تاريخ المسلمين بعد رسالةخاتم النبيين
الصفحة الرئيسية الراشدون, الأمويون,العباسيون, المماليك,العثمانيون, الأندلس ,المغرب , مالي , الهند , القفجاق , فلسطين ,العراق
العباسيون
السلاجقة,الدولـة الأيوبيـة,صلاح الدين الأيوبي
قصيدة السيف أصدق أنباء لأبي تمام
العباسيون
ينتهي نسب الخلفاء العباسيين إلى العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، عمّ النبي صلى الله عليه وسلم. فأول ملوك بني العباس في بغداد كان السفاح عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، وآخرهم المستعصم عبد الله بن منصور الذي قتله التتار في بغداد عام 656 هـ.
ينقسم العصر العباسي إلى قسمين:
الأول: عصر الخلفاء الأقوياء، وقد كانوا الحكام الفعليين للدولة.
الثاني: عصر سيطرة العسكريين من الجنود الأتراك والفرس، وهو عصر ضعف، حيث كان يحكم السلطان بدل الخليفة، وحيث انفصلت دول وإمارات عن الخلافة العباسية. وسنتسعرض أسماء وحكام هذه الإمارات فيما بعد.
خلفاء بني العباس (في بغداد) 132-136 أبو العباس السفّاح عبد الله بن محمد بن علي
136-158 أبو جعفر المنصور عبد الله بن محمد
158-169 المهدي محمد بن عبد الله المنصور
169-170 الهادي موسى بن محمد المهدي
170-193 الرشيد هارون بن محمد المهدي
193-198 الأمين محمد بن هارون الرشيد
198-218 المأمون عبد الله بن هارون الرشيد
218-227 المعتصم محمد بن هارون الرشيد
227-232 الواثق هارون بن محمد المعتصم
232-247 المتوكّل جعفر بن محمد المعتصم
حكام العباسيين في دور سيطرة العسكريين
عصر سيطرة العسكريين الأتراك
(247-334) 274-248 المنتصر بالله محمد بن جعفر المتوكل[1]
248-252 المستعين بالله أحمد بن محمد المعتصم
252-255 المعتز بالله محمد بن جعفر المتوكل[2]
255-256 المهتدي بالله محمد بن هارون ا لواثق
256-279 المعتمد على الله أحمد بن جعفر المتوكل
279-289 المعتضد بالله أحمد بن طلحة بن جعفر المتوكل
289-295 المكتفي بالله علي بن أحمد المعتضد
295-320 المقتدر بالله جعفر بن أحمد المعتضد
320-322 القاهر بالله محمد بن أحمد المعتضد
322-329 الراضي بالله محمد بن جعفر المقتدر
329-333 المتقي لله إبراهيم بن جعفر المقتدر
333-334 المستكفي بالله عبد الله بن علي المكتفي
عصر سيطرة الفرس البويهيين الشيعة
(334-447) 334-363 المطيع لله الفضل بن جعفر المقتدر
363-381 الطائع لله عبد الكريم بن الفضل المطيع
381-422 القادر بالله أحمد بن إسحاق بن جعفر المقتدر
422-467 القائم بأمر الله عبد الله بن أحمد القادر
عصر سيطرة السلاجقة الأتراك
(447-656) 467-487 المقتدي بأمر الله عبد الله بن محمد بن عبد الله القائم
487-512 المستظهر بالله أحمد بن عبد الله المقتدي
512-529 المسترشد بالله الفضل بن أحمد المستظهر
529-530 الراشد بالله منصور بن الفضل المسترشد
530-555 المقتفي لأمر الله محمد بن أحمد المستظهر
555-566 المستنجد بالله يوسف بن محمد المقتفي
566-575 المستضيء بأمر الله الحسن بن يوسف المستنجد
575-622 الناصر لدين الله أحمد بن الحسن المستضيء
622-623 الظاهر بأمر الله محمد بن أحمد الناصر لدين الله
623-640 المستنصر بأمر الله منصور بن محمد الظاهر بأمر الله
640-656 المستعصم بالله عبد الله بن منصور المستنصر بالله
--------------------------------------------------------------------------------
[1] ولد عام 222 هـ بسامراء، من أم ولد رومية تدعى »حبشية«.
[2] الابن الآخر للمتوكل من أم ولد رومية تدعى »قبيحة«، ولد عام 232 هـ بسامراء.
**********************************************************************************************************
************************************************************************************************
السلاجقة[2] (خراسان، فارس، العراق، الشام..): 429-552 هـ
429-455 طغرل بك بن ميكائيل بن سلجوق
455-465 ألب أرسلان بن جغري بك بن ميكائيل
465-485 ملكشاه بن ألب أرسلان
485-487 محمود بن ملكشاه
487-498 بركيارق بن ملكشاه
498 ملكشاه بن بركيارق بن ملكشاه
498-511 محمد بن ملكشاه
511-552 سنجار بن ملكشاه
************************************************************************************************************************************************************************
الدولـــــة الأيوبيـــــة( 567 - 648 هـ / 1171 - 1250 م )
ولد صلاح الدين يوسف بن أيوب سنة 533 هـ / 1138م بمدينة تكريت على نهر دجلة
شمالي سامرا بالعراق واتصل والده نجم الدين أيوب وعمه شيركوه بالأتابك زنكي فنشأ
صلاح الدين فى ظل البيت الزنكي وتعلم علوم أولاد الأمراء من حفظ القرآن وتعلم الأدب
ودراسة الفقه واشترك مع عمه شيركوه فى الحملات التى قادها لمنع الصلبيين من
الاستيلاء على مصر أواخر الدولة الفاطمية وبعد وفاة نور الدين زنكي سنة 570 هـ /
1174م استطاع صلاح الدين أن يعلن نفسه سلطانا على مصر فوجه عنايته بعمل العديد من
الأعمال الداخلية بمصر فبني قلعته التى عرفت باسمه وأحاط القاهرة والفسطاط معا بسور
واحد كما شجع على بناء مدارس لدراسة فقه السنة منها مدرسة الإمام الشافعي ، أما من
الناحية الخارجية فقد اتجه صلاح الدين الأيوبي إلى حرب الصلبيين وذلك بأن اتبع
سياسة الجهاد ضدهم حتي انتصر عليهم انتصارا حاسما فى معركة حطين سنة 583 هـ / 1187
م واستولي على الكثير من مدنهم حتي لم يبق لهم بالشام سوي بعض المدن مثل صور وعكا
وإنطاكية وطرابلس .
وبعد وفاة الناصر صلاح الدين الأيوبي خلفه اثنان من أبنائه هما العزيز بن صلاح
الدين الذى تولي الحكم من سنة 589 هـ إلى سنة 595 هـ 1193 م / 1198 م ثم ابنه
المنصور بن العزيز 595 - 596 هـ / 1198 - 1200م ، ثم تولي الحكم بعدهم السلطان
العادل أخو صلاح الدين الأيوبي 596 - 615 هـ / 1200 - 1218م وهكذا انتقل الحكم من
أبناء صلاح الدين إلى أخيه العادل وأبنائه ، وقد حدث اختلاف كبير بين أبناء البيت
الأيوبي فى مصر والشام وتحاربوا فيما بينهم فاستعان الأيوبيين سواء فى مصر أو الشام
بأجناد من المماليك المجلوبة من مختلف البلاد المجاورة وازداد نفوذ هؤلاء المماليك
بسبب استمرار الحروب بين أبناء البيت الأيوبي وكان السلطان فى ذلك الوقت هو الصالح
بن الكامل نجم الدين أيوب ، إلا أن السلطان نجم الدين الأيوبي توفي سنة 647 هـ /
1249 م وهو يحارب الصلبيين فاضطرت زوجته شجر الدر لإخفاء موته حتي انتصر المسلمون
على الصلبيين فى موقعة المنصورة ثم فارسكور سنة 647 هـ / 1250م وتقلدت شجر الدر
الحكم بعد أن تخلصت من توران شاه ابن الصالح نجم الدين الأيوبي سنة 648 هـ / 1250م
، وهكذا انتهي حكم الدولة الأيوبية من مصر بعد أن حكموها إحدى وثمانين سنة ليبدأ
بعد ذلك عصر المماليك .
***********************************************************************************************************************************************************************************
صلاح الدين الأيوبي
فارس نبيل وبطل شجاع عرف في كتب التاريخ في الشرق والغرب بأنه فارس نبيل وبطل
شجاع وقائد من أفضل من عرفتهم البشرية وشهد بأخلاقه أعداؤه من الصليبيين قبل
أصدقائه وكاتبوا سيرته، إنه نموذج فذ لشخصية عملاقة من صنع الإسلام، إنه البطل صلاح
الدين الأيوبي محرر القدس من الصليبيين وبطل معركة حطين. فإلى سيرته ومواقف من
حياته كما يرويها صاحب وفيات الأعيان أحمد بن خلكان، والقاضي بهاء الدين بن شداد
صاحب كتاب "سيرة صلاح الدين" وبن الأثير في كتابه "الكامل".
--------------------------------------------------------------------------------
نسبه ونشأته
هو أبو المظفر يوسف بن أيوب بن شاذي الملقب بالملك الناصر صلاح الدين.
اتفق أهل التاريخ على أن أباه وأهله من (دوين) وهي بلدة في آخر أذربيجان وأنهم
أكراد روادية، والروادية بطن من الهذبانية، وهي قبيلة كبيرة من الأكراد. يقول أحمد
بن خلكان: قال لي رجل فقيه عارف بما يقول وهو من أهل دوين إن على باب دوين قرية
يقال لها (أجدانقان) وجميع أهلها أكراد روادية وكان شاذي ـ جد صلاح الدين ـ قد أخذ
ولديه أسد الدين شيركوه ونجم الدين أيوب وخرج بهما إلى بغداد ومن هناك نزلوا تكريت
ومات شاذي بها وعلى قبره قبة داخل البلد. ولد صلاح الدين سنة 532هـ بقلعة تكريت لما
كان أبوه وعمه بها والظاهر أنهم ما أقاموا بها بعد ولادة صلاح الدين إلا مدة يسيرة،
ولكنهم خرجوا من تكريت في بقية سنة 532هـ التي ولد فيها صلاح الدين أو في سنة ثلاث
وثلاثين لأنهما أقاما عند عماد الدين زنكي بالموصل ثم لما حاصر دمشق وبعدها بعلبك
وأخذها رتب فيها نجم الدين أيوب وذلك في أوائل سنة أربع وثلاثين. يقول بن خلكان:
أخبرني بعض أهل بيتهم وقد سألته هل تعرف متى خرجوا من تكريت فقال سمعت جماعة من
أهلنا يقولون إنهم أخرجوا منها في الليلة التي ولد فيها صلاح الدين فتشاءموا به
وتطيروا منه فقال بعضهم لعل فيه الخيرة وما تعلمون فكان كما قال والله أعلم. ولم
يزل صلاح الدين تحت كنف أبيه حتى ترعرع ولما ملك نور الدين محمود بن عماد الدين
زنكي دمشق لازم نجم الدين أيوب خدمته وكذلك ولده صلاح الدين وكانت مخايل السعادة
عليه لائحة والنجابة تقدمه من حالة إلى حالة ونور الدين يرى له ويؤثره ومنه تعلم
صلاح الدين طرائق الخير وفعل المعروف والاجتهاد في أمور الجهاد.
--------------------------------------------------------------------------------
صلاح الدين في مصر
هرب الوزير الفاطمي شاور من مصر من الوزير ضرغام بن عامر بن سوار الملقب فارس
المسلمين اللخمي المنذري لما استولى على الدولة المصرية وقهره وأخذ مكانه في
الوزارة كعادتهم في ذلك وقتل ولده الأكبر طي بن شاور فتوجه شاور إلى الشام مستغيثا
بالملك العادل نور الدين بن زنكي وذلك في شهر رمضان 558هـ ودخل دمشق في الثالث
والعشرين من ذي القعدة من السنة نفسها فوجه نور الدين معه الأمير أسد الدين شيركوه
بن شاذي في جماعة من عسكره كان صلاح الدين في جملتهم في خدمة عمه وهو كاره للسفر
معهم وكان لنور الدين في إرسال هذا الجيش هدفان: أحدهما: قضاء حق شاور لكونه قصده
ودخل عليه مستصرخا.
والثاني: أنه أراد استعلام أحوال مصر فإنه كان يبلغه أنها ضعيفة من جهة الجند
وأحوالها في غاية الاختلال فقصد الكشف عن حقيقة ذلك. وكان كثير الاعتماد على شيركوه
لشجاعته ومعرفته وأمانته فانتدبه لذلك وجعل أسد الدين شيركوه ابن أخيه صلاح الدين
مقدم عسكره وشاور معهم فخرجوا من دمشق في جمادى الأولى سنة 559هـ فدخلوا مصر
واستولوا على الأمر في رجب من السنة نفسها. ولما وصل أسد الدين وشاور إلى الديار
المصرية واستولوا عليها وقتلوا الضرغام وحصل لشاور مقصودة وعاد إلى منصبه وتمهدت
قواعده واستمرت أموره غدر بأسد الدين شيركوه واستنجد بالإفرنج عليه فحاصروه في
بلبيس، وكان أسد الدين قد شاهد البلاد وعرف أحوالها وأنها مملكة بغير رجال تمشي
الأمور فيها بمجرد الإيهام والمحال فطمع فيها وعاد إلى الشام، وأقام أسد الدين
بالشام مدة مفكرا في تدبير عودته إلى مصر محدثا نفسه بالملك لها مقررا قواعد ذلك مع
نور الدين إلى سنة 562هـ وبلغ نور الدين وأسد الدين مكاتبة الوزير الخائن شاور
للفرنج وما تقرر بينهم فخافا على مصر أن يملكوها ويملكوا بطريقها جميع البلاد فتجهز
أسد الدين وأنفذ معه نور الدين العساكر وصلاح الدين في خدمة عمه أسد الدين، وكان
وصول أسد الدين إلى البلاد مقارنا لوصول الإفرنج إليها واتفق شاور والمصريون بأسرهم
والإفرنج على أسد الدين وجرت حروب كثيرة. وتوجه صلاح الدين إلى الإسكندرية فاحتمى
بها وحاصره الوزير شاور في جمادى الآخرة من سنة 562هـ ثم عاد أسد الدين من جهة
الصعيد إلى بلبيس وتم الصلح بينه وبين المصريين وسيروا له صلاح الدين فساروا إلى
الشام. ثم إن أسد الدين عاد إلى مصر مرة ثالثة وكان سبب ذلك أن الإفرنج جمعوا
فارسهم وراجلهم وخرجوا يريدون مصر ناكثين العهود مع المصريين وأسد الدين طمعا في
البلاد فلما بلغ ذلك أسد الدين ونور الدين لم يسعهما الصبر فسارعا إلى مصر أما نور
الدين فبالمال والرجال ولم يمكنه المسير بنفسه خوفا على البلاد من الإفرنج، وأما
أسد الدين فبنفسه وماله وإخوته وأهله ورجاله يقول بن شداد: لقد قال لي السلطان صلاح
الدين قدس الله روحه كنت أكره الناس للخروج في هذه الدفعة وما خرجت مع عمي باختياري
وهذا معنى قوله تعالى {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم} (البقرة:216) وكان شاور
لما أحس بخروج الإفرنج إلى مصر سير إلى أسد الدين يستصرخه ويستنجده فخرج مسرعا وكان
وصوله إلى مصر في شهر ربيع الأول سنة 564هـ ولما علم الإفرنج بوصول أسد الدين إلى
مصر على اتفاق بينه وبين أهلها رحلوا راجعين على أعقابهم ناكصين وأقام أسد الدين
بها يتردد إليه شاور في الأحيان وكان وعدهم بمال في مقابل ما خسروه من النفقة فلم
يوصل إليهم شيئا وعلم أسد الدين أن شاور يلعب به تارة وبالإفرنج أخرى،وتحقق أنه لا
سبيل إلى الاستيلاء على البلاد مع بقاء شاور فأجمع رأيه على القبض عليه إذا خرج
إليه، فقتله وأصبح أسد الدين وزيرا وذلك في سابع عشر ربيع الأول سنة 564هـ ودام
آمرا وناهيا و صلاح الدين يباشر الأمور مقرراً لها لمكان كفايته ودرايته وحسن رأيه
وسياسته إلى الثاني والعشرين من جمادى الآخرة من السنة نفسها فمات أسد الدين. وذكر
المؤرخون أن أسد الدين لما مات استقرت الأمور بعده للسلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب
فبذل الأموال وملك قلوب الرجال وهانت عنده الدنيا فملكها وشكر نعمة الله تعالى
عليه، وأعرض عن أسباب اللهو وتقمص بقميص الجد والاجتهاد، استعدادا لمواجهات مستمرة
مع الصليبيين من جهة ومع خزعبلات الدولة الفاطمية من جهة أخرى.
--------------------------------------------------------------------------------
هجوم الإفرنج على مصر
ولما علم الإفرنج استقرار الأمر بمصر لصلاح الدين علموا أنه يملك بلادهم ويخرب
ديارهم ويقلع آثارهم لما حدث له من القوة والملك واجتمع الإفرنج والروم جميعا
وقصدوا الديار المصرية فقصدوا دمياط ومعهم آلات الحصار وما يحتاجون إليه من العدد،
ولما رأى نور الدين ظهور الإفرنج ونزولهم على دمياط قصد شغلهم عنها فنزل على الكرك
محاصرا لها، فقصده فرنج الساحل فرحل عنها وقصد لقاءهم فلم يقفوا له. ولما بلغ صلاح
الدين قصد الإفرنج دمياط استعد لهم بتجهيز الرجال وجمع الآلات إليها ووعدهم
بالإمداد بالرجال إن نزلوا عليهم وبالغ في العطايا والهبات وكان وزيرا متحكما لا
يرد أمره في شيء ثم نزل الإفرنج عليها واشتد زحفهم وقتالهم عليها وهو يشن عليهم
الغارات من خارج والعسكر يقاتلهم من داخل ونصر الله تعالى المسلمين به وبحسن تدبيره
فرحلوا عنها خائبين فأحرقت مناجيقهم ونهبت آلاتهم وقتل من رجالهم عدد كبير.
--------------------------------------------------------------------------------
تأسيس الدولة الأيوبية
واستقرت الأمور لصلاح الدين ونقل أسرته ووالده نجم الدين أيوب إليها ليتم له
السرور وتكون قصته مشابهة لقصة يوسف الصديق عليه السلام، ولم يزل صلاح الدين وزيرا
حتى مات العاضد آخر الخلفاء الفاطميين 565هـ وبذلك انتهت الدولة الفاطمية وبدأت
دولة بني أيوب (الدولة الأيوبية). ولقب صلاح الدين بالملك الناصر وعاد إلى دار أسد
الدين فأقام بها، وثبت قدم صلاح الدين ورسخ ملكه. وأرسل صلاح الدين يطلب من نور
الدين أن يرسل إليه إخوته فلم يجبه إلى ذلك وقال أخاف أن يخالف أحد منهم عليك فتفسد
البلاد، ثم إن الإفرنج اجتمعوا ليسيروا إلى مصر فسير نور الدين العساكر وفيهم إخوة
صلاح الدين منهم شمس الدولة توران شاه بن أيوب، وهو أكبر من صلاح الدين. و ذكر ابن
الأثير ما حدث من الوحشة بين نور الدين وصلاح الدين باطنا فقال: وفي سنة 567هـ حدث
ما أوجب نفرة نور الدين عن صلاح الدين وكان الحادث أن نور الدين أرسل إلى صلاح
الدين يأمره بجمع العساكر المصرية والمسير بها إلى بلد الإفرنج والنزول على الكرك
ومحاصرته ليجمع هو أيضا عساكره ويسير إليه ويجتمعا هناك على حرب الإفرنج والاستيلاء
على بلادهم فبرز صلاح الدين من القاهرة في العشرين من المحرم وكتب إلى نور الدين
يعرفه أن رحيله لا يتأخر وكان نور الدين قد جمع عساكره وتجهز وأقام ينتظر ورود
الخبر من صلاح الدين برحيله ليرحل هو فلما أتاه الخبر بذلك رحل من دمشق عازما على
قصد الكرك فوصل إليه وأقام ينتظر وصول صلاح الدين إليه فأرسل كتابه يعتذر فيه عن
الوصول باختلال البلاد المصرية لأمور بلغته عن بعض شيعة العلويين وأنهم عازمون على
الوثوب بها وأنه يخاف عليها مع البعد عنها فعاد إليها فلم يقبل نور الدين عذره،
وكان سبب تقاعده أن أصحابه وخواصه خوفوه من الاجتماع بنور الدين فحيث لم يمتثل أمر
نور الدين شق ذلك عليه وعظم عنده وعزم على الدخول إلى مصر وإخراج صلاح الدين عنها.
ووصل الخبر إلى صلاح الدين فجمع أهله وفيهم والده نجم الدين أيوب وخاله شهاب الدين
الحارمي ومعهم سائر الأمراء وأعلمهم ما بلغه عن عزم نور الدين على قصده وأخذ مصر
منه واستشارهم فلم يجبه أحد منهم بشيء فقام تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين وقال
إذا جاء قاتلناه وصددناه عن البلاد ووافقه غيره من أهله فشتمهم نجم الدين أيوب
وأنكر ذلك واستعظمه وكان ذا رأي ومكر وعقل وقال لتقي الدين اقعد وسبه وقال لصلاح
الدين أنا أبوك وهذا شهاب الدين خالك أتظن أن في هؤلاء كلهم من يحبك ويريد لك الخير
مثلنا فقال لا فقال والله لو رأيت أنا وهذا خالك شهاب الدين نور الدين لم يمكنا إلا
أن نترجل له ونقبل الأرض بين يديه ولو أمرنا أن نضرب عنقك بالسيف لفعلنا فإذا كنا
نحن هكذا كيف يكون غيرنا وكل من تراه من الأمراء والعساكر لو رأى نور الدين وحده لم
يتجاسر على الثبات على سرجه ولا وسعه إلا النزول وتقبيل الأرض بين يديه وهذه البلاد
له وقد أقامك فيها وإن أراد عزلك فأي حاجة له إلى المجيء يأمرك بكتاب مع نجاب حتى
تقصد خدمته ويولي بلاده من يريد وقال للجماعة كلهم قوموا عنا ونحن مماليك نور الدين
وعبيده يفعل بنا ما يريد فتفرقوا على هذا وكتب أكثرهم إلى نور الدين بالخبر. ولما
خلا أيوب بابنه صلاح الدين قال له أنت جاهل قليل المعرفة تجمع هذا الجمع الكثير
وتطلعهم على ما في نفسك فإذا سمع نور الدين أنك عازم على منعه عن البلاد جعلك أهم
الأمور إليه وأولاها بالقصد ولو قصدك لم تر معك أحدا من هذا العسكر وكانوا أسلموك
إليه وأما الآن بعد هذا المجلس فسيكتبون إليه ويعرفونه قولي وتكتب أنت إليه وترسل
في المعنى وتقول أي حاجة إلى قصدي يجبي نجاب يأخذني بحبل يضعه في عنقي فهو إذا سمع
هذا عدل عن قصدك واستعمل ما هو أهم عنده والأيام تندرج والله في كل وقت في شأن
والله لو أراد نور الدين قصبة من قصب سكرنا لقاتلته أنا عليها حتى أمنعه أو أقتل
ففعل صلاح الدين ما أشار به والده فلما رأى نور الدين الأمر هكذا عدل عن قصده وكان
الأمر كما قال نجم الدين أيوب وتوفي نور الدين ولم يقصده وهذا كان من أحسن الآراء
وأجودها.
--------------------------------------------------------------------------------
توسع الدولة الأيوبية
قال ابن شداد: لم يزل صلاح الدين على قدم بسط العدل ونشر الإحسان وإفاضة الإنعام
على الناس إلى سنة 568هـ فعند ذلك خرج بالعسكر يريد بلاد الكرك والشوبك وإنما بدأ
بها لأنها كانت أقرب إليه وكانت في الطريق تمنع من يقصد الديار المصرية وكان لا
يمكن أن تعبر قافلة حتى يخرج هو بنفسه يعبرها فأراد توسيع الطريق وتسهيلها فحاصرها
في هذه السنة وجرى بينه وبين الإفرنج وقعات وعاد ولم يظفر منها بشيء ولما عاد بلغه
خبر وفاة والده نجم الدين أيوب قبل وصوله إليه. ولما كانت سنة 569هـ رأى قوة عسكره
وكثرة عدده وكان بلغه أن باليمن إنسانا استولى عليها وملك حصونها يسمى عبد النبي بن
مهدي فسير أخاه توران شاه فقتله وأخذ البلاد منه وبلغ صلاح الدين أن إنسانا يقال له
الكنز جمع بأسوان خلقا عظيما من السودان وزعم أنه يعيد الدولة المصرية وكان أهل مصر
يؤثرون عودهم فانضافوا إلى الكنز، فجهز صلاح الدين إليه جيشا كثيفا وجعل مقدمه أخاه
الملك العادل وساروا فالتقوا وهزموهم وذلك في السابع من صفر سنة 570هـ. وكان نور
الدين رحمه الله قد خلف ولده الملك الصالح إسماعيل وكان بدمشق عند وفاة أبيه ثم إن
صلاح الدين بعد وفاة نور الدين علم أن ولده الملك الصالح صبي لا يستقل بالأمر ولا
ينهض بأعباء الملك واختلفت الأحوال بالشام وكاتب شمس الدين ابن المقدم صلاح الدين
فتجهز من مصر في جيش كثيف وترك بها من يحفظها وقصد دمشق مظهرا أنه يتولى مصالح
الملك الصالح فدخلها في سنة 570هـ وتسلم قلعتها وكان أول دخوله دار أبيه، وهي الدار
المعروفة بالشريف العقيقي، واجتمع الناس إليه وفرحوا به وأنفق في ذلك اليوم مالا
جليلا وأظهر السرور بالدمشقيين وصعد القلعة وسار إلى حلب فنازل حمص وأخذ مدينتها في
جمادى الأولى من السنة نفسها ولم يشتغل بقلعتها وتوجه إلى حلب ونازلها في يوم
الجمعة آخر جمادى الأولى من السنة وهي المعركة الأولى. ولما أحس سيف الدين غازي بن
قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي صاحب الموصل بما جرى علم أن صلاح الدين قد
استفحل أمره وعظم شأنه وخاف إن غفل عنه استحوذ على البلاد واستقرت قدمه في الملك
وتعدى الأمر إليه فأنفذ عسكرا وافرا وجيشا عظيما وقدم عليه أخاه عز الدين مسعود بن
قطب الدين مودود وساروا يريدون لقاءه ليردوه عن البلاد فلما بلغ صلاح الدين ذلك رحل
عن حلب في مستهل رجب من السنة عائدا إلى حماة ورجع إلى حمص فأخذ قلعتها ووصل عز
الدين مسعود إلى حلب وأخذ معه عسكر ابن عمه الملك الصالح بن نور الدين صاحب حلب
يومئذ وخرجوا في جمع عظيم فلما عرف صلاح الدين بمسيرهم سار حتى وافاهم على قرون
حماة وراسلهم وراسلوه واجتهد أن يصالحوه فما صالحوه ورأوا أن ضرب المصاف معه ربما
نالوا به غرضهم والقضاء يجر إلى أمور وهم بها لا يشعرون فتلاقوا فقضى الله تعالى أن
هزموا بين يديه وأسر جماعة منهم فمن عليهم وذلك في تاسع شهر رمضان من سنة570 هـ عند
قرون حماة ثم سار عقيب هزيمتهم ونزل على حلب وهي الدفعة الثانية فصالحوه على أخذ
المعرة وكفر طاب وبارين ولما جرت هذه المعركة كان سيف الدين غازي يحاصر أخاه عماد
الدين زنكي صاحب سنجار وعزم على أخذها منه لأنه كان قد انتمى إلى صلاح الدين وكان
قد قارب أخذها فلما بلغه الخبر وأن عسكره انكسر خاف أن يبلغ أخاه عماد الدين الخبر
فيشتد أمره ويقوى جأشه فراسله وصالحه ثم سار من وقته إلى نصيبين واهتم بجمع العساكر
والإنفاق فيها وسار إلى البيرة وعبر الفرات وخيم على الجانب الشامي وراسل ابن عمه
الصالح بن نور الدين صاحب حلب حتى تستقر له قاعدة يصل عليها ثم إنه وصل إلى حلب
وخرج الملك الصالح إلى لقائه أقام على حلب مدة.
--------------------------------------------------------------------------------
المواجهة مع الإفرنجة
في سنة 572هـ اسقرت الأمور بمصر والشام للدولة الأيوبية، وكان أخو صلاح الدين
شمس الدولة توران شاه قد وصل إليه من اليمن فاستخلفه بدمشق ثم تأهب للغزاة من
الإفرنجة، فخرج يطلب الساحل حتى وافى الإفرنج على الرملة وذلك في أوائل جمادى
الأولى سنة 573هـ وكانت الهزيمة على المسلمين في ذلك اليوم، فلما انهزموا لم يكن
لهم حصن قريب يأوون إليه فطلبوا جهة الديار المصرية وضلوا في الطريق وتبددوا وأسر
منهم جماعة منهم الفقيه عيسى الهكاري وكان ذلك وهنا عظيما جبره الله تعالى بمعركة
حطين المشهورة. أقام صلاح الدين بمصر حتى لم شعثه وشعث أصحابه من أثر هزيمة الرملة
ثم بلغه تخبط الشام فعزم على العود إليه واهتم بالغزاة فوصله رسول "قليج أرسلان"
صاحب الروم يلتمس الصلح ويتضرر من الأرمن فعزم على قصد بلاد ابن لاون ـ وهي بلاد
سيس الفاصلة بين حلب والروم من جهة الساحل ـ لينصر قليج أرسلان عليه فتوجه إليه
واستدعى عسكر حلب لأنه كان في الصلح أنه متى استدعاه حضر إليه ودخل بلد ابن لاون
وأخذ في طريقه حصنا و أخربه ورغبوا إليه في الصلح فصالحهم ورجع عنهم ثم سأله قليج
أرسلان في صلح الشرقيين بأسرهم فأجاب إلى ذلك وحلف صلاح الدين في عاشر جمادى الأولى
سنة ست وسبعين وخمسمائة ودخل في الصلح قليج أرسلان والمواصلة وعاد بعد تمام الصلح
إلى دمشق ثم منها إلى مصر.
--------------------------------------------------------------------------------
معركة حطين
كانت معركة حطين المباركة على المسلمين في يوم السبت 14 ربيع الآخر سنة 583هـ في
وسط نهار الجمعة وكان صلاح الدين كثيرا ما يقصد لقاء العدو في يوم الجمعة عند
الصلاة تبركا بدعاء المسلمين والخطباء على المنابر فسار في ذلك الوقت بمن اجتمع له
من العساكر الإسلامية وكانت تجاوز العد والحصر على تعبئة حسنة وهيئة جميلة وكان قد
بلغه عن العدو أنه اجتمع في عدة كثيرة بمرج صفورية بعكا عندما بلغهم اجتماع الجيوش
الإسلامية فسار ونزل على بحيرة طبرية ثم رحل ونزل على طبرية على سطح الجبل ينتظر
هجوم الصليبيين عليه إذا بلغهم نزوله بالموضع المذكور فلم يتحركوا ولا خرجوا من
منزلهم وكان نزولهم يوم الأربعاء 21ربيع الآخر فلما رآهم لا يتحركون نزل على طبرية
وهاجمها وأخذها في ساعة واحدة وبقيت القلعة محتمية بمن فيها ولما بلغ العدو ما جرى
على طبرية قلقوا لذلك ورحلوا نحوها فبلغ السلطان ذلك فترك على طبرية من يحاصر
قلعتها ولحق بالعسكر فالتقى بالعدو على سطح جبل طبرية الغربي منها وذلك في يوم
الخميس 22 ربيع الآخر وحال الليل بين المعسكرين قياما على مصاف إلى بكرة يوم الجمعة
فركب الجيشان وتصادما والتحم القتال واشتد الأمر وذلك بأرض قرية تعرف بلوبيا وضاق
الخناق بالعدو وهم سائرون كأنهم يساقون إلى الموت وهم ينظرون وقد أيقنوا بالويل
والثبور وأحست نفوسهم أنهم في غد يومهم ذلك من زوار القبور ولم تزل الحرب تضطرم
والفارس مع قرنه يصطدم ولم يبق إلا الظفر ووقع الوبال على من كفر فحال بينهم الليل
بظلامه وبات كل واحد من الفريقين في سلاحه إلى صبيحة يوم السبت فطلب كل من الفريقين
مقامه وتحقق المسلمون أن من ورائهم الأردن ومن بين أيديهم بلاد العدو وأنهم لا
ينجيهم إلا الاجتهاد في الجهاد فحملت جيوش المسلمين من جميع الجوانب وحمل القلب
وصاحوا صيحة رجل واحد فألقى الله الرعب في قلوب الكافرين وكان حقا عليه نصر
المؤمنين ولما أحس القوم بالخذلان هرب منهم في أوائل الأمر وقصد جهة صور وتبعه
جماعة من المسلمين فنجا منهم وكفى الله شره وأحاط المسلمون بالصليبيين من كل جانب
وأطلقوا عليهم السهام وحكموا فيهم السيوف وسقوهم كأس الحمام وانهزمت طائفة منهم
فتبعها أبطال المسلمين فلم ينج منها أحد واعتصمت طائفة منهم بتل يقال له تل حطين
وهي قرية عندها قبر النبي شعيب عليه السلام فضايقهم المسلمون وأشعلوا حولهم النيران
واشتد بهم العطش وضاق بهم الأمر حتى كانوا يستسلمون للأمر خوفا من القتل لما مر بهم
فأسر مقدموهم وقتل الباقون. وكان ممن سلم من مقدميهم الملك جفري وأخوه والبرنس
أرناط صاحب الكرك والشوبك وابن الهنفري وابن صاحبة طبرية ومقدم الديوية وصاحب جبيل
ومقدم الأسبتار. قال ابن شداد: ولقد حكي لي من أثق به أنه رأى بحوران شخصا واحدا
معه نيف وثلاثون أسيرا قد ربطهم بوتد خيمة لما وقع عليهم من الخذلان. وأما أرناط
فان صلاح الدين كان قد نذر أنه إن ظفر به قتله وذلك لأنه كان قد عبر به عند الشوبك
قوم من مصر في حال الصلح فغدر بهم وقتلهم فناشدوه الصلح الذي بينه وبين المسلمين
فقال ما يتضمن الاستخفاف بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وبلغ السلطان فحملته حميته
ودينه على أن يهدر دمه.
--------------------------------------------------------------------------------
من مواقف صلاح الدين
لما فتح الله تعالى عليه بنصره في حطين جلس صلاح الدين في دهليز الخيمة لأنها لم
تكن نصبت بعد وعرضت عليه الأسارى وسار الناس يتقربون إليه بمن في أيديهم منهم وهو
فرح بما فتح الله تعالى على يده للمسلمين ونصبت له الخيمة فجلس فيها شاكرا لله
تعالى على ما أنعم به عليه واستحضر الملك جفري وأخاه و أرناط وناول السلطان جفري
شربة من جلاب وثلج فشرب منها وكان على أشد حال من العطش ثم ناولها لأرناط وقال
السلطان للترجمان قل للملك أنت الذي سقيته وإلا أنا فما سقيته وكان من جميل عادة
العرب وكريم أخلاقهم أن الأسير إذا أكل أو شرب من مال من أسره أمن فقصد السلطان
بقوله ذلك ثم أمر بمسيرهم إلى موضع عينه لهم فمضوا بهم إليه فأكلوا شيئا ثم عادوا
بهم ولم يبق عنده سوى بعض الخدم فاستحضرهم وأقعد الملك في دهليز الخيمة. وأحضر صلاح
الدين أرناط وأوقفه بين يديه وقال له: ها أنا أنتصر لمحمد منك ثم عرض عليه الإسلام
فلم يفعل فسل سيفه فضربه بها فحل كتفه وتمم قتله من حضر وأخرجت جثته ورميت على باب
الخيمة،فلما رآه الملك على تلك الحال لم يشك في أنه يلحقه به فاستحضره وطيب قلبه
وقال له لم تجر عادة الملوك أن يقتلوا الملوك وأما هذا فإنه تجاوز الحد وتجرأ على
الأنبياء صلوات الله عليهم وبات الناس في تلك الليلة على أتم سرور ترتفع أصواتهم
بحمد الله وشكره وتهليله وتكبيره حتى طلع الفجر ثم نزل السلطان على طبرية يوم الأحد
الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر وتسلم قلعتها في ذلك النهار وأقام عليها إلى يوم
الثلاثاء.
--------------------------------------------------------------------------------
تحرير عكا وما حولها
ورحل صلاح الدين طالبا عكا فكان نزوله عليها يوم الأربعاء وقاتل الصليبيين بها
بكرة يوم الخميس مستهل جمادى الأولى سنة 583هـ فأخذها واستنقذ من كان بها من أسارى
المسلمين وكانوا أكثر من أربعة آلاف نفس واستولى على ما فيها من الأموال والذخائر
والبضائع لأنها كانت مظنة التجار وتفرقت العساكر في بلاد الساحل يأخذون الحصون
والقلاع والأماكن المنيعة فأخذوا نابلس وحيفا وقيسارية وصفورية والناصرة وكان ذلك
لخلوها من الرجال لأن القتل والأسر أفنى كثيرا منهم ولما استقرت قواعد عكا وقسم
أموالها وأساراها سار يطلب تبنين فنزل عليها يوم الأحد حادي عشر جمادى الأولى وهي
قلعة منيعة فنصب عليها المناجيق وضيق بالزحف خناق من فيها، فقاتلوا قتالا شديدا
ونصره الله سبحانه عليهم فتسلمها منهم يوم الأحد ثامن عشرة عنوة وأسر من بقي فيها
بعد القتل ثم رحل عنها إلى صيدا فنزل عليها وتسلمها في غد يوم نزوله عليها وهو يوم
الأربعاء العشرون من جمادى الأولى وأقام عليها ريثما قرر قواعدها وسار حتى أتى
بيروت فنازلها ليلة الخميس الثاني والعشرين من جمادى الأولى وركب عليها المجانيق
وداوم الزحف والقتال حتى أخذها في يوم الخميس التاسع والعشرين من الشهر المذكور
وتسلم أصحابه جبيل وهو على بيروت، ولما فرغ من هذا الجانب رأى أن قصده عسقلان أولى
لأنها أيسر من صور فأتى عسقلان ونزل عليها يوم الأحد السادس عشر من جمادى الآخرة من
السنة وتسلم في طريقه إليها مواضع كثيرة كالرملة والداروم وأقام في عسقلان المناجيق
وقاتلها قتالا شديدا وتسلمها في يوم السبت نهاية جمادى الآخرة من السنة وأقام عليها
إلى أن تسلم أصحابه غزة وبيت جبريل والنطرون بغير قتال وكان بين فتح عسقلان وأخذ
الإفرنج لها من المسلمين خمس وثلاثون سنة فإنهم كانوا أخذوها من المسلمين في السابع
والعشرين من جمادى الآخرة سنة 548هـ.
--------------------------------------------------------------------------------
تحرير القدس
قال ابن شداد: لما تسلم صلاح الدين عسقلان والأماكن المحيطة بالقدس شمر عن ساق
الجد والاجتهاد في قصد القدس المبارك واجتمعت إليه العساكر التي كانت متفرقة في
الساحل فسار نحوه معتمدا على الله تعالى مفوضا أمره إليه منتهزا الفرصة في فتح باب
الخير الذي حث على انتهازه بقوله من فتح له باب خير فلينتهزه فإنه لا يعلم متى يغلق
دونه وكان نزوله عليه في يوم الأحد الخامس عشر من رجب سنة 583هـ وكان نزوله بالجانب
الغربي وكان معه من كان مشحونا بالمقاتلة من الخيالة والرجالة وحزر أهل الخبرة ممن
كان معه من كان فيه من المقاتلة فكانوا يزيدون على ستين ألفا خارجا عن النساء
والصبيان ثم انتقل لمصلحة رآها إلى الجانب الشمالي في يوم الجمعة العشرين من رجب
ونصب المناجيق وضايق البلد بالزحف والقتال حتى أخذ النقب في السور مما يلي وادي
جهنم ولما رأى أعداء الله الصليبيون ما نزل بهم من الأمر الذي لا مدفع له عنهم
وظهرت لهم إمارات فتح المدينة وظهور المسلمين عليهم وكان قد اشتد روعهم لما جرى على
أبطالهم وحماتهم من القتل والأسر وعلى حصونهم من التخريب والهدم وتحققوا أنهم
صائرون إلى ما صار أولئك إليه فاستكانوا وأخلدوا إلى طلب الأمان واستقرت الأمور
بالمراسلة من الطائفتين وكان تسلمه في يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب وليلته
كانت ليلة المعراج المنصوص عليها في القرآن الكريم فانظر إلى هذا الاتفاق العجيب
كيف يسر الله تعالى عوده إلى المسلمين في مثل زمان الإسراء بنبيهم وهذه علامة قبول
هذه الطاعة من الله تعالى وكان فتحه عظيما شهده من أهل العلم خلق ومن أرباب الخرق
والزهد عالم وذلك أن الناس لما بلغهم ما يسره الله تعالى على يده من فتوح الساحل
وقصده القدس قصده العلماء من مصر والشام بحيث لم يتخلف أحد منهم وارتفعت الأصوات
بالضجيج بالدعاء والتهليل والتكبير وصليت فيه الجمعة يوم فتحه وخطب القاضي محيي
الدين محمد بن علي المعروف بابن الزكي. وقد كتب عماد الدين الأصبهاني رسالة في فتح
القدس،وجمع كتابا سماه الفتح القسي في الفتح القدسي وهو في مجلدين ذكر فيه جميع ما
جرى في هذه الواقعة. وكان قد حضر الرشيد أبو محمد عبد الرحمن بن بدر بن الحسن بن
مفرج النابلسي الشاعر المشهور هذا الفتح فأنشد السلطان صلاح الدين قصيدته التي
أولها: هذا الذي كانت الآمال تنتظر*****فليوف لله أقوام بما نذروا وهي طويلة تزيد
على مائة بيت يمدحه ويهنيه بالفتح. يقول بهاء الدين بن شداد في السيرة الصلاحية:
نكس الصليب الذي كان على قبة الصخرة وكان شكلا عظيما ونصر الله الإسلام على يده
نصرا عزيزا ، وكان الإفرنج قد استولوا على القدس سنة 492هـ ولم يزل بأيديهم حتى
استنقذه منهم صلاح الدين، وكانت قاعدة الصلح أنهم قطعوا على أنفسهم عن كل رجل عشرين
دينارا وعن كل امرأة خمسة دنانير صورية وعن كل صغير ذكر أو أنثى دينارا واحدا فمن
أحضر قطيعته نجا بنفسه وإلا أخذ أسيرا وأفرج عمن كان بالقدس من أسرى المسلمين
وكانوا خلقا عظيما وأقام به يجمع الأموال ويفرقها على الأمراء والرجال ويحبو بها
الفقهاء والعلماء والزهاد والوافدين عليه وتقدم بإيصال من قام بقطيعته إلى مأمنه
وهي مدينة صور ولم يرحل عنه ومعه من المال الذي جبي له شيء وكان يقارب مائتي ألف
دينار وعشرين ألفا وكان رحيله عنه يوم الجمعة الخامس والعشرين من شعبان من سنة
583هـ
--------------------------------------------------------------------------------
حصار صور
يقول بن شداد: لما فتح صلاح الدين القدس حسن عنده قصد صور وعلم أنه إن أخر أمرها
ربما عسر عليه فسار نحوها حتى أتى عكا فنزل عليها ونظر في أمورها ثم رحل عنها
متوجها إلى صور في يوم الجمعة خامس شهر رمضان من السنة(583) فنزل قريبا منها وسير
لإحضار آلات القتال ولما تكاملت عنده نزل عليها في ثاني عشر الشهر المذكور وقاتلها
وضايقها قتالا عظيما واستدعى أسطول مصر فكان يقاتلها في البر والبحر ثم سير من حاصر
هونين فسلمت في الثالث والعشرين من شوال من السنة، ثم خرج أسطول صور في الليل فهاجم
أسطول المسلمين وأخذوا المقدم والريس وخمس قطع للمسلمين وقتلوا خلقا كثيرا من رجال
المسلمين وذلك في السابع والعشرين من الشهر المذكور وعظم ذلك على السلطان وضاق صدره
وكان الشتاء قد هجم وتراكمت الأمطار وامتنع الناس من القتال لكثرة الأمطار فجمع
الأمراء واستشارهم فيما يفعل فأشاروا عليه بالرحيل لتستريح الرجال ويجتمعوا للقتال
فرحل عنها وحملوا من آلات الحصار ما أمكن وأحرقوا الباقي الذي عجزوا عن حمله لكثرة
الوحل والمطر وكان رحيله يوم الأحد ثاني ذي القعدة من السنة وتفرقت العساكر وأعطى
كل طائفة منها دستورا وسار كل قوم إلى بلادهم وأقام هو مع جماعة من خواصه بمدينة
عكا إلى أن دخلت سنة 584هـ ثم نزل على كوكب في أوائل المحرم من السنة ولم يبق معه
من العسكر إلا القليل وكان حصنا حصينا وفيه الرجال والأقوات فعلم أنه لا يؤخذ إلا
بقتال شديد فرجع إلى دمشق، وأقام بدمشق خمسة أيام. ثم بلغه أن الإفرنج قصدوا جبيل
واغتالوها فخرج مسرعا وكان قد سير يستدعي العساكر من جميع المواضع وسار يطلب جبيل
فلما عرف الإفرنج بخروجه كفوا عن ذلك.
--------------------------------------------------------------------------------
بقية فتوح الشام
قال ابن شداد في السيرة: لما كان يوم الجمعة رابع جمادى الأولى من سنة 584هـ دخل
السلطان بلاد العدو على تعبية حسنة ورتب الأطلاب وسارت الميمنة أولا ومقدمها عماد
الدين زنكي والقلب في الوسط والميسرة في الأخير ومقدمها مظفر الدين ابن زين الدين
فوصل إلى انطرسوس ضاحي نهار الأحد سادس جمادى الأولى فوقف قبالتها ينظر إليها لأن
قصده كان جبلة فاستهان بأمرها وعزم على قتالها فسير من رد الميمنة وأمرها بالنزول
على جانب البحر والميسرة على الجانب الآخر ونزل هو موضعه والعساكر محدقة بها من
البحر إلى البحر وهي مدينة راكبة على البحر ولها برجان كالقلعتين فركبوا وقاربوا
البلد وزحفوا واشتد القتال وباغتوها فما استتم نصب الخيام حتى صعد المسلمون سورها
وأخذوها بالسيف وغنم المسلمون جميع من بها وما بها وأحرق البلد و أقام عليها إلى
رابع عشر جمادى الأولى وسلم أحد البرجين إلى مظفر الدين فما زال يحاربه حتى أخربه
واجتمع به ولده الملك الظاهر لأنه كان قد طلبه فجاءه في عسكر عظيم، ثم سار يريد
جبلة وكان وصوله إليها في ثاني عشر جمادى الأولى وما استتم نزول العسكر عليها حتى
أخذ البلد وكان فيه مسلمون مقيمون وقاض يحكم بينهم وقوتلت القلعة قتالا شديدا ثم
سلمت بالأمان في يوم السبت تاسع عشر جمادى الأولى من السنة وأقام عليها إلى الثالث
والعشرين منه، ثم سار عنها إلى اللاذقية وكان نزوله عليها يوم الخميس الرابع
والعشرين من جمادى الأولى وهو بلد مليح خفيف على القلب غير مسور وله ميناء مشهور
وله قلعتان متصلتان على تل يشرف على البلد واشتد القتال إلى آخر النهار فأخذ البلد
دون القلعتين وغنم الناس منه غنيمة عظيمة لأنه كان بلد التجار وجدوا في أمر
القلعتين بالقتال والنقوب حتى بلغ طول النقب ستين ذراعا وعرضه أربعة أذرع فلما رأى
أهل القلعتين الغلبة لاذوا بطلب الأمان وذلك في عشية يوم الجمعة الخامس والعشرين من
الشهر والتمسوا الصلح على سلامة نفوسهم وزراريهم ونسائهم وأموالهم ما خلا الذخائر
والسلاح وآلات الحرب فأجابهم إلى ذلك ورفع العلم الإسلامي عليها يوم السبت وأقام
عليها إلى يوم الأحد السابع والعشرين من جمادى الأولى فرحل عنها إلى صهيون فنزل
عليها يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من الشهر واجتهد في القتال فأخذ البلد يوم
الجمعة ثاني جمادى الآخرة ثم تقدموا إلى القلعة وصدقوا القتال فلما عاينوا الهلاك
طلبوا الأمان فأجابهم إليه بحيث يؤخذ من الرجل عشرة دنانير ومن المرأة خمسة دنانير
ومن كل صغير ديناران الذكر والأنثى سواء و أقام السلطان بهذه الجهة حتى أخذ عدة
قلاع منها بلاطنس وغيرها من الحصون المنيعة المتعلقة بصهيون، ثم رحل عنها وأتى بكاس
وهي قلعة حصينة على العاصي ولها نهر يخرج من تحتها وكان النزول عليها يوم الثلاثاء
سادس جمادى الآخرة وقاتلوها قتالا شديدا إلى يوم الجمعة تاسع الشهر ثم يسر الله
فتحها عنوة فقتل أكثر من بها وأسر الباقون وغنم المسلمون جميع ما كان فيها ولها
قليعة تسمى الشغر وهي في غاية المنعة يعبر إليها منها بجسر وليس عليها طريق فسلطت
المناجيق عليها من جميع الجوانب ورأوا أنهم لا ناصر لهم فطلبوا الأمان وذلك يوم
الثلاثاء ثالث عشر الشهر ثم سألوا المهلة ثلاثة أيام فأمهلوا وكان تمام فتحها وصعود
العلم السلطاني على قلعتها يوم الجمعة سادس عشر الشهر. ثم سار إلى برزية وهي من
الحصون المنيعة في غاية القوة يضرب بها المثل في بلاد الإفرنج تحيط بها أودية من
جميع جوانبها وعلوها خمسمائة ونيف وسبعون ذراعا وكان نزوله عليها يوم السبت الرابع
والعشرين من الشهر ثم أخذها عنوة يوم الثلاثاء السابع والعشرين منه. ثم سار إلى
دربساك فنزل عليها يوم الجمعة ثامن رجب وهي قلعة منيعة وقاتلها قتالا شديدا ورقي
العلم الإسلامي عليها يوم الجمعة الثاني والعشرين من رجب وأعطاها الأمير علم الدين
سليمان بن جندر وسار عنها بكرة يوم السبت الثالث والعشرين من الشهر. ونزل على بغراس
وهي قلعة حصينة بالقرب من إنطاكية وقاتلها مقاتلة شديدة وصعد العلم الإسلامي عليها
في ثاني شعبان وراسله أهل إنطاكية في طلب الصلح فصالحهم لشدة ضجر العسكر من البيكار
وكان الصلح معهم لا غير على أن يطلقوا كل أسير عندهم والصلح إلى سبعة أشهر فإن
جاءهم من ينصرهم و سلموا البلد. ثم رحل السلطان فسأله ولده الملك الظاهر صاحب حلب
أن يجتاز به فأجابه إلى ذلك فوصل حلب في حادي عشر شعبان أقام بالقلعة ثلاثة أيام
وولده يقوم بالضيافة حق القيام، وسار من حلب فاعترضه تقي الدين عمر ابن أخيه وأصعده
إلى قلعة حماة وصنع له طعاما وأحضر له سماعا من جنس ما تعمل الصوفية وبات فيها ليلة
واحدة وأعطاه جبلة واللاذقية، وسار على طريق بعلبك ودخل دمشق قبل شهر رمضان بأيام
يسيرة، ثم سار في أوائل شهر رمضان يريد صفد فنزل عليها ولم يزل القتال حتى تسلمها
بالأمان في رابع عشر شوال. ثم سار إلى كوكب وضايقوها وقاتلوها مقاتلة شديدة
والأمطار متواترة والوحول متضاعفة والرياح عاصفة والعدو متسلط بعلو مكانه فلما
تيقنوا أنهم مأخوذون طلبوا الأمان فأجابهم إليه وتسلمها منهم في منتصف ذي القعدة من
السنة.
--------------------------------------------------------------------------------
الصليبيون في عكا
بلغ صلاح الدين أن الإفرنج قصدوا عكا ونزلوا عليها يوم الاثنين ثالث عشر رجب سنة
585هـ فأتى عكا ودخلها بغتة لتقوى قلوب من بها و استدعى العساكر من كل ناحية فجاءته
وكان العدو بمقدار ألفي فارس وثلاثين ألف راجل ثم تكاثر الإفرنج واستفحل أمرهم
وأحاطوا بعكا ومنعوا من يدخل إليها ويخرج وذلك يوم الخميس فضاق صدر السلطان لذلك ثم
اجتهد في فتح الطريق إليها لتستمر السابلة بالميرة والنجدة وشاور الأمراء فاتفقوا
على مضايقة العدو لينفتح الطريق ففعلوا ذلك وانفتح الطريق وسلكه المسلمون ودخل
السلطان عكا فأشرف على أمورها ثم جرى بين الفريقين مناوشات في عدة أيام وتأخر الناس
إلى تل العياضية وهو مشرف على عكا وفي هذه المنزلة توفي الأمير حسام الدين طمان
وذلك ليلة نصف شعبان من سنة خمس وثمانين وخمسمائة وكان من الشجعان. قال ابن شداد
سمعت السلطان ينشد وقد قيل له إن الوخم قد عظم بمرج عكا وإن الموت قد فشا في
الطائفتين :
اقتلاني ومالكا*****واقتلا مالكا معي
يريد بذلك أنه قد رضي أن يتلف إذا أتلف الله أعداءه، وهذا البيت له سبب يحتاج
إلى شرح وذلك أن مالك بن الحارث المعروف بالأشتر النخعي كان من الشجعان والأبطال
المشهورين وهو من خواص أصحاب علي بن أبي طالب رضي الله عنه تماسك في يوم معركة
الجمل المشهورة هو وعبد الله بن الزبير بن العوام وكان أيضا من الأبطال وابن الزبير
يومئذ مع خالته عائشة أم المؤمنين وطلحة والزبير رضي الله عنهم أجمعين وكانوا
يحاربون عليا رضي الله عنه فلما تماسكا صار كل واحد منهما إذا قوي على صاحبه جعله
تحته وركب صدره وفعلا ذلك مرارا وابن الزبير ينشد :
اقتلاني ومالكا*****واقتلا مالكا معي
يريد الأشتر النخعي.
قال ابن شداد ثم إن الإفرنج جاءهم الإمداد من داخل البحر واستظهروا على الجيوش
الإسلامية بعكا وكان فيهم الأمير سيف الدين علي بن أحمد المعروف بالمشطوب الهكاري
والأمير بهاء الدين قراقوش الخادم الصلاحي وضايقوهم أشد مضايقة إلى أن غلبوا عن حفظ
البلد فلما كان يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة من سنة 587هـ خرج من عكا رجل عوام
ومعه كتب من المسلمين يذكرون حالهم وما هم فيه وأنهم قد تيقنوا الهلاك ومتى أخذوا
البلد عنوة ضربت رقابهم وأنهم صالحوا على أن يسلموا البلد وجميع ما فيه من الآلات
والعدة والأسلحة والمراكب ومائتي ألف دينار وخمسمائة أسير مجاهيل ومائة أسير معينين
من جهتهم وصليب الصلبوت على أن يخرجوا بأنفسهم سالمين وما معهم من الأموال والأقمشة
المختصة بهم وزراريهم ونسائهم وضمنوا للمركيس لأنه كان الواسطة في هذا الأمر أربعة
آلاف دينار ولما وقف السلطان على الكتب المشار إليها أنكر ذلك إنكارا عظيما وعظم
عليه هذا الأمر وجمع أهل الرأي من أكابر دولته وشاورهم فيما يصنع واضطربت آراؤه
وتقسم فكره وتشوش حاله وعزم على أن يكتب في تلك الليلة مع العوام وينكر عليهم
المصالحة على هذا الوجه وهو يتردد في هذا فلم يشعر إلا وقد ارتفعت أعلام العدو
وصلبانه وناره وشعاره على سور البلد وذلك في ظهيرة يوم الجمعة سابع عشر جمادى
الآخرة من السنة وصاح الإفرنج صيحة عظيمة واحدة وعظمت المصيبة على المسلمين واشتد
حزنهم ووقع فيهم الصياح والعويل والبكاء والنحيب. ثم ذكر ابن شداد بعد هذا أن
الإفرنج خرجوا من عكا قاصدين عسقلان ليأخذوها وساروا على الساحل والسلطان وعساكره
في قبالتهم إلى أن وصلوا إلى أرسوف فكان بينهما قتال عظيم ونال المسلمين منه وهن
شديد ثم ساروا على تلك الهيئة تتمة عشر منازل من مسيرهم من عكا فأتى السلطان الرملة
وأتاه من أخبره بأن القوم على عزم عمارة يافا وتقويتها بالرجال والعدد والآلات
فأحضر السلطان أرباب مشورته وشاورهم في أمر عسقلان وهل الصواب خرابها أم بقاؤها
فاتفقت آراؤهم أن يبقى الملك العادل في قبالة العدو ويتوجه هو بنفسه ويخربها خوفا
من أن يصل العدو إليها ويستولي عليها وهي عامرة ويأخذ بها القدس وتنقطع بها طريق
مصر وامتنع العسكر من الدخول وخافوا مما جرى على المسلمين بعكا ورأوا أن حفظ القدس
أولى فتعين خرابها من عدة جهات وكان هذا الاجتماع يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان سنة
سبع وثمانين وخمسمائة فسار إليها فجر الأربعاء ثامن عشر الشهر قال ابن شداد وتحدث
معي في معنى خرابها بعد أن تحدث مع ولده الملك الأفضل في أمرها أيضا ثم قال لأن
أفقد ولدي جميعهم أحب إلي من أن أهدم منها حجرا ولكن إذا قضى الله تعالى ذلك وكان
فيه مصلحة للمسلمين فما الحيلة في ذلك قال ولما اتفق الرأي على خرابها أوقع الله
تعالى في نفسه ذلك وأن المصلحة فيه لعجز المسلمين عن حفظها وشرع في خرابها فجر يوم
الخميس التاسع عشر من شعبان من السنة وقسم السور على الناس وجعل لكل أمير وطائفة من
العسكر بدنة معلومة وبرجا معينا يخربونه ودخل الناس البلد ووقع فيهم الضجيج والبكاء
وكان بلدا خفيفا على القلب محكم الأسوار عظيم البناء مرغوبا في سكنه فلحق الناس على
خرابه حزن عظيم وعظم عويل أهل البلد عليه لفراق أوطانهم وشرعوا في بيع ما لا يقدرون
على حمله فباعوا ما يساوي عشرة دراهم بدرهم واحد وباعوا اثني عشر طير دجاج بدرهم
واحد واختبط البلد وخرج الناس بأهلهم وأولادهم إلى المخيم وتشتتوا فذهب قوم منهم
إلى مصر وقوم إلى الشام وجرت عليهم أمور عظيمة واجتهد السلطان وأولاده في خراب
البلد كي لا يسمع العدو فيسرع إليه ولا يمكن من خرابه وبات الناس على أصعب حال وأشد
تعب مما قاسوه في خرابها وفي تلك الليلة وصل من جانب الملك العادل من أخبر أن
الإفرنج تحدثوا معه في الصلح وطلبوا جميع البلاد الساحلية فرأى السلطان أن ذلك
مصلحة لما علم من نفس الناس من الضجر من القتال وكثرة ما عليهم من الديون وكتب إليه
يأذن له في ذلك وفوض الأمر إلى رأيه وأصبح يوم الجمعة العشرين من شعبان وهو مصر على
الخراب واستعمل الناس عليه وحثهم على العجلة فيه وأباحهم ما في الهري الذي كان
مدخرا للميرة خوفا من هجوم الإفرنج والعجز عن نقله وأمر بإحراق البلد فأضرمت
النيران في بيوته وكان سورها عظيما ولم يزل الخراب يعمل في البلد إلى نهاية شعبان
من السنة وأصبح يوم الإثنين مستهل شهر رمضان أمر ولده الملك الأفضل أن يباشر ذلك
بنفسه وخواصه ولقد رأيته يحمل الخشب بنفسه لأجل الإحراق، وفي يوم الأربعاء ثالث شهر
رمضان أتى الرملة ثم خرج إلى "اللد" وأشرف عليها وأمر بخرابها وخراب قلعة الرملة
ففعل ذلك وفي يوم السبت ثالث عشر شهر رمضان تأخر السلطان بالعسكر إلى جهة الجبل
ليتمكن الناس من تسيير دوابهم لإحضار ما يحتاجون إليه ودار السلطان حول النطرون وهي
قلعة منيعة فأمر بتخريبها وشرع الناس في ذلك.
--------------------------------------------------------------------------------
الصلح مع الصليبيين
ثم ذكر ابن شداد بعد هذا أن الانكتار وهو من أكابر ملوك الإفرنج سير رسوله إلى
الملك العادل يطلب الاجتماع به فأجابه إلى ذلك واجتمعا يوم الجمعة ثامن عشر شوال من
السنة وتحادثا معظم ذلك النهار وانفصلا عن مودة أكيدة والتمس الانكتار من العادل أن
يسأل السلطان أن يجتمع به فذكر العادل ذلك للسلطان فاستشار أكابر دولته في ذلك ووقع
الاتفاق على أنه إذا جرى الصلح بيننا يكون الاجتماع بعد ذلك ثم وصل رسول الانكتار
وقال إن الملك يقول إني أحب صداقتك ومودتك وأنت تذكر أنك أعطيت هذه البلاد الساحلية
لأخيك فأريد أن تكون حكما بيني وبينه وتقسم البلاد بيني وبينه ولا بد أن يكون لنا
علقة بالقدس وأطال الحديث في ذلك فأجابه السلطان بوعد جميل وأذن له في العود في
الحال وتأثر لذلك تأثرا عظيما قال ابن شداد وبعد انفصال الرسول قال لي السلطان متى
صالحناهم لم تؤمن غائلتهم ولو حدث بي حادث الموت ما كانت تجتمع هذه العساكر وتقوى
الإفرنج والمصلحة أن لا نزول عن الجهاد حتى نخرجهم من الساحل أو يأتينا الموت هذا
كان رأيه وإنما غلب على الصلح. قال ابن شداد ثم ترددت الرسل بينهم في الصلح و تم
الصلح بينهم يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شعبان سنة 588هـ ونادى المنادي
بانتظام الصلح وأن البلاد الإسلامية والنصرانية واحدة في الأمن والمسالمة فمن شاء
من كل طائفة يتردد إلى بلاد الطائفة الأخرى من غير خوف ولا محذور وكان يوما مشهودا
نال الطائفتين فيه من المسرة ما لا يعلمه إلا الله تعالى وقد علم الله تعالى أن
الصلح لم يكن عن مرضاته وإيثاره ولكنه رأى المصلحة في الصلح لسآمة العسكر ومظاهرتهم
بالمخالفة وكان مصلحة في علم الله تعالى فإنه اتفقت وفاته بعد الصلح فلو اتفق ذلك
في أثناء وقعاته كان الإسلام على خطر. ثم أعطى للعساكر الواردة عليه من البلاد
البعيدة برسم النجدة دستورا فساروا عنه وعزم على الحج لما فرغ باله من هذه الجهة
وتردد المسلمون إلى بلادهم وجاءوا هم إلى بلاد المسلمين وحملت البضائع والمتاجر إلى
البلاد وحضر منهم خلق كثير لزيارة القدس.
--------------------------------------------------------------------------------
أواخر أيامه
بعد الصلح سنة 588هـ توجه السلطان إلى القدس ليتفقد أحوالها وتوجه أخوه الملك
العادل إلى الكرك وابنه الملك الظاهر إلى حلب وابنه الأفضل إلى دمشق وأقام السلطان
بالقدس يقطع الناس ويعطيهم دستورا ويتأهب للمسير إلى الديار المصرية وانقطع شوقه عن
الحج ولم يزل كذلك إلى أن صح عنده مسير مركب الانكتار متوجها إلى بلاده في مستهل
شوال فعند ذلك قوي عزمه أن يدخل الساحل جريدة يتفقد القلاع البحرية إلى بانياس
ويدخل دمشق ويقيم بها أياما قلائل ويعود إلى القدس ومنه إلى الديار المصرية. قال
ابن شداد: وأمرني صلاح الدين بالمقام في القدس إلى حين عوده لعمارة مارستان أنشأه
به وتكميل المدرسة التي أنشأها فيه وسار منه ضاحي نهار الخميس السادس من شوال سنة
ثمان وثمانين وخمسمائة ولما فرغ من افتقاد أحوال القلاع وإزاحة خللها دخل دمشق بكرة
الأربعاء سادس عشر شوال وفيها أولاده الملك الأفضل والملك الظاهر والملك الظافر
مظفر الدين الخضر المعروف بالمشعر وأولاده الصغار وكان يحب البلد ويؤثر الإقامة فيه
على سائر البلاد وجلس للناس في بكرة يوم الخميس السابع والعشرين منه وحضروا عندهم
وبلوا شوقهم منه وأنشده الشعراء ولم يتخلف أحد عنه من الخواص والعوام وأقام ينشر
جناح عدله ويهطل سحاب إنعامه وفضله ويكشف مظالم الرعايا فلما كان يوم الاثنين مستهل
ذي القعدة عمل الملك الأفضل دعوة للملك الظاهر لأنه لما وصل إلى دمشق وبلغه حركة
السلطان أقام بها ليتملى بالنظر إليه ثانيا وكأن نفسه كانت قد أحست بدنو أجله فودعه
في تلك الدفعة مرارا متعددة ولما عمل الملك الأفضل الدعوة أظهر فيها من الهمم
العالية ما يليق بهمته وكأنه أراد بذلك مجازاته ما خدمه به حين وصل إلى بلده وحضر
الدعوة المذكورة أرباب الدنيا والآخرة وسأل السلطان الحضور فحضر جبرا لقلبه وكان
يوما مشهودا على ما بلغني. ولما تصفح الملك العادل أحوال الكرك وأصلح ما قصد إصلاحه
فيه سار قاصدا إلى البلاد الفراتية فوصل إلى دمشق في يوم الأربعاء سابع عشر ذي
القعدة وخرج السلطان إلى لقائه وأقام يتصيد حوالي غباغب إلى الكسوة حتى لقيه وسارا
جميعا يتصيدان وكان دخولهما إلى دمشق آخر نهار يوم الأحد حادي عشر ذي الحجة سنة
ثمان وثمانين وأقام السلطان بدمشق يتصيد هو وأخوه وأولاده ويتفرجون في أراضي دمشق
ومواطن الصبا وكأنه وجد راحة مما كان به من ملازمة التعب والنصب وسهر الليل وكان
ذلك كالوداع لأولاده ومراتع نزهه ونسي عزمه إلى مصر وعرضت له أمور أخر وعزمات غير
ما تقدم.
--------------------------------------------------------------------------------
وفاة صلاح الدين
قال ابن شداد: وصلني كتاب صلاح الدين إلى القدس يستدعيني لخدمته وكان شتاء شديدا
ووحلا عظيما فخرجت من القدس في يوم الجمعة الثالث والعشرين من المحرم سنة 589هـ
وكان الوصول إلى دمشق في يوم الثلاثاء ثاني عشر صفر من السنة وركب السلطان لملتقى
الحاج يوم الجمعة خامس عشر صفر وكان ذلك آخر ركوبه، ولما كان ليلة السبت وجد كسلا
عظيما وما تنصف الليل حتى غشيته حمى صفراوية وكانت في باطنه أكثر منها في ظاهره
وأصبح يوم السبت متكاسلا عليه أثر الحمى ولم يظهر ذلك للناس لكن حضرت عنده أنا
والقاضي الفاضل ودخل ولده الملك الأفضل وطال جلوسنا عنده وأخذ يشكو قلقه في الليل
وطاب له الحديث إلى قريب الظهر ثم انصرفنا وقلوبنا عنده فتقدم إلينا بالحضور على
الطعام في خدمة ولده الملك الأفضل ولم تكن للقاضي الفاضل في ذلك عادة فانصرف ودخلت
إلى الإيوان القبلي وقد مد السماط وابنه الملك الأفضل قد جلس في موضعه فانصرفت وما
كانت لي قوة في الجلوس استيحاشا له وبكى في ذلك اليوم جماعة تفاؤلا لجلوس ولده في
موضعه ثم أخذ المرض يتزيد من حينئذ ونحن نلازم التردد طرفي النهار وندخل إليه أنا
والقاضي الفاضل في النهار مرارا وكان مرضه في رأسه وكان من إمارات انتهاء العمر
غيبة طبيبه الذي كان قد عرف مزاجه سفرا وحضرا ورأى الأطباء فصده ففصدوه فاشتد مرضه
وقلت رطوبات بدنه وكان يغلب عليه اليبس ولم يزل المرض يتزايد حتى انتهى إلى غاية
الضعف واشتد مرضه في السادس والسابع والثامن ولم يزل يتزايد ويغيب ذهنه ولما كان
التاسع حدثت له غشية وامتنع من تناول المشروب واشتد الخوف في البلد وخاف الناس
ونقلوا أقمشتهم من الأسواق وعلا الناس من الكآبة والحزن ما لا تمكن حكايته ولما كان
العاشر من مرضه حقن دفعتين وحصل من الحقن بعض الراحة وفرح الناس بذلك ثم اشتد مرضه
وأيس منه الأطباء ثم شرع الملك الأفضل في تحليف الناس، ثم إنه توفي بعد صلاة الصبح
من يوم الأربعاء السابع والعشرين من صفر سنة 589هـ وكان يوم موته يوما لم يصب
الإسلام والمسلمون بمثله منذ فقد الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم وغشي القلعة
والملك والدنيا وحشة لا يعلمها إلا الله تعالى وبالله لقد كنت أسمع من الناس أنهم
يتمنون فداء من يعز عليهم بنفوسهم وكنت أتوهم أن هذا الحديث على ضرب من التجوز
والترخص إلى ذلك اليوم فإني علمت من نفسي ومن غيري أنه لو قبل الفداء لفدي بالأنفس.
ثم جلس ولده الملك الأفضل للعزاء وغسله، وأخرج بعد صلاة الظهر رحمه الله في تابوت
مسجى بثوب فوط فارتفعت الأصوات عند مشاهدته وعظم الضجيج وأخذ الناس في البكاء
والعويل وصلوا عليه أرسالا ثم أعيد إلى الدار التي في البستان وهي التي كان متمارضا
بها ودفن في الصفة الغربية منها وكان نزوله في حفرته قريبا من صلاة العصر.
وأنشد بن شداد في آخر السيرة بيت أبى تمام الطائي وهو:
ثم انقضت تلك السنون*****وأهلها فكأنها وكأنهم أحلام
رحمه الله تعالى وقدس روحه فلقد كان من محاسن الدنيا وغرائبها، وذكر ابن شداد :
أنه مات ولم يخلف في خزانته من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعين درهما ناصرية وجرما
واحدا ذهبا صوريا ولم يخلف ملكا لا دارا ولا عقارا ولا بستانا ولا قرية ولا مزرعة.
وفي ساعة موته كتب القاضي الفاضل إلى ولده الملك الظاهر صاحب حلب بطاقة مضمونها
{لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} {إن زلزلة الساعة شيء عظيم} كتبت إلى مولانا
السلطان الملك الظاهر أحسن الله عزاءه وجبر مصابه وجعل فيه الخلف في الساعة
المذكورة وقد زلزل المسلمون زلزالا شديدا وقد حفرت الدموع المحاجر وبلغت القلوب
الحناجر وقد ودعت أباك ومخدومي وداعا لا تلاقي بعده وقد قبلت وجهه عني وعنك وأسلمته
إلى الله تعالى مغلوب الحيلة ضعيف القوة راضيا عن الله ولا حول ولا قوة إلا بالله
وبالباب من الجنود المجندة والأسلحة المعدة ما لم يدفع البلاء ولا ملك يرد القضاء
وتدمع العين ويخشع القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب وإنا عليك لمحزونون يا يوسف
وأما الوصايا فما تحتاج إليها والآراء فقد شغلني المصاب عنها وأما لائح الأمر فإنه
إن وقع اتفاق فما عدمتم إلا شخصه الكريم وإن كان غيره فالمصائب المستقبلة أهونها
موته وهو الهول العظيم والسلام
************************************************************************************************************************************************************
الخبر عن بني العباس من دول الإسلام
في هذه الطبقة الثالثة للعرب وأولية أمرهم وإنشاء دولتهم
والإلمام بنكت أخبارهم وعيون أحاديثهم هذه الدولة من دولة الشيعة كما
ذكرناه وفرقها منهم يعرفون بالكيسانية وهم القائلون بإمامـة محمـد بـن
علـي بـن الحنفيـة بعـد علـي ثـم بعـده إلـى ابنـه أبـي هشـام عبـد
اللـه. ثـم بعـده إلـى محمـد بن علي بن عبـد اللـه بـن عبـاس بوصيتـه
كمـا ذكرنـا. ثـم بعـده إلـى ابنـه إبراهيـم الإمـام ابـن محمـد ثـم
بعـده إلـى أخيـه أبـي العبـاس السفاح وهو عبد الله بن الحارثية. هكذا
مساقها عند هؤلاء الكيسانية ويسمـون أيضـا الحرماقيـة نسبـة إلى أبي مسلم
لأنه كان يلقب بحرماق. ولبني العباس أيضاً شيعة يسمون الراوندية من أهل
خراسان يزعمون أن أحق الناس بالإمامة بعد النبي صلى الله عليه وسلم هو
العباس لأنه وارثه وعاصبه لقوله وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب
الله. وإن الناس منعوه من ذلك وظلموه إلى أن رده الله إلى ولده ويذهبون
إلى البراءة من الشيخين وعثمـان ويجيـزون بيعـة علـي لـأن العبـاس قـال
لـه يـا ابـن أخـي هلم أبايعك فلا يختلف عليك اثنان. ولقـول داود بـن
علـي عـم الخليفـة العباسـي علـى منبـر الكوفـة يـوم بويع السفاح: يا
أهل الكوفة إنه لم يقـم فيكـم إمـام بعـد رسـول الله صلى الله عليه وسلم
إلا علي بن أبي طالب وهذا القائم فيكم يعني السفاح. قد تقدم لنا كيف كان أصل هذه الدعوة وظهورها بخراسان على
يد أبي مسلم ثم استيلاء شيعتهـم علـى خراسـان والعـراق ثم بيعة السفاح
بالكوفة سنة ثلاث وثلاثين ومائة ثم قتل مروان بـن محمـد وانقراض الدولة
الأموية. ثم خرج بعض أشياعهم وقوادهم وانتقضوا على أبي العباس السفاح
وكان أول من انتقض حبيب بن مرة المري من قواد مروان وكان بخولان والبلقاء
خاف علـى نفسـه وقومـه فخلـع وبيـض ومعنـاه لبـس البيـاض ونصـب الرايـات
البيـض مخالفـة لشعـار العباسية في ذلك. وتابعته قيس ومن يليهم والسفاح
يومئذ بالحيرة بلغه أن أبا الورد مجزأة بن الكوثر بن زفر بن الحارث
الكلابي انتقض بقنسرين وكان من قواد مروان. ولما انهزم مروان وقدم عليه
عبد الله بن علي بايعه ودخل في دعوة العباسية وكان ولد مسلمة بن عبد الملك
مجاورين له ببالس والناعورة فعبث بهم وبنسائهم القائد الذي جاءهم من قبل
عبد الله بن علي. وشكوا ذلك إلى أبي الورد فقتل القائد وخلع معه أهل
قنسرين وكاتبوا أهل حمص في الخلاف وقدموا عليهم أبا محمد عبد الله بن يزيد
بن معاوية وقالوا هو السفياني الذي يذكر. ولما بلغ ذلك عبد الله بن علي
وادع حبيـب بـن مـرة وسـار إلـى أبـي الـورد بقنسريـن ومـر بدمشق فخلف بها
أبا غانم عبد الحميد بن ربعي الطائي في أربعة آلاف فارس مع حرمه وأثقاله
وسار إلى حمص فبلغه أن أهل دمشق خلعوا وبيضوا وقام فيهم بذلك عثمان بن عبد
الأعلـى بـن سراقـة الأزدي. وأنهم هزموا أبا غانم وعسكره وقتلوا منهم
مقتلة عظيمة وانتهبوا ما خلف عندهم فأعرض عن ذلك وسار للقاء السفياني وأبي
داود وقدم أخاه عبد الصمد في عشرة آلاف فكشف ورجع إلى أخيه عبد الله
منهزماً. فزحف عبد الله في جماعة القواد ولقيهـم بمـرج الأحـزم وهـم في
أربعين ألفاًً فانهزموا وثبت أبو الورد في خمسمائة من قومه فقتلوا
جميعاً. وهرب أبو محمد إلى ترمذ وراجع أهل قنسرين طاعة العباسية ورجع
عبد الله بن علي إلى قتال أهل دمشق ومن معهم. فهرب عثمان بن سواقة ودخل
أهل دمشق في الدعوة وبايعوا لعبـد اللـه بـن علـي. ولـم يـزل أبـو محمـد
السفيانـي بـأرض الحجـاز متغيبـاً إلـى أيام المنصور فقتله زياد بـن عبـد
اللـه الحارثـي عامـل الحجـاز يومئـذ وبعـث برأسـه إلـى المنصـور مـع
ابنيـن له أسيرين فأطلقهما المنصور. ثم خلع أهل الجزيرة وبيضوا وكان
السفاح قد بعث إليهم ثلاثة آلاف من جنده مع موسى بن كعـب من قواده وأنزلهم
بحران وكان إسحاق بن مسلم العقيلي عامل مروان على أرمينية. فلما بلغته
هزيمة مروان سار عنها واجتمع إليه أهـل الجزيـرة وحاصـروا موسـى بـن كعـب
بحـران شهرين فبعث السفاح أخاه أبا جعفـر إليهـم وكـان محاصـراً لابـن
هبيـرة بواسـط فسـار لقتـال إسحاق بن مسلم ومر بقرقيسيا والرقة وأهلهما قد
خلعوا وبيضوا. وسار نحو حران فأجفل إسحاق بن مسلم عنها ودخل الرها وبعث
أخاه بكار بن مسلم إلى قبائل ربيعة بنواحي ماردين ورئيسهم يومئذ برمكة من
الحرورية فصمد إليهم أبو جعفر فهزمهم وقتل برمكة في المعركة وانصرف بكار
إلى أخيه إسحاق فخلفه بالرها وسار إلى شمشاط بمعظم عسكره. وجـاء عبـد
اللـه بن علي فحاصره ثم جاء أبو جعفر فحاصروه سبعة أشهر وهو يقول: لا
أخلع البيعة من عنقي حتى أتيقن موت صاحبها. ثم تيقن موت مروان فطلب
الأمـان واستأذنـوا السفاح فأمرهم بتأمينه وخرج إسحاق إلى أبي جعفر فكان
من مآثر أصحابه. واستقام أهل الجزيرة والشام وولى السفاح أخاه أبو جعفر
على الجزيرة وأرمينية وأذربيجان فلم يزل عليها حتى استخلف. ثم تقدم لنا هزيمة يزيد بن هبيرة أمام الحسن بن قحطبة
وتحصنه بواسط وكان جويرة وبعض أصحابـه أشـاروا عليـه بعـد الهزيمـة
اللحـاق بالكوفـة فأبى. وأشار عليه يحيى بن حصين باللحاق بمروان وخوفه
عاقبة الحصار فأبى خشية على نفسه من مروان واعتصم بواسط. وبعث أبو مسلمة
الحسن بن قحطبة فـي العسكـر لحصـاره وعلـى ميمنتـه ابنـه داود فانهـزم
أهـل الشـام واضطـروا إلـى دجلـة وغـرق منهـم كثير. ثم تحاجزوا ودخل ابن
هبيرة المدينة وخرج لقتالهم ثانية بعـد سبعـة أيـام فانهـزم كذلـك ومكثوا
أياماً لا يقتتلون إلا رمياً. وبلغ ابن هبيرة أن أبا أمية الثعلبي قـد
سود فحبسه فغضبت لذلك ربيعة ومعن بن زائدة وحبسوا ثلاثة نفر من فزارة
رهناً في أبـي أميـة. واعتـزل معـن وعبـد اللـه بـن عبـد الرحمـن بـن
بشيـر العجلـي فيمـن معهما فخلى ابن هبيرة سبيل أبي أمية وصالحهم وعادوا
إلى اتفاقهم. ثـم قـدم علـى الحسـن بن قحطبة من ناحية سجستان أبو نصر
مالك بن الهيثم فأوفد غيلان بن عبد الله الخزاعي على السفاح يخبره بقدوم
أبي نصر وكان غيلان واجداً على الحسن فرغب من السفاح أن يبعث عليهم رجلاً
من أهل بيته. فبعث أخاه أبا جعفر وكتب إلى الحسن: العسكر لك والقواد
قوادك ولكن أحببت أن يكون أخي حاضراً فأحسن طاعته ومؤازرته. وقـدم أبـو
جعفـر فأنزلـه الحسـن فـي خيمتـه وجعـل علـى حرسـه عثمـان بن نهيك. ثم
تقدم مالك بن الهيثـم لقتـال أهـل الشـام وابـن هبيـرة. فخرجـوا لقتالـه
وأكمنـوا معـن بـن زائـدة وأبا يحيى الجرافي. ثم استطردوا لابن الهيثم
وانهزموا للخنادق. فخرج عليهم معن وأبو يحيـى فقاتلوهـم إلـى الليـل
وتحاجزوا وأقاموا بعد ذلك أياماً. ثم خرج أهـل واسـط مـع معـن ومحمـد
بـن نباتـة فهزمهـم أصحـاب الحسـن إلـى دجلـة فتساقطـوا فيها. وجاء مالك
بن الهيثم فوجد ابنه قتيلاً في المعركة فحمل على أهل واسط حتى أدخلهم
المدينة. وكان مالك يملأ السفن حطباً ويضرمها ناراً فتحرق ما تمر به
فيأمر ابن هبيرة بأن تجر بالكلاليب ومكثوا كذلك أحد عشر شهراً. وجاء
إسماعيل بن عبد الله القسري إلى ابن هبيرة بقتل مروان وفشلت اليمانية عن
القتال معهـم وتبعهم الفزارية فلم يقاتل معه إلا الصعاليك. وبعث ابن
هبيرة إلى محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى بأن يبايع له فأبطأ عنه جوابه
وكاتب السفاح اليمانية من أصحاب ابن هبيرة وأطمعهـم. فخـرج إليـه زيـاد
بـن صالـح وزيـاد بـن عبيـد اللـه الحرثيـان ووعـدا ابـن هبيرة أن يصلحا
له جهـة السفـاح ولـم يفعـلا. وتـردد الشعـراء بيـن أبـي جعفـر وابـن
هبيـرة فـي الصلـح وأن يكتب له كتاب أمان على ما اختاره ابن هبيرة وشاور
فيه العلماء أربعين يوماً حتى رضيه وأنفذه إلى أبي جعفر فأنفذه إلى السفاح
وأمر بإمضائه وكان لا يقطع أمراً دون أبي مسلم. فكتب إليه يحيى بـن
هبيـرة قـد خرج بعد الأمان إلى أبي جعفر في ألف وثلاثمائة فلقيه الحاجب
سلام بن سليم فأنزله وأجلسه على وسادة وأطاف بحجرة أبي جعفر عشرة آلاف من
أهل خراسان. ثم أذن لابن هبيرة فدخل على المنصور وحادثه وخرج عنه ومكث
يأتيه يوماً ويغبه يوماً. ثم أغـرى أبـا جعفـر أصحابـه بأنـه يأتـي فـي
خمسمائـة فـارس وثلاثمائـة راجـل فيهتـز لـه العسكـر. فأمـر أبو جعفر أن
يأتي في حاشيته فقط. فكان يأتي في ثلاثيـن ثـم آخـراً فـي ثلاثـة. ثـم
ألـح السفـاح علـى أبـي جعفـر فـي قتلـه وهـو يراجعـه للأمـان الـذي كتب
له حتى كتب إليه السفاح: والله لتقتلنه أو لأبعثن مـن يخرجـه مـن حجرتـك
فيقتلـه. فبعث أبو جعفر إلى وجوه القيسية والمضرية وقد أعد لهم ابن نهيك
في مائة من الخراسانية في بعض حجره. وجاء القوم في اثنين وعشرين رجلاً
يقدمهم محمد بن نباتة وجويرة بن سهيل فدعاهم سلام الحاجـب رجليـن رجليـن
وعثمـان ابـن نهيك يقيدهما إلى أن استكملهم وبعث أبو جعفر لحازم بن خزيمـة
والهيثـم بـن شعبـة فـي مائـة إلـى ابـن هبيـرة فقالوا نريد حمل المال
فدلهم حاجبه على الخزائن فأقاموا عندها الرجال وأقبلوا نحوه فقام حاجبه في
وجوههم. فضربه الهيثم فصرعه وقاتل ابنـه داود فقتـل فـي جماعـة مـن
مواليـه. ثـم قتـل ابـن هبيـرة آخراً وحملت رؤوسهم إلى أبي جعفر.
ونادى بالأمان للناس إلا الحكم بن عبد الملك أبي بشر وخالد بن مسلمة
المخزومي وعمر بن در فهرب الحكم وأمن أبو جعفر خالداً فلم يجز السفاح
أمانة وقتله واستأمن زياد بن عبيد الله لابن در فأمنه. قد تقدم لنا ما كان من أبي مسلمة الخلال في أمر أبي
العباس السفاح واتهام الشيعة في أمره وتغير السفاح عليـه وهـو بعكـوة
أعيـن ظاهـر الكوفـة. ثـم تحـول إلـى مدينـة الهاشميـة ونـزل قصرهـا
وهـو يتنكـر لأبـي مسلمـة وكتـب إلـى أبـي مسلـم ببغيتـه وبرأيه فيه فكتب
إليه أبو مسلم بقتله. وقال له داود بـن علـي: لا تفعـل. فيحتـج بهـا
أبـو مسلـم عليـك والذيـن معك أصحابه وهم له أطوع. ولكن اكتـب إليـه
يبعـث من يقتله ففعل. وبعث أبو مسلم مرار بن أنس الضبي فقتله. فلما
قدم نادى السفـاح بالرضـا عـن أبـي مسلمـة ودعـا بـه وخلـع عليه. ثم دخل
عنده ليلة أخرى فسهر عامة ليله ثم انصرف إلى منزله فاعترضه مرار بن أنس
وأصحابه فقتلوه وقالوا قتله الخوارج. وصلى عليه من الغد يحيى أخو السفاح
وكان يسمى وزير آل محمد وأبو مسلم أمير آل محمد. وبلغ الخبـر إلى أبي
مسلم وسرح سليمان بن كثير بالنكير لذلك فقتله أبو مسلم وبعث على فارس محمد
بن الأشعث وأمره أن يقتل ابن أبي مسلمة ففعل. ولما استقام الأمر للسفاح ولى على الكوفة والسواد عمه
داود بن علي ثم عزله وولاه على الحجـاز واليمن واليمامة وولى مكانه على
الكوفة عيسى ابن أخيه موسى بن محمد. ثم توفي داود سنة ثلاث وثلاثين فولى
مكانه على الحجاز واليمامة خالد بن زياد بن عبيد الله وعلى اليمن محمد بن
يزيد بن عبيد الله بن عبد. وولى السفاح على البصرة سفيان بن معاوية
المهلبي ثم عزله وولى مكانه عمه سليمان بن علي وأضاف إليه كور دجلة
والبحرين وعمان. وولـى عمـه إسماعيـل بـن علي الأهواز وعمه عبد الله بن
علي على الشام وأبا عون عبد الملك بـن يزيـد علـى مصـر. وأبـا مسلـم
علـى خراسـان وبرمـك علـى ديـوان الخراج. وولى عمه عيسى بن علـي علـى
فـارس فسبقـه إليهـا محمـد بـن الأشعـث مـن قبـل أبـي مسلم. فلما قدم
عليه عيسى هم محمد بقتله وقال: أمرني أبو مسلم أن أقتل من جاءني بولاية
من غيره. ثم أقصر عن قتله وأستحلفه بأيمان لا مخارج لها أن لا يعلو
منبراً ما عاش ولا يتقلد سيفاً إلا في جهـاد فوفـى عيسى بذلك بقية عمره.
واستعمل بعده على فارس عمه إسماعيل بن علي واستعمل على الموصل محمد بن
صـول فطرده أهلها وقالوا: بل علينا تولى خثعم وكانوا منحرفين عن بني
العباس فاستعمل السفاح عليهم أخـاه يحيـى وبعثـه فـي اثنـي عشـر ألفـاً
فنـزل قصـر الإمـارة وقتـل منهـم اثنـي عشـر رجـلاً فثـاروا به وحمل
السلاح فنودي فيهم بالأمان لمن دخل المسجد الجامع فتسايل الناس عليه وقد
أقام الرجال على أبوابه فقتلوا كل من دخل. يقال قتل أحد عشر ألفاً ممن
لبث وما لا يحصى من غيرهم. وسمع صياح النساء بالليل فأمر من الغد بقتل
النساء والصبيان واستباحهـم ثلاثـة أيام. وكان في عسكره أربعة آلاف من
الزنوج فعاثوا في النساء. وركب في اليوم الرابع وبين يديه الحـراب
والسيـوف فاعترضتـه امـرأة وأخـذت بعنـان دابتـه وقالـت لـه: ألسـت مـن
بني هاشم. ألست ابن عم الرسول أما تعلم أن المؤمنات المسلمات ينكحهن
الزنوج. فأمسك عنها وجمع الزنج عن الغد للعطاء وأمر بهم فقتلوا عن
آخرهم. وبلغ السفاح سوء أمره في أهل الموصل فعزله وولى مكانه إسماعيل بن
علي وولى يحيى مكان إسماعيل بالأهواز وفارس. وملـك الـروم ملطيـة
وقالقيـلا. أقبـل قسطنطيـن ملـك الـروم فحصر ملطية والفتن يومئذ
بالجزيرة وعاملهـا يومئـذ موسـى بـن كعـب بـن أسـان. فلـم يـزل حاصرهم
حتى نزلوا على الأمان وانتقلوا إلى بلاد الجزيرة وحملوا ما قدروا عليه.
وخـرب الـروم ملطيـة وسـاروا عنهـا إلـى مـرج الحصـى وأرسل قسطنطين
العساكر إلى قالقيلا من نواحي ماردين مع قائده كوشان الأرمني فحصرها وداخل
بعض الأرمن من أهل المدينة فنقبوا له السور فاقتحم البلد من ذلك النقب
واستباها. الثوار بالنواحي كان المثنى بن يزيد بن عمر بن هبيرة قد ولاه
أبو علي اليمامة فلما قتل يزيد أبوه امتنع هو باليمامـة فبعـث إليـه زيـاد
بـن عبيد المدن بالعساكر من المدينة مع إبراهيم بن حبان السلمي فقتله
وقتـل أصحابـه وذلـك سنـة ثلـاث وثلاثيـن. وفيهـا خـرج شريك ابن شيخ
إسحاراً على أبي مسلم ونقـض أفعالـه واجتمـع إليـه أكثـر مـن ثلاثيـن
ألفـاً فبعـث إليـه أبو مسلم زياد بن صالح الخزاعي فقاتله وقتله. وفيها
توجه أبو داود وخالد بن إبراهيم إلى الختل فتحصن ملكهم ابن السبيل منهما
ومنعه الدهاقين فحاصره أبو داود حتى جهد الحصار فخرج من حصنه مع الدهاقين
ولحق بفرغانـة. ثـم سـار منهـا إلـى بلـد الصيـن وأخـذ أبـو داود مـن
ظفـر بـه فـي الحصـن فبعـث بهـم إلى أبي مسلم. وفيها الفتنة بين أخشيد
فرغانة وملك الشاش واستمد الأخشيد ملك الصين فأمده بمائة ألف مقاتـل
وحصـروا ملك الشاش حتى نزلوا على حكم ملك الصين فلم يعرض له ولا لقومه
بسوء. وبعث أبو مسلم زياد بن صالح لاعتراضهم فلقيهم على نهر الطرار فظفر
بهم وقتل منهم نحواً من خمسين ألفاً وأسر نحواً من عشرين ألفاً ولحق بهم
بالصين وذلك في ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثيـن. ثـم انتقـض بسـام بـن
إبراهيـم بـن بسـام مـن فرسـان أهـل خراسـان وسـار مـن عسكـر السفاح
وجماعـة علـى رأيـه سـراً إلـى المدائـن فبعـث السفـاح فـي أثرهـم خـازم
بـن خزيمـة فقاتلهـم وقتل أكثرهم واستباحهم وبلغ ماه وانصرف فمر بذات
المطامير وبها أخوال السفاح من بني عبد المدان في نحو سبعين من قرابتهم
ومواليهم. وقيل له: إن المغيرة من أصحاب بسام عندهم فسألهم عنه
فقالوا: مر بنا مجتازاً فهددهم إن لم يأخذه فأغلظوا له في القول فقتلهم
أجمعين ونهب أموالهم وهدم دورهم وغضبت اليمانية لذلـك ودخـل بهم زياد بن
عبيد الله الحارثي على السفاح وشكوا إليه ما فعل بهم فهم بقتله. وبلغ
ذلك موسى بن كعب وأبا الجهم بن عطية فدخلا على السفاح وذكراه سابقة الشيعة
وطاعتهـم وأنهـم آثروكـم على الأقارب والأولاد وقتلوا من خالفكم فإن كان
لا بد من قتله فابعثه لوجه من الوجوه فإن قتل هو الذي تريد وإن ظفر فلك.
بعثه إلى الخوارج الذين بجزيرة ابن كاوان من عمان مع شيبـان بـن عبـد
العزيـز اليشكـري فبعـث معـه سبعمائـة رجـل فحملهـم سليمـان بـن علـي مـن
البصـرة فـي السفن وقد انضم إليه من أهله وعشيرته ومواليه وعدة من بني
تميـم مـن البصـرة فلمـا أرسـوا بجزيـرة ابـن كـاوان قـدم خـازم فضلـة بن
نعيم المنشلي في خمسمائة إلى شيبـان فانهـزم هـو وأصحابه وكانوا صفرية
وركبوا إلى عمان فقاتلهم الجلندي في الإباضية فقتل شيبان ومن معه كما مر
وشيبان هذا غير شيبان بن سلمة الذي قتل بخراسان فربما يشتبهان. ثم ركب
خازم البحر إلى ساحل عمان فنزل وقاتل الجلندي أياماً أمر خازم أصحابه في
آخرها أن يجعلوا على أطراف أسنتهم المشاقة ويدوروها بالنفط ويشعلوها
بالنيران ويرموهـا في بيوت القوم وكانت من خشب. فلما اضطرمت فيها النار
شغلوا بأهليهم وأولادهم عن القتل فحمل عليهم خازم وأصحابه فاستحملوهم.
وقتل الجلندي وعشرة آلاف فبعث خازم برؤوسهم إلى البصرة فبعثها سليمان إلى
السفاح فندم. ثم غزا خالد بن إبراهيم أهل كش فقتل الأخشيد ملكها وهو
مطيع واستباحهم وأخذ من الأوانـي الصينيـة المنقوشـة المذهبـة ومـن
الديبـاج والسـروج ومتاع الصين وظرفه ما لم ير مثله وحمله إلـى أبـي مسلـم
بسمرقنـد. وقتـل عدة من دهاقين كش وملك طازان أخا الأخشيد على كش.
ورجـع أبـو مسلـم إلـى مـرو بعـد أن فتـك فـي الصغـد وبخـارى وأمـر ببنـاء
سـور سمرقنـد. واستخلـف زيـاد بـن صالـح علـى بخـارى وسمرقنـد ورجـع
أبـو داود إلـى بلـخ. ثـم بلـغ السفـاح انتقاض منصور بن جمهور بالسند
فبعث صاحـب شرطتـه موسـى بـن كعـب واستخلـف مكانـه علـى الشرطـة المسيب بن
زهير. وسار موسى لقتال ابن جمهور فلقيه بتخوم الهند وهو في نحو اثني عشر
ألفاً فانهزم ومات عطشاً في الرمال. ورحل عامله على السند بعياله وثقلته
فدخل بهم بلاد الخزر. ثم انتقض سنة خمس وثلاثين زياد بن صالح وراء
النهر. فسار أبو مسلم إليه من مرو وبعث أبو داود خالـد بـن إبراهيـم
نصـر بـن راشـد إلـى ترمذ ليمنعها من زياد فلما وصل إليها خرج عليه ناس من
الطالقـان فقتلـوه فبعـث مكانـه عيسـى بـن ماهان فسمع قتلة نصر فقتلهم.
وسار أبو مسلم فانتهى إلـى آمـد ومعـه سبـاع بـن النعمـان الـأزدي وكان
السفاح قد دس معه إلى زياد بن صالح الأزدي أن ينتهـز فرصـة فـي أبـي مسلـم
فيقتلـه. ونمـى الخبـر إلى أبي مسلم فحبس سباعاً بآمد وسار عنها وأمر
عامله بقتله. ولقيه قواد زياد في طريقه وقد خلعوا زياداًً فدخل أبو مسلم
بخارى ونجا زيـاد إلـى دهقـان هنـاك فقتله وحمل رأسه إلى أبى مسلم. وكتب
أبو مسلم إلى أبي داود فقتله وكـان قـد شغـل بأهـل الطالقـان فرجـع إلى كش
وبعث عيسى بن ماهان إلى بسام فلم يظفر منها بشيء وبعث إلى بعض أصحاب أبي
مسلم يعيب أبا داود وعيسى فضربه وحبسـه. ثـم أخرجه فوثب عليه الجند
فقتلوه ورجع أبو مسلم إلى مرو. حج أبي جعفر وأبي مسلم استـأذن أبـو مسلـم السفـاح فـي القـدوم عليـه للحـج
وكـان منـذ ولـي خراسـان لم يفارقها فأذن له في القدوم مع خمسمائة من
الجند فكتب إليه أبو مسلم أني قد عاديت النـاس ولسـت آمـن علـى نفسـي
فـأذن لـه فـي ألـف وقال إن طريق مكة لا تحتمل العسكر فسار في ثمانيـة
آلـاف فرقهـم مـا بيـن نيسابـور والـري وخلـف أموالـه وخزائنـه بالـري
وقـدم في ألف وخرج القواد بأمـر السفـاح لتلقيـه فدخـل على السفاح وأكرمه
وأعظمه. واستأذن في الحج فأذن له وقال: لولا أن أبـا جعفـر يريـد
الحـج لاستعملتـك علـى الموسـم. فأنزلـه بقريـة وكـان قـد كتـب إلـى
أبـي جعفـر أن أبا مسلـم استأذننـي فـي الحـج وأذنـت لـه وهـو يريـد
ولايـة الموسم فاسألني أنت في الحج فلا تطمع أن يتقدمك وأذن له فقدم
الأنبار. وكان ما بين أبي جعفر وأبي مسلم متباعداً من حيث بعث السفاح
أبا جعفر إلى خراسان ليأخذ البيعة له ولأبي جعفر من بعده ويولي أبا مسلم
على خراسان فاستخلى أبو مسلم بأبي جعفر. فلما قدم ألان أبو جعفر السفاح
بقتله وأذن له فيه ثـم نـدم وكفـه عـن ذلـك وسـار أبـو جعفـر إلـى الحج
ومعه أبو مسلم واستعمل على حران مقاتل بن حكيم العكي. موت السفاح وبيعة
المنصور كـان أبـو العبـاس قـد تحـول مـن الحيـرة إلـى الأنبـار فـي ذي
الحجـة سنـة أربع وثلاثين فأقام بها سنتين ثـم توفـي فـي ذي الحجـة سنـة
سـت وثلاثيـن لثلـاث عشـرة ليلـة خلـت منـه ولأربـع سنيـن وثمانيـة أشهـر
من لدن بويع وصلى عليه عمه عيسى ودفن بالأنبار. وكان وزيره أبو الجهم بن
عطية وكان قبـل موتـه قـد عهـد بالخلافـة لأخيـه أبي جعفر ومن بعده لعيسى
ابن أخيهما موسى وجعل العهد في ثـوب وختمـه بخواتيمـه وخواتيـم أهـل بيتـه
ودفعـه إلـى عيسـى. ولمـا توفـي السفـاح وكـان أبـو جعفـر بمكـة فأخـذ
البيعة على الناس عيسى بن موسى وكتب إليه بالخبر فجزع واستدعى أبا مسلم
وكـان متأخـراً عنـه فأقـرأه الكتـاب فبكى واسترجع وسكن أبا جعفر عن الجزع
فقال: أخاف شر عبـد اللـه بـن علـي قـال: أنا أكفيكه وعامة جنده أهل
خراسان وهم أطوع لي منه فسري عنه. وبايـع لـه أبـو مسلـم والنـاس وأقبلا
حتى قدما الكوفة. ويقال: إن أبا مسلم كان متقدماً على أبي جعفر فإن
الخبر قد أتاه قبله فكتب أبو مسلم إليه يعزيه ويهنيه بالخلافة وبعد يومين
كتب له ببيعته. وقدم أبو جعفر الكوفة سنة سبع وثلاثين وسار منها إلى
الأنبار فسلم إليه عيسى بيوت الأموال والدواوين واستقام أمر أبي جعفر. كان عبد الله بن علي قدم على السفاح قبل موته فبعثه إلى
الصائفة في جنود أهل الشام وخراسان فانتهى إلى دلوك ولم يدر حتى جاءه كتاب
عيسى بن موسى بوفاة السفاح وأخذ البيعـة لأبي جعفر وله من بعده كما عهد به
السفاح فجمع عبد الله الناس وقرأ عليهم الكتاب وأعلمهم أن السفاح حين أراد
أن يبعث الجنود إلى حران تكاسل بنو أبيه عنها فقال لهم: من انتدب منكم
فهو ولي عهدي فلم ينتدب غيري وشهد له أبو غانم الطائي وخفاف المروزي
وغيرهما من القواد وبايعوه وفيهم حميد بن حكيم بـن قحطبـة وغيـره مـن
خراسـان والشـام والجزيرة. ثم سار عبد الله حتى نزل حران وحاصر مقاتل بن
حكيم العكي أربعين يوماً وخشـي مـن أهـل خراسـان فقتـل منهـم جماعـة وولى
حميد بن قحطبة على حلب وكتب معه إلى عاملها زفر بن عاصم بقتله فقرأ الكتاب
في طريقه وسار إلى العراق. وجاء أبو جعفر من الحج فبعث أبا مسلم لقتال
عبد الله ولحقه حميد بن قحطبة نازعاً عن عبـد اللـه فسـار معـه وجعـل علـى
مقدمتـه مالـك بن الهيثم الخزاعي. ولما بلغ عبد الله خبر إقباله وهـو
علـى حـران بـذل الأمـان لمقاتـل بـن حكيـم ومـن معه وملك حران. ثم بعث
مقاتلاً بكتابه إلى عثمـان بـن عبـد الأعلـى فلمـا قـرأ الكتـاب قتلـه
وحبس ابنيه حتى إذا هزم عبد الله قتلهما. وأمر المنصـور محمـد بن صول
وهو على أذربيجان أن يأتي عبد الله بن علي ليمكر به فجاء وقال: إنـي
سمعـت السفاح يقول: الخليفة بعدي عمي عبد الله فشعر بمكيدته وقتله وهو
جد إبراهيم بن العباس الصولي الكاتب. ثم أقبل عبد الله بن علي حتى نزل
نصيبين وخندق عليه وقدم أبو مسلم فيمن معه. وكان المنصـور قـد كتـب إلى
الحسن بن قحطبة عامله على أرمينية بأن يوافي أبا مسلم. فقدم عليه
بالموصـل وسـار معـه. ونـزل أبـو مسلـم ناحيـة نصيبيـن وكتـب إلـى عبـد
اللـه أني قد وليت الشام ولم أؤمر بقتالك فقال أهل الشام لعبد الله سر بنا
إلى الشام لنمنع نساءنا وأبناءنا. فقال لهم عبد اللـه: مـا يريـد إلا
قتالنـا وإنمـا قصد المكر بنا فأبوا إلا الشام فارتحل بهم إلى الشام ونزل
أبو مسلم فـي موضـع معسكره وغور ما حوله من المياه فوقف أصحاب عبد الله
بكار بن مسلم العقيلي وعلـى ميسرتـه حبيـب بـن سويـد الأسـدي وعلـى الخيـل
عبـد الصمـد بن علي أخو عبد الله وعلى ثـم حمـل أصحـاب عبد الله على عسكر
أبي مسلم فأزالوهم عن مواضعهم وحمل عبد الصمد فقتـل منهـم ثمانيـة عشـر
رجـلاً. ثـم حمـل عليهـم ثانيـة فأزالـوا صفهـم. ثـم نـادى منـادي
أبـي مسلـم في أهـل خراسـان فتراجعوا. وكان يجلس إذا لقي الناس على عريش
ينظر منه إلى الحومة فإن رأى خللاً أرسل بسده. فلا تزال رسله تختلف بينه
وبين الناس حتى ينصرفوا. فلما كان يوم الأربعاء لسبع خلون من جمادى
الآخرة سنة سبع وثلاثين اقتتلوا وأمر أبو مسلم الحسن بن قحطبة أن يضم إلى
الميسرة وينزل في الميمنة حماة أصحابه فانضم أهل الشام من الميسرة إلى
الميمنة كما أمرهم وأمر أبو مسلم أهل القلب فحطموهم وركبهم أصحاب أبي
مسلم. فانهـزم أصحـاب عبـد اللـه فقـال لابـن سراقـة. مـا تـرى قال
الصبر إلى أن تموت فالفرار فيكم بمثلك قبيح. قال بل آتي العراق فأنا معك
فانهزموا وحوى أبو مسلم عسكرهم. وكتب بذلك إلى المنصور ومضى عبد الله
وعبد الصمد. فقدم عبد الصمد الكوفة فاستأمن له عيسى بن موسـى وأمنـه
المنصـور. وقيـل بـل أقـام بالرصافـة حتى قدمها جمهور بن مروان العجلي
في خيول أرسلها المنصور فبعث به موثقاً مـع أبـي الخطيـب فأطلقـه
المنصـور. وأمـا عبـد اللـه فقـدم البصـرة وأقـام عنـد أخيه سليمان
متوارياً حتى طلبه وأشخص إليه. ثم إن أبا مسلم أمن الناس بعد الهزيمة
وأمر بالكف عنهم كان أبو مسلم لما حج مع المنصور يؤيد نفسه عليه ويتقـدم
بالإحسان للوفود وإصلاح الطريق والمياه وكان الذكر له وكان الأعراب
يقولون: هذا المكذوب عليـه. ولما صدروا عن الموسم تقدم أبو مسلم ولقيه
الخبر بوفاة السفاح فبعث إلى أبي جعفر يعزيـه ولـم يهنئـه بالخلافـة ولا
رجـع إليـه ولا أقام ينتظره. فغضب أبو جعفر وكتب إليه وأغلظ في العتـاب
فكتـب يهنئـه بالخلافـة ويقـدم إلى فدعا عيسى بن موسى إلى أن يبايع له
فأبى وقدم أبو جعفر وقد خلع عبيد الله بن علي فسرح أبا مسلم لقتاله فهزمه
كما مر وجمع الغنائم من عسكره. فبعث المنصور مولاه أبا الخصيب لجمعها
فغضب أبو مسلم وقال: أنا أعين على الدعاء فكيف أخون الأموال وهم بقتل
الخصيب ثم خلى عنه. وخشي المنصور أن يمضي إلى خراسان فكتب إليه بولاية
مصر والشام فازداد نفاراً وخرج من الجزيرة يريد خراسان وسار المنصور إلى
المدائـن وكتـب إليـه يستقدمـه فأجابـه بالامتنـاع والمسك بالطاعة عن بعد
والتهديد بالخلع إن طلب منه سوى ذلك فكتب إليه المنصور ينكر عليه هذا
الشرط وأنه لا يحسن طاعة. وبعث إليه عيسى بن موسى برسالة يؤنسه ويسليه
وقيـل: بـل كتـب إليـه أبـو مسلـم يعـرض لـه بالخلع وأنه قد تاب إلى
الله مما جناه من القيام بدعوتهم وأخـذ أبـو مسلـم طريـق حلـوان وأمـر
المنصـور عمـه عيسـى ومشيخـة بنـي هاشـم بالكتاب على أبي مسلم يحرضونه على
التمسك بالطاعة ويحذرونه عاقبة البغي ويأمرونه بالمراجعة. وبعث الكتب مع
مولاه أبي حميد المروروذي وأمره بملاينته والخضوع له بالقول حتى ييأس منه
فإذا يئس يخبره بقسم أمير المؤمنين لأوكلت أمرك إلى غيري ولو خضت البحر
خضته وراءك ولـو اقتحمـت النـار لاقتحمتهـا حتـى أقتلـك وأمـوت. فأوصـل
أبـو حميـد الكتـب وتلطـف لـه في القول ما شاء واحتج عليه بما كان منه في
التحريض على طاعتهم فاستشار أبو مسلم مالك بن الهيثم فأبى له من الإصغاء
إلى هذا القول وقال: والله لئن أتيته ليقتلنك. ثم بعث إلى نيزك صاحب
الري يستشيره فأبى له من ذلك وأشار عليه بنزول الري وخراسان من ورائه
فيكون أمكن لسلطانه. فأجاب أبا حميد بالامتناع فلما يئس منه أبلغه مقالة
المنصور فوجم طويلاً ورعـب مـن ذلـك القـول وأكبـره. وكـان المنصـور قـد
كتب إلى عامل أبي مسلم بخراسان يرعبه في الانحـراف عنـه بولايـة خراسـان
فأجاب سراً وكتب إلى أبي مسلم يحذره الخلاف والمعصية فزاده ذلـك رعبـاً
وقـال لأبـي حميـد قبـل انصرافـه: قد كنت عزمت على المضي إلى خراسان ثم
رأيت أن أوجه أبا إسحاق إلى أمير المؤمنين يأتيني برايته فإني أثق به.
ولما قدم أبو إسحاق تلقاه بنو هاشم وأهل الدولة بكل ما يجب وداخله المنصور
في صرف أبي مسلم عن وجهة خراسان ووعده بولايتها فرجع إليه وأشار عليه
بلقاء المنصور فاعتزم علـى ذلـك. واستخلـف مالـك بـن الهيثـم علـى عسكره
بحلوان وسار فقدم المدائن في ثلاثة آلاف وخشي أبو أيوب وزير المنصور أن
يحدث منه عند قدومه فتك فدعا بعض إخوانه وأشار عليـه بـأن يأتـي أبـا
مسلـم ويتوسـل به إلى المنصور في ولاية كسكر ليصيب فيها مالاً عظيماً وأن
يشرك أخاه في ذلك فإن أمير المؤمنين عازم أن يوليه ما يوري به ويريح
نفسه. واستأذن له المنصـور فـي لقـاء أبـي مسلـم فـأذن لـه فلقـي مسلم
وتوسل إليه وأخبره الخبر فطابت نفسه وذهب عنه الحزن. ولما قرب أمر الناس
بتلقيه ثم دخل على المنصور فقبل يده وانصرف ليريح ليلته ودعا المنصور من
الغد حاجبه عثمان بن نهيك وأربعة من الحرس منهم شبيب بن رواح وابن حنفية
حرب بن قيس وأجلسهم خلف الرواق وأمرهم بقتل أبي مسلم إذا صفق بيديه.
واستدعـى أبا مسلم فلما دخل سأله عن سيفين أصابهما لعمه عبد الله بن علي
وكان متقلداً بأحدهما فقال هذا أحدهما فقال أرني فانتضاه أبو مسلم وناوله
إياه فأخذ يقلبه بيده ويهزه. ثم وضعه تحت فراشه وأقبل يعاتبه فقال:
كتبت إلى السفاح تنهاه عن الموات كأنك تعلمه قال ظننت أنه لا يحل ثم
اقتديت بكتاب السفاح وعلمت أنكم معدن العلم. قـال: فتوركك عني بطريق
مكة قال كرهت مزاحمتك على المال قال فامتناعك من الرجوع إلي حيـن بلغـك
مـوت السفـاح أو الإقامـة حتـى ألحقـك قـال طلبـت الرفـق بالناس والمبادرة
إلى الكوفة قال فجارية عبد الله بن علي أردت أن تتخذها لنفسك قال لا إنما
وكلت بها من يحفظها. قـال: فمراغمتـك ومسيـرك إلـى خراسان قال: خشيت
منك فقلت آتي خراساني وأكتب بعذري فأذهـب مـا فـي نفسـك منـي قـال:
فالمـال الـذي جمعتـه بحـران قـال: أنفقتـه فـي الجنديـة تقويـة لكـم.
قال ألسـت الكاتـب إلـي تبـدأ بنفسـك وتخطـب آسيـة بنـت علـي وتزعـم أنـك
ابـن سليـط بن عبد الله بن عباس لقد ارتقيت لا أم لك مرتقىً صعباً. ثـم
قـال له: وما الذي دعاك إلى قتل سليمان بن كثير مع أثره في دعوتنا وهو
أحد نقبائنا من قبـل أن ندخلـك فـي هـذا الأمـر قـال: أراد الخلافـة
فقتلتـه. ثـم قال أبو مسلم: كيف يقال هذا بعد بلائي وما كان مني قال
يا ابن الخبيثة لو كانت أمة مكانك لأغنت إنما ذلك بدولتنا وربحنا. وأكب
أبو مسلم يقبل يده ويعتذر فازداد المنصور غضباً. ثم قال أبو مسلم دع هذا
فقد أصبحت لا أخاف إلا الله. فشتمه المنصور وصفق بيديه فخرج الحرس.
وضربه عثمان بن نهيك فقطع حمائل سيفه. فقال استبقني لعدوك فقال لا
أبقاني الله إذاً وأي عدو أعدى منك وأخذه الحرس بسيوفهم حتى قتلوه وذلك
لخمس بقين من شعبان سنة سبع وثلاثين. وخرج الوزير أبو الجهم فصرف الناس
وقال الأمير قائل عند أمير المؤمنين فانصرفوا وأمر لهم بالجوائز وأعطى
إسحاق مائة ألف. ودخل عيسى بن موسى على المنصور فسأل عنه وأخذ فـي
الثنـاء علـى طاعته وبلائه وذكر رأي الإمام إبراهيم فيه. فقال
المنصور: والله ما أعلم على وجـه الـأرض عدواً أعدى لكم منه هو ذا في
البساط. فاسترجع عيسى فأنكر عليه المنصور وقـال: وهـل كـان لكم ملك
معه ثم دعا جعفر بن حنظلة واستشاره في أمر أبي مسلم فأشار بقتلـه فقـال
لـه المنصـور وفقـك اللـه ثـم نظـر إليـه قتيـلاً فقـال لـه يـا أمير
المؤمنين عد خلافتك من هذا اليـوم. ثـم دعـا أبـا إسحاق عن متابعة أبي
مسلم وقال تكلم بما أردت وأخرجه قتيلاً. فسجد أبو إسحاق ثم رفع رأسه
يقول: الحمد لله أميت هو ولله ما جئته قط إلا تكفنت وتحنطت ورفع ثيابه
وأراه كفنه وحنوطه. فرحمه وقال له استقبل طاعتك واحمد الله الذي
أراحك. وكتب المنصور بعد قتل أبي مسلم إلى أبي نصر بن الهيثم على لسان
أبي مسلم يأمره بحمل أثقالـه وقـد كـان أبـو مسلم أوصاه إن جاءك كتاب
بخاتمي تاماً فاعلم أني لم أكتبه فلما رآه كذلك فطـن وانحـدر إلـى همـذان
يريـد خراسان فكتب له المنصور بولاية شهرزور وكتب إلى زهير بن التركـي
بهمـذان بحبسـه. فمر أبو نصر بهمذان وخادعه زهير ودعاه إلى طعامه
وحبسه. وجاء كتاب العهد بشهرزور لأبي نصر فأطلقه زهير ثم جاءه بعد ذلك
الكتاب بقتله فقال جاءني كتاب عهده فخليت سبيله. وقـدم أبـو نصـر علـى
المنصـور فعذلـه فـي إشارتـه على أبي مسلم بخراسان فقال نعم استنصحني
فنصحـت لـه. وإن استنصحنـي أميـر المؤمنيـن نصحـت وشكـرت واستعملـه علـى
الموصل. وخطب أبو جعفر الناس بعد قتل أبي مسلم وانسهم وافترق أصحابه
وخرج منهم بخراسان رجـل اسمـه سنبـاد ويسمـى فيـروز أصبهبـد وتبعـه أكثـر
الجبال يطلبون بدم أبي مسلم وغلب على نيسابـور والـري وأخـذ الخزائـن أبـي
مسلـم التـي خلفهـا بالـري حيـن شخـص إلـى السفـاح. وسبـى الحرم ونهب
الأموال ولم يعرض إلى التجار. وكان يظهر أنه قاصد إلى الكعبة يهدمها
فسرح إليه المنصور جمهور بن حرار العجلي والتقوا على طرق المفازة بين
همذان والري فقاتلهم وهزمهم وقتل منهم نحواً من ستين ألفاً سبى ذراريهم
ونساءهم. ولحق سنباد بطبرستان فقتله بعض عمال صاحبها وأخذ ما معه.
وكتب إلى المنصور بذلك فكتـب إليـه المنصـور في الأموال فأنكرها فسرح إليه
الجنود فهرب إلى الديلم. ثم إن جمهور بن مرار لما حوى ما في عسكر سنباد
ولم يبعث به خاف من المنصور فخلع واعتصم بالري فسرح إليه محمد بن الأشعث
في الجيوش فخرج من الري إلى أصبهان فملكها وملك محمد الـري. ثـم
اقتتلـوا وانهـزم جمهـور فلحـق بأذربيجـان وقتلـه بعـض أصحابه وحملوا رأسه
إلى المنصور وذلك سنة ثمان وثلاثين. حبس عبد الله بن علي كـان عبـد
اللـه بـن علـي بعـد هزيمتـه أمـام أبـي مسلم لحق بالبصرة ونزل على أخيه
سليمان. ثم إن المنصور عزل سليمان سنة تسع وثلاثين فاختفى عبد الله
وأصحابه فكتب المنصـور إلـى سليمـان وأخيـه عيسـى بأمـان عبد الله وقواده
ومواليه وأشخاصهم إلى المنصور منهما فشخصـوا. ولمـا قدمـا عليـه فـأذن
لهمـا فأعلمـاه بحضـور عبـد الله واستأذناه له فشغلهما بالحديـث وأمـر
بحبسـه فـي مكـان قـد هيـىء لـه فـي القصـر فلمـا خـرج سليمـان وعيسـى لـم
يجـد عبد الله فعلما أنه قد حبس وأن ذمتهما قد أخفرت فرجعا إلى المنصور
فحبسا عنـه. وتـوزع أصحاب عبد الله بين الحبس والقتل وبعث ببعضهم إلى
أبي داود خالد بن إبراهيم بخراسان فقتلهـم بهـا. ولم يزل عبد الله
محبوساً حتى عهد المنصور إلى المهدي سنة تسع وأربعين وأمر موسى بن عيسى
فجعله بعد المهدي ودفع إليه عبد الله وأمره بقتله وخرج حاجاً. وسار
عيسـى كاتبـه يونـس بـن فـروة فـي قتـل عبـد اللـه بـن علـي فقـال: لا
تفعـل فإنـه يقتلـك بـه وإن طلبـه منـك فـلا تـرده إليه سراً فلما قفل
المنصور من الحج دس على أعمامه من يحرضهم على الشفاعة في أخيهم عبد الله
فشفعهم وقال لعيسى: جئنا به فقال قتلته كما أمرتني. فأنكر المنصور
وقال خذوه بأخيكم فخرجوا به ليقتلوه حتى اجتمع الناس واشتهر الأمر فجاء به
وقال هوذا حي سوي فجعله المنصور في بيت أساسه ملح وأجرى عليه الماء فسقط
ومات. كان هؤلاء القوم من أهل خراسان ومن أتبـاع أبـي مسلـم يقولـون
بالتناسـخ والحلـول وأن روح آدم فـي عثمـان بـن نهيـك وأن اللـه حـل فـي
المنصـور وجبريـل فـي الهيثـم بـن معاوية. فحبس المنصور نحـواً مـن
مائتيـن منهم فغضب الباقون واجتمعوا وحملوا بينهم نعشاً كأنهم في جنازة
وجاؤوا إلى السجـن فرمـوا بالنعـش وأخرجـوا أصحابهـم وحملوا على الناس في
ستمائة رجل. وقصدوا قصر المنصور وخرج المنصور من القصر ماشياً. وجاء
معن بن زائدة الشيباني وكان مستخفياً من المنصور لقتاله مع ابن هبيرة وقد
اشتد طلب المنصور له فحضر عنده هـذا اليـوم متلثمـاً وترجـل وأبلـى. ثـم
جـاء إلـى المنصـور ولجـام بغلتـه فـي يـد الربيـع حاجبـه وقـال: تنـح
ذا أنـا أحق بهدا اللجام في هذا الوقت وأعظم فنازل وقاتل حتى ظفر
بالراوندية. ثم سأله فانتسب فأمنه واصطنعه. وجاء أبو نصر مالك بن
الهيثم ووقف على باب المنصور وقال: أنا اليوم بواب ثم قاتلهم أهل السوق
وفتح باب المدينة ودخل الناس وحمل عليهم خازم بن خزيمة والهيثم بن شعبة
حتى قتلوهـم عـن آخرهـم. وأصـاب عثمـان بـن نهيك في الحومة سهم فمات منه
بعد أيام وجعل على الحبس بعده أخاه عيسى ثم بعده أبا العباس الطوسي وذلك كله
بالهاشمية. ثم أحضر معناً ورفع منزلته وأثنى عليه بما كان منه في ذلك
اليوم مع عمه عيسى فقال معن: والله يا أمير المؤمنين لقد جئت إلى
الحكومة وجلاً حتى رأيت شدتك فحملني ذلك على ما رأيت مني وقيل: إنه كان
مختفياً عند أبي الخصيب حاجب المنصور وأنه جاء يوم الراوندية فاستأذن أبو
الخصيب وشاوره المنصور فأشار ببث المال في الناس وأبى المنصور إلا الركوب
إليهم بنفسه فخرج بين يديه وأبلى حتى قتلوا ثم تغيب فاستدناه وأمنه وولاه
على اليمن. انتقاض خراسان ومسير المهدي إليها
كان السفاح قد ولى على خراسان أبا داود خالد بن إبراهيم
الذهلي بعد انتقاض بسام بن إبراهيم ومهلكه. فلما كان سنة أربعين ثار به
بعض الجند وهو بكشماهن وجاؤوا إلى منزله فأشرف عليهم ليـلاً مـن السطـح
فزلـت قدمـه فسقـط ومـات ليومـه. وكـان عصـام صاحـب شرطته فقام بالأمر
بعده. ثم ولى المنصور على خراسان عبد الجبار بن عبد الرحمن فقدم عليها
وحبس جماعة من القواد اتهمهم بالدعاء للعلوية منهم مجاشع بن حريث الأنصاري
عامل بخـارى وأبـو المعـرة خالـد بـن كثيـر مولـى بنـي تميـم عامـل
قهستـان والحريـش بـن محمد الذهلي ابن عم أبي داود في أخرين. ثـم قتـل
هـؤلاء وألـح علـى عمـال أبـي داود فـي استخراج المال وانتهت الشكوى إلى
المنصور بذلك فقـال لأبـي أيـوب إنمـا يريـد بفنـاء شيعتنـا الخلع فأشار
عليه أبو أيوب أن تبعث من جنود خراسان لغزو الروم فإذا فارقوه بعثت إليه
من شئت واستمكن منه. فكتب إليه بذلك فأجاب بأن التـرك قـد جاشـت وإن
فرقـت الجنود خشيت على خراسان. فقال له أبو أيوب اكتب إليه بأنك ممـده
بالجيـوش وابعث معها من شئت يستمكن منه فأجاب عبد الجبار بأن خراسان مغلبة
في عامها ولا تحتمل زيادة العسكر. فقال له أبو يوسف هذا خلع فعاجله.
فبعث ابنه المهدي فسار ونزل الري. وقدم خازم بن خزيمة لحرب عبد الجبار
فقاتلوه فانهزم وجاء إلى مقطنة وتوارى فيها. فعبر إليه المحشد بن مزاحم
من أهل مرو الروذ وجاء به إلى خازم فحمله على بعير وعليه جبة صوف ووجهه
إلى عجز البعير وحمله إلى المنصور في ولده وأصحابه. فبسط إليهم العذاب
حتـى استخـرج الأمـوال ثـم قطـع يديـه ورجليـه وقتلـه. وذلـك سنة اثنتين
وأربعين وبعث بولده إلى دهلك فعزلهم بها وأقام المهدي بخراسان حتى رجع إلى
العراق سنة تسع وأربعين انتقض عيينة بن موسى بن كعب بالسند وكان عاملاً عليها من
بعد أبيه وكان أبـوه يستخلـف المسيـب بـن زهيـر علـى الشرط فخشي المسيب إن
حضر عيينة عند المنصور أن يوليه على الشرط فحذره المنصور وحرضه على الخلاف
فخلع الطاعة. وسار المنصور إلى البصـرة وسـرح من هنالك عمر بن حفص بن
أبي صفوة العتكي لحرب عيينة وولاه على السند والهند فورد السند وغلب
عليها. وفي هذه السنة انتقض الأصبهبذ بطبرستان وقتل من كان فـي أرضـه
مـن المسلميـن فبعث المنصور مولاه أبا الخصيب وخازم بن خزيمة وروح بن حاتم
في العساكر فحاصروه في حصنه مدة ثم تحيلوا ففتح لهم الحصن من داخله وقتلوا
المقاتلة وسبى الذرية وكان مع الأصبهبد سم فشربه ومات. أمر بني العباس
بنـو هاشم حين اضطرب أمر مروان بن محمد اجتمعوا إليه وتشاوروا فيمن يعقدون
له الخلافة فاتفقوا على محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى بن علي وكان
يقال إن المنصور ممن بايعه تلك الليلـة. ولمـا حـج أيـام أخيـه السفـاح
سنـة سـت وثلاثيـن تغيـب عنـه محمد وأخوه إبراهيم ولم يحضرا عنـده مـع
بنـي هاشـم. وسـأل عنهمـا فقـال لـه زياد بن عبيد الله الحرثي أنا آتيك
بهما وكان بمكة فرده المنصور إلى المدينة. ثم استخلف المنصور وطفق يسأل
عن محمد ويختص بني هاشم بالسؤال سراً فكلهم يقول إنك ظهرت على طلبه لهذا
الأمر فخافك على نفسه ويحسن العذر عنه إلا الحسن بن زيد بن الحسن بن علي
فإنه قال له والله ما آمن وثوبه عليك فإنه لا ينام عنـك. فكـان موسـى
بـن عبـد اللـه بـن حسـن يقـول بعـد هـذا: اللهـم اطلـب الحسن بن زيد
بدمائنا. ثـم إن المنصـور حـج سنـة وألـح علـى عبـد اللـه بـن حسـن فـي
إحضـار ابنـه محمـد فاستشـار عبـد اللـه سليمان بن علي في إحضاره فقال
له: لو كان عافياً عفى عن عمه فاستمر عبد الله على الكتمان وبث المنصـور
العيـون بيـن الأعـراب فـي طلبـه بسائـر بـوادي الحجـاز ومياههـا. ثـم
كتـب كتابـاً علـى لسـان الشيعـة إلـى محمـد بالطاعـة والمسارعـة وبعثـه
مع بعض عيونه إلى عبد الله وبعث معه بالمال والألطاف كأنه من عندهم.
وكان للمنصور كاتب على سره يتشيع فكتب إلى عبد الله بن حسـن بالخبـر وكـان
محمـد بجهينـة وألـح عليـه صاحـب الكتـاب أمـر محمـد ليدفـع إليـه كتـاب
الشيعـة. فقال له: اذهب إلى علي بـن الحسـن المدعـو بالأغر يوصلك إليه
في جبل جهينة فذهب وأوصله إليه. ثم جاءهم حقيقة خبـره مـن كاتب المنصور
وبعثوا أبا هبار إلى محمد وعلي بن حسن يحذرهما الرجل فجاء أبو هبار إلى
علي بن حسن وأخبره ثم سار إلى محمد فوجد العين عنده جالساً مع أصحابه
فخـلا بـه وأخبـره. فقـال ومـا الرأي. قال تقتله قال لا أقارف دم
مسلم. قال: تقيده وتحمله معك قـال: لا آمـن عليه لكثرة الخوف
والإعجال. قال: فتودعه عند بعض أهلك من جهينة قال هذه إذن. ورجع فلم
يجد الرجل ولحق بالمدينة. ثم قدم على المنصور وأخبره الخبر وسمى اسم أبي
هبار وكنيته وقال معه وبر. فطلب أبو جعفر وبرا المري فسأله عن أمر محمد
فأنكره وحلف فضربه وحبسه. ثم دعا عقبة بن سالم الـأزدي وبعثـه متنكراً
بكتاب والطاف من بعض الشيعة بخراسان إلى عبد الله بن حسن ليظهر على أمره
فجاءه بالكتاب فانتهره وقال: لا أعرف هؤلاء القوم. فلم يزل يتردد إليه
حتى قبله وأنس به وسأله عقبة الجواب فقال لا أكتب لأحد ولكن أقرئهم مني
سلاماً وأعلمهم أن ابني خارجان لوقت كذا. فرجـع عقبـة إلـى المنصـور
فأنشأ الحج فلما لقيه بنو حسن رفع مجالسهم وعبد الله إلى جنبه ثم دعـا
بالغـداء فأصابـوا منـه. ثـم قـال لعبـد اللـه بـن حسـن قـد أعطيتني
العهود والمواثيق أن لا تبغيني بسـوء ولا تكيـد لـي سلطانـاً فقـال وأنـا
علـى ذلـك. فلحـظ المنصـور عقبـة بـن سالـم فوقف بين عبد الله حتى ملأ
عينه منه فبادر المنصور يسأله الإقالة فلم يفعل وأمر بحبسه. وكان محمد
يتردد فـي النواحـي وجـاء إلـى البصـرة فنـزل فـي بنـي راهـب وقيـل في بني
مرة بن عبيد وبلغ الخبر إلى المنصور فجاء إلى البصرة وقد خرج عنها محمد
فلقي المنصور عمر بن عبيد فقال له: يا أبا عثمـان هـل بالبصـرة أحد
نخافه على أمرنا فقال لا فانصرف واشتد الخوف على محمد وإبراهيم وسـار إلـى
عـدن ثـم إلـى السنـد ثم إلى الكوفة ثم إلى المدينة. وكان المنصور حج
سنة أربعين وحـج محمـد وإبراهيـم وعزمـا علـى اغتيـال المنصـور وأبى محمد
من ذلك. ثم طلب المنصور عبد الله بإحضار ولديه وعنفه وهم به فضمنه زياد
عامل المدينة. وانصرف المنصور وقدم محمد المدينة قدمة فتلطف له زياد
وأعطاه الأمان له ثـم قـال لـه: الحق بأي بلاد شئت. وسمع المنصور فبعث
أبا الأزهر إلى المدينة في جمادى سنة إحدى وأربعين ليستعمل على المدينة
عبد العزيز بن المطلب ويقبض زيـاداً وأصحابـه. فسـار بهـم فحبسهـم
المنصـور وخلـف زيـاد ببيـت المال ثمانين ألف دينار. ثم استعمل على
المدينة محمد بن خالد بن عبد الله القسري وأمره بطلب محمد وإنفاق المال في
ذلك. فكثرت نفقته واستبطأه المنصـور واستشـار فـي عزلـه فأشـار عليـه
يزيـد بـن أسيـد السلمـي من أصحابه باستعمال رباح بن عثمـان بـن حسـان
المزنـي فبعثـه أميـراً علـى المدينـة في رمضان سنة أربع وأربعين وأطلق
يده في محمد بن خالد القسري. فقدم المدينة وتهدد عبد الله بن حسن في
إحضار ابنيه. وقال له عبد الله يومئذ إنك لتريق المذبوح فيها كما تذبح
الشاة فاستشعر ذلك ووجد فقال له حاجبه أبو البختري: إن هذا ما اطلـع
علـى الغيـب. فقال ويلك والله ما قال إلا ما سمع فكان كذلك. ثم حبس
رباح محمد بن خالد وضربه وجد في طلب محمد فاخبر أنه في شعبان رضوى من
أعمال ينبع وهو جبل جهينـة فبعـث عاملـه فـي طلـب فأفلـت منـه. ثـم إن
ربـاح بـن مـرة حبـس بنـي حسن وقيدهم وهم: عبد الله بن حسن بن الحسن
وإخوته حسن وإبراهيم وجعفر وابنه موسى بن عبد الله وبنو أخيه داود
وإسماعيل وإسحاق بنو إبراهيم بن الحسن ولم يحضر معهم أخوه علي العائد.
ثم حضر من الغد عند رباح وقال جئتك لتحبسني مع قومي فحبسه وكتب إليه
المنصور أن يحبـس معهـم محمـد بـن عبـد اللـه بـن عمـر بن عثمان المعروف
بالديباجة. وكان أخا عبد الله لأمه أمهما فاطمة بنت الحسين. وكـان
عامـل مصـر قـد عثـر علـى علي بن محمد بن عبد الله بن حسن بعثه أبوه إلى
مصر يدعو لـه فأخـذه وبعـث بـه إلـى المنصـور فلـم يزل في حبسه. وسمى من
أصحاب أبيه عبد الرحمن بن أبي المولى وأبا جبير فضربهما المنصور
وحبسهما. وقيل عبد الله حبس أولاً وحده وطال حبسـه. فأشـار عليـه
أصحابـه بحبسـن الباقيـن فحبسهـم ثـم حج المنصور سنة أربع وأربعين فلما
قـدم مكـة بعـث إليهـم وهـم فـي السجـن محمـد بـن عمـران بـن إبراهيـم بـن
طلحـة ومـال بـن أنـس يسألهـم أن يرفعوا إليه محمداً وإبراهيم ابني عبد
الله فطلب عبد الله الإذن في لقائه فقال المنصور لا والله حتى يأتيني به
وبابنيه وكان محسناً مقبولاً لا يكلم أحداً إلا أجابه إلى رأيه. ثم إن
المنصور قضى حجه وخرج إلى الربذة وجاء رباح ليودعه فأمر بأشخاص بني حسن
ومن معهم إلى العراق فأخرجهم في القيود والأغلال وأردفهم فـي محامـل بغيـر
وطء وجعفـر الصادق يعاينهم من وراء ستر ويبكي. وجاء محمـد وإبراهيـم مـع
أبيهمـا عبـد اللـه يسايرانـه مستترين بزي الأعراب ويستأذنانه في الخروج
فيقول: لا تعجلا حتى يمكنكما وإن منعتما أن تعيشـا كريميـن فـلا تمنعـا
أن تموتـا كريميـن وانتهوا إلى الزيدية. وأحضر العثماني الديقا عند
المنصور فضربـه مائـة وخمسيـن سوطـاً بعـد ملاحـاة جـرت بينهمـا أغضبـت
المنصور. ويقال: إن رباحاً أغرى المنصور به وقال له. : إن أهل
الشام شيعته ولا يتخلف عنه منهم أحد. ثم كتب أبو عون عامل خراسان إلى
المنصور بأن أهل خراسان منتظرون أمر محمد بن عبد اللـه واحـذر منهـم.
فأمـر المنصور بقتل العثماني وبعث برأسه إلى خراسان وبعث من يحلف أنه رأس
محمد بن عبد الله وأن أمه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلـم ثـم.
قـدم المنصور بهم الكوفة وحبسهم بقصر ابن هبيرة. يقال إنه قتل محمد بن
إبراهيم بن حسن منهم علـى إسطوانـة وهـو حـي فمـات ثـم بعـده عبد الله بن
حسن ثم علي بن حسن ويقال إن المنصور أمـر بهـم فقتلـوا ولـم ينـج منهـم
إلا سليمـان وعبد الله ابنا داود وإسحاق وإسماعيل ابنا إبراهيم بن حسن
وجعفر بن حسن والله أعلم. ولمـا سـار المنصـور إلـى العـراق وحمـل معـه
بنـي حسـن رجـع ربـاح إلى المدينة وألح في طلب محمد وهو مختف يتنقـل فـي
اختفائـه مـن مكـان إلـى مكـان وقـد أرهقـه الطلـب حتـى تدلـى فـي بئـر.
فتدلـى فغمس في مائها وحتى سقط ابنه من جبل فتقطع ودل عليه رباح بالمداد
فركب في طلبه فاختفـى عنـه ولـم يـره. ولمـا اشتـد عليه الطلب أجمع
الخروج وأغراه أصحابه بذلك. وجاء الخبر إلـى ربـاح بأنـه الليلـة خـارج
فأحضـر العبـاس بن عبد الله بن الحارث بن العباس ومحمد بن عمران بـن
إبراهيـم بـن محمـد قاضـي المدينـة وغيرهما وقال لهم: أمير المؤمنين
يطلب محمداً شرق الأرض وغربهـا وهـو بيـن أظهركـم. واللـه لئن خرج
ليقتلنكم أجمعين. وأمر القاضي بإحضار عشيرة بني زهرة فجاؤوا في جمع كثير
وأجلسهم بالباب. ثـم أحضـر نفـراً مـن العلوييـن فيهـم جعفـر بـن محمـد
بـن الحسين وحسين بن علي بن حسين بن علي ورجال من قريش فيهم إسماعيل بن
أيوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة وابنه خالد وبينما هم عنده
إذ سمعوا التكبير وقيل قد خرج محمد فقال له ابن مسلم بن عقبة: اعطني
اضرب أعناق هؤلاء فأبى وأقبل من المداد في مائة وخمسين رجلاً وقصد السجن
فأخرج محمد بن خالد بن عبد الله القسري وابن أخيه النذير بن يزيد ومن كان
معهم وجعل علـى الرجالة خوات بن جبير وأتى دار الإمارة وهو ينادي بالكف عن
القتل. فدخلوا من باب المقصـورة وقبضـوا علـى ربـاح وأخيه عباس وابن
مسلم بن عقبة فحبسهم ثم خرج إلى المسجد وخطب الناس وذكر المنصور بما نقمه
عليـه ووعـد النـاس واستنصـر بهـم. واستعمـل علـى المدينة عثمان بن محمد
بن خالد بن الزبير وعلى قضائها عبد العزيز بن المطلب بن عبد الله المخزومي
وعلى بيت السلاح عبد العزيز الدراوردي وعلى الشرط أبـا الغلمـش عثمـان بـن
عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب وعلى ديوان العطاء عبد الله بن
جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة. وأرسل إلى محمد بن عبد العزيز
يلومه على القعود عنه فوعده بالبصرة وسار إلى مكة ولم يتخلـف عـن محمـد
مـن وجوه الناس إلا نفر قليل: منهم الضحاك بن عثمان بن عبد الله بن خالد
بـن حـرام وعبـد اللـه بـن المنـذر بـن المغيـرة بـن عبـد الله بن خالد
وأبو سلمة بن عبيد الله بن عبد اللـه بـن عمـر وحبيـب بـن ثابـت بـن عبـد
الله بن الزبير واستفتى أهل المدينة مالكاً في الخروج مع محمـد وقالوا:
في أعناقنا بيعة المنصور. فقال: إنما بايعتم مكرهين. فتشارع الناس
إلى محمد ولـزم مالـك بيتـه وأرسـل محمـد إلـى إسماعيـل بن عبد الله بن
جعفر يدعوه إلى بيعته وكان شيخاً كبيراً فقال: أنت والله وابن أخي مقتول
فكيف أبايعك فرجع الناس عنه قليلاً وأسرع: بنو معاويـة بـن عبـد اللـه
بـن جعفـر إلـى محمـد فجاءت جمادة أختهم إلى عمها إسماعيل وقالت: يا عم
إن مقالتـك ثبطـت النـاس عـن محمـد وأخوتـي معـه فأخشى أن يقتلوا فردها.
فيقال إنها عدت عليه فقتلتـه ثـم حبـس محمـد بـن خالـد القسـري بعـد أن
أطلقه واتهمه بالكتاب إلى المنصور فلم يزل في حبسه. ولما استوى أمر محمد
ركب رجل من آل أويس بن أبي سرح اسمه الحسين بن صخر وجاء إلـى المنصـور فـي
تسـع فخبـره الخبـر فقـال أنـت رأيتـه قـال نعـم وكلمتـه علـى منبـر رسـول
اللـه صلـى اللـه عليـه وسلـم ثـم تتابـع الخبـر وأشفـق المنصـور مـن
أمـره واستشـار أهـل بيته ودولته. وبعث إلى عمه عبـد اللـه وهو محبوس
يستشيره فأشار عليه بأن يقصد الكوفة فإنهم شيعة لأهل البيت فيملك عليهم
أمرهم ويحفها بالمسالح حتى يعرف الداخل والخارج ويستدعي سالم بن قتيبة من
الري فيتحشد معه كافة أهل الشام ويبعثه وأن يبعث العطاء في الناس. فخـرج
المنصـور إلـى الكوفـة ومعـه عبـد اللـه بـن الربيـع بـن عبـد اللـه بـن
عبـد المـدان. ولمـا قدم الكوفة أرسل إلى يزيد بن يحيـى وكـان السفـاح
يشـاوره فأشـار عليـه بـأن يشحـن الأهـواز بالجنـود وأشار عليه جعفر بن
حنظلة الحراني بأن يبعث الجند إلى البصرة. فلما ظهر إبراهيم بتلك
الناحية تبين وجه إشارتهما. وقال المنصور لجعفر: كيف خفت البصرة
قال: لأن أهل المدينة ليسوا أهل حرب حبسهم أنفسهم وأهل الكوفة تحت قدمك
وأهل الشام أعداء الطالبيين ولم ثم إن المنصور كتب إلى محمد المهدي كتاب
أمان فأجابـه عنـه بالـرد والتعريـض بأمـور فـي الأنساب والأحوال فأجابه
المنصور عن كتابه بمثل ذلك وانتصف كل واحد منهما لنفسه بما ينبغي الإعراض
عنه مع أنهما صحيحان مرويان نقلهما الطبري فـي كتـاب الكامـل فمـن أراد
الوقـوف فليلتمسهـا فـي أماكنهـا. ثـم إن محمـد المهـدي استعمـل علـى
مكـة محمـد بـن الحسن بن معاوية بـن عبـد اللـه بـن جعفـر وعلـى اليمـن
القاسـم بن إسحاق وعلى الشام موسى بن عبد الله. فسار محمد بن الحسن إلى
مكة والقاسم معه ولقيهما السري بن عبد الله عامل مكة ببطن أذاخر فانهزم
وملك محمد مكة حتى استنفره المهدي لقتال عيسى بن موسى فنفر هو والقاسم بن
عبيد الله. وبلغهما قتل محمد بنواحي قديد فلحق محمد بإبراهيم فكان معه
بالبصرة واختفـى القاسـم بالمدينـة حتـى أخـذت لـه الأمـان امـرأة عيسـى
وهـي بنت عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بـن جعفـر. وأمـا موسـى
بـن عبـد اللـه فسار إلى الشام فلم يقبلوا منه فرجع إلى المدينة. ثم لحق
بالبصرة مختفياً وعثر عليه محمد بن سليمان بن علي وعلى ابنه عبد الله وبعث
بهما إلى المنصـور فضربهمـا وحبسهمـا. ثـم بعـث المنصـور عيسى بن موسى
إلى المدينة لقتال محمد فسار في الجنـود ومعـه محمـد بـن أبـي العبـاس بـن
السفـاح وكثيـر بـن حصيـن العبـدي وحميـد بـن قحطبـة وهـو ازمرد وغيرهم
فقال له: إن ظفرت فأغمد سيفك وابذل الأمان وإن تغيب فخذ أهل المدينة
فإنهم يعرفون مذاهبه ومن لقيك من آل أبي طالب فعرفني به ومن لم يلقك فاقبض
ماله. وكـان جعفر الصادق فيمن تغيب فقبض ماله. ويقال إنه طلبه من
المنصور لما قدم بالمدينة بعد ذلـك فقـال قبضـه مهديكـم. ولمـا وصـل
عيسـى إلـى فئتـه كتـب إلـى نفـر من أهل المدينة ليستدعيهم منهم: عبد
العزيز بن المطلب المخزومي وعبيد الله بن محمد بن صفوان الجمحي وعبـد
اللـه بـن محمـد بـن عمـر بـن علي بن أبي طالب. فخرج إليه عبد الله هو
وأخوه عمر وأبو عقيـل محمـد بـن عبـد اللـه بـن محمـد بـن عقيل واستشار
المهدي أصحابه في القيام بالمدينة ثم في الخندق عليها فأمر بذلك اقتداء
برسول الله صلى الله عليه وسلم وحفر الخندق الذي حفره رسـول اللـه صلـى
اللـه عليـه وسلـم للأحـزاب. ونـزل عيسـى الأعـرض وكـان محمد قد منع
الناس من الخروج فخيرهم فخرج كثير منهم بأهلهم إلى الجبال وبقي في شرذمة
يسيرة. ثم تدارك رأيه وأمر أبا الغلمش بردهم فأعجزوه ونزل عيسى على
أربعة أميال من المدينة وبعث عسكراً إلى طريق مكة يعترضون محمداً إن انهزم
إلى مكة وأرسل إلى المهدي بالأمان والدعـاء إلـى الكتـاب والسنـة ويحـذره
عاقبـة البغـي. فقـال: إنما أنا رجل فررت من القتل. ثم نزل عيسـى
بالحـرف لاثنتـي عشـرة مـن رمضان سنة خمس وأربعين فقام يومين ثم وقف على
مسلم ونادى بالأمان لأهل المدينة وأن يخلوا بينه وبين صاحبه فشتموه فانصرف
وعاد من الغد وقد فـرق القـواد مـن سائـر جهـات المدينـة وبـرز محمـد في
أصحابه ورأيته مع عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير وشعارهم أحد أحد.
وطلب أبو الغلمش من أصحابه البراز فبرز إليه أخو أسد فقتله ثم آخر فقتلوا
وقال أنا ابن الفـاروق. وأبلـى محمد المهدي يومئذ بلاءً عظيماً وقتل
بيده سبعين رجلاً. ثم أمر عيسى بن موسى حميد بن قحطبة فتقدم في مائة من
الرجال إلى حائط دون الخندق فهدمه وأجازوا الخندق وقاتلوا من وراءه
وصابرهم أصاب محمد إلى العصر. ثم أمر عيسى أصحابه فرموا الخنـدق
بالحقائـب ونصبـوا عليهـا الأبـواب وجـازت الخيـل واقتتلوا وانصرف محمد
فاغتسل وتحنـط. ثـم رجـع فقـال: اتـرك أهـل المدينـة واللـه لا أفعـل
أو اقتـل وأنـت مني في سعة فمشى قليلاً معـه. ثـم رجـع وافتـرق عنـه جـل
أصحابـه وبقـي فـي ثلثمائـة أو نحوهـا. فقـال لـه بعض أصحابه نحن اليوم
في عدة أهل بدر وطفق عيسى بن حصين من أصحابه يناشده في اللحاق بالبصرة أو
غيرها فيقول والله لا تبتلون بي مرتين. ثـم جمـع بيـن الظهـر والعصـر
ومضـى فأحـرق الديـوان الـذي فيـه أسمـاء من بايعهم. وجاء إلى السجن
وقتل رياح بن عثمان وأخاه عباساً وابن مسلم بن عقبة وتوثق محمد بن القسري
بالأبواب فلم يصلـوا إليـه. ورجـع ابـن حصيـن إلـى محمـد فقاتـل معـه
وتقـدم محمد إلى بطن سلع ومعه بنو شجاع من الخمس. فعرقبوا دوابهم وكسروا
جفون سيوفهم واستماتوا وهزموا أصحاب عيسى مرتين أو ثلاثـة. وصعـد نفـر
مـن أصحـاب عيسـى الجبـل وانحـدروا منـه إلـى المدينـة. ورفـع بعـض نسوة
إلى العبـاس خمـاراً لهـا أسـود على منارة المسجد. فلما رآه أصحاب محمد
وهم يقاتلون هربوا وفتح بنو غفار طريقاً لأصحاب عيسى فجاؤوا من وراء أصحاب
محمد. ونادى حميد بن قحطبة للبراز فأبى ونادى ابن حصين بالأمان فلـم
يصـغ إليـه وكثـرت فيـه الجـراح. ثـم قتـل وقاتـل محمـد علـى شلوه فهد
الناس عنه هداً حتى ضرب سقط لركبته وطعنه ابـن قحطبـة فـي صـدره. ثـم
أخـذ رأسـه وأتـى بـه عيسـى فبعثه إلى المنصور مع محمد بن الكرام عبد الله
بن علي بن عبد الله بن جعفر وبالبشارة مع القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن
وأرسل معه رؤوس بني شجاع وكان قتل محمد منتصف رمضان. وأرسل عيسـى
الألويـة فنصبت بالمدينة للأمان وصلب محمد وأصحابه ما بين ثنية الوداع
والمدينة واستأذنت زينب أخته في دفنه بالبقيع وقطع المنصور الميرة في
البحر عن المدينة حتى أذن فيها المهدي بعده وكان مع المهدي سيف علي ذو
الفقار فأعطاه يومئذ رجلاً من التجار في دين كان له عليه. فلما ولي جعفر
بن سليمان المدينة أخذه منه وأعطاه من دينه. ثم أخذه منه المهدي وكان
الرشيـد يتقلـده وكـان فيه ثمان عشرة فقرة وكان معه من مشاهير بني هاشم
أخو موسى وحمزة بـن عبـد اللـه بـن محمـد بـن علـي بـن الحسيـن وحسيـن
وعلـي ابنـا زيد بن علي. وكان المنصور يقول عجبـاً خرجـا علـي ونحـن
أخذنـا بثـأر أبيهمـا. وكـان معـه علـي وزيـد ابنا الحسن بن زيد بن
الحسن وأبوهمـا الحسـن مـع المنصـور والحسـن ويزيـد وصالح بنو معاوية بن
عبد الله بن جعفر والقاسم بن إسحـاق بـن عبـد اللـه بـن جعفـر والمرجـى
علـي بـن جعفـر بـن إسحـاق بـن علـي بـن عبـد اللـه بـن جعفـر وأبـوه علي
مع المنصور من غير بني هاشم محمد بن عبد الله بن. عمر بن سعيد بن العاص
ومحمـد بـن عجلـان وعبـد اللـه بـن عمـر بـن حفـص بـن عاصـم وأبـو بكـر
بـن عبـد اللـه بـن محمـد بـن أبي سبرة أخذ أسيراً فضرب وحبس في سجن
المدينة فلم يزل محبوساً إلى أن نازل السودان بالمدينة على عبد الله بن
الربيع الحارثي وفر عنها إلى بطن نخل وملكوا المدينة ونهبوا طعام
المنصور. فخرج ابن أبي سبرة مقيداً وأتى المسجد وبعث إلى محمد بن عمران
ومحمد بن عبد العزيز وغيرهما وبعثوا إلى السودان وردوهم عما كانوا فيه
فرجعوا ولم يصل الناس يومئذ جمعة. ووقـف الأصبـغ بـن أبـي سفيـان بـن
عاصـم بـن عبـد العزيز لصلاة العشاء ونادى أصلي بالناس على طاعـة أميـر
المؤمنين وصلى. ثم أصبح ابن أبي سبرة ورد من العبيد ما نهبوه ورجع ابن
الربيع وكـان مـع محمـد بـن عبـد اللـه أيضاً عبد الواحد بن أبي عون مولى
الأزد وعبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة وعبد العزيز بن
محمد الدراوردي وعبد الحميد بن جعفر وعبد الله بن عطاء بن يعقوب مولى بني
سباع وبنوه تسعة وعيسى وعثمان ابنا خضير. وعثمـان بـن محمـد بـن خالـد
بـن الزبيـر قتلـه المنصـور مـن بعـد ذلك لما أخذ بالبصرة وعبد العزيز بن
إبراهيـم بـن عبـد اللـه بـن مطيـع وعلي بن المطلب بن عبد الله بن حنطب
وإبراهيم بن جعفر بن مصعب بن الزبير وهشام بن عميرة بن الوليد بن بن عبد
الجبار وعبد الله بن يزيد بن هرمز وغيرهم. كان إبراهيم بن عبد الله أخو المهدي محمد قد اشتد الطلب
عليه وعلى أخيه منذ خمس سنيـن وكان إبراهيم يتنقل في النواحي بفارس
وبكرمان والجبل والحجاز واليمن والشام وحضر مـرة مائـدة المنصور بالموصل
وجاء أخرى إلى بغداد حين خطها المنصور مع النظار على قنطرة الفـرات حيـن
شدهـا وطلبـه فغـاص في الناس فلم يوجد ووضع عليه الرصد بكل مكان. ودخل
بيت سفيان بن حيان العمى وكان معروفاً بصحبته فتحيل على خلاصه بأن أتى
المنصور وقـال: أنا آتيك بإبراهيم فاحملني وغلامي على البريد وابعث معي
الجند ففعل. وجاء بالجند إلـى البيت وأركب معه إبراهيم في زي غلامه وذهب
بالجند إلى البصرة ولم يزل يفرقهم على البيوت ويدخلها موهماً أنه يفتشه
حتى بقي وحده فاختفى. وطلبه أمير البصرة سفيان بن معاوية فأعجزه وكان
قدم قبل ذلك الأهواز فطلبه محمد بن حصيـن واختفـى منه عند الحسن بن حبيب
ولقي من ذلك غياً. ثم قدم إبراهيم البصرة سنة خمـس وأربعيـن بعـد ظهـور
أخيـه محمد بالمدينة يحيى بن زياد بن حيان النبطي وأنزله بداره في بني
ليث. فدعا الناس إلى بيعة أخيه وكان أول من بايعه نميلة بن مرة العبسي
وعبد الله بن سفيان وعبد الواحد بن زيـاد وعمـر بـن سلمـة الهجيمـي وعبـد
اللـه بـن حـي بـن حصيـن الرقاشي وبثوا دعوته في الناس واجتمع لهم كثير من
الفقهاء. وأهل العلم. وأحصى ديوانه أربعة آلاف واشتهر أمره. ثم
حولوه إلى وسط البصرة. ونـزل دار أبـي مـروان مولـى بنـي سليـم فـي
مقبـرة بنـي يشكـر وليقـرب مـن النـاس وولـاه سفيـان أميـر البصـرة علـى
أمـره. وكتـب إليـه أخـوه محمـد يأمـره بالظهور وكان المنصـور بظاهـر
وأرسل من القواد مدد السفيان على إبراهيم أن ظهر. ثم إن إبراهيم خرج أول
رمضان من سنة خمس وأربعين وصلى الصبح فـي الجامـع وجـاء دار الإمـارة
بابـن سفيـان وحبسـه وحبـس القـواد معـه وجـاء جعفـر ومحمـد ابنـا سليمـان
بن علي في ستمائة رجل. وأرسل إبراهيم إليهـا المعيـن بـن القاسـم
الحـدروري فـي خمسيـن رجـلاً فهزمهمـا إلـى بـاب زينـب بنـت سليمـان بـن
علـي وإليها ينسب الزينبيون من بني العباس. فنادى بالأمان وأخذ من بيت
المال ألفي ألف درهم وفرض لكل رجل من أصحابه خمسين. ثـم أرسـل المغيـرة
علـى الأهواز في مائة رجل فغلب عليها محمد بن الحصين وهو أربعه آلاف.
وأرسـل عمـر بـن شـداد إلـى فـارس وبهـا إسماعيل وعبد الصمد ابنا علي
فتحصنا في دار بجرد وملك عمر نواحيها فأرسل هارون بن شمس العجلي في سبعة
عشر ألفاً إلى واسط فغلب عليها هارون بن حميد الإيادي وملكها. وأرسل
المنصور لحربه عامر بن إسماعيل في خمسة آلـاف وقيـل في عشرين. فاقتتلوا
أياماً ثم تهادنوا حتى يروا مآل الأميرين المنصور وإبراهيم. ثم جاء نعي
محمد إلى أخيه إبراهيم قبل الفطر فصلى يوم العيد وأخبرهم فازدادوا حنقاً
على المنصور. ونفر في حره وعسكر من الغد واستخلف على البصرة غيلة وابنه
حسنًـا معـه وأشار عليه أصحابه من أهل البصرة بالمقام وإرسال الجنود
وإمدادهم واحداً بعد واحد. وأشار أهل الكوفة باللحوق إليها لأن الناس في
انتظارك ولو رأوك ما توانوا عنك فسار. وكتـب المنصـور إلـى عيسـى بـن
موسـى بإسـراع العـود وإلـى مسلـم بـن قتيبـة بالـري وإلـى سالم بقصد
إبراهيـم وضم إليه غيرها من القواد. وكتب إلى المهدي بإنفاذ خزيمة بن
خازم الأهواز وفارس والمدائـن وواسـط والسـواد وإلـى جانبـه أهـل الكوفـة
فـي مائة ألف يتربصون به. ثم رمى كل ناحية بحجرها وأقام خمسين يوماً على
مصلاه ويجلس ولم ينزع عنه جبته ولا قميصه وقد توسخا ويلبـس السـواد إذا
ظهـر للنـاس وينزعه إذا دخل بيته. وأهديت له من المدينة امرأتان فاطمة
بنت محمـد بـن عيسـى بـن طلحـة بـن عبيـد اللـه وأمـة الكريـم بنـت عبـد
الله من ولد خالد بن أسيد فلم يحفل بهما. وقال: ليست هذه أيام نساء
حتى أنظر رأس إبراهيم إلي أو رأسي له. وقـدم عليـه عيسـى بـن موسـى
فبعثـه لحـرب إبراهيـم فـي خمسـة عشر ألفاً وعلى مقدمته حميد بن قحطبـة
فـي ثلاثـة آلـاف وسـار إبراهيـم مـن البصرة ومائة ألف حتى نزلا بإزاء
عيسى بن موسى على ستة عشر فرسخاً من الكوفة. وأرسل إليه مسلم بن قتيبة
بأن يخندق على نفسه أو يخالـف عيسـى إلـى المنصـور فهـو فـي حـف مـن
الجنون ويكون أسهل عليك. فعرض ذلك إبراهيم علـى أصحابـه فقالـوا: نحـن
هـارون وأبـو جعفـر فـي أيدينـا فأسمـع ذلـك رسـول سالـم فرجـع ثـم
تصافـوا للقتال. وأشار عليه بعض أصحابه أن يجعلهم كراديس ليكون أثبت
والصف إذا انهزم بعضه تداعى سائره فأبى إبراهيم إلا الصف صف أهل الإسلام
ووافقه بقية أصحابه. ثم اقتتلـوا وانهـزم حميـد بـن قحطبـة وانهـزم معـه
النـاس وعـرض لهـم عيسـى يناشدهـم اللـه والطاعـة. فقـال لهـم حميـد لا
طاعـة فـي الهزيمـة. ولـم يبـق مـع عيسـى إلا فـل قليـل فثبـت
واستمـات. وبينما هو كذلك إذ قدم جعفر ومحمد بن سليمان بن علي وجاء من
وراء إبراهيم وأصحابه فانعطفوا لقتالهم واتبعهم أصحاب عيسى. ورجع
المنهزمون من أصحابه بأجمعهم اعترضهـم أمامهـم فـلا يطيقـون مخافـة ولا
وثوبـة فانهـزم أصحـاب إبراهيـم وثبت هو في ستمائة أو أربعمائة من أصحابـه
وحميـد يقاتلـه. ثـم أصابـه سهـم بنحره فأنزلوه واجتمعوا عليه. وقال
حميد: شدوا على تلـك الجماعـة فأحصروهـم عن إبراهيم وقطعوا رأسه وجاؤوا
به إلى عيسى فسجد وبعثه إلى المنصـور وذلـك لخمـس بقيـن مـن ذي القعـدة
الحـرام سنـة خمـس وأربعيـن. ولما وضع رأسه بين يدي المنصـور بكـى
وقـال: واللـه إنـي كنـت لهـذا كارهـاً ولكنـي ابتليـت بك وابتليت بي ثم
جلس للعامة فأذن للناس فدخلوا ومنهم من يثلب إبراهيم مرضاة للمنصور حتى
دخل جعفر بن حنظلة الهرانـي فسلـم ثـم قـال: عظـم الله أجرك يا أمير
المؤمنين في ابن عمك وغفر له ما فرط فيه من حقك فتهلل وجه المنصور وأقبل
عليه وكناه بأبي خالد واستدناه. سنة ست وأربعين في بناء مدينة بغداد وسبب ذلك ثورة
الراوندية عليه بالهاشمية ولأنه كان يكره أهل الكوفة ولا يأمن على نفسه
منهم. فتجافى عن جوارهم وسار إلـى مكـان بغـداد اليـوم وجمع من كان
هنالك من البطارقة فسألهم عن أحوال مواضعهم في الحر والبـرد والمطـر
والوحـل والهـوام واستشارهـم فأشاروا عليه بمكانها. وقالوا تجيئك الميرة
في السفن مـن الشام والرقة ومصر والمغرب إلى المصرات. ومن الصين والهند
والبصرة وواسط وديار بكر والـروم والموصل في دجلة ومن أرمينية وما اتصل
بها في تامر حتى يتصل بالزاب. وأنت بين أنهار كالخنادق لا تعبر إلا على
القناطر والجسور. وإذا قطعتها لم يكن لعـدوك مطمـع وأنـت متوسط بين
البصرة والكوفة وواسط والموصل قريب من البر والبحر والجبل. فشرع المنصور
في عمارتها. وكتب إلى الشام والجبل والكوفة وواسط والبصرة في الصناع
والفعلة واختار من ذوي الفضل والعدالة والعفة والأمانة والمعرفة بالهندسة
فأحضرهم لذلك. منهم الحجاج بن أرطاة وأبو حنيفـة الفقيـه. وأمـر
بخطهـا بالرمـاد فشكلـت أبوابهـا وفضلانهـا وطاقاتها ونواحيها وجعل على
الرماد حب القطن. فأضرم ناراً ثم نظر إليها وهـي تشتعـل فعرف رسمها وأمر
أن تحفر الأسس على ذلك الرسم. ووكل بها أربعة من القواد يتولى كل واحـد
منهـم ناحيـة. ووكـل أبـا حنيفـة بعد الآجر واللبن. وكان أراده على
القضاء والمظالم فأبى. فحلف أن لا يقلع عنه حتى يعمل له عملاً فكان
هذا. وأمر المنصور أن يكون عرض أساس القصر من أسفله خمسين ذراعاً ومن
أعلاه عشرين وجعل في البناء القصب والخشب ووضع بيده أول لبنة وقال: بسم
الله والحمد لله والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.
ثم قال ابنوا على بركة الله فلما بلغ مقدار قامة جاء الخبر بظهور محمد
المهدي فقطع البناء وسار إلى الكوفة حتى فرغ من حرب محمد وأخيه ورجع من
مدينة ابن هبيرة إلى بغداد واستمـر فـي بنائهـا واستشـار خالـد بـن برمـك
فـي نقـض المدائن والإيوان. فقال لا أرى ذلك لأنه من آثار الإسلام وفتوح
العرب وفيه مصلى علي بن أبي طالب فاتهمه بمحبة العجم وأمر بنقض القصـر
الأبيض فإذا الذي ينفق في نقضه أكثر من ثمن الجديد فأقصر عنه. فقال
خالد: لا أرى إقصـارك عنـه لئـلا يقـال عجـزوا عـن هـدم مـا بنـاه
غيرهـم فأعـرض عنه ونقل الأبواب إلى بغداد من واسط ومن الشام ومن الكوفة
وجعل المدينة مدورة وجعل قصره وسطها ليكون الناس منه على حد سواء. وجعل
المسجد الجامع بجانب القصر وعمل لها سورين والداخل أعلـى مـن الخـارج.
ووضـع الحجاج بن أرطاة قبلة المسجد وكان وزن اللبنة التي يبني بها مائة
رطل وسبعة عشر رطلاً وطولها ذراع في ذراع وكانت بيوت جماعة من الكتاب
والقواد تشرع أبوابها إلى رحبة الجامع وكانت الأسواق داخل المدينة فأخرجهم
إلى ناحية الكرخ لما كان الغرباء يطرقونها ويبيتون فيها وجعل الطرق أربعين
ذراعاً وكان مقدار النفقة عليها في المسجد والقصر والأسواق والفصلان
والخنـادق والأبـواب أربعـة آلـاف ألـف وثمانمائـة ألـف وثلاثة وثلاثين
ألف درهم. وكان الأستاذ من البنائين يعمل يومه بقيراط والروز كاري
بحبتين وحاسب القواد عند الفراغ منها فألزم كلاً بما بقي عنده وأخذه حتى
أخذ من خالد بن الصلت منهم خمسة عشر درهماً بعد أن حبسه عليها. كـان السفـاح قـد عهـد إلـى عيسى بن موسى بن علي وولاه
على الكوفة فلم يزل عليها فلما كبر المهـدي أراد المنصـور أبـوه أن يقدمـه
فـي العهد على عيسى وكان يكرمه في جلوسه فيجلس عن يمينه والمهدي عن يساره
فكلمه في التأخر عن المهدي في العهد فقال: يا أمير المؤمنين كيف
بالإيمـان التـي علـي وعلـى المسلميـن وأبـى ذلـك فتغيـر لـه المنصـور
وباعـده بعـض الشـيء. وصـار يـأذن للمهدي قبله ولعمه عيسى بن علي وعبد
الصمد. ثم يدخل عيسى فيجلس تحت المهدي واستمر المنصور على التنكر له
وعزله عن الكوفة لثلاث عشرة سنةً من ولايته وولى مكانه محمد بن سليمان بن
علي ثم راجع عيسى نفسه فبايع المنصور للمهدي بالعهد وجعل عيسى مـن
بعـده. ويقـال: إنـه أعطـاه أحـد عشـر ألـف ألـف درهم ووضع الجند في
الطرقات لأذاه وإشهاد خالد بن برمك عليه جماعة من الشيعة بالخلع تركت
جميعها لأنها لا تليق بالمنصور وعدالته المقطوع بها فلا يصح من تلك
الأخبار شيء. كان رجل ادعى النبوة في جهات خراسان فاجتمع إليه نحو
ثلثمائة ألف مقاتل من أهل هراة وباذغيس وسجستان وسار إليه الأخثم عامل مرو
الروذ في العساكر فقاتل لأخثم وعامـة أصحابـه وتتابـع القـواد فـي لقائـه
فهزمهـم. وبعـث المنصـور وهـو بالبـرداق خـازم بـن خزيمة إلى المهدي فـي
اثنـي عشـر ألفـاً فولـاه المهـدي حربـه فزحـف إليـه فـي عشريـن ألفـاً.
وجعـل علـى ميمنتـه الهيثم بن شعبة بن ظهير وعلى ميسرته نهار بن حصن
السعدي وفي مقدمته بكار بن مسلم العقيلي ودفع لواءه للزبرقان. ثم راوغهم
في المزاحفة وجاء إلى موضع فخندق عليه وجعل له أربعة أبواب وأتى أصحاب
أستادسيس بالفؤوس والمواعيل ليطموا الخندق فبدؤوا بالباب الذي يلي بكـار
بـن مسلـم فقاتلهـم بكـار وأصحابـه حتـى ردوهـم عن بابهم. فأقبلوا على
باب خازم وتقدم منهم الحريش من أهل سجستان فأمر خازم الهيثم بن شعبة أن
يخرج من باب بكار ويأتي العدو من خلفهم كانوا متوقعين قدوم أبي عون وعمر
بن مسلم بن قتيبة وخرج خازم على الحريش واشتد قتاله معهم. وبدت أعلام
الهيثم من ورائهم فكبر أهل العسكر وحملوا عليهم فكشفوهم ولقيهم أصحاب
الهيثم فاستمر فيهم القتال فقتل سبعون ألفاً وأسر أربعة عشر وتحصـن
أستادسيـس علـى حكم أبي عون فحكم بأن يوثق هو وبنوه ويعتق الباقون وكتب
إلى المهدي بذلك فكتب المهدي إلى المنصور. ويقال: إن أستادسيس أبو
مراجل أم المأمون وابنه غالب خال المأمون الذي قتل الفضل بن سهل. كان على السند أيام المنصور عمر بن حفص بن عثمان بن
قبيصة بـن أبـي صفـرة ويلقـب هزارمـرد - يعنـي ألـف رجـل - ولمـا كـان مـن
أمـر المهـدي مـا قدمنـاه بعـث ابنه عبد الله الأشتر إلى البصـرة ليدعـو
له فسار من هنالك إلى عمر بن حفص وكان يتشيع فأهدى له خيلاً يتمكن بها من
لقائه. ثم دعاه فأجاب وبايع له وأنزله عنده متخفياً ودعا القواد وأهل
البلد فأجابوا فمزق الأعلام وهيأ لبسة من البياض يخطب فيها وهو في ذلك إذ
فجأه الخبر بقتل المهدي فدخل علـى ابنـه أشتـر وعـزاه. فقـال لـه اللـه
في دمي فأشار عليه باللحاق بملك من ملوك السند عظيم المملكة كان يعظم جهة
النبي صلى الله عليه وسلم وكان معروفاً بالوفاء فأرسل إليه بعد أن عاهد
عليه واستقر عند ذلك الملك. وتسلل إليه جماعة من الزيدية نحوًا من
أربعمائة وبلغ ذلك المصور فغاظه وكتب إلى عمر بن حفـص بعزلـه وأقـام يفكـر
فيمـن يوليـه السنـد وعـرض لـه يومًـا هشـام بن عمرو التغلبي وهو راكب ثم
اتبعـه إلـى بيتـه وعـرض عليـه أختـه فقـال للربيع: لو كانت لي حاجة في
النكاح لقبلت فجزاك الله خيراً وقد وليتك السند فتجهز لها وأمره أن يحارب
ملك السند ويسلـم إليـه الأشتـر ففعـل وأقام المنصور يستحثه. ثم خرجت
خارجة بالسند فبعث هشام أخاه سفيحاً لحسم الداء عنها فمر بنواحي ذلك الملك
فوجد الأشتر يتنزه في شاطىء همذان في عشرة من الفرسان فجاء ليأخذه فقاتلهم
حتى قتل وقتل أصحابه جميعاً. وكتب هشام بذلك إلـى المنصـور. فشكـره
وأمـر بمحاربـة ذلـك الملـك فظفـر به وغلب على مملكته. وبعث بسراري عبد
الله الأشتر ومعـه ولـد منـه اسمـه عبـد اللـه بعـث بهـم المنصـور إلـى
المدينـة وأسلمـه إلـى أهلـه. ولمـا ولـى هشام بن عمـر علـى السنـد
وعـزل عمـر بـن حفـص عنهـا. ثـم حـدث فتـق بإفريقيـة بعثه إلى سده كما
سيأتي في أخبارها. ولما رجع المهدي من خراسـان قـدم عليـه أهـل بيتـه
مـن الشـام والكوفـة والبصـرة فأجازهـم وكساهم وجملهم وكذلك المنصور. ثم
شعب عليهم الجند فأشار عليهم قثم بن العباس بن عبيد الله بن العباس بأن
يفرق بينهم ويستكفيه في ذلك وأمر بعض غلمانه أن يعترضه بدار الخلافة
ويسأله بحق الله ورسله والعباس وأمير المؤمنين أبي الحسين من أشرف اليمن
أم مضر فقـال: مضـر كـان منهـا رسـول اللـه صلـى اللـه عليه وسلم وفيها
كتاب الله وعندها بيت الله ومنها خليفـة اللـه فغضـب اليمـن إذ لـم يذكر
لها فضلاً ثم كبح بعضهم بغلة قثم فامتنعت مضر وقطعوا الذي كبحها فتشاجر
الحيان وتعصبت لليمن ربيعة والخراسانية وللدولة وأصبحوا أربع فرق وقـال
قثـم للمنصـور اضـرب كـل واحـدة بالأخـرى وسيـر لابنـك المهـدي فلل أثير
له بجنده فيتناظرون في أهل مدينتك فقبل رأيه وأمر صالحاً صاحب المصلى
ببناء الرصافة للمهدي. مقتل معن بن زائدة كـان المنصـور قـد ولـى علـى
سجستـان معـن بـن زائـدة الشيبانـي وأرسـل إلـى رتبيـل فـي الضريبـة التـي
عليـه فبعـث بهـا عروضـاً زائـدة الثمـن فغضب معن وسار إلى الرخج على
مقدمته يزيد ابن أخيه يزيد ففتحها وسبى أهلها وقتلهم ومضى رتبيل إلى عزمه
وانصرف معن إلى بست فشتى بهـا. ونكـر قـوم مـن الخـوارج سيرتـه فهجموا
عليه وفتكوا به في بيته. وقام يزيد بأمر سجستان وقتـل قاتليـه واشتـدت
علـى أهـل البلـاد وطأتـه فتحيل بعضهم بأن كتب المنصور على لسانه كتاباً
يتضجـر مـن كتب المهدي إليه ويسأله أن يعفى من معاملته. فأغضب ذلك
المنصور وأقرأ المهدي كتابـه وعزلـه وحبسـه ثـم شفـع فيـه شخـص إلـى
مدينـة السلـام فلـم يـزل مجفـواً حتى بعث إلى يوسف البرم بخراسان كما
يذكر بعد. العمال على النواحي أيام السفاح والمنصور كـان السفـاح قـد
ولى عند بيعته على الكوفة عمه داود بن علي وجعل على حجابته عبد الله بن بن
بسام وعلى شرطته موسى بن كعب وعلى ديوان الخراج خالد بن برمك وبعث عمه
عبـد اللـه قتـال مـروان مـع أبـي عـون بـن يزيـد بـن قحطبـة تقدمة.
وبعث يحيى بن جعفر بن تمام بن العباس إلى المدائن وكان أحمد بن قحطبة
تقدمة وبعث أبا اليقظان عثمان بن عروة بن عمار بـن ياسـر إلـى الأهـواز
مـددًا لبسـام بـن إبراهيـم. ودفـع ولايـة خراسـان إلـى أبـي مسلـم
فولـى أبـو مسلم عليهـا إيـاداً وخالـد بن إبراهيم وبعث عمه عبد الله في
مقدمته لحرب مروان أخاه صالحًا ومعه أبو عون بن يزيد فلما ظفر وانصرف ترك
أبا عون يزيد بمصر واستقل عبد الله بولاية الشام. وولـى السفـاح أخـاه
أبـا جعفر على الجزيرة وأرمينية وأذربيجان فولى على أرمينية يزيد بن أسد
وعلـى أذربيجـان محمـد بـن صـول ونـزل الجزيـرة. وكـان أبـو مسلـم ولـى
علـى فـارس محمـد بـن الأشعث حيـن قتـل أبـا مسلمـة الخلـال فبعـث السفـاح
عليهـا عيسـى فمنعـه محمد بن الأشعث واستخلفه على الولايـة فبعـث عليهـا
عمـه إسماعيـل. وولـى علـى الكوفـة ابن أخته موسى وعلى البصرة سفيان بن
معاويـة المهلبـي وعلـى السنـد منصـور بـن جمهـور ونقـل عمـه داود إلى
ولاية الحجاز واليمن واليمامة. ثم ولى على البصرة وأعمالها وكور دجلة
والبحرين وعمان. وتوفي داود بن علي سنة ثلاث وثلاثيـن فولى مكانه على
اليمن محمد بن يزيد بن عبد الله بن عبد المدان وعلى مكة والمدينة والطائف
واليمامة خاله زياد بن عبد الله بن عبد المدان الحارثي وهو عم محمد بن
يزيد. وفيها بعث محمـد بـن الأشعـث إلـى إفريقيـة ففتحهـا. بعـث صاحـب الشرطـة موسى بن كعب لقتال منصور بن جمهور
وولاه مكانه على السنـد فاستخلـف مكانـه علـى الشرطـة المسيـب بـن
زهيـر. وتوفـي عامـل اليمـن محمـد بـن يزيـد فولـى مكانـه علـي بـن
الربيـع بـن عبيد اللـه الحارثـي. ولمـا استخلـف المنصـور وانتقـض عبـد
اللـه بـن علـي وأبـو مسلـم ولـى علـى خراسـان أبـا داود خالد بن إبراهيم
وعلى مصر صالح بن علي وعلى الشام عبد الله بن علي. ثـم هلـك خالـد بـن
إبراهيـم سنـة أربعيـن فولـى مكانـه عبـد الجبـار بـن عبـد الرحمـن فانتقض
لسنة من ولايته فبعث المنصور ابنه المهدي على خراسان وفي مقدمته خازم بن
خزيمة فظفر بعبد الجبـار. وتوفـي سليمـان عامـل البصـرة سنـة أربعيـن
فولـى مكانـه سفيـان بـن معاويـة ومـات موسى بن كعب بالسند وولى مكانه
ابنه عيينة فانتقض فبعث المنصور مكانه عمر بن حفص بن أبي صفـرة. وولـى
علـى مصـر فـي هـذه السنة حميد بن قحطبة وولى على الجزيرة والثغور
والعواصم أخاه العباس بن محمد وكان بها يزيد بن أسيد وعزل عمه إسماعيل عن
الموصل وولى مكانه مالك بن الهيثم الخزاعي. عـزل الهيثـم بـن معاويـة وولى على مكة والطائف مكانه
السري بن عبد اللـه بـن الحـارث بـن العبـاس نقلـه إليهـا مـن اليمامـة
وولـى مكانـه من اليمن قثم بن العباس بن عبد الله بـن العبـاس وعـزل حميـد
بـن قحطبـة عـن مصـر وولى مكانه نوفل بن الفرات. ثم عزله وولى مكانه
يزيـد بـن حاتـم بـن قبيصـة بـن المهلـب بـن أبـي صفـرة وولـى على المدينة
محمد بن خالد بن عبد الله القسري ثم اتهمه في أمر ابن أبي الحسن فعزله
وولى مكانه رباح بن عثمان المزني. ولما قتله أصحاب محمد المهدي ولى
مكانه عبد الله بن الربيع الحارثي. ولما قتل إبراهيم أخو المهدي سنة خمس
وأربعين ولى المنصور على البصرة سالم بن قتيبة الباهلـي وولـى علـى الموصل
ابنه جعفراً مكان مالك بن الهيثم وبعث معه بن عبد الله من أكابر قـواده
ثـم عـزل سالـم بـن قتيبـة عـن البصـرة سنـة سـت وأربعيـن وولـى مكانـه
محمـد بـن سليمان وعزل عبـد اللـه بـن الربيـع عـن المدينـة وولـى مكانـه
جعفـر بـن سليمان وعزل السري بن عبد الله عن مكة وولـى مكانـه عمـه عبـد
الصمـد بـن علي وولى سنة سبع وأربعين على الكوفة محمد بن سليمان مكـان
عيسـى بـن موسـى لمـا سخطـه لـه بسبب العهد وولى مكان محمد بن سليمان على
البصرة محمد بن السفاح فاستعفاه ورجع إلى بغداد فمات واستخلف بها عقبة بن
سالم فأقره وولى على المدينة جعفر بن سليمان وولى سنة ثمان وأربعين على
الموصل خالد بن برمك لإفساد الأكـراد فـي نواحيها وعزل سنة تسع وأربعين
عمه عبد الصمد عن مكة وولى مكانه محمد بن إبراهيم. عـزل جعفـر بـن سليمـان عـن المدينـة وولـى مكانـه
الحسـن بـن زيـد بـن الحسـن. عـزل عمـر بـن حفـص عـن السنـد وولى مكانه هشام بن عمرو
التغلبي وولى عمـر بـن حفـص علـى أفريقيـة. ثـم بعـث يزيـد بن حاتم من
مصر مدداً له وولى مكانه بمصر محمد بـن سعيـد. وفي هذه السنة قتل معن بن
زائدة بسجستان كما تقدم فقام بأمره يزيد ابن أخيه يزيـد فأقـره المنصـور
ثـم عزلـه. وفـي هـذه السنـة سـار عقبـة بـن سالـم مـن البصـرة واستخلـف
نافـع بن عقبة فغزا البحرين وقتل ابن حكيم العدوي واستقصره المنصور بإطلاق
أسراهم فعزله وولى جابـر بـن مومـة الكلابـي ثـم عزلـه وولـى مكانـه عبد
الملك بن ظبيان النميري ثم عزله وولى الهيثم بن معاوية العكي. وفيها ولى
على مكة والطائف محمد بن إبراهيم الإمام ثم عزله وولى مكانه إبراهيم ابن
أخيه يحيى بن محمد وولى على الموصل إسماعيل بن خالد بن عبد الله القسري.
ومات أسيد بن عبد الله أمير خراسان فولى مكانه حميـد بـن قحطبـة. توفـي عبيـد اللـه ابـن بنـت أبـي ليلـى قاضـي الكوفة
فاستقضى شريك بن عبد الله النخعي وكان على اليمن يزيد بن منصور. بـل أربـع وخمسيـن عـزل عـن الجزيـرة أخـاه العبـاس
وأغرمـه مـالاً وولى مكانه موسى بن كعب الخثعمي وكان سبب عزله شكاية يزيد
بن أسيد منه ولم يزل ساخطاً على العباس حتى غضب على عمه إسماعيل فشفع فيه
أخوته عمومة المنصور. فقال عيسى بن عيسـى: يـا أميـر المؤمنيـن شفعـوا
فـي أخيهـم وأنـت ساخـط علـى أخيـك العبـاس منـذ كـذا ولـم يكلمـك فيه أحد
منهم فرضي عنه. عـزل محمـد بـن سليمـان عن الكوفة وولى مكانه عمر بن
زهير الضبي أخا المسيب صاحب الشرطة وكان من أسباب عزله أنه حبس عبد الكريم
بن أبي العوجاء خال معن بن زائدة على الزندقة وكتب إليه أن يتبين أمره
فقتله قبل وصول الكتاب. فغضب عليـه المنصور وقال: لقد هممت أن أقيده
به وعزل عمه عيسى في أمره لأنه الذي كان أشار بولايتـه. وفيهـا عـزل
الحسـن بـن زيـد عـن المدينـة وولـى مكانـه عمـه عبـد الصمد بن علي وكان
على الأهواز وفارس عمارة بن حمزة. ولـى علـى البحريـن سعيـد بـن دعلـج صاحـب الشرطـة
بالبصرة فأنفذ إليها ابنـه تميمـاً ومـات سـوار بـن عبـد الله قاضي البصرة
فولى مكانه عبيد الله بن الحسن بن الحصين العنبـري. وعزل محمد بن الكاتب
عن مصر وولى مكانه مولاه مطراً وعزل هشام بن عمرو عن السنـد وولـى مكانـه
معبـد بـن الخليـل. عزل موسى بن كعب عن الموصل لشيء بلغه عنه فأمر ابنه
المهدي أن يسير إلى الرقة مورياً بزيارة القدس ويكفل طريقه على الموصل
فقبض عليه وكان المنصور قد ألزم خالد بن برمك ثلاثة آلاف ألف درهم وأجله
في إحضارهـا ثلاثـاً وإلا قتله فبعث ابنه يحيى إلى عمارة بن حمزة ومبارك
التركي وصالح صاحب المصلـى وغيرهـم مـن القـواد ليستقـرض منهـم قـال
يحيـى: فكلهـم بعث إلا أن منهم من منعني الدخول ومنهـم مـن يجيبنـي
بالـرد إلا عمـارة بـن حمـزة فإنـه أذن لـي ووجهـه إلـى الحائـط ولم يقبل
علي وسلمت فرد خفيفاً وسأل كيف خالد فعرفته واستقرضته فقال: إن أمكنني
شيء يأتيك فانصرفت عنه ثم أنفذ المال فجمعناه في يومين وتعذرت ثلثمائة
ألف. وورد على المنصور انتقاض الموصل والجزيـرة وانتشار الأكراد بها
وسخط موسى بن كعب فأشار عليه المسيب بن زهير بخالد بن برمـك فقـال: كيـف
يصلـح بعدمـا فعلنا. فقال أنا ضامنه فصفح له عما بقي عليه وعقد له على
الموصل ولابنه يحيى على أذربيجان. وسارا مع المهدي فعزل موسى بن كعب
وولاهما. قـال يحيـى: وبعثنـي خالـد إلـى عمـارة بقرضـه وكـان مائـة
ألـف فقـال لـي أكنـت لأبيـك صديقـاً قـم عنـي لا قمـت ولـم يـزل خالـد
علـى الموصـل إلـى وفـاة المنصـور. وفـي هـذه السنـة عـزل المنصـور
المسيـب بن زهيـر عـن شرطتـه وحبسـه مقيـداً لأنـه ضـرب أبـان بـن بشيـر
الكاتـب بالسياط حتى قتله وكان مع أخيـه عمـر بـن زهيـر بالكوفـة. وولـى
المنصـور علـى فـارس نصر بن حرب بن عبد الله. ثم على الشرطة ببغداد عمر
بن عبد الرحمن أخا عبد الجبار وعلى قضائها عبد الله بن محمد بن صفوان.
ثم شفع المهدي في المسيب وأعاده إلى شرطته. كان أمر الصوائف قد انقطع منذ سنة ثلاثين بما وقع من
الفتن فلما كانت سنة ثلاث وثلاثين أقبل قسطنطين ملك الروم إلى ملطية
ونواحيها فنـازل حصـن بلـخ واستنجـدوا أهـل ملطيـة فأمدوهم بثمانمائة
مقاتل فهزمهم الروم وحاصروا ملطية والجزيرة مفتوحـة وعاملهـا موسـى بـن
كعـب بخراسـان فسلمـوا البلـد علـى الأمـان لقسطنطيـن. ودخلوا إلى
الجزيرة وخرب الروم ملطية ثم ساروا إلى قاليقـلا ففتحوهـا. وفـي هـذه
السنـة سـار أبـو داود وخالـد بـن إبراهيـم إلـى الجتـن فدخلهـا فلم تمتنع
عليه وتحصن منه السبيل ملكهم وحاصره مدة ثم فرض الحصن ولحق بفرغانة. ثـم
دخلـوا بلـاد التـرك وانتهـوا إلـى بلـد الصيـن وفيهـا بعـث صالـح بـن
علـي بـن فلسطيـن سعيـد بـن عبد الله لغزو الصائفة وراء الدروب. غزا عبد الرحمن بن حبيب عامل أفريقية جزيـرة صقليـة
فغنـم وسبـى وظفـر بمـا لـم يظفـر بـه أحـد قبلـه. ثـم سفـل ولـاة
إفريقيـة بفتـن البربـر فأمن أهل صقلية وعمر الحصون والمعاقل وجعلوا
الأساطيل تطوف بصقليـة للحراسـة وربمـا صادفـوا تجـار المسلميـن فـي
البحـر فأخذوهـم. خـرج قسطنطين ملك الروم فأخذ ملطية عنوةً وهدم سورها
وعفا عن أهلها. فغزا العباس بن محمد الصائفة ومعه عماه صالح وعيسى وبنى
ما خربه الروم من سور ملطية أثناء ثورة الروم ورد إليها أهلها وأنزل بها
الجند ودخل دار الحرب من درب الحرث وتوغل في أرضهم ودخل جعفر بن حنظلة
البهراني من درب ملطية. كـان الفـداء بيـن المسلميـن والـروم فـي أسـرى قاليقـلا
وغيرهـم. ثـم غـزا بالصائفـة سنـة أربعيـن عبـد الوهـاب بـن إبراهيـم
الإمـام ومعـه الحسـن بـن قحطبـة وسار إليهم قسطنطين ملك الروم في مائة
ألف فبلغ جيحان وسمع كثرة المسلمين فأحجم عنهم ورجع ولم تكن بعدها صائفة
إلى سنـة سـت وأربعيـن لاشتغـال المنصـور بفتنـة بنـي حسـن. خـرج الترك والحدر من باب الأبواب وانتهوا إلى أرمينية
وقتلوا من أهلها جماعة ورجعوا. أغـار أسترخـان الخوارزمـي فـي جمـع مـن التـرك علـى
أرمينية فغنم وسبى ودخل تفليس فعاث فيها. وكان حرب بن عبد الله مقيماً
بالموصل في ألفين من الجند لمكان الخوارزمي بالجزيرة فأمره المنصور
بالمسير لحرب الترك مع جبريل بن يحيى فانهزموا وقتل حرب فـي كثيـر مـن
المسلميـن. وفيهـا غـزا بالصائفـة مالـك بـن عبـد اللـه الخثعمي من أهل
فلسطين ويقال له ملـك الصوائـف فغنـم غنائـم كثيرة وقسمها بدرب الحرث. غزا بالصائفة العباس بن محمد ومعه الحسن بـن قحطبـة
ومحمـد بـن الأشعـث فدخلـوا أرض الـروم وعاثـوا ورجعوا. ومات محمد بن
الأشعث في طريقه في سنة إحدى وخمسين وقتل أخوه محمد ولم يدر. ثـم غـزا
بالصائفـة سنـة أربـع وخمسيـن زفـر بـن عاصـم الهلالـي. بعدهـا طلـب ملك الروم الصلح على أن يؤدي الجزية وغزا
بالصائفة يزيد بن أسيد السلمي وغزا بها سنة ست وخمسين وغزا بالصائفة معيوب
بن يحيى من درب الحرث ولقي العدو فاقتتلوا ثم تحاجزوا. توفـي المنصـور منصرفـاً مـن الحج ببئر ميمون لست خلت من
ذي الحجة وكان قد أوصى المهدي عند وداعه فقال: لم أدع شيئاً إلا تقدمـت
إليـك فيـه وسأوصيـك بخصـال ومـا أظنـك تفعـل واحـدة منهـا وله سفط فيه
دفاتر علمه وعليه قفل لا يفتحه غيره. فقال المهدي: انظر إلى هذا السفط
فاحتفظ به فإن فيه علم آبائك ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة فإن
أحزنك أمر فانظر في الدفتر الكبير فإن أصبت فيـه مـا تريـد وإلا ففـي
الثانـي والثالث حتى تبلغ سبعة. فإن ثقل عليك فالكراسة الصغيرة فإنك
واجد ما تريد فيها وما أظنك تفعل. فانظر هذه المدينة وإياك أن تستبدل
بها غيرها وقد جمعت فيها من الأموال ما أنكر عليك الخـراج عشـر سنيـن
كفـاك لـأرزاق الجند والنفقات والذرية ومصلحة البيوت. فاحتفظ بها فإنك
لا تزال عزيزاً ما دام بيت مالك عامراً وما أظنك تفعل. وأوصيك بأهل بيتك
وأن تظهر كرامتهم وتحسن إليهم وتقدمهم وتوطىء الناس أعقابهم وتوليهم
المنابر فإن عزك عزهم وذكرهم لك وما أظنك تفعل. وأوصيـك بأهـل خراسـان
خيـراً فإنهـم أنصـارك وشيعتـك الذيـن بذلـوا أموالهـم ودماءهم في دولتك
وأن لا تخرج محبتك من قلوبهم وأن تحسن إليهـم وتتجـاوز عـن مسيئهـم
وتكافئهـم عمـا كـان منهـم وتخلـف مـن مات منهم في أهله وولده وما أظنك
تفعل. وإياك أن تبني مدينة الشرقيـة فإنـك لا تتـم بناءهـا وأظنـك
ستفعـل. وإيـاك أن تستعيـن برجـل مـن بنـي سليـم وأظنـك ستفعل. وإياك
أن تدخل النساء في أمرك وأظنك ستفعل. وقيل قال له إني ولدت في ذي الحجـة
ووليـت فـي ذي الحجـة وقـد يحـس فـي نفسـي أن أمـوت فـي ذي الحجـة فـي
هـذه السنـة وإنمـا حـد لـي الحـج علـى ذلـك. فاتـق اللـه فيمـا أعهـد
إليـك مـن أمـور المسلمين بعـدي يجعـل لـك فيما كربك وحزنك فرجاً ومخرجاً
ويرزقك السلامة وحسن العاقبة من حيث لا تحتسـب. يـا بنـي احفـظ محمـداً
صلـى اللـه عليـه وسلم في أمته يحفظك الله ويحفظ عليك أمورك وإيـاك والـدم
الحـرام فإنـه حـوب عنـد الله عظيم وعار في الدنيا لازم مقيم والزم الحدود
فإن فيها صلاحـك فـي الأجـل وصلاحـك فـي العاجـل ولا تعتـد فيها فتبور فإن
الله تعالى لو علم أن شيئاً أصلح منها لدينه وأزجر عن معاصيه لأمر به في
كتابه. واعلـم أن مـن شـدة غضـب اللـه لسلطانـه أمـر في كتابه بتضعيف
العذاب والعقاب على من سعى فـي الـأرض فسـاداً مـع مـا ادخـر لـه مـن
العـذاب الأليـم فقـال: "