأخرى من
إسبانيا، واستقر المسيحيون القدامى، وهم من شمال إسبانيا، في مدنهم.
وبحلول عام 1582، اقترح مجلس دولة الملك فيليب الثاني فكرة طرد المسلمين، ورأى
المجلس أن ذلك هو الحل الوحيد للصراع القائم بين الجاليات، على الرغم من وجود بعض
المخاوف من حدوث حالة تردي اقتصادي مؤذ حيث سيفتقَد إلى المهارة الحرفية، وسيكون
هناك نقص في الخبرة والقوة البشرية العاملة في الزراعة.
وبما أن هناك معارضة من قبل بعض النبلاء، ونظرا لأن الملك كان مشغولاً بالأحداث
العالمية، فإنه لم يتم اتخاذ قرار بهذا الشأن حتى عام (1609-1610) حيث أصدر فيليب
الثالث (1626-1598) مرسوم الطرد.
وقد قامت الكنيسة بسنّ القوانين الملكية الخاصة بالمسلمين بكل مراحلها. فقد أصبح
"جوان دوربيرا" (1611-1542) وهو كبير رئيس الأساقفة والذي كان في البداية يؤمن
إيماناً راسخاً في فعالية العمل التبشيري، أصبح في أيامه الأخيرة المؤيد الرئيسي
للطرد. وقد قال في خطبة دينية في 27 سبتمبر عام 1609 أن "الأرض لن تزدهر ثانية مالم
يتم طرد هؤلاء الزنادقة".
وتغير أيضا موقف دوق "ليرما"، وهو الوزير الأول للملك فيليب الثالث (1618-1598)،
عندما تمت الموافقة بمنح لوردات بلنسية أراضي المسلمين المطرودين، وذلك تعويضاً عن
خسارتهم لسفنهم.
وتم بالإجماع المباشرة بتطبيق قرار الطرد من قبل مجلس الدولة، وذلك في 30 يناير
عام 1608، على الرغم من أنه لم يتم التوقيع الفعلي على المرسوم من قبل الملك إلا في
الرابع من إبريل عام 1609. وتم إعداد أسطول السفن الشراعية الإسبانية سراً، وانضم
إليه فيما بعد العديد من السفن التجارية الأجنبية وقد جاء البعض منها من إنجلترا.
وفي الحادي عشر من سبتمبر، أعلِن في بلدة بلنسية عن قرار الطرد، و غادرت أول
قافلة من دانية عند حلول الظلام ، وذلك في الثاني من أكتوبر ووصلت إلى وهران في أقل
من 3 أيام.
وتسلم مسلموا أراغون وقشتالة وجنوب الأندلس، و "اكستير مادورا" أوامر الطرد خلال
فترة السنة التالية. واستقرت أغلبية المهاجرين المطرودين في المغرب، أو على الساحل
البربري وخاصة في وهران، تونس، تلمسان، تطوان، الرباط، وسَلا.
وقد سافر العديد منهم براً إلى فرنسا، إلا أنهم أجبروا على الهجرة إلى إيطاليا،
وصقلية، أو اسطنبول إثر اغتيال "هنري" ملك "نافار" على يد "رافيلاك" و ذلك في مايو
عام 1610.
هناك تضارب شديد حول عدد سكان المغاربة. فقد قدر عالم الديموغرافيا الفرنسي
"هنري لابيري"، وذلك من خلال تقارير الإحصاء الرسمية للسكان، ومن خلال قوائم
المسافرين على متن السفن، أن هناك حوالي 275000 مسلم إسباني قد هاجروا خلال السنوات
1614-1609 من مجموع 300000 مسلم إسباني.
ولا يتساوى هذا التقدير المعتدل مع الروايات المعاصرة العديدة التي تقدر عدد
المسلمين بحوالي 600000 مسلم، وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن العدد الكامل لسكان
إسبانيا في ذلك الوقت كان بحدود سبعة ملايين ونصف المليون نسمة فقط، فهذا يشكل بحد
ذاته نقصاً حاداً في القوة البشرية المنتجة، وفي ريع الضرائب.
وفي مملكة بلنسية التي فقدت حوالي الثلث من سكانها ، فقد هُجرت نصف قراها في عام
1638.
وهناك تضارب مماثل حول عدد المسلمين الذين قتلوا خلال التمرد المسلح، أو أثناء
رحلتهم إلى المنفى. وأفاد السيد "بيدرو أزنار كاردونا" الذي برّر في بحثه مسألة
الطرد والذي نشر في عام 1612، أنه توفي أكثر من 50000 مسلم، وذلك بين شهري تشرين
الأول/أكتوبر 1609 وتموز/يوليو 1611 أثناء محاولتهم مقاومة طردهم، في حين أنه توفي
أكثر من 60000 مسلم أثناء رحيلهم خارج البلاد سواء براً، أم بحراً ، أو على أيدي
إخوانهم في الدين بعد أن تم إنزالهم على الساحل الشمالي الإفريقي وإذا ما كانت هذه
الأرقام صحيحة، نجد أن أكثر من سدس المسلمين قد أبيدوا خلال فترة السنتين. وقد أشار
"هنري تشارلز لي" بعد دراسة المصادر المعاصرة أن نسبة وفاة المسلمين تقع ما بين
ثلثي و ثلاثة أرباع مجموع عددهم.
استغل "جوان دو ريبيرا" العامل الديموغرافي كأحد الحجج المؤكدة في تأييد مسألة
الطرد. و حذر "فيليب الثالث" أنه مالم يتخِذ إجراءً سريعاً، فقد يجد المسيحيون
الإسبان أنفسهم عاجلاً أنهم أقل عدداً من المسلمين، حيث أن المغاربة يتزوجون ولديهم
أسر كبيرة، في حين أن ثلث أو ربع المسيحيين غير متزوجين، وذلك بعد دخولهم في خدمة
الكنيسة الكاثوليكية، أو بسبب انخراطهم في الخدمة العسكرية.
وأفاد "ريبيرا" أن كل ما يفكر به المسلمون هو الزيادة والحفاظ على نسلهم، في حين
أن اعتدالهم في المأكل والمشرب يطيل من أعمارهم. ومما زاد من مخاوف "ريبيرا" هو
الإحصاء السكاني الذي أجري لسكان بلنسية والذي أشرف عليه هو شخصياً في العام نفسه،
والذي أظهر أن عدد المغاربة قد ازداد بنسبة الثلث. وخلال اجتماع عقد لمجلس الدولة
في كانون الأول/يناير 1608، عزا الكوماندور "دوليون" انخفاض عدد السكان المسيحيين
الأصليين إلى كرههم لتحمل الأعباء الاقتصادية للزواج في وقت ترتفع فيه تكاليف
الحياة. كما حذر أيضا من أن المسلمين سيتمكنون عاجلاً من تحقيق أهدافهم بكل سهولة
بسبب ازدياد عددهم وذلك دون اللجوء إلى استخدام السلاح أو تلقي مساعدة من الخارج.
وحانت اللحظة المناسبة لاتخاذ عمل صارم إزاء هذا الموضوع، بسبب انشغال تركيا
بالحرب، وضعف كل من فارس ( إيران أو شمال إفريقيا) من جراء تفشي مرض الطاعون
والجفاف والحرب الأهلية.
ففي ذلك الحين أفاد كونت "ألبا دوليستَ"، من خلال مزيد من التحريف لمسألة
الديموغرافية، لو يرسل الملك، برحمته، المسملين إلى شمال إفريقيا فإن ذلك يكون
بمثابة ضرب من أنواع الحكم عليهم بالموت، لأنهم إنْ لم يموتوا بسبب الجفاف أو الجوع
فإنهم سيصبحون عقماء. نجد في مخيلة العديد من الناس أن مسألة خصوبة المسلمين لها
علاقة بالتعاليم الدينية الإسلامية بالنسبة للانغماس في الشهوات واستباحة المحرمات.
و يعزى فشل الكنيسة في جهودها التبشيرية – كما يقولون- إلى موقف الإسلام من المتعة
الدنيوية، والحساب في دار الآخرة. وجسّد المسلمون إثم الطبيعة البشرية فيما بعد
بطريقة رومانسية في تخيلاتهم للمرأة الشرقية. إلا أنهم كانوا عرضة لخطيئة "الأنا
العليا" مثل الغرور، النفاق، المكر، الجشع، و اغتنام الفرص، وتعزى كل هذه الصفات
إلى اليهود.
إن المتعصبين لن يترددوا في استخدام الأنماط المماثلة لتبرير كرههم للمسلمين،
وهذا أمر لا ريب فيه بالنسبة للعديد من الكتّاب الإسبان في القرن السابع عشر الذين
يصفون المغاربة بأنهم كسولين، إلا أنهم كادحون، وغير مسرفين ولكنهم فاسقون ، وبخلاء
وفي الوقت نفسه مبذرون، وخونة ، إلا أنهم محاربون أشداء، وجاهلون وحريصون على
التعلم كي يتفوقوا.
وكما رأينا أن هناك أسبابا حقيقية للخوف والغيرة من المغاربة: فعدد سكانهم
يتزايد بسرعة، فأصبح البعض منهم تجاراً وأصحاب محال ناجحين، على الرغم من محاولات
إقصائهم عن هذه المهن، وهم يضربون مثلاً رائعاً في سلوكهم في التجارة والاقتصاد في
الإنفاق والعمل المضنين، وتعمل الأغلبية منهم ظاهرياً وفقاً للمتطلبات الدينية
المفروضة عليهم، إلا أنهم استمروا –عن طرق الحيلة- بالاحتفال بأعيادهم وبتطبيق
الشعائر الدينية الأساسية الإسلام.
وقد أدى رفضهم للتعاليم الداعية للتخلي عن طابعهم الديني والثقافي إلى أن يكرههم
العديد من المسيحيين القدامى. فلم تكن هناك محاولة جادة لفهم ثقافة و دين المسلمين.
إن أية روايات يشوبها تشويه سمعة الإسلام، وأي تلميحات بإهانته، و أي تحريف
لإحدى حقائقه، كان يعتبر مقبولاً، إذ كان يخدم ما يعتبره هؤلاء المسيحيون هدفاً
جديراً بالثناء عليه لتشويه صورة الإسلام. كان مفهوم التنوع الثقافي يعتبر غريباً،
واستيعاب هذا التنوع غير مقبول على نحو متساو. تتباين معاناة المغاربة بشكل كبير من
منطقة إلى أخرى. فقد سادت في بعض أرجاء إسبانيا علاقات مميزة بين المسيحيين القدامى
والجدد. وقد أظهرت دراسة مفصلة أجراها "فيلاروبيا" في "لامانشا" –والتي يشكل فيها
المسلمون نسبة 20% من السكان، ويمتلكون أفضل المزارع وقد اندمجوا ضمن المجتمع هناك-
أظهرت أن جيران المسلمين من المسيحيين القدامى كانوا يقومون بحمايتهم من الزيارات
غير المرغوب بها من قبل مفتشي الحكومة. و قد استطاع العديد من أؤلئك الذين تم طردهم
من العودة ثانية إلى إسبانيا وقطع مئات الأميال للوصول إلى وطنهم.
ولم يتم سرد القصة الكاملة للمعاناة التي تحمّلها المغاربة: كيف وصل أولئك الذين
نجوا بحياتهم إلى بلادهم، وهم يعانون من الجوع والحرمان لأن اللصوص والمحتالين
سلبوا منهم المال وضرورات الحياة التي سمح لهم بأخذها معهم، وكيف أن الذين سافروا
براً إلى فرنسا قد أرغموا من قبل المزارعين أن يدفعوا مالاً إذا شربوا من نهر، أو
جلسوا تحت ظل شجرة، وكيف حاول الآلاف منهم المقاومة، وأن الذين نجوا بحياتهم كانت
خاتمتهم أنهم أصبحوا عبيداً في السفن، وكيف كان أؤلئك الذين ينتظرون الصعود إلى
السفينة جوعى بحيث أنهم وافقوا على بيع أطفالهم مقابل الحصول على الخبز، وكيف كانت
السياسة الرسمية للكنيسة هي فصل الأطفال المسلمين عن والديهم. وكان هدف "جوان دو
ريبيرا" منذ البداية والذي صادق عليه مجلس الدولة في الأول من كانون الثاني/ديسمبر
عام 1609، أن يبقى الأطفال الذين كانت أعمارهم بين العاشرة أو أقل في إسبانيا ليقوم
الرهبان أو أي أشخاص آخرين موثوق بهم بتعليمهم، حيث يقومون بالإشراف عليهم حتى
بلوغهم سن الخامسة والعشرين، أو الثلاثين مقابل تأمين المسكن والطعام والملبس لهم،
وأن يسلم الأطفال الرضع إلى المرضعات المسيحيات القدامى حسب الشروط السابقة الذكر.
وفي الشهر التالي تم تخفيض سن الأطفال من عشر سنوات إلى خمس سنوات أو أقل من
ذلك. وجرى تنفيذ هذه السياسة بشكل جزئي، إلا أنه ثبت أنه من المستحيل تنفيذها بشكل
كامل. وبدا أنه فقِد حوالي 14000 طفل مسلم - إذا افترض أنه كان لكل أسرة طفلان – من
مجموع المسلمين الذين ركبوا سفينة "اليكانت" في الأندلس وذلك في فترة ما بين السادس
من تشرين الأول/أكتوبر ، والسابع من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1609.
وحسبما جاء في الويثقة المؤرخة في 17 إبريل عام 1610، فقد أرسل من مملكة بلنسية
حوالي 1832 من الصبية والفتيات المسلمين وأعمارهم ما بين السابعة أو أدنى- وكان ذلك
ضد رغبة أوصيائهم- إلى قشتالة لخدمة الأساقفة و كبار قوم المملكة. وفي تموز/يوليو
عام 1610، أوصت الكنيسة بأن يتم بيع جميع الأطفال المسلمين من هم فوق سن السابعة
الموجودين في مملكة بلنسية إلى المسيحيين القدامى بشكل دائم، وهم: أيتام المتمردين،
والأطفال الذين استحوذ عليهم الجنود وآخرين لم يفصح عن هويتهم، كانوا يظنون أنهم
بذلك يفعلون الخير. وأقر العلماء اللاهوتيون الذين وقعّوا على هذه الوثيقة بأن الرق
لم يبرر أخلاقياً فحسب، بل هو مجدٍ من الناحية الروحية، أي أن هؤلاء الأطفال من غير
المحتمل أن يصبحوا مرتدين عن دينهم، بما أن أسيادهم ضمنوا بقاءهم كرومان كاثوليك،
وأن العبيد نادراً ما يتزوجون، فهذا منهج آخر للتخلص من "العرق الشرير" في إسبانيا.
فما هي أهمية تحديد مسألة السن؟ كان يعتقد أن الطفل إذا تجاوز سن السادسة أو
السابعة فإنه يبدأ في فَقْد براءته، ويصبح من الصعوبة تلقينه تعاليم مذهب ما، في
حين أن الطفل الأصغر سناً لا يدري شيئاً عن أصوله. و جرى تبرير هذه السياسة بأن
الأطفال الأبرياء الذين تم تعميدهم كمسيحيين ينبغي عدم معاقبتهم بسبب آثام آبائهم،
مع أنه ذلك يعتبر تناقضاً، لأن مبدأ توارث الخطيئة مقبول كمبرر لطرد جميع البالغين
سواء أكانوا مسيحيين أم لا.
بالإضافة إلى ذلك، قيل أن طرد الأطفال مع والديهم غير النصرانيين هو بمثابة
التأكيد على أنهم مسلمون، وكان لزاماً على الأطفال المسلمين ألا يتلقوا تعليماً
يفوق طبقتهم الاعتيادية، وبذلك يتم عزلهم عن الطلاب الذين يتهيئون لمنصب الكهانة،
ونجد أن هؤلاء الأطفال المسلمين تتم تربيتهم من قبل الحرفيين، وعمال المزارع،
وبالتأكيد كان لا يسمح لهم بدراسة الأدب. وبهذه الطريقة كان يؤمل أن تمحى ذكريات
الإسلام في إسبانيا للأبد. وقد أعجب "فيليب الثالث" إعجابا شديداً بهذه النقطة.
لقد كتِب الكثير عن هجرة اليهود الإسبان الجماعية في عام 1492، أو عن المعاناة
التي لاقاها العديد من اليهود المتحولين الذين لاقوا معاناة من قبل المحكمة
الكاثوليكية، إلا أنه لم يلق المسلمون الإسبان المعاملة نفسها. ترتبط في أذهان معظم
الناس أن المحكمة الكاثوليكية الإسبانية تقوم باضطهاد اليهود، فلم يعرف كثير عن
تعذيب المسلمين من قبل المحكمة، وأنهم كانوا ضحية للمفهوم المعادي للسامية.
واتهمت المحكمة الكاثوليكية حوالي 12000 مسلم بتهمة الارتداد عن المسيحية أي
بنسبة قدرها 50%، قبل أن يتم طردهم بحوالي 30 سنة.
ولم يتجل التعصب الديني والعنصري في أي مكان كما تجلى في تقارير اجتماعات مجلس
دولة الملك "فيليب"، وكذلك في الكتب التي ألفت وذلك من أجل تبرير الحاجة إلى سياسة
الطرد. و يلمس المرء في تلك المؤلفات التي كتب معظمها رهبان محبطون تبشيريون من
الدومنيك، تعصباً لاهوتياً غير أصلي مدعوماً بحوادث سابقة من الإنجيل وهي محاولة
"تهويد" الإسلام، ووصف المسيحيين الإسبان القدامى أنهم "العرق المختار" المنشغلون
في حرب صليبية لاستعادة "الأرض الموعودة" من محمد.
فقد ادعى أحد المؤلفين بأن النبي ما هو إلا ثمرة علاقة زنى بين والدته وعمه،
وكلاهما –كما ادعى- يهوديان، وذلك تحقيقاً للنبوءة القائلة بأن المسيح الدجال سوف
يولد لأم غير طاهرة.[5] من السخرية أنه لم يستشهد فقط المدافعون عن سياسة الطرد
الجماعي للمغاربة بنصوص العهد القديم التي استخدمت لدعم نظرية أن فلسطين هي الأرض
اليهودية الموعودة، وإنما أيضا استشهد بتلك النصوص اللاهوتيون المعادون لليهودية
وذلك تأييداً للحاجة إلى قوانين لتنقية الدماء. وقد اعتبر هؤلاء المؤلفون الإسبان
المسيحيين القدامى كوريث روحي لأطفال إسرائيل، وشبهوا الملك فيليب الثالث بإبراهيم،
و موسى و الملك داود، وأطلقوا عليه اسم "إبراهيم الثاني" وأفادوا أنه [يعني النبي
إبراهيم][6] كان ملزماً بطرد ابنه غير الشرعي، أي العرب المسلمين، أحفاد "هاجر"
الأمَة المصرية.
وكانت أفضل النصوص الواردة من الإنجيل التي يفضلونها هي رسالة الله إلى موسى
التي سلمها للإسرائيليين، عندما كانوا على وشك الدخول إلى الأرض الموعودة والتي
كانت كما يلي: "إنكم لن تدعوا أحداً على قيد الحياة في مدن تلك الأمم التي منحها
الله هذه الأرض، إنكم سوف تبيدون الحثيين، والعموريين، والكنعانيين، وأهالي بير
زيت، وحيفا و... كما أمركم الله ، بحيث لا يعلمونكم أن تقلدوا الأفعال البغيضة التي
قاموا بها إزاء آلهتكم وبذلك يجعلونكم ترتكبون الآثام ضد إلهكم .." وقد استشهد
اليهود بهذا النص الذين كانوا يقودون حملة لتوسع إسرائيل الكبرى الممتدة من الفرات
وحتى البحر الأحمر، وقد استخدم هذا النص أيضا من قبل المتطهرون The Puritans في
شمال أمريكا في القرن السابع عشر، وذلك لتبرير المجزرة التي جرت ضد سكان أمريكا
الأصليين.
وعقب هذا التشابه اليهودي-المغربي، أوضح أحد الشعراء المعاصرين حول مسألة الطرد
الجماعي للمغاربة فأفاد بما يلي: سوف يغادر المغاربة أرض إسبانيا المقدسة مغادرة لا
عودة بعدها، وسيعودون إلى مصر أرض جهنم.
وقد اقترح الراهب البرتغالي الدومنيكي "داميان فونسيكا" بأن الله كان يتوقع من
جلالة الملك الكاثوليكي أن يبذل سعيا حثيثاً في تهدئة العقاب الإلهي. وقد استخدمت
هذه الجملة في عام 1611 وهي ( المحرقة المقبولة).
ويعتبر هؤلاء المعاديون للسامية أن اليهود ينحدرون من يهوذا الذي خان المسيح
وليس من يهوذا ابن يعقوب. ولم يعترفوا بأن عيسى يهودي أرسله الله ليعظ نعاج بيت
إسرائيل التائهة. ونتيجة للقدر الذي كتبه الله لهم، لم يعد اليهود شعب الله
المختار، وورثوا خطيئة قتل الإله فحكم عليهم أن يتيهوا في الأرض.
إن أبسط طريقة للحط من قدر ما تبقى من أثر للعرب الإسبان هو تصوير الإسلام على
شكل بدعة يهودية مزيفة. فاقترح القسيس الملكي" جيم بليدا" ، وهو من المجادلين
المعاديين للمسلمين ـ اقترح أن الغزو الإسلامي لإسبانيا ما كان إلا بمثابة العقاب
الإلهي لسياسة الملك" ويتزا" (698-710) المؤيدة لليهود، حيث أنه أبطل المراسيم التي
أصدرها والده عن طريق إعتاق اليهود من الرق، و رد أراضيهم وامتيازا تهم إليهم.
وقد استشهد بذلك كحادثة سابقة شرعية جرى تطبيقها على المسلمين، وذلك في الاجتماع
الذي عقده مجلس الدولة في 30 كانون الأول/يناير 1608. وعلى أية حال، كان الحدث
التاريخي المباشر هو طرد اليهود في عام 1492.
وفي شهر إبريل من عام 1605، حث "بليدا" فيليب الثالث إلى أن يحذو حذو سلفه الملك
"فرديناند"، والملكة " إيزابيلا" الذين أقنعهما "فيراي دو تركومات" بطرد اليهود من
مملكتهما، وأن يقوما بالفعل نفسه إزاء المغاربة إذا رفضوا عملية التعميد، وأضاف بأن
الله قد كافأ أسلافهم الكاثوليك نظراً لحماسهم للدين المسيحي فمنحهم العالم الجديد.
إن الكثير من التوبيخات القاسية التي وجهها "بيلدا" و مجادلون آخرون إلى
المسلمين قد وجهت سابقاً إلى اليهود. وقيل عن المسلمين واليهود أنهم يتوارثون
ارتكاب الآثام، وأنهم دخلاء على المجتمع، ولا يمكن إصلاح إلحادهم المتأصل، وأن
فسقهم الراديكالي هو بمثابة العدوى السريعة الانتشار، والتي يجب القضاء عليها.
لقد وُصِفَ "فيليب" الثالث بأنه "جالينوس"[7] كاثوليكي، وعهد إليه مهمة تطهير
إسبانيا من الداخل من السموم والفساد.
وقد دفعت إسبانيا الثمن غاليا لحرمان المسلمين واليهود ولفترة طويلة من هويتهم
الثقافية، إلا أنه منذ وفاة "فرانكو" عام 1975 تم إرساء حرية العبادة بالتدريج.
وهناك اليوم حاجة لكتابة نسخة جديدة من التاريخ الأوروبي، حيث هناك تعدد عرقي و
ديني في أوروبا (هناك حوالي 30 مليون مسلم، ومليون و نصف مليون يهودي في أوروبا)
كما أن هناك حاجة لبيان إنجازات ومحن المسلمين واليهود الأوروبيين.
وبإمكان الفاتيكان أن يفعل الكثير وهو الاعتراف بالوحشية المرتكبة باسم الكنيسة.
ومن الصعب أن نصدق أنه تقرر في نهاية عام 1960 وجوب إضافة اسم "جوان دو ريبيرا" إلى
قائمة القديسيين. فقد تم على الأقل مؤخراً إسقاط تقديس الملكة "إيزابيلا".
فالقديسيون الحقيقيون هم أؤلئك الذين عرّضوا حياتهم للخطر من أجل حماية أناس
اضطهدوا من أجل معتقداتهم، أو بسبب معتقدات أسلافهم، أو ماتوا لأنهم رفضوا خيانة
آخرين من أجل المحكمة الكاثوليكية، والذين لم يرتدوا عن إيمانهم وماتوا أثناء
المقاومة المسلحة.
فقد كان هؤلاء القديسيون منشغلين بما يطلق عليه المسلمون "الجهاد"، والذي يعني
النضال الداخلي، والواجب في مقاومة الشر، والمضي قدماً في النضال في الطريق الديني،
كما يقصد به النضال الخارجي أي أن هناك واجب نصرة المظلومين والذين أخرجوا من
ديارهم بغير حق، لأنهم رفضوا الارتداد عن دينهم، والدفاع سواء عن النفس أو عن
الآخرين.
ويمكن التعبير عن ذلك من القرآن بقوله تعالى: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض
لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً
..". [الحج:40][8]
إحراق الكتب العربية العلمية: من هواة الدومينيكان النصارى في الأندلس
دخول إيزابيلا وفرديناند إلى غرناطة عشية سقوطها
المرسوم الذي أصدره فرديناند وإيزابيلا عام 1497 والذي يقضي بطرد المسلمين من
البرتغال ونقلهم إلى إسبانيا
تعميد نساء المسلمين جبراً بعد سقوط غرناطة
--------------------------------------------------------------------------------
Baose, Roger, “The Muslim Expulsion from Spain,” History Today, Vol.52, no.4
خدمة الفسطاط للترجمة
--------------------------------------------------------------------------------
[1] روجر بوس حاصل على الزمالة الفخرية في البحوث في كلية الملكة "ماري" في
جامعة لندن، وهو مؤلف كتاب" معنى وأصل الهوى في البلاط الملكي" (مانشستر 1977).
[2] البوجراسيون alpujrras هم المقاتلون المسلمون الذي حاربوا الإسبان وكانت
جبال البوجراس في جنوب الأندلس معقلهم فنسبوا إليها، وتدعى بجبال البشرات بالعربية.
[3] وهي في الجزائر.
[4] لا يوافَق الكاتب على رأيه هذا، فليس هناك وجه للمقارنة بين وضع أهل الكتاب
تحت حكم المسلمين، وبين وضع المسلمين تحت حكم الكاثوليك الذين تفننوا في تعذيب
المسلمين وإجبارهم إما على اعتناق النصرانية أو الهجرة أو القتل. فأي تشابه هناك
بين الوضعين؟ [ف]
[5] خسئوا والله، فهو النبي محمد الذي حفظ الله نسبه، فكان من أشرف بيوت قريش،
وأفضلهم نسباً، صلى الله عليه وسلم. رفع الله ذكره في الأرض، وجعل أمته خير الأمم،
وجعله خاتم النبيين، لا يقبل الله من أحد أتى بعده ديناً إلا دينه الذي ارتضاه
للناس، فكل يهودي ونصراني سمع به ولم يؤمن به إلا أدخله الله النار، كما صح عنه صلى
الله عليه وسلم. [ف]
[6] هكذا يحترم أهل الكتاب أنبياء الله عز وجل. قاتلهم الله أنى يؤفكون! [ف]
[7] جالينوس: حكيم وطبيب ومشرح يوناني قديم، بقيت كتبه أساساً للطب الأوروبي حتى
عصور التنوير. [ف]
[8] والآية بتمامها: )الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله،
ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع ومساجد يذكر فيها اسم الله
كثيراً ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز(.
******************************************************************************************************************
العودة إلى أرض الأندلس
* د. فخري الوصيف
يبلغ عدد المسلمين في دول الاتحاد الأوربي الخمس عشرة حسب الأرقام الأكثر دقة
حتى أوائل هذا العام (2002) خمسة عشر مليوناً، وهو ما يمثل قرابة 2% من عدد سكان
الاتحاد الأوربي، وهو رقم متواضع نسبيّاً من حيث الكم خاصة إذا قارناه بعدد
المهاجرين بمناطق أخرى في العالم . فعلى سبيل المثال، حتى الأمس القريب كانت إيران
تضمُّ ثلاثة ملايين نازح من أفغانستان والعراق، أي بنسبة 5% من عدد السكان
الإيرانيين (60 مليون نسمة) .
واسبانيا، مثل غيرها من دول أوربا الغربية، لديها حصتها من المسلمين، ونصيبها
يبلغ ــ في حده الأقصى ــ حوالي 500 ألف شخص، أي 3،3% من عدد المسلمين في الاتحاد
الأوربي، وتقريبا 5،1% من عدد سكان أسبانيا (40 مليون نسمة) .
رقم متواضع أيضا ــ لماذا ؟
من جهة، لأن الهجرة، وهي المغذِّي الأول والأساسي للمسلمين في اسبانيا شأن باقي
دول أوربا، لم تصبح ظاهرة إلاّ مؤخراً، منذ أواخر السبعينيات، وخاصةً بعد انضمام
اسبانيا للسوق الأوربية المشتركة ( الاتحاد الأوروبي فيما بعد ) سنة 1986
. ومن جهة أخرى، لعدم وجود ماضي استعماري عريق لاسبانيا يربطها بالعالم الإسلامي
تاريخياً وبشرياً، باستثناء الحماية الاسبانية على شمال المغرب (حوالي 2000 كم
مربع) من 1912 إلى 1956 والسيطرة الاسبانية على الصحراء المغربية قليلة السكان (200
ألف كم مربع) حتى سنة 1975 .
ولكن لعل أكثر ما يثير الدهشة أن اسبانيا ليست بلداً أوربياً عادياً، إنها
وتوأمها البرتغال ــ بخلاف كل دول أوربا الغربية ــ ذات تاريخ طويل مع الإسلام
والثقافة الإسلامية . إنهما معا أرض الأندلس . صقع من أصقاع الإسلام على امتداد
قرون ثمانية، وأرض امتد بها الحضور الإسلامي إلى تسعمائة عام (711 - 1614م)، وحضارة
نهلت من قطوفها البشرية وأسهمت في نهضة أوربا . فردوس خالد لم تزل شواهده تثير
الإعجاب، وحسنه دائم الحضور. والبيّـنات راسخة : محراب مسجد قرطبة لا يزال يخطف
الأبصار، قصر الحمراء لؤلؤة لآلئ السياحة الاسبانية، المفردات والأسماء العربية لا
تخطئها الأذن، ولهذا فرغم حسرات المسلمين على الفقد والخسران وزفرات الضياع ولوعة
الحرمان من "الفردوس"، فقد صدق أستاذنا الدكتور حسين مؤنس القول بأن "الفردوس" ظلّ
باقياً حيّاً لأنه شعَّ ولا يزال على العالم علماً وفنّاً وفكراً . ولكن الوجه
الآخر من الحقيقة الأندلسية أن الوجود البشري الإسلامي قد انعدم من أرض الأندلس
بسبب سياسة الاستئصال والأسبنة المتعصبة التي بلغت ذروتها بالطرد الجائر للمسلمين
من الفردوس فيما بين سنتي 1609 و1614 . هكذا وطبقاً للتاريخ الرسمي لم يبق بالأراضي
الاسبانية مسلم واحد بعد سنة 1614، باستثناء الرعايا المغاربة المسلمين سكان مدينتي
سبتة ومليلة اللتين دخلتا تحت السيادة الاسبانية منذ حوالي أربعة قرون، الأولى في
سنة 1580 والثانية في 1556 .
ومع ذلك تكرُّ الأيام والشهور، وتمضي السنون، بل وتمرُّ القرون، ويدور الزمان
دورته ليعطي مغزىً من مغازيه المثيرة ؛ فقد عاد المسلمون إلى أرض الأندلس عودة
سلمية، دون سيوف وطبول، أو دروع وتروس . عودة مدنية في مناخ ديموقراطي، ولكنها ليست
عودة سهلة لأنها تواجه مشاكل عدّة على ما سنذكر .
الآن لا تخفى أمام عين الزائر للعاصمة الاسبانية، السحنة السمراء للمهاجرين
المغاربة، والحجاب النسائي الإسلامي، وإذا ما تجوّل في أحياء حيث يكثر المهاجرون،
فإنه سيلمح لافتات مكتوبة بالعربية تشير إلى "مجزرة حلال" أو إلى مصرف أو مركز خدمة
هاتفية، وإذا ما صادف يوم تجواله يوم جمعة في وقت الظهيرة فإنه سيلاحظ قدراً من
الاكتظاظ في محطّات المترو التي توصّل إلى المسجدين الكبيرين الذين تضمهما مدريد .
ويتكرر هذا المشهد بشكل أو آخر في كثير من المدن، بل وفي بعض القرى الاسبانية .
وكما كان للخروج تاريخ، فإن للعودة أيضا تاريخها
في منتصف السبعينيات من القرن العشرين كانت أزمة البترول العالمية، والتي كان من
نتائجها بطء النمو الاقتصادي لدول شمال ووسط أوربا، مما أجبر حكومات هذه الدول مثل
ألمانيا وهولندا وفرنسا على غلق حدودها أمام تيار الهجرة الاقتصادية القادم من
العالم الثالث والعالم الإسلامي . مع ذلك لم تتوقف الهجرة، وأنّى لها أن تتوقف ؟
فثمة أزمة اقتصادية طاحنة كانت تعصف بدول العالم الثالث منذ أوائل السبعينيات وطوال
حقبة الثمانينيات، بالإضافة إلى زيادة سكانية كانت تضغط على الشباب العاطل أو
المحبط للبحث عن الرزق في أراضي أخرى . زد على هذه الهجرة الاقتصادية هجرة سياسية
من جراء الحروب والاضطرابات والنزاعات السياسية مثل الثورة الإسلامية في إبران عام
1979 وأحداث لبنان في الثمانينيات وحربي الخليج الأولى والثانية ومؤخّراً أحداث
الجزائر في التسعينيات . بيد أن الجديد أن تيار الهجرة في مجمله غيّر وجهته إلى
بلدان أوربية أخرى كانت حتى منتصف السبعينيات مناطق طرد، بالتحديد إلى جنوب أوربا،
وعلى وجه الدقة إلى إيطاليا واسبانيا . سببان لذلك التوجُّه الجديد؛ الأول أن هاتين
الدولتين كانتا عمليّاً مفتوحتين أمام الهجرة، فلم تكن هناك ثمة موانع قانونية تحول
دون دخول المهاجرين . إيطاليا وضعت أول قانون ينظم دخول ووجود المهاجرين في أراضيها
سنة 1986، وخمس سنوات بعد ذلك التاريخ اشترطت اسبانيا (بداية من مايو سنة 1991)
تأشيرة الدخول المُسبقة إلى أراضيها على رعايا دول المغرب العربي . أما السبب
الثاني، فهو أن هاتين الدولتين منذ منتصف السبعينيات وخلال الثمانينيات شهدتا نمواً
اقتصادياً مرتفعاً، مما حوّلهما إلى دولتين جاذبتين للمهاجرين، وخاصة من دول الجوار
المتوسطي العربي الإسلامي، لاسيما من بلاد المغرب العربي . وكما أوضحنا من قبل تمثل
الهجرة المصدر الأول والمغذِّي الأساسي للوجود البشري الإسلامي في اسبانيا .
ويشكِّل المغاربة الغالبية العظمى من المسلمين المهاجرين في اسبانيا، وإلى جانبهم
توجد أعداد أخرى من شمال إفريقيا والشرق الأوسط ومناطق أخرى . وهؤلاء المسلمون ــ
خاصة المغاربة ــ موزَّعون في غالبية الجغرافية الاسبانية، ولكنهم يتركزون أكثر في
مقاطعات مدريد وقطَلونية وأندلوثيـَّا . أمّا عن عدد المهاجرين المسلمين في
اسبانيا، فيشوبه المبالغة أحيانا من مصادر متنوعة. فحيناً تأتي المبالغة من جانب
المسلمين بقصد تضخيم وزنهم العددي، وحيناً تصدر عن المنظمات الإنسانية غير الحكومية
بدافع حث الحكومة والشعب على إعطاء المزيد من العناية للمهاجرين، وفي حين آخر تكون
المبالغة بسوء نية من جهة القطاع الاسباني الرافض للمهاجرين المسلمين بهدف تضخيم ما
يسمى بـ"الخطر الإسلامي" و"الزحف الأسود" . وعلى كل حال، فعدد المهاجرين القادمين
من بلاد ذات غالبية مسلمة والحاصليـن على إقامـة شرعيـة في البـلاد حتـى مطلع عام
2002 يبلغ حوالي 300 ألف شخص، وهم ينتمون في غالبيتهم إلي المغرب، بالإضافة إلى
بلدان أخرى عربية وأفريقية وآسيوية . وإلى جانب هؤلاء المهاجرين الشرعيين، يوجد عدد
معتبر من المهاجرين غير الشرعيين، وهم الذين دخلوا البلاد بطريق غير قانوني، وهو
عـدد خارج عن الإحصـاء الدقيـق، ولكن الخبراء يحسبونه بنسبة 25 - 30 % من عدد
المهاجرين الشرعيين . وبالتالي في حالتنا هذه يكون عدد غير الشرعيين حوالي 90000
(30%)، فيصبح لدينا حوالي 390000 مهاجر قانوني وغير قانوني في اسبانيا حسب الإحصاء
الرسمي . ولكن يجب التنويه إلى أن الرقم المذكور لا يمثل بالضبط عدد المهاجرين
المسلمين، بل عدد القادمين من بلاد إسلامية أو ذات غالبية إسلامية، إذ يضم الرقم
المذكور عددا من غير المسلمين، بيد أنه في الغالب عدد ضئيل نسبياً بين 3% و 5% .
المسلمون المتجنِّسون (البلديُّون) هم جماعة المهاجرين المسلمين الذين تجنّسوا
بالجنسية الاسبانية، فأصبحوا من أهل "البلد"، أي "بلديين" في الاصطلاح الأندلسي .
بدأت نواة هذه الجماعة في التكوين في أواخر الخمسينيات وخلال الستينيات من القرن
العشرين باستقرار أعداد محدودة من بلاد عربية ذات علاقة طيبة بنظام الجنرال فرانكو،
أغلبهم من الطلاب السوريين واللبنانيين والأردنيين والفلسطينيين، ثم نالوا الجنسية
الاسبانية . وإلى هؤلاء يجب إضافة الرعايا المغاربة، سكان مدينتي سبتة ومليلة،
الذين حصلوا على الجنسية الاسبانية . ومن جُماع هاتين المجموعتين تشكلت نواة
الأقلية المسلمة الاسبانية المعاصرة، لكن دون اعتراف قانوني بوضعيتها الدينية، وذلك
بحكم طبيعة النظام السياسي القائم حينئذ المناهض للتعددية السياسية والدينية .
بتكاثف واستمرار تيار الهجرة، أخذ عدد الأقلية المسلمة المتجنِّسة (البلدية) في
التزايد حتّى بلغ في عام 1990م حوالي 131 ,23، وهو رقم تقديري محسوب على أساس أن
نسبة المسلمين تصل إلى 5 ,94 % من عدد المتجنسين من إفريقيا وآسيا، وهو 478 ,24 حسب
البيانات الرسمية . وبإضافة حوالي عشرة آلاف متجنس في حقبة التسعينيات، يمكننا
القول أن عدد المسلمين المتجنسين أو "البلديين" في اسبانيا يصل على وجه التقريب إلى
35 ألفاً.
المسلون الجُدد (الأسالمة) هم جماعة الاسبان الذين تركوا الكاثوليكية واعتنقوا
الإسلام في الربع الأخير من القرن العشرين . ولا يوجد إحصاء رسمي أو تعداد دقيق
لهذه الجماعة، وإن أحصتهم دراسات صحفية بحوالي خمسة آلاف شخص . والغالبية العظمى من
هذه الجماعة من سكان مقاطعة أندلوثيّا، وهي تشمل مساحات كبيرة من الأندلس التاريخية
مثل: اشبيلية وقرطبة وغرناطة وجيان وألمرية ومالقة وقادش ووِلبة . هؤلاء
"الأسالمة"، إن جاز اقتباس هذا المصطلح الأندلسي، يتميزون بالنشاط السياسي
والاجتماعي والديني من خلال إنشائهم للعديد من الجمعيات، مثل : "الجماعة الإسلامية
الأندلس" (إشبيلية 1980)، و"جمعية التحرير الأندلوثية" (إشبيلية 1986)، و"جبهة
التحرير الأندلوثية" (1989)، و"الجماعة الإسلامية بإشبيلية - الأمة" (1982)،
و"الجمعية المسلمة المستقلة بقرطبة" (1981)، و"حركة المسلمين الأوربيين -
المرابطون"، و"الجماعة الإسلامية باسبانيا" (غرناطة) . وغالبية هذه الجمعيات تؤكد
على الانتماء إلى الإسلام كدين وإلى الأندلس كوطن .
أسأسة وتقنين الوجود الإسلامي في 23 أبريل سنة 1971 أسست في مدريد "الجمعية
المسلمة باسبانيا"، وهي أول جمعية إسلامية ذات صفة جامعة تتوجه بنشاطها إلى سائر
المسلمين باسبانيا، مختلفة بذلك عن جمعيتين أخريين ذاتي طابع محلي . الأولى سابقة
على جمعية مدريد وهي "الجمعية المسلمة بمليلة" في 23 نوفمبر سنة 1968، والثانية
لاحقة وهي "الزاوية المحمدية المسلمة بسبتة" في 9 أكتوبر سنة 1971 . وجدير بالذكر
أن "الجمعية المسلمة" بمدريد كانت أول هيئة إسلامية تنجح في تأسيس أول مسجد جامع في
العاصمة الاسبانية . وقد ظل هذا الجامع لسنوات عديدة المسجد الجامع الوحيد في مدريد
حتى سنة 1992، وهو العام الذي شهد افتتاح المسجد الجامع التابع للمركز الإسلامي
بمدريد الذي أنشأه الملك فهد بن عبد العزيز. مع هذا فحتى ذلك الوقت لم يكن للمسلمين
باسبانيا وضعية قانونية خاصة بهم تحدد حقوقهم وعلاقتهم بأجهزة الدولة . بيد أن
التغيير الديموقراطي الذي حدث في اسبانيا بعد موت الجنرال فرانكو في نوفمبر سنة
1975 أدى إلى تغيير إيجابي في أحوال المسلمين . كانت أول درجات التغيير صدور دستور
1978، الذي ينصّ في مادته السادسة عشرة على ضمان "الحرية الدينية وحرية العبادة
للأفراد والجماعات"، ثم تلا ذلك صدور القانون المنظم للأديان سنة 1980. وفي 14
يولية سنة 1989 أفتت اللجنة الاستشارية للحرية الدينية التابعة لوزارة العدل بأن
الإسلام " دين متأصل الجذور" في التراب الاسباني . ومن أجل متابعة خطوات المفاوضات
مع ممثلى الإسلام، أخذت الهيئات الإسلامية الاسبانية في توحيد صفوفها في مجموعتين،
الأولى : "الفيدرالية الاسبانية للهيئات الدينية الإسلامية" (FEERI) في 17 سبتمبر
من سنة 1989، والثانية : "اتحاد الجماعات الإسلامية باسبانيا" (UCIE) في 10 أبريل
سنة 1991، ثم بعد مرور عام، وفي أبريل سنة 1992 دخلت المجموعتان في فيدرالية واحدة
باسم "اللجنة الإسلامية باسبانيا"، والتي معها وقعّت الحكومة الاسبانية "اتفاق
التعاون مع الدولة" في 28 إبريل سنة 1992، والذي بمقتضاه تم الاعتراف بالإسلام كدين
رسمي من أديان الدولة وتحديد الوضعية القانونية للمسلمين وحقوقهم بالدولة الاسبانية
.
المعضلة السوسيوثقافية
يواجه المهاجرون المسلمون في اسبانيا مشاكل كثيرة، وهي تتشابه في خطوطها العامة
مع تلك التي يتعرض لها المهاجر المسلم في دول الاتحاد الأوربي . من هذه المشاكل
فيما يخص اسبانيا : تعلُّم اللغة الاسبانية، والحصول على عمل، وإيجاد مسكن ومدارس
للأولاد، إلى جانب الصعوبات الرسمية مثل تصريح العمل وتصريح الإقامة، وما إلى ذلك .
هذه المشاكل على ثقلها وما تسببه من صداع، فإنها ذات طابع إجرائي ووقتي، بمعنى أنها
تجد طريقها إلى الحل بمرور الوقت وتطور الظروف واكتساب المهاجر الخبرة اللازمة
للتعامل مع هذه الصعوبات . بيد أن الصعوبة الحقيقية عميقة الأبعاد، والتي تستغرق
وقتاً طويلاً، ربما تمتد إلى أجيال، حتى تلقى الحل المناسب، إنما تكمن في التحدي
السوسيوثقافي، والذي يتمحور في علاقة المهاجر المسلم بالمجتمع المستقبِل (بكسر
الباء) . فالمهاجر المسلم ينتمي إلى جماعة ثقافية مختلفة : لغة وديانة وعادات
وتقاليد . وهي بُنى تشكل ماهية المهاجر وتطبعه بطابع خاص، تعطيه رؤية مائزة للحياة،
وفكر خاص، وسلوك معين، بل وطريقة لصيقة به في الأكل والشراب واللِّباس والتعبير .
كل هذا يجعل من المهاجر المسلم عنصراً بشرياً مختلفاً، مُشكِّلا مع أقرانه جماعة
سوسيوثقافية مختلفة عن المجتمع الذي هاجر إليه . وذلك بدوره له بُناه الخاصة :
الاقتصادية والاجتماعية والثقافية . ويؤدي اللقاء ــ أو قل إن شئت الصدام ــ بين
الطرفين إلى معضلة سوسيوثقافية ذات طابع جدلي، قطباها "الأنا" و"الآخر" على مستويين
متبادلين . المجتمع المستقبِل / الجماعة المهاجرة (= "الآخر" الأجنبي) أنوية
المجتمع المستقبل واعية بتفوقها وثقلها وقوتها وتحضرها وغناها، ومدركة لدونية
"الآخر" الأجنبي (القادم من العالم الثالث) وضآلته وضعفه وتخلفه وفقره . ومن هنا
تولد الأفكار النمطية العامة التي تحكم عقلية المجتمع وتملي عليه سلوكياته في أغلب
الأحيان . من تلك الأفكار أن المهاجر فرد محتاج إلى المساعدة والحماية والرعاية
الاجتماعية، ورغم العطف الإنساني الظاهر في هذه الفكرة، فإن باطنها يعني في الحقيقة
أن المهاجر ليس مواطناً يتمتع بحقوق المواطنة التي يأتي في أولها الحق في تغطية
احتياجاته الأساسية، بل إنسان يستحق الصدقة والإحسان. وثمة فكرة أخرى عملية مؤداها
أن المهاجر "ضيف" يؤدي عملاً، وبالتالي له الحق في التمتع بمزايا معينة، ولكن لا
يجب أن يتجاوز هذا الدور، وإذا حدث هذا وسبَّب مشاكل من نوع ما، فإن جزاءه
"الحرمان" من هذه المزايا . وكما أن "الأنا" تعي بانتمائها إلى "السُّرَّة"
الأوربية : عنصراً وديناً وحضارةً وثقافةً، فإنها ترى "الآخر" منتميا إلى جنس أو
أجناس مغايرة ومتخلِّفة، وأن وجوده مدعاة لانتقال عاداته المتخلفة وقيمة الفاسدة،
ومجلبة لفساد الإشراق الأوروبي وتلوث البهاء الغربي .
زيادة على ما سبق، يعاني المهاجر المسلم، أو بالأحرى المهاجر المسلم العربي، من
فكرة نمطية تحكم المجتمع الاسباني وتحدد علاقته، وهي ليست فقط الكراهية الأوربية
التقيلدية للمسلم، ولكنها أيضا العداوة التاريخية المستحكمة للمسلم العربي، عداوة
يتعلمها الاسباني منذ طفولته في المدرسة، فهو يدرس أن الموروس (Los Moros )، أي
المسلمين، احتلوا بلده قرابة قرون ثمانية، مما تسبب في حرب طويلة المدى لاسترداد
الوطن والشرف السليبين عرفت بحرب الاسترداد (لا ريكونكستا La Reconquista ) والتي
انتهت بانتصار الكاثوليكية بسقوط مملكة غرناظة سنة 897هـ (= 1492م)، ثم بطرد
الموريسكيين (المسلمين المتنصرين) سنة 1614م . خلال كل هذا الوقت تربّت الأنا على
أحادية : الاسباني/الكاثوليكي المنتصر وعلى كراهية "الآخر" (المسلم) المهزوم .
فضلاً عن هذا ثمة توجس وارتياب من الجار المغربي منذ عشرينيات القرن الماضي، والذي
أخذت حدته في الارتفاع في الآونة الأخيرة . ولهذا ليس بمستغرب أن يحتل العرب
والمسلمون دائما في استـطلاعات الرأي الاسبانية الموقع الثاني في الرفض والكراهية
بعد جماعة الغجر . كما تسود هذه الأفكار النمطية العامة المجتمع الاسباني، فإنها
أيضا تحكم سلوك الفرد الاسباني العادي تجاه مهاجر العالم الثالث بوجه عام والمسلم
بوجه خاص . وهو سلوك يتسم لحد كبير بالرفض، ويتراوح في حده الأدنى بين الرفض الصامت
المتوجِّس، وحده الأقصى المتمثل في السلوكيات العنصرية المتطرفة مثل القتل والضرب
البدني والطرد، وهي ــ حمداً لله ــ لا تزال أفعالاً محدودة، مرورا بالسلوكيات
العنصرية النمطية مثل رفض تأجير المساكن للمهاجرين أو تأجيرها بأسعار مبالغ فيها،
والتمييز العنصري في الأماكن العامة، وغير ذلك من أشكال الرفض العنصري والثقافي .
وإلى جانب ذلك توجد أفكار إيجابية تتردد بين فريق من الاسبان المستنيرين، من ذلك أن
المهاجر عنصر إيجابي، فهو يشارك في زيادة عدد السكان الذي يعاني انخفاضا كبيرا في
عدد المواليد ( اسبانيا من أقل دول العالم في النمو الديموغرافي )، وهو بعمله
وثقافته يساهم في بناء وتقدم وثراء المجتمع مادياً وثقافياً. ويرى هذا الفريق أن
قبول المهاجر هو الاختبار الحقيقي للتعددية، لأنها في جوهرها قبول "الآخر" المختلِف
سياسياً أواجتماعياً أوفكرياً أوثقافياً أو دينياً، واحترام الأقلية، وإيمان بحق
الاختلاف وقيمة التسامح، وذلك في ظل مجتمع مدني شامل للجميع ومن أجل الكل . ولهذا
يؤمن هؤلاء بأن "الاندماج" الاجتماعي الذي تنادي به الدولة الاسبانية لا يجب أن
يكون جهداً أحادياً من طرف الجماعة المهاجرة بحيث تقوم بنبذ عاداتها وقيمها وهويتها
ليتحقق "الاندماج" المنشود حسبما يرى الفريق المحافظ . فهذه عملية "دمج" في رأي
المستنيرين ؛ لأن "الاندماج" الصحيح عملية متبادلة بين المجتمع المستقبِل والجماعة
المهاجرة، وأن الاتصال بين ثقافتين يقتضي المكسب والخسارة، ويكون اتصالاً ناجحاً لو
توزَّع المكسب والخسارة بين الجماعتين .
ولتحقيق هذا "الاندماج" الإيجابي يطالب هذا الفريق المستنير، بالتعاون مع
الهيئات الإسلامية الاسبانية، بالبدء في المجال التربوي بإدخال اللغة العربية كلغة
ثانية اختيارية، وإدخال مواد عن الثقافة والحضارة الإسلامية في مناهج العلوم
الاجتماعية، وإضفاء النظرة الموضوعية على المواد الدراسية التي تتناول التاريخ
والحضارة الإسلامية . وقد بدأ هذا الاتجاه المستنير يحقق بعض التقدم، فعلى سبيل
المثال تُراعى الثقافة الإسلامية في قوائم الطعام في كثير من المطاعم المدرسية،
ويُظْهِر بعض أعضاء هيئات التدريس في عدد من المدارس الاحترام لبعض فروض الإسلام
مثل الصيام ويحتفون بالطالب الصائم، كما يقدمون التهاني بالعيدَيْن للطلاب المسلمين
. وجدير بالذكر أن هذا الاتجاه المستنير ينبه إلى أن عدم تحقيق مثل هذا "الاندماج"
الإيجابي يؤدي إلى تهميش وإقصاء الجماعة المهاجرة المسلمة مما يجعلها مرتعا للأفكار
المتطرفة والسلوك العدواني المضاد، وهذا مآله بطبيعة الحال إلى حدوث توترات
اجتماعية ذات أبعاد أمنية خطيرة، وهو ما جرى بالفعل في أحداث اِل اِخيدو El Egido)
) إحدى مدن محافظة ألمرية، في فبراير سنة 2000. الجماعة المهاجرة / المجتمع
المستقبِل (= "الآخر" المهيمن) الجماعة المهاجرة أقلية ضئيلة العدد لا تسعى إلى فرض
ثقافتها على الأغلبية الساحقة (الآخر)، على العكس، إنها ــ أي الأقلية ــ تسعى في
عمومها، باستثناء أعداد قليلة، إلى "الاندماج" في المجتمع . وفي نظر الدارسين
الاجتماعيين أن الأسرة في الجماعة المهاجرة تمثل العنصر الأساس في الاتصال بالمجتمع
الجديد ؛ لأنها ــ وليس الفرد ــ أكثر احتفاظاً بقيم وعادات المجتمع الأصلي
. كما أنهم يرون أن "الاندماج" متعدد الأشكال، ومتشابك الحدود، ولكن على أي
الأحوال يمكن التمييز بين ثلاثة أشكال من "الاندماج" : الجزئي والجذري والمتوازن .
"للاندماج" الجزئي وجهان، الأوّل يحدث خارج البيت، حيث يقتصر اتصال أعضاء الأسرة
المهاجرة المسلمة بالمجتمع الاسباني على مجالات العمل والبيع والشراء والمدرسة، فما
أن ينتهي العمل وتغلق المدرسة أبوابها ويعود الجميع إلى البيت، حتى تستأنف الأسرة
حياتها كما لو كانت تعيش في بلدها الأصلي . المغاربة، على سبيل المثال، "يهدرون"
بالعامية المغربية أو الشلحة البربرية، يقرأون باللغة العربية، يأكلون "الكسكسي" أو
"الحريرة"، يسمعون موسيقاهم وأغانيهم، يتبعون بشكل عام نمط حياتهم الخاص بكل ما
يتضمنه من عادات وتقاليد وقيم وسلوكيات . وعلاقاتهم الاجتماعية تكاد تقتصر على
أقربائهم وأهل بلدهم . ومع ذلك فثمة عنصران غريبان داخل البيت، ولا فكاك منهما .
أولهما : الكتاب المدرسي الاسباني وما يتعلمه الأطفال المهاجرون في المدرسة،
وثانيهما : التلفزة وما تحمله من لغة وقيم وعادات جديدة . وهذان العنصران بمرور
الوقت يؤثّران تأثيراً كبيراً في الأسرة خاصة الأبناء الذين يأخذون في تقليد
وتبنِّي نمط الحياة الاسباني . وهنا إما يواجهون برفض الآباء وتستمر الأسرة في
مواصلـة حياتها بنفـس الطريقة المذكورة مع ما يؤدي إليه ذلك من مشاكل بين الأبناء
والآباء . وإما أن يقبل الآباء فيما يمكن تسميته بالوجه الثاني من "الاندماج"
الجزئي . القبول مع ذلك ليس مطلقا، فالآباء يضعون خطوطاً حمراء على قواعد سلوك
الأبناء ولا يسمح لهم بتجاوزها، فعلى سبيل المثال يسمح الآباء لأبنائهم بعمل ما
يروق لهم خارج البيت أو لا يجبرونهم على أداء الفروض الدينية مثل الصلاة والصوم،
وهو ما يطلق عليه "التسامح السلبي"، لأن الأب في داخله غير موافق على السلوكيات
الجديدة لأبنائه ويظلّ هو وفيًّا لنمط حياته الأصلي وثقافته ودينه . مع هذا، فهؤلاء
الأبناء المتأسبنـون هم مثار انتقاد أبناء بلدهم من جهة، ومن جهة ثانية، لا يصبحون
أقل "أجنبية" في أعين الاسبان ولا يحوزون على كامل رضاهم، ومن جهة ثالثة، قد يؤدي
هذا الشكل من "الاندماج" الجزئي إلى صراع عائلي بسبب الحدود المفروضة، فما دام قد
سمح للأبناء بأشياء فلماذا لا يسمح لهم بأشياء أخرى؟ وهذا يفضي إلى صراعات نفسية،
وتبقى معضلة "الاندماج" دون حلّ . وقد يكون الحل في "الاندماج" الجذري، وهو يقوم
على البحث على القبول في المجتمع الاسباني وحيازة رضاه مهما كان الثمن، لهذا تكون
الوسيلة الوحيدة هي نبذ الهوية الثقافية الخاصة : اللغة والدين وقواعد السلوك
والعادات والتقاليد، والتبنِّي الكامل للهوية الثقافية الاسبانية، أو في عبارة
واحدة استبدال "الآخر" بالأنا، بقصد الرغبة العارمة في أن يكونوا اسباناً وليسوا
"أجانب" . والمتبنون لهذا النموذج، بطبيعة الحال، يقطعون صلاتهم بأبناء جلدتهم
المهاجرين وبعوائلهم في بلدهم الأصلي، وهم بالفعل قد يحققون "الاندماج" المنشود
ولكن على مذبح القطيعة الثقافية مع أصولهم، ويصبحون على مدى جيل أو جيلين ذوات
شائهة كاذبة منبتّة الجذور. أما "الاندماج" المتكافئ، فإنه يقوم على تحقيق توازن
سوسيوثقافي بين الثقافتين : الأصلية والجديدة، والجماعتين : المهاجرة والمستقبِلة،
وإنجاز نوع من التماهي المحسوب بين أسلوبين للحياة . وهذا الأمر يتطلب مرونة في
الفهم وكياسة في السلوك، كما أنه يقتضي النظر إلى ما يوحِّد وليس إلى ما يفرِّق،
ويلزم البحث عن جوهر الأشياء لا مظهرها . فعلى سبيل المثال، يؤخذ بالجامع بين
الديانتين : الإسلام والمسيحية، مثل الإيمان بالله والقيم الإنسانية كحب الآخر
والتسامح وغير ذلك من فضائل . ومع ذلك يظل "الاندماج" بكل أشكاله المذكورة عملية
سوسيوثقافية قاصرة ناقصة، وغير ناضجة، وذات ُبعد فردي ؛ لأنها بمثابة ردود أفعال
للجماعة المهاجرة المسلمة في مقابل ضغوط "الآخر" المهيمن عدديًّا وثقافيًّا
واقتصاديًّا . ولهذا لن يتحقق "الاندماج" الصحيح والصحي، الكامل والناضج، إلاّ إذا
أصبح سياسة قومية تتبناها الدولة ويؤمن بها المجتمع الاسباني والجماعة المهاجرة
المسلمة معاً، مسترشدين بآراء المستنيرين سابقة الذكر أعلاه . ولعل هذا ما نأمل أن
نراه قريباً ممثلاً في الجيل الثاني من المهاجرين، والذي يحدونا الأمل أن يكون
بمثابة جيل "الموَلَّدين" الجُدد حسب المصطلح الأندلسي بمعناه السوسيوثقافي، أي
العنصر البشري الجديد الحامل لثقافتين صديقتين، والممثل لتعددية إيجابية، والرامز
لتسامح إنساني حقيقي، والمُجدِّد لحضارة الأندلس الزاهِرة .
--------------------------------------------------------------------------------
مترجم وباحث في تاريخ الأندلس ( دكتوراه في التخصص من جامعة مدريد 1995)، مقيم
في اسبانيا .
***************************************************************************************************************************************************
المسلك السابع
القرى والمدن
رندة ,مالقة , أنتقيرة ,غرناطة ,وادي آش, المرية , أليط ,مرسية ,سياسة ,
اوريولة, الش, فيليينا وبيار , دانية , شاطبة بلنسية, ساغونتومورفييدرو (سغنتم)
بالما دي ميورقة ,يابسة منورقة, قونقة , سهلة بني رزين (البارّاسين) سرقسطة ,
طرطوشة
تتشعّب من مضيق جبل طارق طريق بالغة الأهمية بالنسبة الى المرابطين والموحّدين
للتوغّل في بلاد الاندلس، وتتجه هذه الطريق صوب الشرق والشمال ملتمسة التخوم. يعبر
الجزء الأول من هذه الطريق مدنًا انضوت تحت لواء مملكة غرناطة، آخر المعاقل
الاسلامية في الاندلس: رندة وانتقيرة ومالقة وغرناطة ووادي آش والمرية. ويتابع فرع
آخر باتجاه ما دعاه المسلمون شرق الاندلس، وهي منطقة انتثرت فيها الحواضر والقلاع
والموانىء. تحاذي الطريق قلعة أليط وتخترق فحص مرسية ثم تمرّ بمدن عدة منها:
أوريولة وألش وفيليينا وبيار ودانية وشاطبة لتبلغ بلنسية، تلك المدينة العامرة
والمركز التجاري المتميز على ساحل البحر الأبيض المتوسط. تدنو الطريق أخيرًا من
الربوع التي كانت تخوم الاندلس الشرقية والشمالية ما بين القرنين11 و13 : جزر
البليار في المتوسط، ونحو الداخل مدينة قونقة التي كانت وسيطًا بين مراكز السلطة في
هضبة المنجى وشرق الاندلس، ثم تنعطف شمالا صوب وادي ايبرو لتمرّ على سهلة بني رزين
وسرقسطة.
رندة
بدأت رندة تتحول الى مدينة فعلية مع نهاية عهد الموحدين. وقد أجمع المؤرخون على
أهمية ثروتها الحيوانية الى درجة أن الزهري أطلق على جبالها اسم "جبل الصوف". في
بداية مملكة بني نصر في غرناطة تبعت رندة لفترة للمرينيين، ثم راحت تتبادلها الأيدي
الى أن استولى عليها بصورة نهائية الملك فرناندو الكاثوليكي في 22 مايو من سنة
1448.
المدينة المنيعة رندة متميزة بمنعتها فما من سبيل لدخولها سوى الجسر المتبوع
بسور شاهق لعب دور المرقب، فقد كان يحمي أسوار المدينة وبين السورين درب عسكري.
وكان للمدينة باب وحيد هو باب الزيارة. أهم مساجدها تحولت الى كنائس: سانكتي
اسبيريتو في الربض الجديد وسانتياغو أبوستول وسان خوان إفانخيليستا وسان سيباستيان.
وحافظت الكنيسة الأخيرة على مئذنة الجامع المربعة وهي أصغر المآذن الاندلسية
الباقية ويرجع بناؤها الى القرن الثالث عشر أو الرابع عشر. كان المسجد الجامع بجوار
القصبة وبالقرب منه الفندق، وقد بني في مكانهما في القرن الخامس عشر كنيسة سانتا
ماريا لا مايور.
مالقة
كانت مالقة مدينة ثانوية الأهمية في القرون الاولى بعد الفتح الاسلامي ولم تصبح
ميناء تجاريًا على جانب من الأهمية في البحر الأبيض المتوسط سوى في عهد الموحدين
ومملكة بني نصر. وكان الملك الزيري باديس بن حبوس هو من بنى القصبة فوق القلعة
القائمة آنذاك. دخلها المرابطون في خريف 1090 وألحقوها بدائرة غرناطة. ويبرز من
عمران المرابطين فيها تشييدهم للمساجد بصورة خاصة، كما اكتشف في قصبة المرابطين حي
مكون من ثمانية منازل اقيمت على الأغلب في القرن الحادي عشر. وتتحدث المراجع عن قصر
كان قائما في داخل القصبة. ثار قاضي المدينة ابن حسون على المرابطين في سنة 1145
وأعلن نفسه أميرا عليها. وكان لاستياء ابناء مالقة من حاكمهم أن طلبوا نجدة
الموحدين الذي استجابوا للنداء وأقاموا حصارا على القلعة-القصر انتهى بانتحار ابن
حسون.
التطور العمراني
لعب الموحدون الدور الأكبر في تطوير عمران المدينة اذ أنشأوا فيها البنى التحتية
التي اعتمدها فيما بعد بنو نصر. ولعل من أهم منجزات الموحدين المعمارية توسيع
وترميم المسجد الجامع الذي استبدلوا فيه الدعامات بأعمدة رخامية. كما بني جسر يربط
المدينة بربض باعة القش Mercaderes de la Paja الواقع على نهر وادي المدينة. أما
منطقة المرفأ فكانت تتكون من منشآت الميناء الذي كان حافلا بالتجارة وقد عمل على
نشر منتجات الحرير في حوض المتوسط، ثم ساحة واسعة كانت تقام فيها احتفالات
واجتماعات أهل مالقة، وأخيرا الترسانة حيث كانت تصنع السفن والمراكب.
باب البحر الأبيض المتوسط
تطورت التجارة في مالقة لتبلغ ذروتها في القرن الرابع عشر في عهد بني الأحمر
(نصر). كان في داخل المدينة آنذاك قيصرية وخارجها "سوق الغبار" المخصص للمتاجرة
بالحبوب. وليس من المبالغ فيه الحديث عن الازدهار الثقافي الذي شهدته المدينة في
عهد الموحدين، فمن مشاهير ادبائهم الشاعر المدّاح محمد بن غالب الملقب بالرصافي
(توفي في سنة 1177) وكان بلنسي المولد لكنه استقر في مالقة، وابو زيد السهيلي (توفي
في سنة 1187) الشاعر النحوي والمحدّث. وليس من المبالغ فيه الحديث عن الازدهار
الثقافي الذي شهدته المدينة في عهد الموحدين، فمن مشاهير ادبائهم الشاعر المدّاح
محمد بن غالب الملقب بالرصافي (توفي في سنة 1177) وكان بلنسي المولد لكنه استقر في
مالقة، وابو زيد السهيلي (توفي في سنة 1187) الشاعر النحوي والمحدّث. مع تفتت دولة
الموحدين وقعت مالقة في يد صاحب مرسية ابن هود. لكن سلطان غرناطة الصاعد ابن الأحمر
سرعان ما ألحق المدينة بملكه لتغدو عاصمة المملكة الثانية.
بدأت حروب الاستيلاء على منطقة مالقة من قبل القشتاليين في سنة 1482 . فقد حاصر
الملك فرناندو الكاثوليكي المدينة وحال دونها والتموّن وكانت مقاومة أهلها شديدة
الى درجة أنها أصبحت اكثر الوقعات دموية في تأريخ سقوط مملكة غرناطة. وتم استسلام
المدينة غير المشروط في 18 أغسطس من سنة 1487.
أنتقيرة
أقيمت في موقع أنتيكاسيا Antikacia الرومانية ولم يأت ذكرها في الادبيات حتى
القرن الحادي عشر، ولم تتحول من مجرد قلعة الى مدينة فعلية الاّ في عصر مملكة بني
نصر.
غرناطة
تأريخ غرناطة حافل بالأساطير، ربما لأنها تحتصن قصور الحمراء ولأنها كانت آخر
معقل لحضارة الأندلس العربية في شبه الجزيرة الايبرية. وما زال الغموض يكتنف بدايات
المدينة فالتنقيبات الأثرية والوثائق المتوفرة لم تأت بحجج دامغة، الأمر الذي يسبب
كثيرا من الجدل، فما أكثر الآراء حول مختلف المواقع التي قامت فيها حواضر على علاقة
بتأريخ المدينة عبر القرون، كمدينة إليبيرّي Iliberri ما قبل الرومانية والرومانية،
البيرة المسلمة وغرناطة.
المعارف التي توصلنا اليها تسمح بالبتّ في أن عاصمة كورة البيرة انتقلت في أواسط
القرن الثامن الى موقع يدعى قسطيليا البيرة على بعد حواليي 12 كلم شمال غرب غرناطة،
أسفل جبل البيرة Sierra Elvira. ومع بدء انهيار دولة الخلافة وتفاقم الخلافات في
مدينة البيرة بين المستعربين والمولّدين والارستقراطية العربية طلب سكان المنطقة
نجدة بربر صنهاجة الذين كانوا يعملون تحت امرة الخليفة المنصور. كان يقودهم زاوي بن
زيري، مؤسس دولة بني زيري التي حكمت المنطقة خلال سنوات ووافق هذا على حمايتهم
مقابل الاذعان له. عندئذ تقرر نقل المدينة الى موقع آخر يسهل الدفاع عنه، وهو
المكان الذي كانت تقوم فيه إليبيرّي الرومانية، في هضبة حي البيازين الحالية. سوّرت
المحلة وسميت القصبة القديمة. وما زال الجزء الجنوبي من تلك الأسوار قائما ما بين
ساحة ديل أباد Placeta del Abad (حيث كان باب البنود) وباب مونايتا Monaita ويتخلل
السور باب الزيادة Puerta de las Pesas . كانت قصور بني زيري بالقرب من موقع "دار
الحرة" الحالي وساحة سان ميغيل. وبدأ آنذاك توسع نحو السهل على ضفة نهر حدّرة حيث
تركز النشاط التجاري وحياة المدينة الدينية. وكان في المدينة جالية يهودية نشطة
سكنت على سفح هضبة مورور حيث اقيمت فيما بعد الأبراج الحمراء Torres Bermejas .
غرناطة المرابطين والموحدين
كانت غرناطة أول مدينة يستولي عليها المرابطون لدى دخولهم الأندلس فجعلوها عاصمة
هذه العدوة. وفي رحلته الثالثة الى الأندلس، ما بين مارس 1090 و 1091 عزل يوسف بن
تاشفين آخر ملوك بني زيري، الأمير عبد الله، ونفاه الى أغمات حيث قضى أيامه الأخيرة
في تسجيل مذكراته. كما كانت غرناطة آخر معقل للمرابطين في الأندلس اذ مكثوا فيها
لغاية سنة 1166، بعد تسع سنوات من استيلاء الموحدين على مراكش. وقد سلّم آخر الحكام
المرابطين المدينة للموحدين بعد التوصل الى اتفاق. سرعان ما انقشعت تقاليد الموحدين
المتزمتة وبدأ تشييد القصور والمنيات في ضواحي غرناطة، على ضفاف نهر شنيل. ان
الأبنية التي يمكن ارجاعها بشيء من الثقة الى عهد المرابطين والموحدين قليلة. لدينا
أخبار عن بناء بعض القصور خارج الأسوار في نهاية عهد الموحدين. فثمة قصر كان يدعى
الدار البيضاء وشيد في حي رياليخو Realejo الحالي (السبيكة)، لكننا نجهل موقعه
بالتحديد. وهناك قصر آخر من ذلك العهد ما زال قائما وان أجريت عليه تعديلات شتى،
وهو قصر شنيل Alcazar Genil وكان فيه بركة عظيمة وبني بالقرب منه رباط ما زال
موجودا ويعرف باسم صومعة سان سيباستيان. وعلى الرغم من صعوبة تحديد تأريخ دقيق يمكن
ارجاع بقايا مسجدين الى نهاية عهد الموحدين او بداية مملكة بني الأحمر (بني نصر)،
وكلاهما في حي البيازين، نقصد مئذنة ما صار فيما بعد كنيسة سان خوان دي لوس ريييس
San Juan de los Reyes وصحن مسجد البيازين الجامع، اليوم كنيسة ديل سالفادور
Salvador.
غرناطة بني نصر
في عام 1238، مع انهيار دولة الموحدين وتقدم النصارى في ربوع الأندلس عادت
غرناطة لتصبح عاصمة مملكة جديدة كتب لها أن تكون الأخيرة في الاندلس. وبدأ ذلك مع
انتقال محمد بن الأحمر، مؤسس المملكة، ليستقر فيها فوق تل الحمراء بادئا بذلك تشييد
مفخرة المدينة: قصور الحمراء. الأبنية القائمة اليوم من ذلك المجمع البلاطي، وقصرا
قمارش والاسود بخاصة يثبتان اتباع النموذج الشرقي، وقد أقيمت القصور والمنازل
متجاورة دون تخطيط شامل مسبق ولا يربط بينها سوى أزقة صغيرة. أما الحياة الدينية
والاقتصادية فقد تركزت في المدينة، حول مسجدها الجامع الذي أقيم في مكانه فيما بعد
كنيسة ديل ساغراريو del Sagrario وجانبا من الكاتدرائية. وكانت القيصرية سوقًا
للمنتجات الفاخرة وعلى وجه الخصوص المتعلقة بالحرير. ما يشاهده الزائر اليوم ما هو
سوى نسخة جد قريبة مما كانت عليه اذ اعيد بنائها بعد حريق أتى عليها في سنة 1843.
وكان في تلك الأسواق عدد من الفنادق (خانات) لم يبق منها سوى ايل كورّال ديل كاربون
El Corral del Carbon الذي انشيء في القرن الرابع عشر. بعد سقوط المدينة في يد
النصارى انزوى سكانها المدجنون في حي البيازين الذي يحافظ على سمات المدينة
الاسلامية.
وادي آش
المسلمون هم الذين أطلقوا عليها هذا الاسم المركّب من كلمتي وادي (نهر) وآش
المستنبطة من اسم أكشي Acci الروماني.
دخلت وادي آش في مسرح الأحداث بعيد انهيار دولة بني أمية. احتلها في البدء ابن
صمادح المتغلب على المرية ثم ضمت الى مملكة بني زيري. قد تكون أسوارها من صنع
المرابطين اذا استندنا الى وصف الادريسي لها قبل أواسط القرن الثاني عشر.
قصبتها كانت قائمة في القرن الحادي عشر وهناك من يرجع بناءها الى عصر الأمويين.
كان في المدينة العديد من المساجد استحالت جميعا كنائس، وكان فيها حمامات وحي
لليهود وكنيس لهم وحديقة خاصة بعلم النبات أقيمت على شرف الخليفة الموحدي الناصر.
في سنة 1232 عادت وادي آش لتتبع غرناطة لتشهد أزمات دولة بني نصر الى أن سلّمها
الزغل للنصارى سنة 1488. عاشت وادي آش ازدهارا ثقافيا ما بين القرنين الثاني عشر
والثالث عشر اذ أنجبت نخبة من العلماء الذين برزوا في مختلف المجالات، ففي اواسط
القرن الثالث عشر سطع نجم الششتري الذي استخدم الزجل لمضامين صوفية فائقة الروعة،
لكن وادي آش، وقبل كل شيء، هي مسقط رأس ابن طفيل (1185-1116) احد كبار فلاسفة
الاندلس الذين اجادوا نظم الشعر والطب والرياضيات وعمل في القضاء. عينه الخليفة
الموحدي يوسف قاضيا ووزيرا وطبيبا للبلاط ووضع احدى جواهر الادب الاندلسي: حيّ بن
يقظان.
المرية
كانت باب الأندلس عبر امتداد تاريخه ومن خلالها أقام علاقات انسانية وتجارية مع
العالم الاسلامي في القرون الوسطى. أسسها المسلمون عند مرسى روماني الأصل مدركين
حسنات خليجه الذي يتيح الرسو كيفما جرت الرياح. منحها الخليفة عبد الرحمن الثالث
صفة المدينة في سنة 955، فبني مسجدها الجامع الذي كان يتسع لتسعة آلاف مصلي وأنشأ
أسوارها.
قلعتها ترجع الى عصر بني أمية وكانت مقرا لامراء وملوك المرية وهي أفضل ما وصل
الينا من صروحها، فموقعها فوق قمة متطاولة لجبل منعزل يشرف على المدينة والخليج جعل
منها معقلا حصينا بامتياز. أما أسوار المدينة التي بنيت ما بين القرنين العاشر
والحادي عشر فكان يتخللها ما لا يقل عن ثلاثة عشر بابا. جعل المرابطون من ألمرية
أهم مركز تجاري وصناعي وملاحي في الأندلس، فالمدينة كانت تنتج آنذاك كميات كبيرة من
الأنسجة لكثرة المناسج المنزلية التي كانت تقوم عليها النسوة. وفي الآن ذاته قادت
المرية التمرد الديني ضد المرابطين وغدت مركزا للمتصوفة برز فيه ابو العباس احمد بن
العارف الذي كان له شأن كبير. سقطت المرية في سنة 1147 تحت سنابك جيش قشتالة بقيادة
الملك الفونسو الثامن وبمساعدة جيوش قدمت من نافارّا وبيزا وجنوة.
مدينة التجار والأدباء
استعادة المسلمين للمدينة أعاد مجرى الحياة اليها فعاودت الصلات التجارية مع
شمال افريقيا والجمهوريات الايطالية، لكن شبه الجزيرة بدأت تفقد دورها كموزع
للمنتجات ما بين الشرق والغرب، غير أن عودة المنفيين اليها مثّل دفعا مهما فرمّم
المسجد الجامع والقيصرية والترسانات. تبعت المرية في آخر عهودها الاندلسية لمملكة
غرناطة قبل أن يستولي عليها النصارى نهائيًا في سنة 1489. مر بالمدينة وأقام فيها
رجالات الفكر والعلوم من قبيل الشاعر ابن شرف والمتصوف ابن مسرّة الذي جعل من
المدينة مركزا للنساك، والشيخ الأكبر ابن عربي المرسي (1203-1165) الذي مر بها بعد
اقامته في المغرب، والجغرافي احمد بن عمر العذري المولود في بلدة دلاية Dallas من
كورة المرية والبكري الولبي الذي وضع في المدينة أعمالا مهمة والفيلسوف ابن باجة.
أليط
في قرية أليط الصغيرة حدثت واحدة من أكبر هزائم المرابطين في الأندلس. جرى ذلك
في سنة 1088 عندما عبر يوسف بن تاشفين للمرة الثانية الى عدوة الاندلس للقضاء على
قوة من النصارى تمكنوا من حصن أليط وراحوا يعيثون فسادا في الممالك الاسلامية
المجاورة. التحق بجيش المرابطين سلاطنة الاندلس ووصل جيش المسلمين الكبير الى أليطو
في صيف ذلك العام. حاول المسلمون مرارا وتكرارا الانقضاض على الحصن دون جدوى فقرروا
محاصرته، لكن الخلافات التي دبّت في صفوف المسلمين كان أثرها اكبر من مجاعة
النصارى، فبعد أربعة أشهر من الحصار قرر يوسف بن تاشفين رفعه ومغادرة المكان، لكن
حملة أليط كانت المحرّض الأساسي الذي سرّع من قرار المرابطين الاستيلاء على
الاندلس.
مرسية
بلغت مرسية قمة أمجادها في القرنين الثاني عشر والثالث عشر تحت قيادة اثنين من
ألدّ أعداء الموحدين: ابن مردنيس وابن هود. تقوم مرسية في فحص شقورة، النهر الأبيض
كما سمّاه العرب، وقد أمر ببنائها عبد الرحمن الثاني لتكون مقرا للحاكم ولقوات
الامويين في كورة تدمير. بعد الحرب الأهلية التي قضت على دولة بني أمية في الأندلس
تنازعت مرسية الطوائف المتخاصمة في دانية والمرية. لم يؤثر دخول المرابطين سلبا على
المدينة ففي عهد علي بن يوسف، ثاني الامراء المرابطين، بني المسجد الجامع. وصادف
اضمحلال دولة المرابطين صعود ابن مردنيس في مرسية، وهو الذي كبح تقدم الموحدين في
شرق الاندلس، ولم يتغلب هؤلاء على المدينة سوى بعد وفاة ابن مردنيس الملقب بالملك
لوبو، الا ان ابن هود قاد ثورة في الكورة ضد الموحدين بعد نصف قرن من حلولهم. قتل
ابن هود في قصبة المرية في سنة 1238 وبعد خمس سنوات استسلمت المدينة المنهكة وخضعت
لقشتالة.
البهاء العمراني
شهدت مرسية في تلك العهود ازدهارا عمرانيا، الا انه لم يبق من تلك الصروح سوى
القصر الصغير المعروف باسم قصر سانتا كلارا الجديد. بناه ابن هود فوق قصر مردنيسي
خرب ويوضح هذا المبنى المرحلة الانتقالية التي شهدتها العمارة من اسلوب الموحدين
الى فن بني نصر. الى الشمال الغربي من المدينة، فوق مرتفع مونتياغودو Monteagudo
وقريبا منه، ثمة أطلال لقلعة وقصر من عهد ابن مردنيس، بقايا قصر ابن سعد هذا
المعروف باسم كاستيلييخو مونتياغودو والذي تذكره المراجع العربية كمقر للملك لوبو
نجدها اليوم في قلب فحص مرسية وبالقرب منه اطلال قلعة مونتياغودو وكانت مجرد اهراء
بناه ابن مردنيس في القرن الثاني عشر فوق قلعة قديمة.
سياسة
هجرت سياسة بعدما استولى عليها القشتاليون وثار المدجنون فيها سنة 1264. اكتشفت
فيها آثار 18 منزلا تعود الى القرنين الثاني عشر والثالث عشر. بعد أن هجرها أهلها
حلّ فرسان رهبانية شنت ياقب Santiago بقلعتها التي دمرت فيما بعد بأمر من حاكم
قشتالة.
اوريولة
تقوم اوريولة على ضفاف نهر شقورة وتاريخها مرتبط بخصوبة فحصها، وقد أجاد العرب
استغلال ثروتها المائية فبنوا في القرن العاشر نظاما من السواقي والأقنية حولت تلك
الربوع الى جنة. ولعل تراث الري هذا هو أثمن ما بقي لاوريولة من عهود الاندلس. بنى
المرابطون قصبتها في النصف الاول من القرن الثاني عشر، وهي تشرف على المدينة
وانتظمت باقسام مسورة مختلفة. لم يبق منها سوى بعض الاطلال سور متعدد الزوايا
وصهريج للمياه في أعلى نقطة من الموقع. `
الش
تقع في واحة من النخيل. بناها العرب في موقع إيليشي Illici الرومانية وما زالت
تتباهى بآثارها الاندلسية المتمثلة ببرج القلعة الحرة Calahorra والحمامات العربية
في دير لاس كلاريساس Las Clarisas. وفّر المرابطون لالش الاستقرار مع دخولهم في سنة
1092، وفي عهد الموحدين رفضت المدينة الاذعان لمعاهدة ألكاراث Alcaraz الموقعة في
سنة 1243 والتي نصّت على تبعية مملكة مرسية للعرش القشتالي.
أبرز الصروح الاندلسية في الش هي القلعة واسوارها ويعود بناؤها الي عهد الموحدين
الا انهما تعرضا لتعديلات عديدة فيما بعد. تقع القصبة-القلعة في أقصى الشمال الشرقي
من المدينة القديمة بجوار نهر فينالوبو Vinalopo والحديقة العامة الحالية. وتنطلق
الأسوار المديدة من القصر راسمة خطا معيّنا منحرفا بعض الشيء، وكانت تتخللها قرابة
30 برجا بقي منها ستة مبنية بالطوب فوق أساس حجري.
فيليينا وبيار
ترك الموحدون برهانا على حسن صنعهم المعماري في قلعتي فيليينا وبيار. جرى ذكر
فيليينا في تأريخ رحلة الخليفة الموحدي ابو يعقوب يوسف لما قفل عائدا من حملته على
ويتي Huete وقونقة Cuenca في صيف سنة 1172. وتحافظ بيار المجاورة على قلعتها التي
يعلوها برج أهيف يبلغ ارتفاعه 19 مترا.
دانية
ترتع على مرتفع يطل على البحر، وكانت المدينة بمثابة رأس يدخل في البحر اذ احاطت
به المياه من كل جانب في الماضي بفضل الملاّحات المجاورة. وقد جذبت هذه المدينة
البحرية اناسا من كافة الانحاء فتردد عليها البحّارة وتجار من الفرنجة والكتالونيين
والجنويين الى جانب القادمين من شمال افريقيا. جعل منها صاحبها مجاهد ومن بعده ابنه
اقبال الدولة أبرز مملكة بحرية في الأندلس تتعامل مع شرق المتوسط. أمّها علماء
وادباء كسعيد البغدادي وابن سيده المرسي وعلماء قرطبة البرّ والباجي. لكن سرعان ما
تركت النزاعات بين الطوائف آثارها على المدينة، فقد احتلها ملك سرقسطة المقتدر سنة
1076. وقد حدث هذا في فترة كثرت في المنطقة غزوات السيد كمبياطور الذي أثقل على
سكانها الاتاوات واكثر من نهبهم حتى صاروا يتمنون قدوم الاخوة المغاربة، الأمر الذي
تم بدخول المرابطين في المدينة سنة 1092. ان ربض ديل فورتي del Forti يدل على
انتعاش المدينة تجاريا تحت حكم المرابطين. بعد سقوط دانية في أيدي النصارى عمد
هؤلاء على طرد سكانها المسلمين من المدينة وبحرها واراضيها.
ميناء الاندلس
لم يرفق الزمن بالآثار الاسلامية في دانية. وجلّ ما نعرفه هو ان المدينة
الاسلامية كانت قائمة في مركز المدينة الحالية حيث يمكن تأمل أجزاء من أسوارها في
روندا دي لاس مورالياس Ronda de las Murallas ناحية الشمال. وتبقى قلعتها الشامخة
أفضل عيّنة عن أمجادها الخوالي.
شاطبة
تتشبث شاطبة على سفح جبل فيرنيسا Vernissa لتشرف على سهل خصب كان في أزمنة غابرة
ثغرا حدوديا. ما زالت جدران قلعتها القديمة بادية للعيان، وقد اعتبرت بعد سقوطها في
يد النصارى من أمنع قلاع مملكة أراغون. في الطرف الجنوبي من المدينة تصادفنا بعض
آثار قصبتها الاسلامية كأجزاء من السور والأبراج. أفل الاسلام في شاطبة سنة 1248
بعد أربع سنوات من سقوطها في يد ملك أراغون خايمي الاول اذ أقدم النصارى على طرد
أهلها من المدينة.
بلنسية
كانت عاصمة كورة خصبة ومركزا مهما لانتاج نسيج الكتان. وصف ابن غالب ميناءها
بالرائع وقد جذب اليها تجار بيزا وجنوة الايطاليتين. كانت قيصرتها في جنوب المدينة
وقد أحاط بها سور.
كانت بلنسية أبرز المراكز الثقافية في شرق الاندلس، وقد توافد اليها حشد من رجال
الفكر والأدب في عهد الموحدين. وقبل ذلك، مع نهايات القرن الحادي عشر، درّس فيها
العذري وبها حصّل تعليمه الرحالة البلنسي الذي وصل الى الصين ومات في بغداد سنة
1146. كانت المدينة محصنة بسور بني في القرن الحادي عشر وكانت تخترقه سبعة ابواب.
اننا نجهل اليوم موقع القصر لكن يعتقد انه كان بجوار المسجد الجامع. في سنة 1101
وخلال المعارك الشديدة التي سببها قدوم المرابطين احترق القصر وأتت النيران على
المسجد الجامع. لكن المرابطين أعادوا تشييد البنائين وبنوا في المسجد مئذنة جديدة
وزودوه بقناديل وضعت فوق نواقيس كانوا قد غنموها من النصارى. وقد ذكر ابن الأبار
وجود عشرة مساجد في المدينة، وتطرّق لمقابرها الواقعة خارج أسوار المدينة والمجاورة
لأبوابها كما كانت عادة المسلمين، كما تحدث عن قصور فاخرة في البساتين ذكر منها
القلقشندي اثنين: قصر الرصافة جنوب شرق المدينة ومنية الأمير ذات القاعات والحدائق
والسواقي.
تحديات السيد كمبياطور
برز دور بلنسية في تاريخ الأندلس منذ القرن الحادي عشر مع ظهور دول الطوائف. حكم
المدينة في ذلك العهد ثلّة من الأمراء منهم المبارك والمظفر (1017-1010) وعبد
العزيز المنصور وخلفائه (1061-1021) والقادر، آخر ملوك طليطلة. وفي الفترة المبهمة
التي قتل فيها القادر (سنة 1092) ظهرت على المسرح شخصية السيد كامبياطور Cid
Campeador الذي ارتبط اسمه بتاريخ المدينة.
كان رودريغو دياث دي فيفار Rodrigo Diaz de Vivar الملقب بالسيد حاميا لبعض
ممالك المسلمين الصغيرة وكان له تأثير كبير على بلنسية في عهد المقتدر، فبعد أن
حاصرها طوال اشهر عديدة تغلب عليها في شهر يونيو من سنة 1094.
كان السيد مقاتلا بارعا وقد قاوم هجمات المرابطين المتكررة، ولم يتمكن هؤلاء من
الاستيلاء على المدينة سوى بعد موت السيد في يوليو من سنة 1099، لكن النصارى أقدموا
على حرق القصر والمسجد الجامع وكثير من منازل المدينة قبل أن يجلوا عنها
بممتلكاتهم. بدأت في شهر مارس من سنة 1145 ثورة معادية للمرابطين فتوالى على بلنسية
العديد من الحكام الى ان تغلب عليها ابن مردنيس، الملك لوبو، في سنة 1147 . أسست في
سنة 1229 امارة مستقلة جديدة حكمها زيان ابن مردنيس لغاية العام 1238 اذ استولى على
المدينة خايمي الأول.
ساغونتومورفييدرو (سغنتم)
كانت هذه القلعة المنيعة مفتاح بلنسية. نشاهد لدى صعودنا الى القلعة بوائك عديدة
ومتانة اساسات قلعة ساغونتو القديمة وكذلك برجي سان فرناندو وسان بيدرو. تشغل
القلعة مساحة القمة وقد أقيمت على الأغلب فوق ما ذكره المؤرخ ليفيو Livio. من
الأعلى بمقدورنا مشاهدة أطلال الصهاريج التي بناها المسلمون وآثار الأسوار.
بالما دي ميورقة
أعاد المسلمون بناء مدينة ميورقة فوق موقع روماني على جرف مشرف على مدخل مرسى
طبيعي أغلق اليوم تماما، أما في عصر الأندلس فقد استخدم لرسو السفن. تبعت المدينة
لمملكة دانية على امتداد قرن، ثم استولى عليها الكتالونيون في سنة 1115، لكن بقاءهم
فيها كان قصيرا اذ قرروا مغادرتها بعد احراقها ما أن لاح في الأفق اسطول المرابطين.
بعد ذلك، نحو العام 1203 تمكن الموحدون من جزر البليار، وبعد ذلك بربع قرن دخلت
قوات خايمي الأول مدينة ميورقة. النظام الهيدرولوجي تدين ميورقة لعهد المرابطين
والموحدين بانجازين حددا مسرى تطورها لغاية القرن التاسع عشر: نظام تزويد المدينة
بالمياه وري البساتين المحيطة بها من جهة وبناء اسوارها في اواسط القرن الثاني عشر.
كانت قصبة المدينة في حي الكاتدرائية الحالي في داخل المدينة الرومانية التليدة.
وما زالت المدينة تحتفظ بالكثير من آثار الأندلس، ففي زقاق تيمبلي Temple يمكن تأمل
جزء من تحصينات باب غمارة وفي زقاق سيرّا Serra ، أي في حي الفخارين، يمكن زيارة
الحمامات العربية التي بناها المرابطون في النصف الثاني من القرن الثاني عشر. يابسة
أسّسها الفينيقيون ثم شغلها الرومان والمسلمون. القسم العلوي من المدينة كان محصنا
منذ أيام الفينيقيين والرومان، ثم أكمل المسلمون منعتها باضافة أسوار أخرى. منورقة
احتلّها النصارى في سنة 1286. وكان العمران قد اتسع آنذاك فيما كان في السابق مدينة
لامو Lamo القديمة، سيوتاديلاّ Ciutadella الحالية. جاء ذكرها في المصادر العربية
باسم مدينة منورقة او مدينة الجزيرة. وجاء في وثائق تالية لاستيلاء النصارى عليها
تفصيل هبة ضمت أربعين منزلا وثلاثة مساجد وثلاثة أفران وحقلين داخل الأسوار وحمام
وحصص في مقبرة. كانت قلعتها في موقع ساحة ديل بورن del Born الحالية، مهيمنة على
الميناء.
قونقة تقع في الهضبة القشتالية. طمع فيها النصارى والمسلمون لمنعتها الطبيعية.
نادرا ما جاء ذكرها قبل القرن الحادي عشر وكانت ترد باسم كونقة وكونكة وقونقة. وقد
أدى اطراد غزوات النصارى وتقدم حروب الجهاد المرابطية الى انعدام الاستقرار في
المدينة. كادت تندثر الآثار الأندلسية فيها، فالبرج العظيم الذي نراه اليوم وينطلق
منه سور باتجاه الشمال عليه ثلاثة ابراج كتيمة وذلك الجزء الآخر الذي يتجه جنوبا،
كل هذا من صنع النصارى لكنه قد يخفي عمرانا يرجع الى القرن الحادي عشر فاللقى
الخزفية التي عثر عليها في المكان تشير الى ذلك. كما نجهل موقع المسجد الجامع فيها
ويعتقد انه كان حيثما شيدت الكاتدرائية في نهاية القرن الثاني عشر. سهلة بني رزين
(البارّاسين) جبال البارّاسين غاية في الخصوصية. منحت الحماية لسلالة بربرية: بنو
رزين، الذين جعلوا منها امارة مستقلة ازدهرت حينا بالشعراء والموسيقيين. تقع في
موقع استراتيجي تراقب منها الجبال والهضاب المحيطة، وربما كانت ملجأ للمسيحيين خلال
بداية الوجود الاسلامي في اسبانيا. دخلت المدينة مسرح التاريخ مع قيام بنو رزين على
شؤونها. هذيل وعبد المالك ويحي بن رزين كانوا من حكام مملكة فاقت بدوامها معظم دول
الطوائف. في عهد بني رزين وضع مخطط المدينة التي نتأملها اليوم. النواة الأساسية
كانت عند القلعة والقصر وكانا على صخرة محصنة بالأسوار وكان فيها برج مركزي اندثر،
وتلاصقت في ذلك الموقع المنشآت العسكرية ومنازل الميسورين. عند أقدامها، وعلى سفح
صخري انتظمت بيوت المدينة التي كان يحميها سور آخر ما زال رسمه بيّنا.
تقول المصادر ان هذيل، حاكمها الأول كان شديد الشغف بجمع مختلف الآلات الموسيقية
وباقتناء الجواري البارعات في الغناء. أما عهد أميرها الثاني، عبد المالك، فكان
مزدهرا بالشعر والشعراء، وكان هذا على علاقة بابن عمار و ابو صفر. تعكّر سلام بني
رزين في نهاية القرن الحادي عشر عندما قرر المرابطون التخلص من آخر أمارة مستقلة في
شرق الأندلس. وفي سنة 1104 تغلب حاكم بلنسية على آخر حكام بني رزين.
وقعت المدينة فيما بعد تحت سلطة ابن مردنيس، وباتت نحو العام 1170 في يد حاكم
مسيحي: دون بيدرو رويث دي أثاغرا منتهيا بذلك انتماء ألبارّاسين لتاريخ الأندلس.
سرقسطة تقع عند تخوم الأندلس الشمالية. دخلها المرابطون في سنة 1110 لكنهم لم
يحكموها سوى ثماني سنوات، ففي العام 1118 استولى عليها ملك أراغون الفونسو الأول،
لكن الديانة الاسلامية ظلت حية فيها مع بقاء المدجنين الى أن طردوا في سنة 1614.
كانت لسرقسطة جذور عميقة في تأريخ الأندلس عندما دخلها المرابطون، اذ كانت منذ
الفتح في سنة 714 ولغاية سقوطها في القرن الثاني عشر حاضرة الثغور الشمالية. وفي
تلك القرون الأربعة توالى عليها الأمراء المستقلون فدولة بني أمية فممالك الطوائف
التي استقلت أثناءها الى أن ظهر المرابطون.
مخطط المدينة تبع مخطط سرقسطة ما كان خطّه الرومان، شارعان أساسيان متقاطعان
وينتهيان الى أبواب أربعة ذكرها الجغرافي العذري في القرن الحادي عشر. كانت القلعة،
مركز السلطة، داخل الأسوار، والمسجد الجامع الذي بني في القرن الثامن أقيم فوق
أطلال معبد روماني يرجع الى عهد تيبيريو Tiberio.
خارج الأسوار أقيم قصر الجعفرية كمنية أميرية، ولعل بانيها ابو جعفر، ثاني ملوك
بني هود (1082-1046). أكثف المراحل الثقافية التي عاشتها المدينة ينحصر ما بين
العقد الثاني من القرن الحادي عشر حتى نهاية الوجود الاسلامي. وقد نوّه خ. لومبا
الى أنه في القرن الثاني عشر ورد ذكر اكثر من خمسين عالما وفيلسوفا وأن سبعة عشر
منهم هم من اولئك الذين يضعهم تاريخ الفكر البشري في الصفوف الأولى. وبعد سقوط
سرقسطة في يد النصارى تابع علماؤها اغناء الفكر البشري في المنفى، كحال ابن باجة،
أما تقاليد الثقافة الاسلامية فقد استمرّت حينًا مع بقاء المدجنين فيها.
طرطوشة
هي ميناء أمّه التجار من كل صوب بدءا من القرن العاشر. ما بين القرنين الحادي
عشر والثاني عشر عانت من الاضطرابات التي شملت بلاد الأندلس وتحولت الى مركز للعبيد
الصقالبة. استسلمت لمملكة سرقسطة عندما كان يحكمها المقتدر بن هود ثم استولى عليها
المرابطون.
دخلها النصارى في سنة 1118 ثم استعادها المرابطون الى أن خضعت نهائيا لكونت
برشلونة رامون بيرينغير الرابع (1148). ذكرت بعض المصادر العربية أخبار المدينة.
بني في عهد الخلافة الأموية جدار غدا أساسا لسور انشيء فيما بعد. كانت ترساناتها
الشهيرة محمية ب 17 برجا دمّرها الكتالونيون بعد استيلائهم على المدينة. أما قلعة
طرطوشة المسماة سودا Suda فكانت في القسم المرتفع من المدينة، كانت مقرا للحاكم
ومعسكرا للحرس، كما ضمت السجن.
من المشاهير الذين أنجبتهم المدينة الفقيه ابو الوليد الملقب بابن ابي رندقة
المتوفي في سنة 1126 والذي قرأ عليه ما يزيد عن 200 من قضاة ذلك العصر.
*****************************************************************************************************************
:دعم الدولةالعثمانية لجهاد خير الدين بربروسا
وإخوته
كان من آثار التهجير الجماعي للمسلمين من الأندلس ونزوح أعداد كبيرة منهم إلى
الشمال الأفريقي حدوث العديد من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية في ولايات الشمال
الأفريقي.
ولما كان من بين المسلمين النازحين إلى هذه المناطق أعداد وفيرة من البحارة ،
فكان من الضروري أن تبحث عن الوسائل الملائمة لاستقرارها ، إلا أن بعض العوامل قد
توافرت لتدفع بأعداد من هؤلاء البحارة إلى طريق الجهاد ضد القوى المسيحية في البحر
المتوسط ، ويأتي في مقدمة هذه الأسباب الدافع الديني بسبب الصراع بين الإسلام
والنصرانية وإخراج المسلمين من الأندلس ومتابعة الأسبان والبرتغال للمسلمين في
الشمال الأفريقي.
وقد ظلت حركات الجهاد الإسلامي ضد الأسبان والبرتغاليين غير منظمة حتى ظهور
الأخوان خير الدين وعروج بربروسا واستطاعا تجميع القوات الإسلامية في الجزائر
وتوجيها نحو الهدف المشترك لصد أعداء الإسلام عن التوسع في موانئ ومدن الشمال
الأفريقي.
وقد اعتمدت هذه القوة الإسلامية الجديدة في جهادها أسلوب الكر والفر في البحر
بسبب عدم قدرتها في الدخول في حرب نظامية ضد القوى المسيحية من الأسبان
والبرتغاليين وفرسان القديس يوحنا ، وقد حقق هؤلاء المجاهدين نجاحاً أثار قلق القوى
المعادية ، ثم رأوا بنظرهم الثاقب أن يدخلوا تحت سيادة الدولة العثمانية لتوحيد
جهود المسلمين ضد النصارى الحاقدين.
وقد حاول المؤرخون الأوروبيون التشكيك في طبيعة الحركة الجهادية في البحر
المتوسط ووصفوا دورها بالقرصنة وكذلك شككوا في أصل أهم قادتها وهما خير الدين وأخوه
عروج الأمر الذي يفرض ضرورة إلقاء الضوء على دور الأخوين وأصلهما ، وأثر هذه الحركة
على الدور الصليبي في البحر المتوسط في زمن السلطان سليم والسلطان سليمان القانوني.
أولاً : أصل الأخوين عروج وخير الدين
يرجع أصل المجاهدين إلى الأتراك المسلمين وكان والدهما يعقوب بن يوسف من بقايا
الفاتحين المسلمين الأتراك الذين استقروا في جزيرة مدللي إحدى جزر الأرخبيل. وأمهم
سيدة مسلمة أندلسية كان لها الأثر على أولادها في تحويل نشاطهم شطر بلاد الأندلس
التي كانت تئن في ذلك الوقت من بطش الأسبان والبرتغاليين. وكان لعروج وخير الدين
أخوان مجاهدان هما إسحاق ومحمد إلياس.
إن ما ذكر عن الدور الذي لعبه الأخوان يؤكد حرصهما على الجهاد في سبيل الله
ومقاومة أطماع أسبانيا والبرتغال في الممالك الإسلامية في شمالي أفريقيا ولقد أبدع
الأخوان في الجهاد البحري ضد النصارى وأصبح لحركة الجهاد البحري في القرن السادس
عشر مراكز مهمة في شرشال ووهران والجزائر ودلي وبجاية وغيرها في أعقاب طرد المسلمين
من الأندلس ، وقد قويت بفعل انضمام المسلمين الفارين من الأندلس والعارفين بالملاحة
وفنونها والمدربين على صناعة السفن.
ثانياً : دور الأخوين في الجهاد ضد الغزو النصراني
اتجه الأخوان عروج وخير الدين إلى الجهاد البحري منذ الصغر ، ووجها نشاطهما في
البداية إلى بحر الأرخبيل المحيط بمسقط رأسهما حوالي سنة 1510م ، لكن ضراوة الصراع
بين القوى المسيحية في بلاد الأندلس وفي شمالي أفريقيا بين المسلمين هناك ، والذي
اشتد ضراوة في مطلع القرن السادس عشر ، قد استقطب الأخوين لينقلا نشاطهما إلى هذه
المناطق وبخاصة بعد أن تمكن الأسبان والبرتغاليون من الاستيلاء على العديد من
المراكز والموانئ البحرية في شمالي أفريقيا.
وقد حقق الأخوان العديد من الانتصارات على القراصنة المسيحيين الأمر الذي أثار
إعجاب القوى الإسلامية الضعيفة في هذه المناطق ، ويبدو ذلك من خلال منح السلطان
"الحفصي" لهم حق الاستقرار في جزيرة جربة التونسية وهو أمر عرضه لهجوم أسباني
متواصل اضطره لقبول الحماية الأسبانية بالضغط والقوة ، كما يبدو من خلال استنجاد
أهالي هذه البلاد بهما ، وتأثيرهم داخل بلدهم مما أسهم في وجود قاعدة شعبية لهما
تمكنهما من حكم الجزائر وبعض المناطق المجاورة. ويرى بعض المؤرخين أن دخول "عروج"
وأخيه الجزائر وحكمهما لها لم يكن بناءً على رغبة السكان ، ويستند هؤلاء إلى وجود
بعض القوى التي ظلت تترقب الفرص لطرد الأخوين والأتراك والمؤيدين لهما ، لكن البعض
الآخر يرون أن وصول "عروج" وأخيه كان بناءاً على استدعاء من سكانها لنجدتهم من
الهجوم الأسباني الشرس ، وأن القوى البسيطة التي قاومت وجودهما كانت تتمثل في بعض
الحكام الذين أبعدوا عن الحكم أمام محاولات الأخوين الجادة في توحيد البلاد حيث
كانت قبل وصولهما أشبه بدولة ملوك الطوائف في الأندلس ، وقد سائد أغلب أهل البلاد
محاولات الأخوين واشتركت أعداد كبيرة منهم في هذه الحملات ، كما ساندهما العديد من
الحكام المحليين الذين شعروا بخطورة الغزو الصليبي الأسباني.
ويظهر دور الأخوين المجاهدين بمحاولة تحرير بجاية من الحكم الأسباني سنة 1512م،
وقد نقلا – لهذا الغرض – قاعدة عملياتها ضد القوات الأسبانية في ميناء جيجل شرقي
الجزائر بعد أن تمكنا من دخولها وقتل حماتها الجنوبيين سنة 1514م لكي تكون محطة
تقوية لتحرير بجاية من جهة ولمحاولة مساعدة مسلمي الأندلس من جهة أخرى ، ويبدو أن
الأخوين قد واجها تحالفاً قوياً نتج عنه العديد من المعارك النظامية وهو أمر لم
يتعودوه لكن أجبروا عليه بفعل الاستقرار في حكم الجزائر ، وزاد من حرج الموقف قتل
"عروج" في إحدى المعارك سنة 1518م مما اضطر خير الدين للبحث عن تحالف يعينه على
الاستقرار والمقاومة سواء لدورها البارز في ساحة البحر المتوسط أم لأن القوى
المحلية في الشمال الأفريقي كانت متعاطفة معها.
وتتابع انتصاراتها على الساحة الأوروبية منذ فتح القسطنطينية وأن الاتجاه
لمخالفتها سيسكب دور خير الدين مزيداً من التأييد من قبل هذه القوى ، وإلى جانب ذلك
فإن الدولة العثمانية قد أبدت استجابة للمساعدة حين طلب منها الأخوان ذلك ، كما
أبدت رغبتها في مزيد من المساعدات لدوره وكذلك لبقايا المسلمين في الأندلس ، ومن
منظور ديني أسهم في إكساب دورها تأييداً جماهيرياً وجعل محاولة التقرب منهما أو
التحالف معهما عملاً مرغوباً.
ومن جهة أخرى كانت الظروف في الدولة العثمانية على عهد السلطان سليم الأول مهيأة
لقبول هذا التحالف وبخاصة بعد أن اتجهت القوات العثمانية إلى الشرق العربي ، وكان
من أبرز أهدافها في هذا الاتجاه هو التصدي لدور البرتغاليين والأسبان وفرسان القديس
يوحنا في المنطقة ، وكان من المنطقي التحالف مع أي من القوى المحلية التي تعينها
على تحقيق هذه الأهداف.
ثالثاً : التحالف مع العثمانيين
اختلف علماء التاريخ حول بداية التحالف بين العثمانيين والأخوين عروج وخير الدين
، فتذكر بعض المراجع أن السلطان سليم الأول كان وراء إرسالهم إلى الساحل الأفريقي
تلبية لطلب المساعدة من سكان الشمال الأفريقي وعملاً على تعطيل أهداف البرتغاليين
والأسبان في منطقة البحر المتوسط. وعلى الرغم من عدم تداول هذه الرواية بين
المؤرخين إلا أنها توضح أن العثمانيين لم يكونوا بمعزل عن الأحداث التي تدور على
مساحة البحر المتوسط.
ويرجع بعض المؤرخين التحالف بين الجانبين إلى سنة 1514م في أعقاب فتح عروج وخير
لميناء "جيجل" حيث أرسل الأخوان إلى السلطان سليم الأول مجموعة من النفائس التي
استوليا عليها بعد فتح المدينة ، فقبلها السلطان ورد لهما الهدية بإرسال أربع عشر
سفينة حربية مجهزة بالعتاد والجنود ، وكان هذا الرد من السلطان العثماني يعكس رغبته
في استمرار نشاط دور الأخوين ودعمه. على أن بعض المؤرخين يذكرون أن الدعم العثماني
لهذه الحركة كان في أعقاب وفاة "عروج" سنة 1518م وبعد عودة السلطان العثماني من مصر
إلى استانبول سنة 1519م.
على أن الرأي الأكثر ترجيحاً أن الاتصالات بين العثمانيين وهذه الحركة كان
سابقاً لوفاة عروج وقبل فتح العثمانيين للشام ومصر ، وذلك يرجع إلى أن الأخوين كانا
في أمس الحاجة لدعم أو تحالف مع العثمانيين بعد فشلهما في فتح (بجاية) ، كما أنهما
حوصروا في "جيجيل" بين الحفصيين الذين أصبحوا من أتباع الأسبان وبين (سالم التومي)
حاكم الجزائر الذي ارتكز حكمه على دعم الأسبان له هو الآخر ، فضلاً عن قوة الأسبان
وفرسان القديس يوحنا التي تحاصرهما في البحر ، فكان لوصول الدعم العثماني أثره على
دعم دورهما وشروعهما في دخول الجزائر برغم هذه العوامل حيث اتفق العثمانيون مع
الأخوين على ضرورة الإسراع بدخولهما قبل القوات الأسبانية لموقعها الممتاز من ناحية
ولكي يسبقوا الأسبان إليها ، لاتخاذها قاعدة لتخريب الموانئ الإسلامية الواقعة تحت
الاحتلال الأسباني كبجاية وغيرها من ناحية أخرى.
وقد تمكن عروج من دخول الجزائر بفضل هذا الدعم وقتل حاكمها بعد أن تأكد من
مساعيه للاستعانة بالقوات الأسبانية ، كما تمكن من دخول ميناء شرشال ، واجتمع له
الأمر في الجزائر وبويع في نفس السنة التي هزمت فيها القوات المملوكية أمام القوات
العثمانية في الشام سنة 1516م في موقعة مرج دابق.
ولم يكن من الممكن للأخوين أن يقوما بهذه الفتوحات لولا تشجيع السلطان العثماني
ودعمه إلى جانب دعم شعوب المنطقة وقد سبق أن فشلا في دخول بجاية أمام نفس القوات
المعادية.
بعد أن بويع "خير الدين" في الجزائر في أعقاب ما حققه من انتصارات على الأسبان
والزعماء المحليين المتحالفين معهم أصبح محط آمال كثير من الولايات والموانئ التي
كانت ما زالت خاضعة سواء للأسبان أو لعملائهم ، وكان أول الذين طلبوا نصرته أهل
تلمسان. ومع أن استنجاد الأهالي كان من الممكن أن يكون كافياً لتدخل "خير الدين"
إلا أن موقع تلمسان الاستراتيجي الذين كان يجعل وجود "خير الدين" في الجزائر غير
مستتب قد جعله يفكر في التدخل قبل أن يطلب الأهالي نجدته ، وأن مطالبهم قد دعته
للتعجيل بذلك.
وأعد "خير الدين" جيشاً كبيراً زحف به إلى تلمسان سنة 1517م ، وأمن الطريق إليها
، وبعد أن نجح في السيطرة عليها تمكن الأسبان ، وعملاؤهم من بني حمود ، من
استعادتها ولقي أحد إخوة (خير الدين) حتفه وهو "إسحاق" ، كما قتل "عروج" وكثيرون من
رجاله أثناء حصارهم للمدينة ذلك الحصار الذي امتد لستة أشهر أو يزيد ، امتد حتى سنة
1518م.
وقد تركت هذه الأحداث أثراً بالغاً في نفس خير الدين مما دفعه إلى التفكير في
ترك الجزائر لولا أن أهلها ألحوا عليه بالبقاء. وكانت موافقته على البقاء تفرض عليه
ضرورة بذل المزيد من الجهد خشية أن يهاجمه الأسبان ومؤيدوهم ، كما أن ذلك قد أدى
إلى اتجاهه إلى مزيد من الارتباط بالدولة العثمانية ، وبخاصة بعد أن والت لها مصر
والشام ، فكان ذلك يؤكد احتياج الجانين إلى مزيد من الارتباط بالأخر.
رابعاً : سكان مدينة الجزائر يرسلون رسالة استغاثة للسلطان سليم
الأول :
قام الأستاذ الدكتور عبدالجليل التميمي بترجمة وثيقة تركية محفوظة في دار
المحفوظات التاريخية باستنبول – طوب قابي سيراى – تحت رقم 4656 ، وهذه الوثيقة
عبارة عن رسالة موجهة من سكان بلدة الجزائر على اختلاف مستوياتهم ومؤرخة في أوائل
شهر ذي القعدة عام 925م ، في الفترة من 26 من شهر أكتوبر (تشرين الأول) إلى 3 من
شهر نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1519م ، وكتب بأمر من خير الدين إلى السلطان سليم
بعد عودته من مصر والشام إلى استانبول ، وكان الغرض تلك الرسالة ربط الجزائر
بالدولة العثمانية ، وجاء في الرسالة أن خير الدين كان شديد الرغبة في أن يذهب
بنفسه إلى استانبول ليعرض على السلطان سليم الأول شخصياً إبعاد قضية الجزائر ، ولكن
زعماء مدينة الجزائر توسلوا إليه أن يبقى فيها كي يستطيع مواجهة الأعداء إذا تحركوا
، وطلبوا منه أن يرسل سفارة تقوم بالنيابة عنه ، وكانت الرسالة التي حملتها البعثة
موجهة باسم القضاة والخطباء والفقهاء والأئمة والتجار والأعيان وكافة سكان مدينة
الجزائر العامرة ، وهي تفيض بالولاء العميق للدولة العثمانية وكان الذي يتزعم
السفارة (الفقيه العالم الأستاذ أبو العباس احمد بن قاضي) ، وكان من أكبر علماء
الجزائر ، كما كان قائداً عسكرياً وزعيماً سياسياً وكان بمقدوره أن يصور أوضاع
بلاده والأخطار التي تحيط بها من كل جانب.
لقد أشاد الوفد بجهاد بابا عروج في مدافعة الكفار وكيف كان ناصراً للدين وحامياً
للمسلمين وتكلموا عن جهاده حتى وقع شهيداً في حصار الأسبانيين لمدينة تلمسان وكيف
خلفه أخوه المجاهد في سبيل الله أبو التقى خير الدين. وكان له خير خلف فقد دافع عنا
، ولم نعرف منه إلا العدل والإنصاف واتباع الشرع النبوي الشريف ، وهو ينظر إلى
مقامكم العالي بالتعظيم والإجلال ، ويكرس نفسه وماله للجهاد لرضاء رب العباد وإعلاء
كلمة الله ومناط آماله سلطنتكم العالية مظهراً إجلالها وتعظيمها، على أن محبتنا له
خالصة ونحن معه ثابتون ونحن وأميرنا خدام أعتابكم العالية. وأهالي إقليم بجاية
والغرب والشرق في خدمة مقامكم العالي ، وإن المذكور حامل الرسالة المكتوبة سوف يعرض
على جلالتكم ما يجري في هذه البلاد من الحوادث والسلام.
إن الرسالة السابقة تبين للباحث آراء الجزائريين تجاه الدولة العثمانية وكان من
تلك الآراء :
- أن خير الدين يمثل الحاكم المسلم الأمثل في شمال افريقية ، فهو يحترم وينفذ
مبادئ الشريعة الإسلامية ويتخذ من العدل شرعة ومنهاجاً له في الحكم.
- أن نشاطه يتركز في قيادة عمليات الجهاد ضد النصارى.
- أنه يكن للدول العثمانية وسلطانها كل تقدير واحترام.
- تدل الرسالة على تماسك الجبهة الداخلية ووضوح الهدف أمام مسلمي الجزائر.
خامساً : استجابة السلطان سليم الأول لأهل الجزائر
سارع السلطان سليم إلى منح رتبة بكلر بك إلى خير الدين بربروس وأصبح القائد
الأعلى للقوات المسلحة في إقليمه ممثلاً للسلطان وبذلك أصبحت الجزائر تحت حكم
الدولة العثمانية وأصبح أي اعتداء خارجي على أراضيها يعتبر اعتداء على الدولة
العثمانية ، ودعم السلطان سليم هذا بقرارات تنفيذية ، إذ أرسل إلى الجزائر قوة من
سلاح المدفعية ، وألفين من الجنود الانكشارية ، ومنذ ذلك الوقت (1519م) بدأ
الانكشاريون يظهرون في الحياة السياسية والعسكرية في الأقاليم العثمانية في شمال
إفريقيا وأصبحوا عنصراً بارزاً ومؤثراً في سير الأحداث بعد أن كثر إرسالهم تلك
الأقاليم ، وأذن السلطان سليم لمن يشاء من رعاياه المسلمين في السفر إلى الجزائر
والانخراط في صفوف المجاهدين ، وقرر منح المتطوعين الذين يذهبون إلى الجزائر
الامتيازات المقررة للفيالق الإنكشارية تشجيعاً لهم على الانضمام إلى كتائب
المجاهدين ، ولقد هاجر سكان الأناضول إلى الجزائر شوقاً إلى عمليات الجهاد ضد
النصارى . ولقد ترتب على القرارات التي أصدرها السلطان سليم الأول عدة نتائج هامة
كان من بينها :
1- دخول الجزائر رسمياً تحت السيادة العثمانية اعتباراً من عام 1519م ودعي
للسلطان سليم علي المنابر في المساجد وضربت العملة باسمه.
2- إن إرسال القوات العثمانية جاء نتيجة استغاثة أهل بلدة الجزائر بالدولة
العثمانية واستجابة لرغبتهم فلم يكن دخول القوات العثمانية غزواً أو فتحاً عسكرياً
ضد رغبة أهل البلد. 3- إن إقليم الجزائر كان أول إقليم من أقاليم شمال أفريقيا يدخل
تحت السيادة العثمانية ، وأصبحت الجزائر ركيزة لحركة جهاد الدول العثمانية في البحر
المتوسط وكانت حريصة على امتداد نفوذها بعد ذلك إلى أقاليم الشمال الأفريقي لتوحيده
تحت راية الإسلام والعمل على تخليص مسلمي الأندلس من الأعمال الوحشية التي كان يقوم
بها الأسبان النصارى.
لقد كان زمن السلطان سليم البداية المتواضعة لمد النفوذ العثماني إلى أقاليم
شمال أفريقية من أجل حماية الإسلام المسلمين وواصل ابنه سليمان ذلك المشروع
الجهادي.
لقد استجاب السلطان العثماني سليم لنداء الجهاد من أخوة الدين ، وشرعت الدولة
العثمانية في إنشاء أسطول ثابت لهم في شواطئ شمال أفريقيا والذي ارتبط منذ البداية
باسم الأخوين عروج وخير الدين بربروسة.
سادساً : التحديات التي أمام خير الدين
كان أمام خير الدين بربروس في وضعه السياسي والعسكري الجديد أن يحارب على جبهتين
:
1- الجبهة الأسبانية لطرد الأسبانيين من الجيوب التي أقاموها فضم إليه عنابة
وقالة في شرقي الجزائر وحقق انتصاراً باهراً على الأسبانيين حين استولى عام 1529م
على حصن بينون الأسباني على الجزيرة المواجهة لبلدة الجزائر ، وقد كان قد استمر
يقصف الحصن بقذائف مدافعة طوال عشرين يوماً حتى تداعت جوانبه ، ثم اقتحم الحصن مع
قوات كثيفة العدد كانت تحملها خمس وأربعون سفينة جاءت من الساحل وأسر قائد الحصن مع
كبار ضباطه.
إن استيلاء خير الدين على البينون سنة 1529م يعد بداية تأسيس ما عرف باسم نيابة
الجزائر ، ومنذ ذلك التاريخ أصبح ميناء الجزائر عاصمة كبرى للمغرب الأوسط بل ولكل
شمال افريقية العثمانية فيما بعد. وبدأ استخدام مصطلح الجزائر للدلالة على إقليم
الجزائر حتى نهاية القرن الثامن عشر.
2- الجبهة الداخلية، وكانت تتمثل في محاولة توحيد المغرب الأوسط التي لم تخلو من
مؤامرات بني زيان والحفصيين ومن بعض القبائل الصغيرة ولكنه استطاع مد منطقة نفوذه
باسم الدولة العثمانية ودخلت الأمارات الصغيرة تحت السيادة العثمانية لكي تحتمي
بهذه القوة من الأطماع الصليبية الأسبانية ومن قهرها على اعتناق النصرانية وما لبث
أن مد خير الدين النفوذ العثماني إلى بعض المدن الداخلية الهامة مثل القسطنطينية.
لقد نجح خير الدين في وضع دعامات قوية لدولة فتية في الجزائر وكانت المساعدات
العثمانية تصله باستمرار من السلطان سليمان القانوني واستطاع خير الدين أن يوجه
ضرباته القوية للسواحل الأسبانية وكانت جهوده مثمرة في إنقاذ آلاف المسلمين من
أسبانيا ، فقد قام عام 936هـ/1529م بتوجيه ست وثلاثون سفينة خلال سبع رحلات إلى
السواحل الأسبانية للدولة العثمانية في الحوض الغربي للبحر المتوسط ، وبفضل الله ثم
مساعدات الدولة العثمانية وموارد خزينة الجزائر المتنوعة من ضرائب وسبي ومغانم
وزكاة والعشر والجزية والفيء والخراج وما يقوم به الحكام ورؤساء القبائل والعشائر
من دفع العوائد وغيرها أصبحت دولة الجزائر لها قاعدة اقتصادية قوية.
لقد تضررت أسبانيا من نجاح خير الدين في الشمال الإفريقي وكانت أسبانيا يتزعمها
شارل الخامس إمبراطور الدولة الرومانية المقدسة والتي كانت تضم وقتذاك أسبانيا
وبلجيكا وهولندا وألمانيا والنمسا وإيطاليا وكانت الدولة الرومانية المقدسة تدافع
عن أوربا المسيحية الخطر العثماني نحو شرق ووسط أوربا ، لذا يمكن القول بأن الصراع
بين شارل الخامس وبين ببليربكية والجزائر كان بمثابة فتح جبهة حربية جديدة ضد
الدولة العثمانية في الشمال الإفريقي ، لذلك لم يكتف شارل بالهجوم المفاجئ على
سواحل الجزائر ، بل أرسل مبعوثاً للتجسس في شمال أفريقيا سنة 940هـ / 1533م وهو
الضابط (أوشوا دوسلا) الذي طاف بأنحاء تونس ، وهناك وجد استعداد الحفصيين للتعاون
مع شارل الخامس ، وحذر من امتداد النفوذ العثماني على تونس ، وذكر أن هذا الاستيلاء
سيسهل على العثمانيين السيطرة على أفريقيا ، ثم يتجهون بعد ذلك لاسترداد الأندلس ،
وهذا ما يخشاه العالم المسيحي.
كانت سياسة المملكة الحفصية في تونس تسير نحو انحطاط مستمر ، كان السلطان الحفصي
الحسن بن محمد قد أساء السيرة في البلاد وقتل عدداً من أخوته ، فاضطربت الأحوال في
تونس وخرج البعض عن طاعة السلطان الحفصي ، وكان أخو الحسن المسمى بالأمير الرشيد قد
هرب من أخيه خوفاً من القتل ولجأ عند العرب في البادية ، ثم ذهب إلى خير الدين في
الجزائر وطلب منه الحماية والعون ضد أخيه ، فمنحه ذلك خير الدين ، الذي كان مركزاً
اهتمامه على تونس بسبب ضعف الحفصيين والخلافات الداخلية التي مزقت الأسرة الحفصية ،
كما كان لتونس في نظره أهمية استراتيجية كبيرة لإشرافها على المضيق الصقلي بحيث
تسمح له السيطرة عليها في تحديد وقطع المواصلات بين حوضي المتوسط الشرقي والغربي
بالإضافة إلى رغبة خير الدين في توحيد بلاد المغرب تحت حكم الدولة العثمانية
ليتمكنوا من استرداد الأندلس.
الدولة العثمانية، لعلي محمد محمد الصلابي ، ص 335
--------------------------------------------------------------------------------
هذه المقالة من التاريخ
https://secure25.nocdirect.com/~altareek/doc
عنوان المقالة هو :
https://secure25.nocdirect.com/~altareek/doc/article.php?sid=786
****************************************************************
بلاس إنفانتي وبعث الهوية الأندلسية
25/12/2003
د. علي الكتاني **
ولد بلاس إنفانتي في بلدة قشريش (مقاطعة مالقة) في 5-7-1885، من أبوين أندلسيين،
ينتميان لعائلتين سليلتين للمورسكيين القدماء، عمل أفرادهما على الدفاع عن الأندلس
وأهلها، فتلقى دراسته الابتدائية في بلدته، ثم انتقل سنة 1896، إلى أرشذونة (مقاطعة
مالقة) لدراسة الثانوية، ثم إلى قبرة (مقاطعة قرطبة) سنة 1897، حيث تخرج سنة 1900
بشهادته الثانوية، ثم عمل مع أبيه في محكمة قشريش، قبل التحاقه بقسم الحقوق، من
كلية الفلسفة والآداب بجامعة غرناطة، حيث تخرج بامتياز في أكتوبر سنة 1906.
اللقاء بالهوية الأندلسية
تعرف إنفانتي إبان مقامه في غرناطة على التراث الإسلامي الأندلسي، وأخذ شعوره
الفطري شكل الهوية الإسلامية الأندلسية، وفي تهيئة لمباراة العدالة، زار إنفانتي
إشبيلية وقرطبة ومجريط، واجتمع بزعماء الحركة الأندلسية، وأصبح يعتقد أن الهوية
الأندلسية ليست هوية عرق أو دم، لكنها هوية (وجود) و(معرفة). وفي سنة 1907 زار
إنفانتي إشبيلية فوجد فيها نشاطًا فكريًّا كبيرًا: جمعيات شباب لدراسة تاريخ
الأندلس، و"ألعاب وردية" تلقى فيها الخطب الحماسية الأندلسية. وفي سنة 1909، تحولت
هذه الألعاب إلى احتفال قومي أندلسي.
وفي سنة 1910 عُيِّن إنفانتي عدلاً في بلدة قنطيانة، فسكن إشبيلية القريبة منها،
وأصبح ينتقل بين البلدتين، تأثر إنفانتي في إشبيلية بمفكريها الأندلسيين، وساهم في
أنشطتهم الثقافية، وفي 28-11-1913، قُبِل إنفانتي في مجلس المحامين، وفي 23-3-1914،
ألقى خطابًا في "أتينيو" إشبيلية عن "النظرية الأندلسية" كان أساس كتابه التاريخي
عن القومية الأندلسية، وفي نفس السنة فتح مكتب محاماه في إشبيلية، وفي سنة 1914،
ظهرت الطبعة الأولى من كتابه "النظرية الأندلسية".
وفي سنة 1916 أسس إنفانتي أول "مركز أندلسي" في إشبيلية، تبعه مراكز أخرى في مدن
الأندلس وقراها، وأصدر مجلة "الأندلس" كلسان حال للمراكز الأندلسية، والحركة
القومية الأندلسية، ومع الأيام تحول "مركز إشبيلية" الأندلسي إلى مركز أنشطة
أندلسية، تثقيفية وتخطيطية، ومنه خرج المنشور الداعي إلى "اجتماع المقاطعات
الأندلسية" في رندة، الذي استعمل عبارة "الأمة الأندلسية" لأول مرة، وهكذا أصبح
إنفانتي بأفكاره وحركته، رئيس تيار جديد للحركة القومية الأندلسية.
قيادة الحركة القومية الأندلسية
وفي 16-6-1917 ألقى إنفانتي بصفته رئيس "مركز إشبيلية الأندلسي" محاضرة أساسية
أعطت لأفكاره نضوجًا ثوريًّا، صرح في آخرها قائلا: "نحن لسنا بصدد إنشاء حزب، نحن
نريد إنشاء شعب قادر على أن يحكم نفسه بنفسه". وفي 13-1-1918 انعقد اجتماع "مجلس
المقاطعات الأندلسية" في رندة، فعدد معالم القومية الأندلسية في حركتها المستقبلية
في النقاط التالية:
1- الاعتراف بالأندلس كبلد، وقومية، ومنطقة ذات حكم ذاتي ديمقراطي، على أساس
دستور أنتقيرة.
2- اختيار العلم الأخضر والأبيض، علمًا للأمة الأندلسية، ورمز قادس شعارًا لها.
ثم تقدم بلاس إنفانتي، وخوزي أندرس باسكس، باسم المؤتمر، لهيئة الأمم طالبين
منها الاعتراف بالقومية الأندلسية، ودخل إنفانتي اللعبة السياسية للتعريف بأفكاره
القومية الأندلسية، فتقدم لانتخابات منطقة غسان، أشتبونة (مقاطعة مالقة) حيث توجد
قشريش، لكنه لم يفز.
وفي 1/1919، شارك إنفانتي في اجتماع "المجلس الإداري الأندلسي" التأسيسي، الذي
انتهى بالاتفاق على "تخطيط نظري للقومية الأندلسية" وكان له تأثير هام على مجرى
الفكر القومي الأندلسي، وفي نفس السنة تزوج إنفانتي.
وفي 21-5-1919 تقدم إنفانتي لانتخابات إشبيلية باسم (الديمقراطية الأندلسية)
المكونة من الجمهوريين الاتحاديين، والقوميين الأندلسيين، والاشتراكيين المستقلين،
وندّد في خطبه الانتخابية بوضع الأندلس البئيس، وبمصالي (خدع وحيل) القوى المركزية
التي كانت تقرر من مجريط، مجرى الانتخابات بالأندلس، عبر نفوذها المالي والإقطاعي،
ورسب إنفانتي مرة أخرى في المحاولة الانتخابية، فغضبت عليه السلطة الحاكمة واليمين،
واتهموه وأتباعه بالتآمر على أمن الدولة ووحدتها، ثم أسّس إنفانتي في إشبيلية دار
ومكتبة "أبانتي" (التقدم) للنشر، نشر فيها عددًا من كتبه، كما أسس "مركز الدراسات
الأندلسية"، وفي سنة 1920، ظهر كتاب "المعتمد ملك إشبيلية" وهي قصة مسرحية تاريخية
عرف فيها إنفانتي بجذور الهوية الأندلسية الإسلامية.
وكانت سنة 1921 سنة أمل للقوميين الأندلسيين، رغم الأوضاع المضطربة في مجريط،
فانتشرت "المراكز الأندلسية" في المدن والقرى، وانتشر معها الفكر الأندلسي في
المجالات الثقافية والاجتماعية، وأخذ إنفانتي يفكر في إنشاء روابط ثقافية قوية،
تربط الأندلسيين بعضهم ببعض، في الأندلس، والمغرب، وأمريكا الجنوبية، لكن في
13-1-1923، تحولت أسبانيا إلى الحكم الدكتاتوري الذي قضى على الحريات، وأغلق
"المراكز الأندلسية"، واتهم القوميين الأندلسيين بمقاومة الدولة، وأسكت القوى
المعادية للكنيسة.
فانتقل إنفانتي، تحت ضغط عائلته، إلى أيسلا كريستينا (مقاطعة ولبة) كموثق عدل،
وانسحب من العمل السياسي، ونصح أتباعه بذلك، ثم ركز على التفكير في مصير الأندلس،
وجذور الهوية الأندلسية.
وفي 15-9-1923 في ذروة معارك الريف ضد المستعمر الأسباني، زار إنفانتي قبر
المعتمد بن عباد في أغمات بالمغرب، حيث تعرَّف على بعض أبناء الأندلس، فقرر إشهار
إسلامه على أيديهم، ثم حاول بعد إسلامه ربط الحركة الأندلسية بالحركات الإسلامية
والعربية.
وفي سنة 1930 انهارت الدكتاتورية، فنقل إنفانتي عمله كموثق عدلي إلى بلدة قورية
بالقرب من إشبيلية، وفي سنة 1931 أسس "مجلس الأندلس التحرري" عوضًا عن المراكز
الأندلسية القديمة، وانضم إلى "الحزب الجمهوري الاتحادي" وأصبح إنفانتي يمجد
التاريخ الإسلامي كأساس الهوية الأندلسية، ويطالب الأندلسيين باستعادة الهوية
والتاريخ والأرض، وبإزاحة هيمنة الكنيسة على الدولة، ويهاجمها على جرائمها في
القضاء على الأندلسيين، وعلى "زهرة ما تبقى من ثقافتنا".
ثم التقى إنفانتي بالحركات التحررية العربية عبر مجلة "الأمة العربية" في جنيف
(سويسرا) التي كان ينشرها الأمير شكيب أرسلان، وإحسان الجابري.
الاستشهاد
هذه أفكار إنفانتي والقوميين الأندلسيين الواضحة بعد عشرينيات القرن العشرين
الميلادي، هوية الأندلس إسلامية، وليست غربية، وهو ما دفع أعداءهم إلى رميهم
بالاتهامات المتواصلة، فحوربت الحركة من طرف اليمين واليسار على حد سواء. وفي يوم
الأحد 2-8-1936، بعد 14 يومًا من انفجار الحرب الأهلية الأسبانية، هجمت فرقة من
الكتائب على إنفانتي في بيته "دار الفرح" بقورية، وساقته إلى إشبيلية، حيث سجنته،
وأعدمته رميًا بالرصاص يوم الإثنين 10-8-1936، فمات شهيدًا رحمه الله، وهو يصرخ
مرتين: "عاشت الأندلس حرة!".
____________________________________________________
**مؤسس ورئيس جامعة ابن رشد الإسلامية في قرطبة حتى وفاته عام 2001
*******************************************************************************************************
المسجد الكبير بغرناطة
التاريخ: الأحد 2003/10/26 م
يعود الإسلام هذه المرة إلى اسبانيا لا بحملة عسكرية يقودها حفيد لموسى بن نصير
أو عقبة بن نافع أو طارق بن زياد، بل بعودة اسبانيا إلى ذاتها ووجدانها. فها هي
اسبانيا بعد مرور أكثر من خمسمائة سنة على سقوط غرناطة العربية الإسلامية بيد
الملكين الكاثوليكيين فردينان وايزابيلا، تكتشف ان الإسلام ليس غريباً عنها، بل هو
جزء جوهري من تاريخها ومن نسيجها الاجتماعي على حد سواء. فصحيح انها عاملته بفظاظة
وفظاعة غير قابلين للوصف عندما خيّرت معتنقيه بين التنصير والطرد من البلاد التي
عاشوا فيها مع آبائهم وأجدادهم أكثر من ثمانمائة سنة، إلا انها عادت لتكشف ان
الإسلام أكثر صفحات تاريخها إشراقاً وبقاء. فالمؤرخون الأسبان المعاصرون لم يعودوا
يتحدثون عن "احتلال" أو "استعمار" عربي أو إسلامي لبلادهم، وإنما عن أثر العرب
والمسلمين في صياغة عبقرية لقوميتهم نفسها. وآخر هؤلاء المؤرخين الأسبان الكبار،
وهو أميريكو كاسترو، يقول انه لولا العرب لما كان لاسبانيا قومية بالمعنى الحديث
للكلمة. وكان هذا المؤرخ قد خاض معركة فكرية ضارية مع مؤرخين اسبان آخرين ينتمون من
حيث التعصب والتحجر إلى عصر فردينان وإيزابيلا.
ومع أن التاريخ الاسباني سجل أوسع عملية إبعاد للمسلمين عقب سقوط غرناطة، وتنصير
من تبقى منهم في اسبانيا بالرغم منهم، إلا ان الإسلام الاسباني لم يعلن استسلامه في
الضمير الروحي والوطني لاسبانيا. لقد ظل هناك من يشهد بأن لا إله إلا الله، وبأن
محمداً رسول الله، داخل منزله أو أسرته، أو قلبه. ولجأت أسر اسبانية مسلمة كثيرة
إلى طمر ذخائرها ومستنداتها داخل بيوتها، أو في بساتينها المجاورة، حفاظاً عليها.
وإلى اليوم تكتشف داخل بيوت الاحياء والقرى القديمة آثار تعود إلى تلك المرحلة
الذهبية لا في عمر اسبانيا وحدها بل في عمر البشرية جمعاء.
وشهدت اسبانيا، ما قبل احداث 11سبتمبر وما تلاها من تداعيات، نمواً غير متوقع
للإسلام الاسباني. فقد عاد إلى اعتناق الإسلام أكثر من نصف مليون اسباني يمكننا أن
نتصور ان قسماً كبيراً منهم يشعرون في أعماقهم بأنهم من نسل أولئك العرب القدماء
الذين بنوا غرناطة وقرطبة واشبيلية ومرسية وسواها من الحواضر التي كان لها شأن كبير
في نقل أوروبا من حال التخلف إلى حال الحضارة والنهضة.
وقد تحدثت الأخبار عن وجود عشرات الآلاف من المسلمين في غرناطة وحدها. وهؤلاء
ليسوا عبارة عن "جالية" بالمعنى المتداول الذي يفيد انهم أجانب، بل هم جزء من "حي
البيازين" الغرناطي الشهير ومن أبناء غرناطة الآخرين الذين مضى على وجودهم فيها
مئات السنين. فمسلمو اسبانيا المعاصرة ليسوا في أكثرهم من مهاجري الشمال الافريقي،
بل هم من ابناء اسبانيا نفسها وقد وجدوا في الإسلام ملاذ الروح والعقل والفطرة
والوجدان. وإذا كانوا قد اضطروا إلى هجرة قسرية عنه، فإنهم يعودون إليه اليوم
أحراراً وكما يعود المرء إلى ذاته وإلى ضميره.
قبل أحداث 11سبتمبر كنت في المغرب، وقد زرت صديقاً عزيزاً عليّ هو الباحث
المغربي الكبير الدكتور محمد عابد الجابري استاذ الفلسفة العربية الإسلامية بجامعة
محمد الخامس بالرباط تمت هذه الزيارة في منزل صيفي كان الجابري يقيم فيه على البحر،
قرب الشاطئ المغربي الذي يطل على البر الاسباني. قال لي الجابري يومها ونحن نتأمل
الأفق الذي يفصل "العدوة" بين الشاطئين انه كان قبل أيام في غرناطة يشارك مع لجنة
فاحصة مكونة من بعض المستعربين الأسبان في مناقشة اطروحة جامعية لطالب اسباني حول
موضوع يتصل بالأدب الأندلسي. وذكر الجابري انه ذهل لما سمعه ورآه في زيارته الأخيرة
هذه إلى اسبانيا.
ففي الجامعة التي تمت فيها مناقشة اطروحة هذا الطالب الاسباني، تشكلت حول
الجابري عدة مظاهرات طلابية. بداية كانوا يتبركون منه على أساس انه مفكر كبير قادم
من المغرب ودار الإسلام.
وكانوا يطرحون عليه اسئلة في منتهى الدقة عن هذا الشأن الفكري أو الفلسفي أو
الأدبي الإسلامي، مما يدل على انهم لا في عالم المقاربات البسيطة، بل في عالم
المناجاة المتعمقة في التاريخ والتراث الإسلاميين. ومما قاله لي الجابري في تلك
الأمسية انه علم من أولئك المستعربين الأسبان الكبار الذين التقاهم، ان طلابهم في
الجامعات الاسبانية، وفي السنوات الأخيرة، لم يعودوا يقدمون اطروحاتهم عن "ابن حزم"
أو عن "ابن رشد" بصورة عامة مجملة، بل عن جوانب ودقائق في أدب وفكر هذين العالمين
الأندلسيين الكبيرين.
فالمسألة إذن ليست عبارة عن أطروحة أو اطروحتين جامعيتين، بل عبارة عن "حركة"
فكرية وعلمية تجد في العرب الأندلسيين لا محتلين أو مستعمرين، بل ملاذاً وإرثاً
حضارياً وقومياً وإنسانياً ليس كمثله ملاذ أو إرث.
على أن حركة عودة الأسبان المعاصرين إلى الإسلام ليست حركة حديثة لم تعرف إلا في
السنوات الأخيرة التي سبقت أحداث 11سبتمبر. فالواقع انها حركة قديمة كان لها وجود
على مدار القرن العشرين كله، رغم ان هذا القرن لم يخل من "ليكود" أسبان معادين
للإسلام عداء شديداً. ففي بداية القرن العشرين أعلن المستعرب الاسباني الكبير
"كوديرا" ان لا حل لاسبانيا وأوروبا إلا بالعودة إلى مبادئ الإسلام ومثله العليا.
وقد دعا صراحة إلى نشر اللغة العربية لا في اسبانيا وحدها بل في أوروبا كلها.
وكان "لكوديرا" مريدون كثيرون في الجامعات الاسبانية نادوا بأفكاره بعد وفاته
وألفوا جمعية اطلقوا عليها اسم "بنو كوديرا" وكان يحلو للأمير شكيب ارسلان ان ينادي
"كوديرا" باسم "قُديرة" على أساس إعادة الاسم الاسباني إلى أصله العربي، وهو قبيلة
قديرة.
ويذكر شكيب ارسلان في كتابه "الحلل السندسية في الأخبار الاندلسية" انه التقى
مرة في مدريد بعربي من بقايا الموريسكيين الاندلسيين اسمه: خليل بن أمية. يقول شكيب
ارسلان انه عندما التقى بهذا الرجل حسبه عربياً أو دمشقياً، ولكنه كان أسبانياً
بملامح عربية صرفة. وكان خليل بن أمية، كما كان هو يقول، من بقايا الأسرة الأموية
التي حكمت قرطبة والتي بدأت بعبدالرحمن الداخل.
وهناك بلاشك الآلاف، إن لم نقل الملايين، من الأسبان المعاصرين الذين ينحدرون من
عائلات عربية أندلسية. من هؤلاء الشاعر الاسباني الكبير فيديريكو غارثيا لوركا الذي
كان يقول انه ينتمي إلى "مملكة غرناطة" وكان لوركا يقول بصراحة انه ينتمي إلى بقايا
أسرة موريسكية، وانه مدين في شعره وأدبه إلى تلك المرويات والحكايات التي كان
يسمعها وهو صغير أو فتى من عمّاته وخالاته ومن والدته، وكلها عن المرحلة العربية
الأندلسية. كما أنه اطلع باكراً على مترجمات من الشعر الأندلسي والعربي إلى
الاسبانية انتفع بها ايما انتفاع في شعره.
وإذا كان من غير الثابت القول بأن الروائي الاسباني الكبير سرفانتس صاحب "دون
كيشوت"، وهي من أهم الروايات العالمية، هو من بقايا الموريسكيين الأسبان، فمما لاشك
فيه بنظر الباحثين المعاصرين، انه استفاد استفادة واسعة من الإرث السردي والحكائي
العربي القديم ومنه المقامات والملاحم العربية المعروفة.
ويقول هؤلاء الباحثون ان سنوات سجن سرفانتس في الجزائر، أتاحت له الاطلاع على
هذا الإرث القصصي العربي، فوظفه أفضل توظيف في "دون كيشوت"، وفي سواها من أعماله
القصصية والروائية.
ليس الإسلام غريباً في اسبانيا. لم يكن غريباً لا في الأمس ولا اليوم ولا في
الغد. رحل الموريسكيون ولم يرحلوا. لم يتمكن لا فردينان ولا إيزابيلا، ولا أحفادهما
من إطفاء هذه الجذوة المعنوية الدائمة الاشتعال في الذاكرة والوجدان الاسبانيين.
آخر من أعلن اعتزازه وافتخاره بالحقبة العربية الاندلسية وانتماءه الكامل إليها
مستعرب اسباني كبير هو الدكتور بدرو مارثينز مونتابث مدير جامعة مدريد المركزية
الذي يقول انه ينتمي إلى أسرة مسلمة كانت تسكن منطقة "وادي آشي".
ليست الأندلس فعلاً ماضياً وحسب. انها ايضاً فعل مضارع. وليس المسلمون الأسبان
في وقتنا الراهن في حدود النصف مليون نسمة فقط لاغير، انهم بمعنى من المعاني
اسبانيا كلها، لأن التاريخ الأندلسي العربي الإسلامي، مازال يبسط نفوذه ونِعَمه على
كل الأسبان، وليس على جزء بسيط منهم!
http://writers.alriyadh.com.sa/
منتدى الكتّاب> مقالات عامة > جهاد فاضل
**************************************************************
مقالات
اشراقات الثقافة الاسلامية على
نصارى الاندلس
كيف تعامل القشتاليون النصارى مع
مسلمي الأندلس بعد سقوطها؟
ماذا حلَّ بالتراث العلمي في
الأندلس بعد اندحار مسلميها؟
جوانب من الازدهار الحضاري في
الاندلس وتأثيراته على النهوض الاوربي
إضاءات من حركة الترجمة الى
اللاتينية والاسبانية في بلاد الاندلس
أضواء على تبعات انهيار الإسلام
في الأندلس
اشراقات الثقافة الاسلامية على نصارى الاندلس
محمد ماهر حماده
أطلق المسلمون أسم الأندلس على القسم الذي أحتلوه من شبه الجزيرة الايبرية0
وقد أرتقت الحضارة الاسلامية في تلك المنطقة من دنيا الإسلام ارتقاءً رائعاً
ونافست الحضارة الإسلامية فيها حضارة الإسلام في المشرق, وبلغ من عظمة قرطبة
وأزدهارها وخاصة إبان العهد الأموي في الأندلس إنها كانت أعظم مدينة في أوربا كلها
وتأتي على قدم المساواة مع القسطنطينية وبغداد إبان عزهما0
وناهيك ببلدة بلغ عدد مساجدها 1600 مسجداً وحماماتها 600وفيها مائتا ألف دار
وثمانون ألف قصر منها قصر دمشق شيده الأمويون حاكوا به قصورهم في بلاد الشام0
وقد بلغ عدد أرباض قرطبة ( ضواحيها ) تسعة أرباض كل ربض كالمدينة الكبيرة , ودور
قرطبة ثلاثون ألف ذراع , وفي ضواحيها ثلاثة الآف قرية في كل واحدة منبر وفقيه0 وقد
قدر بعض المؤرخين عدد سكان قرطبة في أيام مجدها وعزها بمليوني نسمة, وكان بالربض
الشرقي من قرطبة مائة وسبعون أمرأة يكتبن المصاحف بالخط الكوفي. هذا في ضاحية من
ضواحيها, فكيف ببقية الضواحي, وقد كانت شوارعها مبلطة وترفع قماماتها وتنار شوارعها
ليلاً بالمصابيح ويستضئ الناس بسروجها ثلاثة فراسخ لا ينقطع عنهم الضوء. هذا شئ لم
يحدث في أوربا إلا في أواخر القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر . وطبعاً لم
تكن قرطبة وحدها بهذا السمو فهناك طليطلة التي كانت لا تقل تألقاً وبهاءاً عن
قرطبة, وهناك إشبيلية وغرناطة ومالقة والمرية
0000وإنما ذكرنا قرطبة كنموذج لما كانت عليه بقية المدن الأندلسية, لذلك لا
غرابة إن أنتشرت المكتبات والكتب في جميع أنحاء البلاد وكثر عشاقها وكثر التأليف
والمؤلفون , ولاسيما أنه وجد حكام شجعوا العلم وهم أنفسهم كانوا مثلاً عالياً في حب
الكتب وجمعها والاهتمام بها كالحكم الثاني وغيره
0 ولقد أنتشرت الحلقات التعليمية في أغلب جوامع الأندلس وبشكل خاص في المدن
الرئيسية كقرطبة وطليطلة وإشبيلية, ولقد وجد في كل جامع مكتبة غنية بمختلف فروع
المعرفة الأنسانية, فقد كان للحلقات التي تعقد في جامع طليطلة شهرتها وأهميتها
وجذبت أليها الطلاب المسلمين والنصارى على السواء حتى لقد كان يقصدها طلاب نصارى من
جميع أنحاء أوربا بما فيها أنكلترا وأسكوتلندا 0 وقد أحتفظت طليطلة بمكانتها هذه
بعد سقوطها بيد الأسبان سنة 1085م حيث وجد فيها هؤلاء مكتبة غنية عامرة حافلة
بالكتب في أحد مساجدها وقد بلغت شهرة هذه المكتبة من حيث هي مركز للثقافة أقصى
البلاد النصرانية في الشمال0 والواقع أن الثقافة العربية الإسلامية والتربية
والتعليم أنتشرت في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين في إسبانيا المسلمة إلى
درجة جعلت دوزي المؤرخ المشهور يقول إن أغلب الناس في الأندلس أصبحوا قادرين على
القراءة والكتابة, بل يمكننا أن نقول إن كل فرد تقريباً كان يعرف القراءة والكتابة0
وقد أنتقلت الثقافة العربية إلى المستعربين الأسبان وهم الإسبان النصارى الذين
أقاموا في البلاد الإسلامية وعاشوا تحت ظل الحكم الإسلامي , فقد سرت إليهم العادات
الإسلامية وتعلموا اللغة العربية وكتبوا بها وألف بعضهم كتباً بها , بل واقتنوا
مكتبات عربية0 يبدو ذلك واضحاً من نص يروي عن الكاتب النصراني المتعصب الفارو, ذلك
أن هذا القس المهوس ببغض الإسلام وأهله كتب في القرن التاسع ميلادي يقول : " إن
أخواتي المسيحيين يدرسون كتب فقهاء المسلمين وفلاسفتهم لا لتفنيدها , بل لتعلم
أسلوب عربي بليغ0
واأسفاه, إنني لا أجد اليوم علمانياً يقبل على قراءة الكتب الدينية أو الأنجيل ,
بل إن الشباب المسيحي الذين يمتازون بمواهبهم الفائقة أصبحوا لا يعرفون علماً ولا
أدباً ولا لغة إلا العربية , ذلك إنهم يقبلون على كتب العرب في نهم وشغف ويجمعون
منها مكتبات ضخمة تكلفهم الأموال الطائلة في الوقتالذي يحتقرون الكتب المسيحية
وينبذونها0000 بل أن كثيراً من رجال الدين في الأندلس تعلموا اللغة العربية وألفوا
بها , فقد نقل يوحنا رئيس أساقفة أشبيليه التوراة من اللاتينية إلى العربية وذلك
سنة 764م
0 كذلك نقل الأب فيسنتي ثمانية أجزاء من قوانين الكنيسة إلى اللسان العربي
وأهداها إلى الأسقف عبد الملك في أبيات من الشعر العربي مطلعها0 كتاب لعبد الملك
الأسقف الندب جواد نبيل الرفد في الزمن الجدب وصنف ربيع بن زياد الأسقف كتاباً في
تفضيل الأزمان ومصالح الأبدان وآخر بعنوان الأنواء0
وألف بدرو الفونسو (1062 - 1110م ) كتاباً بالعربية عنوانه : تعليم رجال الدين0
ثم ترجمه إلى اللاتينية, ومنها نقل إلى لغات كثيرة وقد طواه على ثلاث وثلاثين
قصيدة شرقية أقتبسها من حنين بن أسحق ومباشر ( لعل الاسم الصحيح المبشر بن فاتك )
وكليلة ودمنة0
لذلك إذا رغب الطالب الإسكتلندي أو الانكليزي الأستزادة من أرسطو والتعمق فيه
أكثر مما يسنح له في الترجمات اللاتينية الميسورة فلا مندوحة له من الرحيل الى
طليطلة ليتعلم هناك كيف يقرأ كتب اليونان باللغة العربية0 وقد تحدث هيستر باش
Ceasar of Heister Bach
عن شباب قصدوا توليدو ( الصواب طليطلة ) ليتعلموا الفلك لذلك لا غرابة إن لعبت
الأندلس الدور الرئيسي في نقل معارف المسلمين العقلية وكتبهم الى أوربا ولا سيما أن
تذكرنا أنه كانت هناك فئة أخرى من السكان المقيمين تحت الحكم الأسلامي هم اليهود
والذين تمتعوا بالحرية الدينية المطلقة تحت حكم الإسلام وتعلموا اللغة العربية
وألفوا بها إلى جانب أتقانهم اللغة اللاتينية والعبرانية, ولقد أصبح هؤلاء اليهود
إلى أجانب المستعربين وعدد من اللاتينيين الوسطاء في عملية النقل هذه0
-------------------------------
المصدر: روح التحرر في القرآن
********************************************
كيف تعامل القشتاليون النصارى مع مسلمي الأندلس بعد سقوطها؟
عبد الجبار الرفاعي
كيف كان جزاء الغرب للأندلس، التي أعارته العقلانية والتنوير وأسباب النهضة؟ وهل
استطاع الانسان الغربي ان يتجاوز عقدته هذه المرة تجاه الحضارات الأخرى، ويتعايش مع
هذه الحضارة؟! أم ان عقدته ظلت مستحكمة، ولما يتمكن من الإفلات منها، ولو مرة واحدة
في تاريخه، ليتحاور مع حضارةٍ ما؟! قبل الإجابة على هذه الاسئلة، قد يُقوّل البعض
هذه التساؤلات، زاعماً أنها مركزية غربية معكوسة، وهي بالتالي ذات طبيعة عدوانية
تجاه الآخر. ولكن ذلك غير صحيح، لأن التجربة التاريخية في الصراع الحضاري بين الغرب
والحضارات الأخرى في الامريكتين، وأفريقيا وآسيا، تؤكد على أن الغرب كان أبداً
أسيراً لعقدته تجاه حضارات الآخر، ولعل ما اَلَ اليه حال الاسلام والمسلمين الذين
تجذّر وجودهم في الأندلس، يمثل أوضح نموذج لتلك الروح العدوانية. ولسنا هنا في مقام
استقصاء كل عمليات القتل، وحرق الأحياء، تدمير وإبادة التراث الاسلامي التي نفذها
الصليبيون في الأندلس كما وثقها المؤرخون، ولكن سنذكر بعض الأمثلة والنماذج، لكي
نتعرف على "جزاء سنمار" الذي كان نصيب المسلمين وتراثهم في الاندلس. لقد عامل
الصليبيون أهل الأندلس بعد أن سقطت بأيديهم بروح ثأرية عدوانية، حتى (ان القسيسين
كتبوا على جميع من كان أسلم من النصارى أن يرجعوا قهراً الى الكفر، ففعلوا ذلك،
وتكلم الناس ولا جهد لهم ولا قوة، ثم تعدوا الى أمر آخر، وهو أن يقولوا للرجل
المسلم: إن جدك كان نصرانياً فأسلم فترجع نصرانياً... وبالجملة فإنهم تنصروا عن
آخرهم بادية وحاضرة، وامتنع قوم عن التنصر، واعتزلوا النصارى، فلم ينفعهم ذلك،
وامتنعت قرى وأماكن كذلك، منها بلفيق وأندرش وغيرهما، فجمع لهم العدو الجموع
واستأصلهم عن آخرهم قتلاً وسلباً...). وكانت أحكام الاعدام بالنار كثيرة ضد
المسلمين، وكانت تنفّذ في مهرجانات عظيمة يتفرج فيها القساوسة، ورجال الدولة،
والاهالي، وأحياناً الملك، وكبار رجال دولته، وكان يحرق المتهمون جماعياً في مواكب
الموت للترهيب، وأحياناً عائلات بأكملها، بأطفالها، ونسائها، وكانت محاكم التفتيش
تحاكم الموتى، فتنبش قبورهم، وتتابع الغائبين، وتعاقب أهلهم، وكان اعضاؤها يتمتعون
بالحصانة الكاملة.
وكان المتهم يسجن في سجن ضيق خشن، يُقَيد فيه بالأغلال، ويُحرَم من الطعام
والشراب والنوم... وتلجأ المحكمة الى درجات أشد وأقسى من صنوف التعذيب، منها تعليق
المتهم من يديه ورجليه على الحائط، ومنها دفع المتهم الى مكان عالٍ وإلقائه ليهوي
الى الأرض، ومنها أيضاً الكي بشعلة ملتهبة.. وتعريض قدمي المتهم بعد أن تطليا
بالشحم الى نار ملتهبة، ثم يظهر المفتش لانتزاع الاعتراف، وفي كثير من الحالات كان
الكثير يموتون قبل الإدلاء بأي اعتراف.
وقد نجحت أساليب محاكم التفتيش، في جر الأب لأن يشهد على ابنه، والابن على
أبويه، والزوج ضد زوجته، والزوجة على رجلها، وقد هنأ البابا جريجوري التاسع في احدى
المرات المفتش الكنيسي العام في شمال فرنسا على نجاحه المنقطع النظير في إرهاب
الناس، حتى شهد الكثيرون ضد ذويهم من لحمهم ودمهم.
محنة الموريسكيين
الموريسكيون هم العرب المنتصرون الذي عاشوا في بلادهم الاندلس بعد سقوطها
واضطروا للتظاهر بالنصرانية ولكنهم كتموا ايمانهم، فكانوا يقيمون الصلاة في
منازلهم، ويغتسلون، ويمارسون شعائرهم بصورة سرية. وكتبوا القرآن الكريم سراً باللغة
العربية، مقروناً بشروح وتراجم الخميادية، و "الالخميادو" هي اللغة التي اتخذها
الموريسيكيون بعد أن مُنعوا من استعمال العربية، وقد عرّفها مننديت أي بلايو (بأنها
اللغة الرومانية القشتالية، تكتب بأحرف عربية). وقد استعمل الموريسيكيون هذه اللغة
في كتابة سيرة الرسول والمدائح النبوية، وقصص الأنبياء، وبعض كتب الفقه، والحديث،
مع كتابة البسملة والآيات القرآنية دائماً خلال هذه الشروح السرية باللغة العربية،
وقد كانت معظم الكتب الالخميادية تكتب بالشكل الكامل، حتى يمكن قراءتها بطريقة
صحيحة. وقد ترك الموريسكيون تراثاً أدبياً من النثر والنظم استعملوا في كتابته
"الالخميادو"، وتوجد منه مجموعات كثيرة في مكتبة مدريد الوطنية، ومكتبة أكاديمية
التاريخ.
ولكن محاكم التحقيق "التفتيش" لاحقت الموريسكيين، فحضرت عليهم كل ممارسة أو
شعيرة إسلامية يمارسونها في الخفاء، حتى انها وضعت قائمة طويلة بهذه المحضورات،
ومنها: ان الموريسكي أو العربي المنتصر، يعتبر انه قد عاد الى الاسلام، اذا امتدح
محمداً، أو قال إن يسوع المسيح ليس إلهاً. ومنها:
ان يحتفل يوم الجمعة بأن يلبس ثياباً أنظف من ثيابه العادية، أو يستقبل المشرق
قائلاً "باسم الله" أو يختن أولاده، أو يسميهم بأسماء عربية، أو يقسم بايمان القرآن
أو يصوم رمضان ويتصدق خلاله، أو يمتنع عن أكل لحم الخنزير وشرب الخمر، أو يقوم
بالوضوء والصلاة بأن يوجه وجهه نحو المشرق، الى غير ذلك من الامور التي لا نهاية
لها. وكان قد صدر قانون في عهد الامبراطور شارلكمان سنة 1526م، يحرم على
الموريسكيين التخاطب اللغة العربية، وارتداء الثياب العربية، واستعمال العمامات،
واقامة الحفلات على الطريقة الاسلامية... وفي سنة 1555م توفي هذا الامبراطور، وخلفه
ولده الملك فيليب الثاني، الذي كان شديد التعصب والتزمت، فحدد ذلك القانون القديم
بتحريم استعمال اللغة العربية، وسائر ما هو عربي من العادات والتقاليد، وأعلن
قانوناً في غرناطة أول يناير سنة 1567م في اليوم الذي سقطت فيه غرناطة، ينص على
انه: يمنح الموريسكيون ثلاثة أعوام لتعلم اللغة القشتالية، ثم لا يسمح بعد ذلك لأحد
منهم ان يتكلم، أو يكتب، أو يقرأ اللغة العربية، أو يتخاطب بها، وكل معاملات أو
عقود تجري بالعربية تكون باطلة، ولا يعتد بها لدى القضاء أو غيره ويجب ان تسلم
الكتب العربية، من أية مادة، لتُقرأ وتُفحص، ثم يُرد غير الممنوع منها لتبقى لدى
أصحابها مدى الاعوام الثلاثة فقط.
وكذلك الثياب العربية، فلا يصنع منها أي جديد، ولا يُصنع إلاّ ما كان مطابقاً
لأزياء النصارى، ويحضر على النساء الموريسكيات التحجب، وعليهن أن يكشفن وجوههن، وأن
يرتدين المعاطف والقبعات عند الخروج، ويجب أن تجري سائر حفالتهم طبقاً لتقاليد
الكنيسة وعُرف النصارى، ويجب أن تُفتح المنازل أثناء الاحتفال بأية مناسبة، وكذلك
أيام الجمع والاعياد ليستطيع القس ورجال السلطة أن يروا ما يقع بداخلها من المظاهر
والرسوم المحرمة، ويحرم إنشاد الأغاني القومية، ويحرم الخضاب بالحناء، ولا يسمح
بالاستحمام في الحمامات، ويجب أن تُهدم سائر الحمامات العامة والخاصة. لم يتوقف
اضطهاد الموريسكيين عند هذا الحد، وانما تواصل حتى انتهى الى ان يتخذ مجلس الدولة
قراراً بالإجماع في 30/1/1608م، ينص على طرد الموريسكيين من بلادهم، ونفيهم الى
خارج اسبانيا، وقد اتخذت تدابير قمعية رهيبة أزاء من تخلف منهم عن الرحيل، فمثلاً
صدر قرار عام 1611م، بالنسبة للمتخلفين من المسلمين في "بلنسية"، يقضي بإعطاء جائزة
ستين ليرة، لكل من يأتي بمسلم حي، وله الحق في استعباده، وثلاثين ليرة لمن يأتي
برأس مسلم قُتل. لقد لخص العلامة الاسباني الدون برونات، في كتابه "الموريسكيون
الاسبان ونفيهُم" بعض ما لحق الآداب والفنون في أسبانيا من ظلامية ونضوب، بفعل نفي
الموريسكيين وابادتهم بقوله: (ان السياسة الاسبانية لم تكتف بنفي الموريسكيين، وما
ترتب عليه من نضوب حقولنا ومصانعنا وخزائننا، ولم يقتصر الأمر على انتصار التعصب
وبربرية "ديوان التحقيق"، بل تعداه الى اختفاء الشعر، وشعور الجمال الموريسكي،
والادب السليم، الذي رفع سمعة تاريخنا... انه اختفى بنفي الموريسكيين الأدب المعطر،
والشاعرية الشعبية، والخيال الممتع، ومصدر الوحي الذي كانوا يمثلونه وقد غاض
باختفائهم من شعرنا، هذا التلوين، والفن والحيوية، والالهام والحماسة، التي كانت من
خواصهم، وحل محلها الظلام في الأفق الأدبي، خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر).
-------------------------------
المصدر : "متابعات ثقافية"
*************************************************
ماذا حلَّ بالتراث العلمي في الأندلس بعد اندحار مسلميها؟
عبد الجبار الرفاعي
ازدهرت حركة التأليف، ونسخ الكتب، وصناعة الكتاب، في الأندلس ازدهاراً عظيماً،
فوصل عدد المكتبات، زهاء سبعين مكتبة، قدّر البعض موجودات واحدة منها بستمائة ألف
مجلد.
وقد تعرض جزء كبير من التراث لعملية إبادة بربرية، بعد سقوط غرناطة عام 1492م،
حيث أمر الكاردينال خمنيس، بجمع كل ما يستطاع جمعه من الكتب العربية، من أهالي
غرناطة وأرباضها، ونُظمت أكداساً هائلة في ميدان باب الرملة، أعظم ساحات المدينة،
وفيها كثير من المصاحف البديعة الزخرف، وآلاف من كتب الآداب والعلوم، وأضرمت فيها
النار جميعاً، ولم يُستثن منها سوى ثلاثمائة من كتب الطب والعلوم، حُمِلت إلى
الجامعة التي أنشأها في "قلعة هنارس"، وذهب ضحية هذا الإجراء الهمجي عشرات الألوف
من الكتب العربية، هي خلاصة ما تبقى من التفكير الإسلامي في الأندلس(1). وفي النصف
الأول من القرن السادس عشر، جُمعت مقادير عظيمة أخرى، من التراث الأندلسي، من
غرناطة ومن مختلف القواعد الأندلسية القديمة، ولاسيما بلنسية ومرسية، حيث كانت لدى
الموريسكيين منه مجموعات كبيرة، ثم وضعت في المكتبة الملكية في الاسكوريال أيام
الملك فيليب الثاني. وقد ضوعفت المجموعة العربية في الاسكوريال عام 1612م، بعد أن
ضُم إليها نحو ثلاثة آلاف سفر من كتب الفلسفة والأدب والدين، من محتويات المكتبة
الزيدانية "مكتبة مولاي زيدان الحسني" عندما كانت مشحونة في سفينة برفقة مولاي
زيدان الحسني الذي اضطر تحت ضغوط خصومه أن يغادر مراكش، فاستلبها أسطول أسباني
بقيادة دون بيدرودي لاارا، وحُملت غنيمة إلى قصر الاسكوريال، وبذلك بلغت المجموعة
العربية في الاسكوريال في أوائل القرن السابع عشر، نحو آلاف مجلد، ولبثت هذه الآلاف
العشرة من المخطوطات الأندلسية والمغربية، في قصر الاسكوريال زهاء نصف قرن، وكانت
أغنى وأنفس مجموعة من نوعها في أسبانيا، وفي أوروبا كلها، ولكن محنة جديدة أصابت
هذه البقية الباقية من تراث الأندلس الفكري، ففي سنة 1671م شبت النار في قصر
الاسكوريال، والتهمت معظم هذا الكنز الفريد، ولم ينقذ منه سوى زهاء ألفين، هي التي
تثوي اليوم في أقبية الاسكوريال(2).
***
هذه لمحة مقتضبة تعرفنا فيها على طبيعة الروح العدوانية الصليبية التي أجهزت على
مسلمي الأندلس وتراثهم، كجزاء لما أتحف به أولئك الفاتحون العالم الغربي من علوم
ومعارف، ولما تمتعوا به من رأفة ورحمة وعدل إزاء أهل البلاد الأصليين كما شهد بذلك
المستشرق استانلي لين بول، قائلاً: (لم تنعم الأندلس طول تاريخها بحكم رحيم عادل
كما نعمت به في أيام الفاتحين العرب)، وقد أوضح المؤرخ ديورانت هذه الحقيقة بقوله:
(وعامل الفاتحون على أهل البلاد معاملة لينة طيبة، لم يصادروا إلا أراضي الذين
قاوموهم بالقوة، ولم يفرضوا على الأهالي من الضرائب أكثر مما كان يفرضها عليهم ملوك
القوط الغربيون، وأطلقوا لهم من الحرية الدينية ما لم تتمتع به أسبانيا إلاّ في
أوقات قليلة نادرة... وفي وسعنا أن نحكم على ما كان للدين الإسلامي من جاذبية
للمسيحيين، من رسالة كتبت عام 1311م، تقدِّر عدد سكان غرناطة المسلمين في ذلك الوقت
بمائتي ألف، كلهم ما عدا 500 منهم من أبناء المسيحيين الذين اعتنقوا الإسلام،
وكثيراً ما كان المسيحيون يفضلون حكم المسلمين على حكم المسيحيين)(3). وبلغ التسامح
الديني الذي أشاعه المسلمون إلى حدٍ، جعل بعض النصارى المتعصبين، يستهترون في
انتهاك مقدسات المسلمين، فألفوا عصابة بزعامة يولجيوس، كان هدفها سب النبي (ص)
علناً(4).
الهوامش
ــــــــ
(1) عنان، محمد عبد الله، "أندلسيات"، ص 168-169.
(2) ن.م، ص 169-170.
(3) ديورانت. "قصة الحضارة". 13: 282،297.
(4) ن.م، ص 229-300.
------------------------
المصدر : "متابعات ثقافية"
***********************************************
جوانب من الازدهار الحضاري في الاندلس وتأثيراته على النهوض
الاوربي
عبد الجبار الرفاعي
شهدت الصناعات المعدنية في بلاد الاندلس تقدماً عظيماً، فاشتهرت مرسية
بمصنوعاتها من الحديد، كما اشتهرت طليطلة بالسيوف، وقرطبة بالدروع، وازدهرت كذلك
الصناعات اليدوية.. وكان في قرطبة وحدها (13000) نساج، وكان المشترون في كل مكان
يقبلون على شراء السجاجيد، والوسائد، والأرائك الأندلسية، واخترع ابن فرناس القرطبي
في القرن التاسع الميلادي النظارات، والساعات الدقاقة المعقدة التركيب، كما اخترع
آلة طائرة.
وقد ظلت الأكاديميات العلمية في أوروبا قروناً كثيرة تعتمد المراجع العلمية التي
استعارتها من الأندلس، ونقلتها من العربية الى اللاتينية، فمثلاً كانت الموسوعة
الطبية المسماة "التصريف"، وهي ثلاثة كتب في الجراحة ألفها "أبو القاسم الزهراوي
936_1013م" طبيب عبد الرحمن الثالث، المرجع الأعلى في الجراحة عدة قرون بعد ترجمتها
الى اللاتينية.
وهكذا أضحت اسبانيا بعد ان أشرقت بنور الاسلام، مصدراً للعطاء والالهام المعرفي
لأوروبا، كما صرح بذلك المستشرق الاسباني الدكتور بدور مارتينيز مونتابث، بقوله:
(إن اسبانيا ما كان لها ان تدخل التاريخ الحضاري، لولا القرون الثمانية التي
عاشتها في ظل الاسلام، وحضارته، وكانت بذلك باعثة النور والثقافة الى أوروبا
المجاورة، المتخبطة آنذاك في ظلمات الجهل والتخلف).
ولم يكن مستوى النمو والتطور في القطاع الزراعي أو التجاري، أدنى من الصناعي،
فقد كان أهل الأندلس من أنبغ الشعوب في فلاحة الأرض، وتربية الماشية، وغرس الحدائق،
وتنظيم طرق الري والصرف، ومعرفة أحوال الجو، وكل ما يتعلق بفنون الزراعة، وخواص
النبات، وكانت مزارعهم وحدائقهم مضرب الأمثال في الجودة والنماء، وقد نقل العرب من
المشرق وشمال افريقية الى اسبانيا كثيراً من المحاصيل والاشجار، كالقطن، والأرز،
وقصب السكر، والزعفران، والنخيل، الذي ما زالت تزدان به الحدائق والمدن الاسبانية
الجنوبية، والزيتون الذي غدا فيما بعد، وحتى اليوم أعظم محاصيل اسبانيا.. وأما نبوغ
مسلمي الأندلس في تنظيم وسائل الري والصرف، واستجلاب المياه وتوزيعها بالطرق
الفنية، فما زالت تشهد به آثارهم الباقية الى الآن في وديان الأندلس، من القناطر
والجداول الدارسة، وما زالت ثمة مناطق كثيرة، ولا سيما في أحواز بلنسية ومرسية،
تقوم في زراعتها على مشاريع الري الأندلسية القديمة. كما سعى المسلمون لإعادة تنظيم
ملكية الأراضي، وتنظيم حركة العمل والانتاج والتوزيع الزراعي، بما يضمن إزدهار
الانتاج الزراعي، واستئصال أساليب الاستغلال غير المشروع للفلاحين، واحتكار مساحات
شاسعة من الأراضي على شكل اقطاعيات. وهكذا (كان حكم العرب _ كما يقول ديورانت _
نعمة وبركة قصيرة الأجل على الزراع من أهل البلاد، ذلك ان الفاتحين لم يبقوا على
الضياع التي كبرت فوق ما يجب، والتي كان يمتلكها القوط الغربيون، وحرروا رقيق الأرض
من عبودية الاقطاع... وكان العرب في معظم الأحوال يتركون أعمال الزراعة الى أهل
البلاد، ولكنهم كانوا يستعينون بأحدث ما أُلف من الكتب في علومها، وبفضل توجيههم
بلغت هذه العلوم في اسبانيا من التقدم أكثر مما بلغته في أوروبا المسيحية... وكان
هناك اسطول تجاري يزيد على ألف سفينة يحمل غلات الأندلس ومصنوعاتها الى أفريقية
وآسية..). كما ان الفنون الزراعية انتقلت على يد المسلمين الى جنوبي فرنسا، وجنوبي
سويسرة، وكان علماء النبات الأندلسيون، هم أعظم من نبغ في هذا الميدان في العالم
الاسلامي، فمثلا كان أبو العباس بن الرومية الأشبيلي المتوفى سنة 637ه (1239م)،
وتلميذه ابن البيطار المالقي المتوفى سنة 646ه (1248م)، كانا من أعظم علماء النبات
بعد ديسقوريدس اليوناني. واشتهر آخرون في الأندلس بذلك، ووصلت الينا مؤلفاتهم، من
أنبغهم: أبو عبد الله بن بصّال الطليطلي، وابن مالك الطغنري الغرناطي، وابن العوام
الاشبيلي، وابن لونكو القرطبي، وقد نُشِرَ كتاب ابن بصّال "الفلاحة" في المغرب،
فيما لا يزال كتاب تلميذه الطغنري الغرناطي "زهر البستان ونزهة الأذهان" مخطوطاً،
أما "كتاب الفلاحة" لابن العوام الاشبيلي فقد نُشِرَ في وقت مبكر عام (1802م)،
بمدينة مدريد عن نسخته المخطوطة المحفوظة بمكتبة الاسكوريال، حيث قام بنشره
المستشرق القس يوسف انطونيو بانكيري، وقرنه بترجمة اسبانية، فبلغ النص العربي
والترجمة الفاً وأربعمائة صفحة كبيرة. وعموماً كان الأندلسيون كما يؤكد المؤرخ
الكبير ويل ديورانت أقدر أهل زمانهم على تصريف الشؤون العامة في العالم الغربي،
فكانت قوانينهم قائمة على العقل والرحمة، تشرف على تنفيذها هيئة قضائية حسنة
النظام، وكان أهل البلاد المغلوبون يُحكَمون في معظم الأحوال حسب قوانينهم، وعلى
أيدي موظفين منهم، وكان في المدينة شرطة تسهر على الامن فيها، وقد فرضت على الأسواق
والمكاييل والموازين رقابة محكمة، وكانت الحكومة تقوم باحصاء عام للسكان والأملاك،
في فترات منظمة، وكانت الضرائب معقولة، اذا قورنت بما كانت تفرضه منها روما أو
بيزنطة. وبلغت الايرادات أيام عبد الرحمن الثالث 12045000 دينار ذهبي، وأكبر الظن
أن هذا كان يفوق ايرادات حكومات البلاد المسيحية اللاتينية مجتمعة. ولم يكن مصدر
هذه الايرادات هو الضرائب العالية، بقدر ما كان أثراً من آثار الحكم الصالح، وتقدم
الزراعة والصناعة، ورواج التجارة... وكانت قرطبة في أيام المنصور من أعظم مدن
العالم حضارة، لا يفضلها في هذا إلا بغداد والقسطنطينية وكان فيها كما يقول المقري:
200077 منزلاً، و 60300 قصر، و 600 مسجد، و 700 حمام.. وكانت الشوارع مرصوفة، لكل
منها طواران على الجانبين، تضاء أثناء الليل، ويستطيع الانسان أن يسافر في الليل
عشرة أميال على ضوء مصابيح الشوارع وبين صفين لا ينقطعان من المباني.
-----------------------------------
المصدر : متابعات ثقافية
************************************************
إضاءات من حركة الترجمة الى اللاتينية والاسبانية في بلاد الاندلس
عبد الرحمن بدوي
تمت عملية الإخصاب بين الفكر العربي البالغ كمال تطوره وبين العقل الأوروبي، وهو
بسبيل يقظته وتلمس طريقه في البداية، تمت عملية الإخصاب هذه في منطقتين: الأولى
أسبانيا وفي مدينة طليطلة منها بخاصة، والثانية صقلية، وجنوب إيطاليا، خصوصاً في
عهد ملوك النورمان وأشهرهم رجار الثاني المتوفى سنة 1157 وفردريك الثاني المتوفى
سنة 1250م. فقد كانت هاتان المنطقتان نقطتي التلاقي بين الثقافة العربية الإسلامية
الزاهرة وبين العقلية الأوروبية الناشئة، لأنهما على الحدود بين دار الإسلام وبين
أوروبا. يبدأ هذا التبادل بالرحلة التي قام بها جربير دي أورياك Gerbert d'Aurillac
الذي أصبح فيما بعد بابا باسم البابا سلفستر الثانيSilvestre II، رحلته إلى قرطبة،
"طلباً للحكمة". ولم يعد الجادون من المؤرخين يشكون في قيامه بهذه الرحلة التي شهد
بها معاصره المؤرخ ادمار دي شابان Ademar de Chabannes خصوصاً ومن الثابت أنه زار
أسبانيا وأمضى بها ثلاث سنوات من سنة 967 إلى سنة 970، بجوار أسقف فتش Vich، فماذا
عسى أن يطلب العلم في قطالونيا خلال هذه السنوات الثلاث؟ لم يكن في قطالونيا من
العلم آنذاك ما يشغل ذهن هذا الراهب ثلاث سنوات، لهذا فمن المؤكد أنه رحل من
قطالونيا إلى حيث مركز العلم والثقافة في ذلك الحين، أعني إلى قرطبة الزاهرة في عهد
الحكم الثاني (المتوفى سنة 366ه). فكان لهذه الرحلة أثرها البالغ في اهتمام جربير
بالعلم العربي ومحاولة نشره في أوروبا المسيحية. وبلغ هذا التبادل أوجه في طليطلة
بعد أن استردها الأسبان سنة 1085، فأصبحت على الحدود بين الدولة الإسلامية في
الأندلس وبين الدولة النصرانية في سائر أسبانيا. وكانت مدينة جليلة الشأن منذ عهد
بعيد إذ كانت عاصمة مملكة القوط الغربيين. وفي عصر ملوك الطوائف بلغت مكانة كبرى
على أيدي ملوكها من بني ذي النون إلى أن استولى عليها الفونس السادس سنة 478ه..
فقد امتازت بمكتباتها العظيمة، خصوصاً وقد انتقل إليها آلاف المجلدات من المشرق.
وكان فيها ثلاث طوائف قوية تعيش إلى جوار بعضها: المسلمين والنصارى واليهود. وتولت
الطائفة الثالثة التوسط بين الطائفتين الأخريين، سواء في التجارة أو في نقل العلوم.
وشجع على قيام حركة نقل الكتب العربية إلى اللاتينية _إما بتوسط اللغة العبرية أو
اللغة الدارجة الرومانية _ مطران طليطلة ريمدندو Raimundo (1126 _ 1152). وتلاه
خلفاؤه من المطارنة، حتى استمرت هذه الحركة طوال أكثر من قرن. ولقد اعتاد المؤرخون
أن يتحدثوا عن "مدرسة المترجمين" في طليطلة ولكن ليس المقصود وجود مدرسة بالمعنى
المادي، أي هيئة وبناء يضمها يتولى القيام بالترجمة، مثل بيت الحكمة الذي أنشأه
الخليفة المأمون للمترجمين من اليونانية أو السريانية إلى العربية في سنة 215ه، بل
كان هناك جماعة حرة من المترجمين يعملون في طليطلة في نفس المكتبات، وبنفس الطريقة،
وفي ميدان واحد هو العلوم العربية. لكن أول ما اهتم به هؤلاء المترجمون هو العلوم
العربية المنقولة عن العلوم اليونانية. ذلك أن أوروبا كانت قد أقفرت أو كادت من
العلم اليوناني، وانحصرت بضاعتها العلمية في متون جافة عقيمة، هي تلك التي وضعها
مارشيانو كابلا Marciano Capella الذي عاش في شمال أفريقية في عهد الوندال في القرن
الخامس، أو التي وضعها بوتيوس Boece في القرن السادس في إيطاليا في عهد القوط
الشرقيين، أو تلك التي كتبها القديس "ايسيدور" الذي عاش في أسبانيا في القرن السابع
على عهد القوط الغربيين، وأخيراً في القرن الثامن ما كتبه بيد Bede الموقر الذي عاش
في بريطانيا. وهذه المتون كانت مجرد خلاصات شاحبة لآثار ضئيلة من العلم اليوناني،
فبقيت الدراسة في أوروبا تافهة كل التفاهة، محصورة في فئة نادرة من الرهبان. وما
كان يمكن هذه الدراسة أن تغير مجراها إلا إذا أمدها مصدر خصب جديد، فكان هذا المصدر
هو العلوم العربية، وبخاصة ما تنطوي عليه من علوم اليونان. لهذا اتجه المترجمون إلى
نقل الكتب العربية التي تتضمن علوم اليونان أولا. وكان على رأسهم الشماس دومنجو
غنصالبه Domingo Gonsalvo المتوفى حوالي سنة 1180. وبرز نشاطه في الفترة ما بين سنة
1130 وسنة 1170م، ويعد أشهر رجال الترجمة في العصر الوسيط من العربية إلى اللاتينية
عن طريق الأسبانية العامية. فقد كانت الطريقة في الترجمة أن يقوم يهودي مستعرب
بترجمة النص العربي شفوياً إلى اللغة الأسبانية العامية، ثم يتولى "غنصالبه"
الترجمة إلى اللاتينية. ومن بين ما ترجمه "غنصالبه" على هذا النحو بعض مؤلفات
"للفارابي" و "ابن سينا" و "الغزالي" و "ابن جبيرول". وشاركه في الترجمة أحياناً
"خوان بن داوود" إذ اشتركا معاً في ترجمة كتاب "في النفس" لابن سينا. ويخلط أحياناً
بين "ابن داوود" هذا وشخص آخر هو "يوحنا الأسباني" الذي ترجم من العربية إلى
اللاتينية عدة مؤلفات في الفلك والنجوم، من بينها كتب للخوارزمي، بفضلها انتقل
الحساب الهندي إلى أوروبا والنظام العشري في الحساب؛ حتى عرفت العمليات الحسابية
باسم Alguarismo. والغريب أننا ترجمناها حديثاً باسم "اللوغاريتمات" وهي في الأصل
منسوبة إلى الخوارزمي!! والصحيح أن نترجمها ب "الخوارزميات" أو "الجداول
الخوارزمية" بدلا من الترجمة المضحكة: "اللوغاريتمات" أو "جداول اللوغاريتمات" كما
تسمى في كتب الطلاب في المدارس الثانوية في البلاد العربية، ومن كتب الخوارزمي عرفت
أوروبا "الصفر"، وهو في العربي ترجمة للكلمة الهندية سونيا Sunya أي "خال، خاو"،
والصفر هو الخالي أو الخلوى، وقد نقلت كلمة "صفر" العربية إلى اللاتينية هكذا:
Cifra Cifrumبمعنى "الصفر"، ثم أطلقت من بعد على العدد عامة، كما نجد في اللغات
الأوروبية: chiffre في الفرنسية و cifra الأسبانية. ومنها أخذت كلمة "السفرة" في
الدبلوماسية أي اللغة الرمزية، لأنها تقوم على أرقام. ومن المرجح أن أول الأوربيين
غير الأسبان الذين استفادوا من حركة الترجمة هذه من العربية إلى اللاتينية هو
"أدلهرد أوف باث" Adelhard of Bath. وكان رحالة وعالماً، جال خلال فرنسا وصقلية
وقليقية وسوريا حوالي سنة 1115؛ وقد ترجم من الأسبانية سنة 1126 الزيج الذي وضعه
الخوارزمي وعرف باسم "السند هند" وفي أوروبا باسم Tablas Astronomicas وقد أصلحه
"مسلمة المجريطي".
أما المركز الثاني للتبادل الثقافي فكان كما قلنا في صقلية بعد أن استولى
النورمان عليها 484ه. وكان العرب قد فتحوها سنة 212ه على يد الأغالبة فكأنها ظلت
تحت حكم العرب 272ه سنة. وأما التأثير العربي فقد ظل طوال عهد النورمان، "فروجار
الثاني" تأثر في كل مظاهر بلاطه بمظاهر الخلافة الفاطمية في مصر، فكان يظهر وعليه
عباءة فاخرة مكتوب عليها بالحروف العربية الكوفية، وأنشأ أكاديمية كان يعمل فيها
العلماء النصارى واليهود جنباً إلى جنب، وأحسوا بالحاجة إلى ترجمة العلوم العربية
إلى اللاتينية، فبدأت حركة مناظرة لحركة "طليطلة" وان تأخرت عنها بعشرات السنين.
ففي عهد "جيوم الأول"، ابن روجار الثاني، نشطت حركة الترجمة ليس فقط من العربية بل
وأيضاً من اليونانية، حتى أن وزيره المشهور "انريكو ارستبو Enrico Aristippo" ترجم
"الآثار العلوية" لأرسطو من اليونانية وكذلك ترجم محاورتين لأفلاطون، كما ترجم هو و
"الأميرال يوجنيو دي بالرمه" Eugenio de Palermo كتاب "المجسطي" لبطلميوس من
العربية إلى اللاتينية حوالي سنة 1160، وترجم يوجينو أيضاً كتاب "المناظر" لبطلميوس
من العربية. كما اشترك في حركة الترجمة من العربية مترجم إيطالي فذ هو "جيرردو
الكريموني" Gerardo de Cremona (1114_1178) الذي رحل إلى طليطلة طمعاً في دراسة
العلوم الفلكية، وعنى خصوصاً بكتب الفلك لبطلميوس، وعلى رأسها "المجسطي"، وهي كلمة
يونانية تعني في أصلها: "الأعظم"، وقد أطلقها اليونانيون على أكبر كتب بطلميوس في
الفلك، وعربها العرب كما هي: "المجسطي". فقام "جيرردو" بترجمته إلى اللاتينية سنة
1175 وهو لا يعرف أن الكتاب قد ترجمه أيضاً "أرستيبو"؛ على أن ترجمته هي التي حظيت
بالشهرة الأوسع. كذلك ترجم "جيرردو" أكثر من سبعين كتاباً عربياً في الفلك والجبر
والحساب والطب. واستمرت حركة الترجمة في طليطلة في القرن الثالث عشر وأمَّ طليطلة
علماء أوروبا الكبار مثل "ميخائيل أسكوت" الذي شارك أيضاً في حركة الترجمة فترجم
لابن سينا. ومن بين كبار المترجمين نذكر "ماركوس" شماس طليطلة الذي ترجم من العربية
بعض مؤلفات "جالينوس" الطبية كما ترجم القرآن الكريم وبعضه الكتب في علم التوحيد.
كما نذكر خصوصاً هرمانوس المانوس Hermannus Alemanus الذي ترجم شرح "ابن رشد" على
الأخلاق "لأرسطو" سنة 1240، وتلخيص الخطابة "لابن رشد". وفي عهد "الفونسو الحكيم"
انتشرت حركة الترجمة من العربية إلى الأسبانية الناشئة. فترجمت "كليلة ودمنة" و
"مختار الحِكَم" للمبشر بن فاتك، وعشرات من كتب الفلك من اللغة العربية إلى اللغة
الأسبانية، فكان لهذا أثره العظيم ليس فقط في تقدم الدراسات العلمية في أسبانيا
ومنها إلى أوروبا كلها، بل وخصوصا في قيام اللغة الأسبانية.
ومن هذا كله نتبين مدى حركة الترجمة من اللغة العربية إلى اللغتين اللاتينية
والأسبانية، مما سيكون له أخطر الأثر في بعض العلم والأدب في أوروبا.
--------------------------------
المصدر : "دور العرب في تكوين الفكر الاوربي"
**************************************************
أضواء على تبعات انهيار الإسلام في الأندلس
عبد الجبار الرفاعي
دخلت في الأعوام (92-95ه/ 711-714م) معظم شبه الجزيرة الأندلسية الإسلام
طواعية، حتى احتل مساحة لا تقل عن (700000) كيلو متر مربع. وتوطدت الحضارة
الإسلامية في الأندلس، فشهدت ازدهاراً في شتى حقول العلم والمعرفة والفنون وخلّدت
عباقرة ساهموا بإثراء المعرفة الإنسانية، وأشادوا الأساس للنهضة الأوروبية الحديثة،
حيث وصف بعض المفكرين الأسبان المعاصرين دخول الإسلام للأندلس بأنه ثورة إسلامية في
الغرب.
فمن الأندلس انبثق التنوير ليعم ديار الغرب قاطبة، إلاّ أن الضعف بدأ يسري في
دولة المسلمين في الأندلس بعد وفاة المنصور ابن أبي عامر، حاجب هشام الثاني المؤيد
حفيد الناصر، حتى انهارت تلك الدولة عام (422ه/ 1021م) وانقرضت، فتجزأت الأندلس
بين ملوك الطوائف، الذين بلغ عددهم (23) ملكاً.
سقوط الأندلس
اغتنمت الدول النصرانية تلك التجزئة، وأخذت تحتل مدن الإسلام الواحدة تلو
الأخرى، والتي أهمها: طركونه، وبراغة، وقلمرية، ومجريط، وطليطلة عام (478ه/
1085م). فاستنجد الأندلسيون بأمير المسلمين في المغرب يوسف بن تاشفين المرابطي،
الذي استجاب لهم، وهزم النصارى في معركة الزلاقة الشهيرة عام (479ه/ 1086م)، ثم
قضى على ملوك الطوائف، وضم الأندلس إلى المغرب.
وعندما ضعفت الدولة المرابطية التي كانت آخر حلقة في الصعود الحضاري للمسلمين،
تجزأت الأندلس ثانية إلى طوائف. وبدأ التآكل هذه المرة يظهر جلياً أمام غارات
النصارى، فسقطت سرقسطة سنة (512ه/ 1118م)، وبلنسية عام (626ه/ 1238م)، ومرسية عام
(640ه/ 1243م). وتجسدت أفضع حلقات الضعف والتداعي عندما قبل أبن الأحمر أداء
الجزية السنوية لملك قشتالة، وسلّم له جيان ومنطقتها، ثم تجلت الذلة والحقارة
بإعانته لهم على غزو مدينة إشبيلية (645ه/ 1241م) ومنطقة غربي الأندلس.
وقد تسببت هذه الأحداث المأساوية في تغيير جذري في بنية الأمة بالأندلس، تمثل في
هجرة العلماء والمفكرين من المدن التي وقعت تحت الاحتلال النصراني، وتحول اللسان من
عربي إلى أعجمي. وتمثلت الحلقة الأخيرة من المأساة بتسليم السلطان أبو عبد الله
غرناطة إلى النصارى، بعد توقيعه معاهدة الاستسلام معهم بتاريخ (21/1/890ه ـ 25/
11/1491م)، تلك المعاهدة التي تضمنت (27) مادة، تحدد أولاها ضرورة تسليم غرناطة قبل
25/1/1492م للملكين الكاثوليكيين، وتضمن المواد الأخرى حقوق المسلمين في الأندلس
بعد دخولهم في حكم النصارى.
وفي يوم 2/1/1492م قام السلطان أبو عبد الله ورجاله بتسليم غرناطة قبل التاريخ
المتفق عليه. واستلم الكاردينال مندوسة مفاتيح الحمراء من يد الوزير ابن كماشة،
وكان أول عمل قام به الكاردينال عند دخول الحمراء هو نصب الصليب فوق أعلى أبراجها
وترتيل صلاة (الحمد) الكاثوليكية.
من صور التنصير والاضطهاد والتعذيب
تمثلت أول أشكال الغدر ونقض العهد التي قام بها النصارى بتحويل مسجد غرناطة
الأعظم إلى كتدرائية، ثم بدأت الكنيسة بتنظيم فرق لتنصير المسلمين. والضغط بالوعد
والوعيد على وجهاء المدينة وفقهائها ليّنصروا، حتى تم تعميد جميع الأهالي بالقوة
بين سنتي 1500-1501م.
ثم صدر مرسوم بتحويل جميع المساجد إلى كنائس، وفي يوم 12/10/1501م صدر مرسوم آخر
بإحراق جميع الكتب الإسلامية والعربية، فأحرقت آلاف الكتب في ساحة الرملة بغرناطة،
ثم تتابع حرق الكتب في جميع مدن وقرى مملكة غرناطة. ثم صدر أمر بمنع استعمال اللغة
العربية، ومصادرة أسلحة الأندلسيين الذين أصبحوا يسمونهم بالموريسكيين، ويعاقب
المخالف لأول مرة بالحبس والمصادرة، وفي الثانية بالإعدام. وفي عام 1508م جددت
لائحة ملكية بمنع اللباس الإسلامي، وفي سنة 1510م طبقت على الموريسكيين ضرائب خاصة
اسمها (الفارضة)، وفي سنة 1511م جددت الحكومة قرارات بمنع السلاح، وحرق المتبقي من
الكتب الإسلامية، ومنع ذبح الحيوانات. وفي عام 1523م صدر مرسوم جديد يحتم تنصير كل
مسلم بقي على دينه وإخراج كل من أبى التنصير، وعقاب كل من خالف الأمرين بالرق مدى
الحياة.
أما محاكم التفتيش فقد تعسفت بشكل مذهل في أعمال التعذيب والإعدام، حيث كانت
تحرق أحياناً المتهمين بصورة جماعية في مواكب الموت، وأحياناً تحرق عائلات بأكملها
بأطفالها، ونسائها. وكانت هذه المحاكم تحاكم الموتى فتنبش قبورهم، وكان أعضاؤها
يتمتعون بالحصانة الكاملة رغم كل ما يفعلونه من فضائع.
طرد بقايا المسلمين من أسبانيا
في 30/1/1608م قرر مجلس الدولة بالإجماع طرد الموريسكيين من الأراضي الأسبانية.
ولم يصل شهر أكتوبر عام 1609م حتى عمت موانئ مملكة وبلنسية من لقنت جنوباً إلى
بني عروس شمالاً حركة كبيرة، فرحل بين 9/1906م و1/1610م حوالي 120000 مسلم من موانئ
لقنت، ودانية، والجابية، ورصافة، وبلنسية، وبني عروس، وغيرها. وفي 5/1611م صدر قرار
إجرامي للقضاء على المتخلفين من المسلمين في بلنسية، يقضي بإعطاء جائزة ستين ليرة
لكل من يأتي بمسلم حي، وله الحق في استعباده، وثلاثين ليرة لمن يأتي برأس مسلم قتل.
وقد بلغ عدد مَنْ طِرَد من المسلمين من أسبانيا في الحقبة بين سنتي 1609ـ 1614م
بحوالي 327000 شخص، مات منهم 65000 غرقاً بالبحر، أو قتلاً في الطرقات، أو ضحية
المرض، والجوع، والفاقة.
استطاع 32000 شخصاً من المطرودين من العودة إلى ديارهم في الأندلس، بينما بقي
بعضهم متستراً في بلاده بعد قرار الطرد العام لهم، وقد استمر الوجود الإسلامي بشكل
سري ومحدود في الأندلس في القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلادي، فذكر الرحالة
الإنكليزي تاوسند:
أن محاكم التفتيش في غرناطة حكمت سنة 1726م على ما لا يقل عن 1800 شخص (360
عائلة) بتهمة اتباع الإسلام سراً. ونقل كاتب أسباني أخبار محاكمة وقعت في غرناطة
سنة 1727م، وفي 9/5/1728م احتفلت غرناطة ب (اوتودافي) ضخم، حيث حكمت محاكم التفتيش
على 46 غرناطياً بتهمة الانتماء للإسلام.
وفي 10/10/1728م حكمت محكمة غرناطة مرة أخرى على ثمانية وعشرين شخصاً بتهمة
الانتماء للإسلام، وصادرت أموالهم.
وتابعت محاكم غرناطة القبض على المتهمين بالإسلام إلى أن طلبت بلدية المدينة من
الملك سنة 1729م طرد كل الموريسكيين حتى تبقى المملكة نقية من الدم الفاسد.
وفي سنة 1769م تلقى ديوان التفتيش معلومات عن وجود مسجد سري في مدينة قرطاجنة
(مقاطعة مرسية).
وهكذا احتفظ عدد من أهل الأندلس بدينهم الإسلامي سراً، وبعد سنة 1960م تجرأ
بعضهم على إعلانه في أسبانيا نفسها كالمحامي خليل بن أمية الذي كان يعيش في مجريط،
وغيره كثير ممن ليست له شهرته.
ومنهم من هاجر إلى خارج الأندلس كالغرناطي الذي التقى الدكتور علي المنتصر
الكتاني في كوبنهاجن (الدنمارك) في 5/11/1973م، الذي ولد ونشأ في برشلونة وأسلم سنة
1969م، وقد قال عن سبب إسلامه:
كنت طفلاً صغيراً عند احتضار جدتي، فجذبتني إليها، وهمست في أذني قائلة:
إن الدين النصراني ليس ديننا وليس هو الدين الحق، عندما تكبر حاول أن تعرف دينك.
فلما كبرت درست تاريخ أسبانيا، وفهمت قصد جدتي، فتعلمت الدين الإسلامي، واقتنعت
به، وأعلنت إسلامي في باكستان، حيث أمضيت سنتين لأتقن تعليمي.
-----------------------------------------
المصدر: "متابعات ثقافية" تأليف
***************************************************